الحرية لميشال كيلو ورفاقه

بلال خبيز   النهار

 

ميشال كيلو مواطن سوري يعيش في دولة سيدة حرة مستقلة. اعتقلته السلطات السورية على خلفية توقيعه بياناً يطالب فيه مع آخرين، لبنانيين وسوريين، بتصحيح جذري للعلاقات اللبنانية السورية. ميشال كيلو المواطن في الدولة الحرة السيدة المستقلة، اعتقل بسبب رأي مستقل. مستقل عن رأي السلطة وتوجهها، في توتير العلاقات بين البلدين. فالسلطات لا ترى علاقات بين لبنان وسوريا غير تلك التي ارساها نظامها الامني يوم كان النظام الامني حاكماً في سوريا ولبنان.

ميشال كيلو يعتقل، ربما لانه تدخل في شؤون بلد آخر، وربما لأنه تدخل في شؤون بلده نفسه، وربما لأن البلد الذي ينتمي ميشال كيلو إليه، ويجهد من اجل عزته ومنعته كل جهده لا يتسع ولم يكن متسعاً اصلاً لمواطنيه. مواطن سوري في وقتٍ تطالب الإدارة السورية اللبنانيين بوقف الحملات ضدها. والحق، ان من شأن السوريين ان يكونوا ويتصرفوا ويسلكوا كسوريين، ومن شأن اللبنانيين ان يكونوا ويتصرفوا ويسلكوا كلبنانيين، لكن الحديث عن التضامن معه وإدانة عملية اعتقاله، ليس تدخلاً في الشؤون السورية الداخلية. لا تتصل الإدانة، على اي وجه من الوجوه، بمسائل تتعلق بالسيادة والاستقلال السوريين. ذلك ان الدول المستقلة والسيدة، تضطلع اولاً بوظيفة اساسية هي حق المواطنين في ابداء الرأي، وشرط المواطنة ان يكون للمواطنين رأي وقول وخطاب، وأن يطمئنوا إلى غدهم، ويعيشوا في ظل امان الدولة الوارف.

شرط المواطنة وشرط الدولة

شرط الدولة لتستحق ان تكون دولة، وهذا امر بات مفروغاً من صحته، ان تحمي مواطنيها من كل اعتداء. بل ان الدولة التي تنشئ الجيوش والقوى الامنية، وتنزع عن هؤلاء، فرادى، حقوقهم في التمتع بالإطمئنان إلى الغد، وبواجب الدولة حمايتهم من كل خطر، يجب عليها حكماً ان توكل إلى هؤلاء مهمة طرد الخوف والقلق عن كاهل المواطن، ودفعهما عنه بصدورهم. وشرط الدولة ان تتيح للمرء قول رأي في سلطاتها وفي سياساتها، وفي مستقبلها على وجه العموم. هذا من شروط الدولة الذي يجب ان تحوزه لتستقيم دولة وليست اقطاعية فرسان موروثة عن القرون الوسطى.

من حق ميشال كيلو ورفاقه ان يتمتعوا بكل ما تتيحه الدولة من امان واطمئنان للمستقبل، لأنه مواطن سوري. حمايته وحماية حقه في إبداء الرأي، تقع على عاتق الدولة وسلطاتها اولاً وأخيراً. لكن ميشال كيلو يعيش في بلد تنقلب فيه المقاييس، حيث من يفترض فيهم حماية المواطن وتجنيبه كل خطر هم مصدر الخطر الحقيقي عليه. لا يذكر الأحياء اليوم ان خطراً دهم المواطنين السوريين من خارج. لم تعتقلهم سلطات عدوة، ولم تهددهم عواصف ولا زلازل. فقط كان سلطان الدولة هو الذي يهددهم على الدوام. المواطنون السوريون، او لنقل من يطمحون للعيش في ظل مواطنة تحميها دولة سيدة حرة مستقلة، لا يعرفون الأمان. ادمنوا العيش في ظل هذا الخوف المقيم. عرفوا ان خصمهم هو الذي يفترض به ان يكون حكماً. وها هم يتصرفون على هذا الأساس. قد يخرج ميشال كيلو مثلما خرج غيره من قبل، لكنه بالهدوء نفسه الذي يستطيع ان يدّعيه مدير مصرف، سيعاود سيرته الاولى، ناشطاً وكاتباً وباحثاً في الشؤون السورية والعربية. سيخرج ميشال كيلو ويعود مثلما كان. قبله، خرج رياض الترك وياسين الحاج صالح ومحمد سيد رصاص وفرج بيرقدار، وآخرون لا تتسع لأسمائهم صفحات كاملة، وسيعاود سيرته من حيث قطعتها اجهزة الأمن. كما لو ان عارضاً صحياً ألمّ به فأقعده عن الكلام. كما لو ان السلطة نفسها لم تعد اكثر من عارض صحي يصيب مواطنيها. سيخرج ميشال كيلو، لأنه ليس الاول ولا الاخير الذي ألمّ به هذا العارض، وهو عارض مزمن والحق يقال.

