العلاقة بين الاستبداد والفوضى

د. محمد السيد سعيد الاتحاد

 

بدلاً من أن يشهد منتدى دافوس في شرم الشيخ تعميداً لخطاب جديد له أفق إصلاحي, قام بتعميد خطاب التراجع عن الإصلاح السياسي. التبرير الأساسي للتراجع يكمن في بضع كلمات متسرعة عن تهديد الفوضى وعدم الشرعية للدول والمجتمعات العربية. وقد لا يكون من العجيب ألا يجد هذا الخطاب مراجعة حقيقية في مؤتمر دافوس, ربما لأن منتدى دافوس يقوم على أعناق رأس المال الكبير والشركات متعددة الجنسية التي تفضل الاستقرار كثيراً على الديمقراطية والحريات العامة في مختلف دول العالم الثالث. وربما يكون هناك سبب أعمق يتمثل في أن الافتراض القائل إن الاستبداد هو العلاج الحقيقي للفوضى وعدم الاستقرار يبدو مقبولاً وكأنه بديهة. وكان رواد الفكر العربي والاسلامي الحديث قد راهنوا بالفعل على ما أسماه السيد جمال الدين الأفغاني بـ"المستبد العادل", وركنوا إلى هذه المقولة لإنقاذ العالم الإسلامي من الوقوع أسير الاستعمار الأوروبي الحديث ومن التخلف والفقر اللذين انهار إليهما لقرون طويلة, وهو الرهان الذي فشل بانهيار حركة التنظيمات وانقلاب السلطان العثماني عبدالحميد في سبعينيات القرن التاسع عشر على الإصلاحيين. واضطر الجيل التالي من المفكرين العرب والمسلمين الكبار للوعي بهذا الدرس, فساهم عدد من أبرزهم وخاصة الإمام محمد عبده في الحركة الدستورية والديمقراطية, وقام بعضهم وخاصة الكواكبي بأعظم هجاء للاستبداد في الثقافة العربية. ومع ذلك تجدد الرهان على الاستبداد في عقد الستينيات من القرن العشرين. وعاشت النظم الاستبدادية العربية على محاولات مستميتة لتجديد هذا الرهان, اعتماداً على الحمولة الإيحائية للتعبيرات نفسها: أي قوة الخوف من الفوضى وافتراض أن الاستبداد هو الطريق السليم لوقف الفوضى وتحقيق التقدم.

نتحدث عن الحمولة الإيحائية لأننا نواجه خطاباً مفبركاً بكامله, ولا علاقة له بالواقع أو بالمنطق. ومن المؤسف دائماً أن يعتمد الخطاب الرسمي العربي على الإبهام والإيحاءات كبديل لتعريف المصطلحات والمعاني حتى يمكن مضاهاتها بالمؤشرات الملموسة للواقع. إذن لم يقدم القادة العرب تعريفاً للفوضى التي يخشونها, ولا حجة منطقية محددة عن الكيفية التي يتوقعون أن يعالج بها الاستبداد الفوضى التي يخشون الإصلاح بسببها.

وحيث إن هذا الخطاب يعتمد على الإيحاء بالمقصود, فالأرجح إيحائياً أن القادة العرب يقصدون معنى عدم الاستقرار أو بالتحديد مظاهر الاحتجاج السياسي عندما يقصدون الفوضى. هذا هو المعنى المرجح لأن النخبة السياسية المصرية الحاكمة قررت خلال الأسابيع القليلة الأخيرة العودة إلى مصادرة الحق في التظاهر السياسي, باعتباره نوعاً من الفوضى.

وقد يبدو هذا القول مفاجأة حقيقية ومنطقية بل واصطلاحية بالنسبة لأي شخص يعيش في مجتمع ديمقراطي. ولكن الأمر الذي يدهشنا بصورة أولية أشد هو افتراض أن لدينا مظاهرات وإضرابات وأنشطة احتجاجية أخرى أكثر مما لدى أية شعوب أو مجتمعات أخرى. وواقع الأمر هو العكس تماماً.

وتشهد بنوك المعلومات والكتيبات السنوية التي تتابع مختلف النشاطات السياسية والاجتماعية على المستوى العالمي أن الشعوب العربية من أقل شعوب العالم ميلاً للاحتجاج المنهجي. والمنطقة ككل وبرغم من عوامل عدم الاستقرار القوية فيها من أقل بلاد العالم لجوءاً للتظاهر السياسي والإضرابات والاعتصامات وغيرها من صور الاحتجاج والضغط الشعبي, أو ما يعتقد الحكام أنه "فوضى". ومن الطريف أن تمنع المظاهرات في مصر رغم أن هذه المظاهرات لم تكن كبيرة أو جماهيرية, وإنما كانت مظاهرات نخبة في بلد لم يشهد مظاهرات مهمة منذ نحو ثلاثين عاماً.

