العرب إلى أين؟

فؤاد زعيتر   السفير

 

لا يعترف النظام العربي الرسمي بمواطنين. يفترض انه يحكم في بلاد، رجالها عبيد ونساؤها سبايا. لذلك، يظل حق المواطنة مشروعا مؤجَّلا. ولذلك، يظل حق التعبير غرضا مشبوها. ولذلك، يظل حق المشاركة السياسية، وممارسة الديموقراطية <رجسا من عمل الشيطان>.
لكن النظام الرسمي العربي، ليس وحده المسؤول عن هذا الانحدار في الحياة السياسية العربية حدَّ الشلل. ثمة متواطئون آخرون. والمفارقة، أن المتواطئين على <تبرئة> الاستبداد العربي وإيجاد <الأسباب التخفيفية> له، كانوا دوما أُولى ضحايا هذا النظام، لكنهم كانوا دوما متواطئين على ديمومته. يصعب الدفاع عن نظام مارس هَوَس السلطة وهوس القتل. لكنه يصعب ايضا الدفاع عن معارضات هزيلة، ومريضة، ومتناحرة في ما بينها، حدَّ التواطؤ والشراكة (ربما من دون قصد)، في تأبيد <قَدَر> استبدادية النظام الرسمي العربي. وحين نقول <المعارضات>، نعني <المعارضات العلمانية> العربية، تحديدا، التي بشكل، او بآخر، وهي تعلن استقالتها من إمكانية إنتاج <وثيقة> سياسية وطنية حقيقية، تطرح من خلالها مشروعا متكاملا لإيلاد سلطة بديلة عن حكم العسكر، وعن حكم شريعة القبيلة والغابة، السائدين، فإنما كانت تعلن تواطؤها في المشاركة في اغتيال <الجنين الديموقراطيوالاعلان، بشكل موارب، عن عجزها، وترك الساحة السياسية <فريسة> لقوى دينية وإثنية، عنصرية، لجأت من أجل تعويض هشاشة مشروعها السياسي، الى إحياء <موروث> قديم، لم يصنع تقدما، بقدر ما زاد تجربتها هشاشة وتخلفا. ولم تكن الديموقراطية، ولا الاعتراف ب<الآخر> يوما، <ابنا> شرعيا من صلبه، حين تم إسقاطه <قَدَرا> وحيداً، باقياً، غير <قَدَر> النظام.
لم يكن الخيار الديني يوما هو الحل. تم استحضاره ب<البراشوت>، وإنزاله على لاوعي الشعوب العربية، وتقديسها الموروث الديني، وتخديرها به. ف<الإسلام السياسي>، الذي لم يستطع أصلاً ان <يرمّم> العلاقة الملتبسة والهشة والمتفككة، بين شِيَع المسلمين المتناحرة نفسها، ولا أن <يرسّم> حدود الاختلاف والاتفاق بينها، كيف به يكون <خيارا> جامعا للنهوض بمشروع بناء الدولة. لكن انكفاء القوى الأخرى، وتحديدا العلمانية، التي يجدر بها، او هكذا يُفترض، ان تشكل <خلاصا> من نظام قمعي دموي، يسحَلُ رعاياه و<يأكلهم>... هذا الانكفاء جعل <تجربة> <الإسلام السياسي> تبدو خيارا متقدما. إلا ان ما فعلته لم يكن اكثر من إحلالها تجربة نظام سيئة، مكان نظام أسوأ. كان الرهان، إذاً، على سيئ محل أسوأ. وكان القصد تخفيف الخسائر وليس إطفاءها. لكن <المرض> كان يمتد على مساحة جسد النظام كله. وحبوب المخدّر، التي تم من خلالها، الإيحاء بتسكين الوجع، أغوت النظام وأهله بمتعة الإدمان، ومتعة الغياب عن الوعي. وهي <ملهاة> تسللت الى لاوعي المخيلة السياسية العربية، مفترضة ان تجربة <الاسلام السياسي> يمكن ان تملأ الفراغ المتوارث، كالهزائم، في الحياة السياسية العربية.
ربما يمكن القول، من دون اي إحساس بذنب، ولا بتجنٍّ، ان ما ساعد على تعويم هذه التهويمات، هو عجز المعارضات العربية، غير الدينية، عن ان تملأ <وعاء> الحياة السياسية الفارغ. والتاريخ الحديث للحركات السياسية العربية، يشهد انه لم تُسجل على امتداد عمر هذه الحركات والأنظمة والتيارات القومية العربية، وصول أي منها الى مقاليد السلطة، من خلال <انقلاب> ديموقراطي. بل لطالما شكلت الانقلابات العسكرية، الدموية، وسيلتها، <اليتيمة>، والأثيرة، للانقضاض على السلطة. فكان مبررا، في ظل هذا <الخصاء> السياسي، ان تدغدغ تجربةُ <الاسلام السياسي>، الذي جاء على ظهر <الموروث> الديني، عواطفَ كثير من الشعوب العربية التي يئست من <التغيير> على ظهر الانقلابات العسكرية، التي شكلت إحدى سمات الأنظمة التي نهضت على أفكار قوموية، وكانت <ابناً شرعياً> لها.
???
كان على التحولات الديموقراطية، إذا ما حصلت، ان لا تُضعف المقاومة والممانعة العربيتين، بشقيهما العسكري والسياسي، كما بشقهما الثقافي، ضد التحدي الاسرائيلي. الا انه تم تكريس <المعادلة العكسية> في المخيلة الجمعية للأنظمة العربية، و<للمعارضات> العربية، على حد سواء.
لقد عمدت الانظمة، بشكل بهلواني، الى محاولة المساواة والمواءمة بين الديموقراطية والمشروع الغربي الاستعماري، حتى أضحت كل مطالبة بالديموقراطية تُرمى في خانة <الخيانة> و<التآمر> على مصالح الوطن العربي القومية والاستراتيجية.
وإذا كان صحيحا ان القمع والاستبداد السياسيين، اللذين مارسهما النظام الرسمي العربي، يولّدان قمعا واستبدادا مقابلين، مضادين (وقد حصل هذا لمعظم القوى السياسية العربية التي قاست وعانت من جراء قمع النظام واضطهاده لها، وعزلها، وأحيانا حظرها)، إلا انه يتم تسطيح الأمور كثيرا، وتبسيطها، اذا تم التغاضي عن <صبيانية> <المعارضات> العربية، وعدم بلوغها سن الرشد السياسي، في طريقة تعاطيها مع النظام، الى حد <التماهي> معه. فلم تكن أولويات الشرائح العظمى داخل المعارضات العربية تختلف جذريا عن أولويات النظم <الثورية> القائمة: الشعارات الفكرية والايديولوجية والعقائدية نفسها، <الأجندة> السياسية نفسها، الذهنية <الأحادية> الإلغائية نفسها، والطروحات المضادة للديموقراطية وللتعددية السياسية نفسها. وقد شكلت المعارضة والنظام القائم، معاً (وهذه مفارقة قد لا تجد شبها لها إلا في <النظام العربي>) <عرضين> لمسرحية هزلية واحدة. وهي حقيقة مؤلمة وساخرة في آن، ميزت السلوك السياسي العربي، ضمن نظامه السياسي <الرسمي>، كما ضمن معارضته <الشعبية>، طوال النصف الأخير من القرن العشرين. ولا تزال تبعث، مع حلول الألفية الجديدة، في جسد <النظام العربي> و<معارضته> الهشة، <إكسيرا> غريبا، يجدد صيغتها وسيرورتها الماضيتين.
(?) كاتب لبناني