ميشال كيلو يُجرّ إلى المعتقل لأنه رأى رأياً. للسلطات دائماً مبرراتها التي تسوقها لاعتقال الناس. للسلطات دائماً اسبابها التي تهددها على الدوام. كيف يستطيع المرء ان يعيش في ظل نظام، صفته منذ ولادته انه مهدد؟ يجور على الدنيا والجيران والأهل والمواطنين لأنه يعيش تحت وطأة التهديد. كيف يمكن نظاماً هذه صفته ان يحوز صفة سلطة الدولة حتى يكون التضامن مع ميشال كيلو تدخلاً في شؤون داخلية؟ نظام لم ينجح طوال عمره المديد في ان يديم في سوريا دولة او مشروع دولة.

كثيراً ما ردد الذين يشتغلون في السياسة بين البلدين الجارين، ان في لبنان مجتمعاً وفي سوريا دولة. في لبنان مجتمع ناشط وناهض ويعرف احياناً كيف يدافع عن حقوقه، لكن دولته دوماً مهتزة الاركان، وفي سوريا مجتمع تم إفراغ معظم مقوماته، لكن البلد لا يزال يتمتع بنعمة الدولة المستقرة. كثيرون من هؤلاء رأوا، تعسفاً، ان النظام الخائف والقابع تحت وطأة المؤامرات على الدوام هو نظام دولة. لأن الدولة في عرفهم تختصر قيمتها ووظيفتها بدرء الأخطار الخارجية السافرة. لكن هؤلاء لم يلاحظوا ان من صلب مهمات الدولة، ومن اسباب نجاحها او فشلها، ان تقاس في ارجائها مدى قدرتها على تحمّل تبعات حرية الرأي وقول الرأي المخالف. وان من اولى مهمات الدول وبعض ابرز شروطها، ان تدير معاصرة واتصالاً بالعالم والعصر يتيحان للمواطنين ان يكونوا قيد الزمن الراهن، لا ان تتصل مقاليد عيشهم اتصالاً وثيقاً بكل اسباب التخلف عن الركب التقني والعلمي والمادي، فضلاً عن الشؤون السياسية والثقافية في طبيعة الحال. وان سيادة الدول تنبع اولاً من قدرة الدولة على إدارة صراعاتها الداخلية بالحسنى وبأقل قدر من الخسائر والكوارث. لكن دولة لا تملك من اسباب المعاصرة السياسية إلا قرارات ادانة من مجلس الأمن، ولا تملك من اسباب اتصال مستوى معيشة مواطنيها بالعصر اكثر من فتات قليل يتغذى على عرق المواطنين وجهدهم، حريّ بمواطنيها ان يسألوا نظامها ما الذي بقي من فكرة الدولة الجامعة في ظل سلطانه.

لبنانيون إن حكوا...

في وسع اللبنانيين المتحمسين للصمود العجائبي السوري في وجه الجرافة الاميركية الزاحفة على المنطقة، ان يرددوا من دون كلل ان سوريا تتعرض للمؤامرات التي تستهدف استقرارها منذ ما يقارب القرن من الزمان. في وسعهم ان يرفعوا هذه الحجة عالياً. لكن المرء لا يني يسأل نفسه، عن اسباب استهداف هذا النظام دون غيره. وعن الأسباب التي تجعل نظاماً كهذا، كانت حجته على الدوام ان عاصمة الامويين هي قلب العروبة النابض، يصبح اليوم تابعاً لنظام شرق اوسطي، ولا يملك ان يغيّر في المعادلات المحلية شيئاً، ولا حتى في درء العواصف الخارجية. إلا إذا كان هؤلاء المتحمسون للصمود السوري يستعدون لإطلاق الحجة التي تقول ان الهدف الاميركي من وراء هذا الهجوم الكاسح على سوريا هو رميها في حضن ايران.

