السجن والخطأ

الياس خوري  النهار

 

اعتقال الكاتب والمناضل الديموقراطي السوري ميشال كيلو، ليس محض خطأ تقني يرتكبه النظام السوري. انه تعبير عن ضيق السلطة بالسياسة، ورفضها وجود فكرة الرأي العام. فالخطيئة التي ارتكبها كيلو ورفاقه، اسمها اعلان دمشق - بيروت، وهو بيان وقّعه عشرات المثقفين السوريين واللبنانيين، مطالبين بإصلاح العلاقات اللبنانية - السورية، واخراجها من دائرة الهيمنة، ووضعها في اطار اخوي، ينهي بقايا الزمن المخابراتي الذي اوصل العلاقات بين البلدين الى الهاوية.

المبادرة الشجاعة التي قام بها المثقفون في البلدين، تواجَه بالقمع. "ربيع دمشق" صار مجرد ذكرى. التباسات الحوار اللبناني ادخلت لبنان وسوريا في نفق الوهم بإمكان استعادة زمن الهيمنة، وبعثت رسالة خاطئة الى النظام في دمشق مفادها أنه يستطيع استعادة المبادرة واعادة الزمن الى زنزانة رياض الترك، والى عصر الخوف المطلق.

العودة الى زمن الخوف، تمت في لبنان، واتخذت مسارات معقدة، قبل ان تصل الى اللحظة الراهنة. فبعد فشل الاغتيالات السياسية التي افتتحت مواجهة انتفاضة الاستقلال بدماء سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني، انتقل النظام السوري الى استثمار الأخطاء السياسية اللبنانية وتحويلها جسرا للعبور الى اعادة المسألة الى النقطة الصفر، وتصوير المعركة في لبنان وعليه، كأنها صراع داخلي لبناني تتقاطع فيه المستويات الوطنية والمطلبية والنقابية. هنا، اي في اللحظة السياسية التي اعقبت تراجع حمّى التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس الحريري، بدأت المواجهة السياسية، التي وصلت الى ذروتها يوم الثلثاء الماضي، حين اعلن مؤتمر الحوار الوطني فشله في حلّ المعضلة اللحودية، بعد نجاح القوى الحليفة لسوريا في تنظيم تظاهرة نقابية سياسية، مستغلةً خطايا الورقة الاقتصادية التي  اعدتها الحكومة، وراميةً قفاز التحدي في وجه استقلال لم ينجز بعد.

خطران يتقاطعان اليوم، خطر الاجهاز على الاستقلال اللبناني من جهة، وخطر وأد احتمالات التغيير الديموقراطي في سوريا، وهما وجهان لعملية سياسية وثقافية واحدة. من هنا، فإن الاخطاء التي ترتكبها قوى الرابع عشر من آذار في لبنان تنعكس في شكل مباشر على البلدين معاً.

السؤال الأول هو لماذا كانت هذه الورقة الإقتصادية العرجاء، ومن قال لدولة الرئيس ان الإصلاح الإقتصادي يبدأ بالتعاقد الوظيفي ويمرّ بقانون التقاعد الذي يسلب حقوق ما تبقّى من الطبقة الوسطى؟

صحيح ان الحكومة سارعت الى سحب المشروع من التداول، لكنها سمحت بتفكيك القاعدة الشعبية التي صنعت الرابع عشر من آذار. هل يُعقل، ولبنان وسط معركة وطنية كبرى، ان يتم اغتيال حقوق الناس الذين ملأوا ساحة الحرية وصنعوا الاستقلال؟! المسألة ليست مسألة توقيت فقط، اي ان نقول ان التوقيت كان خاطئاً، وانها مسألة تقنية، بل تتعلق بفهم "تيار المستقبل"، وهو القوة السياسية المهيمنة في تحالف الرابع عشر من آذار، لمعنى معركة الاستقلال، ومعنى التحالف الوطني العريض لهذه المعركة. الخطأ الاقتصادي ناجم عن خطأ استراتيجي يتعلق بفهم دلالات الاصطفاف الوطني الاستقلالي. اي ان الفهم الطائفي السائد للقوى الاستقلالية، في اعتبارها تمثل طوائف معينة، يهدد بإطاحة الاستقلال نفسه، ويسمح لقوى الهيمنة بشق الصفوف، عبر تقديم وعود وهمية لجنرال "التيار الوطني الحر"، كما يُخرج طائفة كاملة من المعركة، ويدعوها الى الالتفاف حول قضية حزبها الوحيد.