ولكن لماذا ينظر لهذه المنطقة إذن باعتبارها أكثر مناطق العالم ميلاً لعدم الاستقرار؟ الإجابة البسيطة والواضحة هي أن هذه المنطقة تنتقل مباشرة وغالباً بصورة مفاجئة من الركود السياسي التام على السطح إلى أعلى مستويات العنف مثل الحروب الأهلية والدولية والعنف الطائفي والديني والعرقي والسياسي, وخاصة في الدول التي تحكمها نظم استبدادية. إذ تبقى التوترات والتناقضات مكتومة لفترة طويلة ثم تنبثق مرة واحدة وتصل إلى أعلى المستويات دون أن تمر على التعبيرات الأبسط, مثل المظاهرات وغيرها. إن الاستبداد الذي يصادر على التعبيرات الاعتيادية والبسيطة للجدل الاجتماعي والسياسي الحر هو نفسه العلة وراء الانبثاقات المفاجئة لأسوأ مظاهر عدم الاستقرار.

والعكس، فالديمقراطية قد تسمح بالتعبير عن الأشكال الاعتيادية والبسيطة للتضاغط وللصراعات الاجتماعية والسياسية, ولكنها تتمتع بفرص أفضل في تمكين المجتمع من الوقاية من أسوأ أشكال العنف والفوضى. ذلك أن النظام الديمقراطي يسمح بتنمية منهجية لمهارات التفاوض للتوفيق بين مصالح ورؤى حقيقية متناقضة أو مختلفة ويعتبرها أو يعتبر أغلبها مشروعة, وهو ما يفتح الطريق أمام حلول سلمية ومنهجية, بينما يميل النظام الاستبدادي لحجب وإنكار مصالح ورؤى حقيقية ويجبر بعضها للتآمر أو اللجوء للعنف كطريق وحيد للتحقق. وبوجه عام يوسع النظام الديمقراطي الساحة السياسية وينشئ آليات معقولة للتوفيق بين المصالح وحل النزاعات المحتملة فيما بينها بصورة سلمية.

ويهمنا بصورة خاصة تلك النزاعات والقضايا التي قد لا تكون سياسية بالضرورة بالمعنى المباشر للكلمة. ونلاحظ هنا أن الاستبداد في بعض بلاد العالم قد قضى بالفعل على الفوضى وأحياناً على التخلف. وعلى سبيل المثال فإن دولاً مثل تشيلي وكوريا الجنوبية وسنغافورة حققت انطلاقاتها الاقتصادية والاجتماعية الأولى بقيادة نظم استبدادية. أما نظمنا الاستبدادية العربية فهي تتعايش مع الفوضى الحقيقية, فضلاً عن أنها لم تحقق شيئاً من هذا الانطلاق, بل العكس تماماً هو الصحيح. ذلك أن ما تعانى منه بلاد عربية كثيرة هو الاستبداد في السياسة والفوضى في كل ما يتعلق بالحياة العادية معاً. ويلاحظ أي زائر عابر بالعين المجردة مظاهر الفوضى السائدة في الحياة العادية مثل نظم المرور الفوضوية, ونظم البناء العشوائية. أما ما لا يلاحظه الزائر العابر فكثير, يبدأ من نظم تربية الأطفال, مروراً بالتعليم ووصولاً إلى إدارة الأمن. فالفوضى التي تضرب مؤسسات الدولة والمجتمع هائلة بكل مقياس, ولا تخفيها السطوح القاسية للاستبداد وغطرسة القوة.

هل يعكس هذا التزامل بين الفوضى والاستبداد سمة مميزة للعرب؟ إطلاقا, فهي موجودة ومشهودة في أفريقيا جنوب الصحراء وفي أميركا الوسطى وفي جنوب آسيا, أي أنها موجودة في نظم وثقافات فرعية كثيرة حول العالم. وما ينتجها هو أن الاستبداد يعيش ليس بفضل النظام ولكن بفضل الفوضى. وتحدد هذه المعادلة الفارق الأساسي بين الاستبداد في البلاد التي حققت الانطلاق الاقتصادي والتقدم الوظيفي وبين حالاتنا العربيات. ففي الحالة الأولى كان الاستبداد ضروريا -من وجهة نظر مدرسة فكرية ومصالح اجتماعية معينة- لبناء نظم فعالة. أما عندنا فإن الاستبداد يقوم ويعيش على إهدار معنى القانون والتنازل عن المتطلبات الضرورية لبناء أو الحفاظ على نظم عمل وظيفية فعالة أي إشاعة الفوضى- من أجل الحصول على مزايا خاصة خارج إطار القانون.