مثل هذا المنطق كثير وعميم في البلد وفي الجوار. ففي لبنان لم يجف بعد لعاب الذي قال ان مطالبة "حزب الله" بإعلان ترشيح الجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية اللبنانية تهدف في نهاية المطاف إلى حرق الرجل، بحجة انه مرشح الإرهاب. ليس اسهل على المتحمسين للصمود السوري من حجج كهذه. الحق انه تحت راية الصمود السوري في وجه الخطة الاميركية، يمكن تبرير اعتقال ميشال كيلو والالوف ممن هم مثله. فقد تم تبرير هجرة مئات الألوف من العمال السوريين للعمل في لبنان، في ظل شروط مجحفة لا تليق بأي بشري على الإطلاق، في وصفها من مقوّمات الأخوة المعقودة بين البلدين. لم يسأل سائل قط ما الذي يجعل مئات الالوف من العمال وارباب الأسر السورية يعيشون تحت هذا الخط من الفقر المدقع؟ ومن المسؤول عن حالهم التي آلوا إليها في عاصمة الأمويين وقلب العروبة النابض؟

انها الدولة. الدولة التي تحمي مواطنيها وتقيهم غائلة الجوع والعطش والموت والعداوات. جريمة ميشال كيلو انه حاول، اجتهد، وقد يكون اخطأ وقد يكون اصاب، في مد جسور جدية وذات معنى بين بلدين جارين. جريمته انه ممن يحاولون فك هذا الرباط المحكم العقد على عنق النظام السوري والشعب السوري والأرض السورية والمستقبل السوري. جريمته انه تدخل محاولاً التفكير في مستقبله ومستقبل اولاده في هذا البلد. وحيث ان قوة هذا النظام تتأتى من سعيه الحثيث في اكل ما تبقّى من بنية الدولة الجامعة في سوريا، فإن مثل هذه الجريمة تستحق مثل هذا العقاب. سوريا كلها في الأسر وميشال كيلو حر طليق.

... تشومسكي أيضاً

قبل ايام زارنا المفكر الأميركي اليساري نعوم تشومسكي، وذهب إلى معتقل الخيام مصحوباً بقادة "حزب الله" وجهاز امنه. دخل زنزانة وطلب منهم ان يقفلوا عليه فيها. ثوان معدودات، ثم خرج المفكر ليقول كلاماً كبيراً عن قسوة الأسر، وإن لثوان معدودات في زنزانة مغلقة، فكيف بمن أمضى فيها اكثر من 12 عاماً؟ تأسيساً على هذه الثواني المعدودات، وجد من حقه ان يدين الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل. وصفق له المثقفون والمتثاقفون واعضاء "حزب الله" ومناصروه. من سوء حظنا ان نعوم تشومسكي ليس من اعداء سوريا، ولن نستطيع ان نحظى بلفتة كريمة منه، في ان يدخل زنزانة سورية لثوان معدودات في البوريفاج ويخرج ليطلق تصريحاً نارياً ونصفق له. المفكر الاميركي يدين اميركا. نصفق له طويلاً. المفكر السوري يدين سوريا، نعتقله ونكمّ فمه. ذلك ان ما يحق للنظام السوري لا يحق لغيره من دون شك.

السيد تشومسكي يحق له التدخل في شؤوننا اللبنانية، فليس من عادة اللبنانيين ان يرفضوا تدخلاً في شؤونهم. كما ليس من عادتهم ان يتدخلوا في شؤون احد. لبنان، إذا كان السيد تشومسكي لا يعرف، وربما يجب تنبيهه إلى ذلك، ما دام اقرّ بأنه يمكنه ان يتعلم، وبأنه يستطيع ان يكون تلميذاً وليس كلي المعرفة وصائب الرأي على طول الخط، لبنان إذاً هو البلد الوحيد بين جيرانه، الذي لا يطمع في أرض أحد او يريد التدخل في شؤون احد. وربما يجب ان يعرف السيد تشومسكي ان اللبنانيين يحبون كثيراً امبرتو ايكو وبول اوستر وودي آلن، والاخيران مواطنان اميركيان ويهوديان ايضاً. ذلك ان هؤلاء جميعاً حين يلقون واحداً منا، يسألونه رأيه في اوضاع بلده، لأنه، اي هذا الواحد منا، يسألهم رأيهم في اوضاع بلدانهم. ونحن نود ان نسأل السيد تشومسكي عن رأيه في بلده، وكنا نود لو انه سألنا رأينا في اوضاع بلدنا بدلاً من قول الكلمة الفصل في ضرورة احتفاظ "حزب الله" بسلاحه، كما لو انه وارث نيكيتا خروتشيوف في القدرة والقوة والتسرع. ونحن أخيراً متيقنون ان السيد تشومسكي يحبنا. فهو لا يفوّت فرصة لإعلان ذلك، وكنا نود لو نستطيع ان نحبه كما نحب بول اوستر وودي آلن.

اخيراً، ما دام السيد تشومسكي تعلّم من قادة "حزب الله" الكثير، فلِمَ لا يسلّم كرسي جامعته لواحد من هؤلاء القادة، علهم ينجحون في إحداث تغيير ما على المستوى السياسي الاميركي حيث فشل هو.

في وسعه، ما دام يحبنا كثيراً، ان يعيش هنا في خراج بلدة شبعا، ويتعلم من مقاومتنا الكثير.