المعركة ليست طائفية، والا فإن لبنان سوف يخسر ما تمّ انجازه على طريق الاستقلال، والأفق الوطني مرتبط بنظرة جديدة الى حل المسألة الاجتماعية، تتجاوز الوصفات الجاهزة، وتسعى الى بناء افق جديد للشفافية والمحاسبة من جهة، والدفاع عن المكتسبات الاجتماعية وتطويرها، وهي مكتسبات حققتها عقود من النضالات النقابية والمطلبية، من جهة ثانية.

التوقف عند ثغرة الخطأ الاقتصادي الاجتماعي، يجب ان يدفع الى قراءة جديدة للمعركة، ويجب على الجميع ان يفهموا ان التحالف الوطني ليس من دون شروط، وان الحرص عليه ليس من مسؤولية الفقراء وحدهم.

ولأن الخطأ بالخطأ يذكر، يحق لنا لن نسأل عن معنى تكريم السيد جون بولتون، ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة. السيد بولتون هو احد اسوأ وجوه ادارة جورج بوش السيئة، وكاد تعيينه ان لا يمر في الكونغرس، بسبب صلافته واحتقاره للامم المتحدة ويمينيته المفرطة. ما الداعي الى تكريم شخص عرف بدفاعه المطلق عن العنصرية الاسرائيلية؟

هنا ايضا، يكشف التكريم الذي شاركت فيه بعض قوى الرابع عشر من آذار في واشنطن، ليس عن خطأ تقني فقط، بل عن خطأ استراتيجي. الولايات المتحدة ليست معنية باستقلال لبنان او بالديموقراطية الا في حدود مصالحها. وقد تقودها اوضاع المنطقة الى تغيير تحالفاتها في كل لحظة، وخصوصاً بعد فشلها الكارثي في العراق. استقلال لبنان لا ينجزه تقرير ميليس او موقف دولي، مهما يكن حجمه. انه مسألة، يجب على اللبنانيين النضال في سبيلها، ولن تتحقق الا من خلال افق وطني ديموقراطي لبناني جامع.

التكريم اللبناني للسيد بولتون، على هامشيته، يجب ان لا يكون مسألة هامشية، ومرة اخرى يجب ان يفهم الجميع ان الشعب اللبناني لم يوقّع شيكا على بياض، وان انتفاضة الاستقلال، استوحت اسمها من الانتفاضة الفلسطينية، ولن تغيّره. وفي هذا دلالات سياسية كبرى حول الموقف العربي للبنان، بل حول فهم قضية سلاح "حزب الله". فالقوى الديموقراطية، التي لعبت دورا مبادرا في انتفاضة الاستقلال، تعي دور لبنان في الصراع ضد الاحتلال الاسرائيلي، وتحمل رؤية استراتيجية لهذا الدور، تحرره من الوصاية السورية والايرانية، وتجعله في خدمة هدف اقامة دولة فلسطينية مستقلة، وطرد الاحتلال من فلسطين والجولان.

مسلسل الأخطاء الذي بدأ في الرابع عشر من آذار حين توقفت الانتفاضة في منتصفها، مراعاةً لاعتبارات طائفية، يجب ان يتوقف. على قوى الاستقلال ان تبادر الى مؤتمر وطني استقلالي يضع اسس بناء الدولة الديموقراطية، مركزا على فصل الدين عن الدولة، والا فإننا سنجد انفسنا امام نسخة جديدة من الهيمنة وفقدان الأمل.

اعتقال ميشال كيلو والمناضلين الديموقراطيين في سوريا، يدق ناقوس الخطر. الخطأ هنا يصير سجناً هناك، والسجن هناك يعيد انتاج وطن الخوف هنا.