انسحاب الليبرالية العربية من السياسة إلى الاقتصاد !

 عبد الإله بلقزيز  النهار

خرجت قوى الليبرالية السياسية العربية من السلطة في مصر وسوريا في سنوات الخمسينات. أخرجتها الانقلابات العسكرية ولم تُخرجها ثورات شعبية. غير أن بعض قواها بقي مسيطراً على السلطة في بلدين عربيين آخرين هما لبنان وتونس، مع شيء من المفارقة: ادّعاء التزام الليبرالية السياسية والدفاع عن سلطة هذه الليبرالية بالسلاح كما في حالة لبنان الحرب الاهلية للعام 1958 والحرب الاهلية الثانية للعام 1975 (حيث أشعلت سلطة كميل شمعون قتالاً أهلياً دار حولها: دفاعاً او هجوماً، وحيث أطلقت قوى "الجبهة اللبنانية" حرباً من أجل تعزيز نظام المارونية السياسية "الليبرالي")، أو كما في حالة تونس البورقيبية التي توسّل نظامها الليبرالي بالاوتوقراطية او الحكم الفردي طوال سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات لتحقيق هدف "الليبرالية السياسية"!

خارج الحالات العربية المشار اليها، لم تشهد البلاد العربية نظاماً سياسياً تسيطر فيه قوى ليبرالية الاّ ما كان من مشاركة محدودة لها في النظام التمثيلي (النيابي) أو في حكومات ائتلافية على نحو ما حصل في المغرب والاردن واليمن. لكن النخب العربية الحاكمة تبنّت أو على الاقل ادّعت أنها تبنّت سياسات ليبرالية في الميدان السياسي من نوع إقرار دساتير معروضة على استفتاء عام، وإقرار نظام التعددية الحزبية، وإجراء انتخابات نيابية، وتكريس حرية الصحافة والتعبير في حدّها الادنى. ومن النافل القول إن الفرق كبير بين نخب ليبرالية سياسية حاكمة ونخب غير ليبرالية تتبنى سياسات ليبرالية لدواعٍ موضوعية واضطرارية. وهو ما يلقي الضوء على محدودية تلك السياسات وعلى ما طبعها من تردّد وحيطة واحتراز!

وقد جرّبت النخب السياسية العربية الحاكمة، وغير الليبرالية، الايحاء بأنها نخب ليبرالية، وبأنها أتت السلطة تستنقذ ما يمكن من "مصير وطني" و"مستقبل ديموقراطي" بعد حقبة "ظلماء" من "الشمولية" السياسية التي قام عليها نظام حكم النخب الوطنية والقومية. واذا كان بعض تلك النخب خرج من رحم نظامها السياسي مرتدّاً عليه طبعاً - فإن بعضها الآخر كان في عداد مَن لم يتوقف عن معالنة الثورة عداء في مختلف سنوات حكمها، فاستثمر هزيمتها في حرب 1967، ورحيل رموزها من الدنيا، وخروج بقايا قواها من السلطة، للايحاء بأن عصرها أفل وأزف عصر "الانفتاح" و"الحرية" و"الديموقراطية"، وبأنها هي (أي النخب المناهضة للثورة) مَن سيدشن ذلك العصر: متناسية أنها خارجة من عصر ما قبل الثورة، بل ما قبل ليبرالية  ما بين الحربين، وأنها النخب التي ظلت دائماً تضيق ذرعاً بمعارضيها من الوطنيين والقوميين واليساريين وحتى الليبراليين ممن كانوا يرجمونها بكل مفردات النقد والتشهير فينعتونها باسم "النخب الرجعية" أو "التابعة" أو "الكومبرادورية" أو "القمعية" أو "القروسطية" وما في معنى ذلك.

حين يطالع المرء صورة تلك "الليبرالية" السياسية العربية الرسمية المطبّقة، محلّلاً مضمونها في ضوء قواعد النظام الليبرالي الحديث على نحو ما تجلّى في الديموقراطيات الغربية، لن يعتريه شك في أن الامر لا يتعلق بالليبرالية في النظام العربي، بل بأي شيء آخر غيرها، وأن هذه "الليبرالية" السياسية العربية لا تعدو أن تكون اسماً حركياً لسياسة تستعير عناوين الليبرالية لتضعها على نص سياسي كلاّني لم يُفسح مجالاً بعد لمفردات وخيارات المشاركة السياسية والتنمية الديموقراطية للنظام والمجال السياسي! إنها "ليبرالية" مفارقات لا يتحمّلها عقل.

توجد دساتير في معظم الدول العربية، لكن الوطن العربي لم يعرف بعد وعلى نحو صحيح حياة دستورية. فالدستور الموجود ممنوح من النخب الحاكمة ولم  تكتبه جمعية تأسيسية مُنتخبة. وهو لذلك السبب يأتي منسجماً مع مصالح مَن وضعوه ليعزّز سلطانهم ويكرّسه في فصوله وموادّه. أما الاستفتاء عليه، فأشبه ما يكون بفولكلور سياسي. ثم إنه لا يلبث بعد إقراره أن يصبح عُرضة للانتهاك اليومي على ما فيه من عاهات؛ فلا تكون له من وظيفة سوى تأثيث مشهد السلطة التقليدي بلوحات حداثية تقول زوراً إن الحياة السياسية في بلادنا محكومة بمرجعية دستورية لا بمزاج وأهواء مَن يتحكمون فيها.

وتوجد تعددية حزبية في أكثر من نصف الدول العربية، لكن بلادنا العربية لم تعرف بعد المعنى الحقيقي لتلك التعددية. ذلك أن قسماً كبيراً من الاحزاب، المسموح لها بالعمل السياسي، إما واجهات للسلطة وأدوات سياسية وانتخابية لها، وبعضها خرج الى الوجود من طريق الادارة ووزارات الداخلية، وإما "أحزاب" عصبوية تعبّر عن عشائر وقبائل وطوائف ومذاهب مشروعها هو نقض الدولة، وإما مجموعات مصالح تُنتج مقاولات سياسية للدفاع عن مقاولاتها التجاربة والاستثمارية. والنتيجة اخراج فسيفساء سياسية لا وظيفة لها سوى تزوير معنى الحزبية ومعنى التعددية، وإفساد الحياة السياسية، والتضييق على الاحزاب الحقيقية ذات التمثيل الاجتماعي الاصيل!

لم يعرف ثلثا الدول العربية "حياة انتخابية": محلية أو نيابية، لكنها انتخابات مطعون في صدقيتها ونزاهتها لأنها إما عرضة لتزوير فاضح يسرق ارادة الشعب المعبّر عنها في الاقتراع ويتلاعب بأصواته وولاءاته؛ وإما عُرضة للإفساد من قبل مافيات المال السياسي الذي يشتري ذمم الناخبين مستغلاً عوز الغالبية منهم؛ أو عرضة لمنافسات عصبوية متخلّفة طائفية ومذهبية وعشائرية لا تمت بصلة قرابة الى الحياة السياسية العصرية. أما الهدف، فتمييع الحياة التمثيلية والادعاء بوجود نظام نيابي في هذه البلدان!

ولا تتوقف سلسلة المفارقات هنا: ففيما يوجد دستور ممنوح، وتعددية شكلية، وانتخابات مطبوخة النتائج في مطابخ وزارات الداخلية، وحرية صحافة،  توجد معها جنباً الى جنب أحكام الطوارئ في بعض من البلدان، واعتقالات ومحاكمات وانتهاكات صارخة للحقوق المدنية والسياسية ولحقوق المرأة في الأعم الاغلب من تلك البلدان! فعن أية "ليبرالية" اذن يتحدثون؟!

"الليبرالية" الوحيدة التي تعرفها السياسات العربية الرسمية هي "الليبرالية الاقتصادية". وهذه نفسها، وإن كانت شكلية بسبب احتكار الثروة من قبل جماعات مصالح ضيقة من اهل السلطة او من المرتبطين بهم بعيداً عن معايير الشفافية وأخلاق المنافسة الحرة، والاستثمار في القطاع الطفيلي بهدف الربح السريع، وتصفية أي شكل من اشكال تدخّل الدولة لحماية حقوقها (بما في ذلك جباية حقوقها الضريبية ومعاقبة المتملصين من دفعها) ولحماية حقوق الفقراء وذوي الدخل المحدود بدعم قدرتهم الشرائية (دعم اسعار المواد الاساسية).

ومع سوء هذه "الليبرالية" الاقتصادية، وفقر مضمونها، وفداحة نتائجها، فإنها النظام الذي لا يمكن أن يقوم ويستمر ويستتب له أمر دون قيام رديف سياسي له هو: نظام الليبرالية السياسية أو قل النظام السياسي الديموقراطي. وما دامت هذه المفارقة قائمة، فلن يُكتب للمنطقة العربية مستقبل سياسي أو اقتصادي.

عبد الإله بلقزيز - الرباط