النظام السياسي العربي: أزمة نمو أم أزمة بنيوية؟

د. طيب تيزيني: الإتحاد الإماراتية 23/5/2006

قد لا يكفي الإقرار بأن النظام السياسي العربي، -في جلّ مظاهره- يعيش حالة من الاضطراب، الذي يمكن أن يأتي عليه عمقاً وسطحاً. ولعل أحد أهمّ مواضع هذا الاضطراب يتمثل في الفوضى، التي تجتاحه على صعيد القدرة على قراءة العصر الراهن، وخصوصاً فيما يتعلق بالعالم العربي وموقعه من ذلك ومستقبله القريب، ناهيك عن البعيد. ونرى أن مفهوم "الأزمة" يمكن أن يساعد في إجراء مقاربة لهذه المسألة على نحوٍ قد يفتح آفاقاً مناسبة لضبطها واكتشاف مساراتها واحتمالاتها. وفي سبيل إيضاح ذلك، نتناول مثالاً مستمداً من الأحداث المتلاحقة خصوصاً في مصر وسوريا. ففي هذين البلدين تُسجّل حالة من النمو في الفكر السياسي والحياة السياسية في أوساط كثيرة من القضائيين والأساتذة والمعلمين والناشطين في أحزاب سياسية وفي منظمات لحقوق الإنسان وغيرها. وهذا أمر ذو أهمية خاصة بالنسبة إلى البلدين المذكورين، اللذين يعيشان منذ عدة عقود ضمن نظام سياسي يقوم عملياً على الحزب الواحد والأداء الواحد والإيديولوجيا الواحدة.
وفي مواجهة حالة النمو المذكورة في البلدين المشار إليهما، راحت جموع من الصحفيين والكتاب والمرجعيات المنطلقة من سقف النظام السياسي، تعلن أن أية وجهة نظر تطرح نفسها من موقع الخلاف والاختلاف مع هذا النظام، إنما هي تعبير عن طفولية رعناء أو عن رهان على قوى خفية في الداخل أو في الخارج، وتسعى -من ثم- إلى الوقوف في وجه المعركة مع "الأعداء الخارجيين وامتداداتهم في الداخل". ففي مواجهة حركة الاحتجاج المتصاعدة على تدخل السلطة التنفيذية في القضاء وشؤون القضاة والمحامين في مصر، تلجأ هذه السلطة إلى أساليب مضادة، فتعتقل المحتجين وتسيء إليهم إنسانياً ووطنياً.
وعلى صعيد الفكر السياسي والحركة السياسية في سوريا، تعتقد أوساط هناك أن الاستحقاق المركزي الأوّلي المهيمن إنما يتمثل في مواجهة "الضغوط الخارجية"، بمعزل عن الإجابة على مشكلات الداخل السوري المتمثل في استحقاقات الإصلاح الوطني الديمقراطي. إن استراتيجية العمل السياسي السوري الرسمي ما زالت تتحرك في حقل المقولة، التي لم تدلّل على خطئها فحسب، بل كذلك أفصحت بتصاعد عن خطورتها النظرية والسياسية، وهي مقولة: لا صوت يعلو على صوت المعركة.
لكن الذي اتضح، في ضوء ما حدث على صعيد الواقع العربي، والسوري من ضمنه، هو أنه بقدر ما "أُرجئت" المعارك مع الفساد والدمار والحطام العربي الداخلي بحجة التنبّه إلى الأعداء المذكورين، فإن هؤلاء الأعداء تعملقوا أكثر، وتعملق معهم النظام الأمني في الداخل. والجديد الطريف على الصعيد الراهن يتمثل في القول إن من ينتقد النظام السياسي العربي (في سوريا ومصر)، هو بمثابة من يضع العِصيّ أمام عجلة "التقدم" في حلّ المعضلات المعلقة أولاً، وفي القول إن الشأن "العام" هو شأن "خاص"، خاصٌ بالسلطة التنفيذية أو غيرها وحدها.
وإذا اعتبرنا أن المنظومة الإيديولوجية السياسية للسلطة ترى أن الأزمة التي تحاصر بلديها المذكورين هي "أزمة نموّ وتهدئة" وليست "أزمة بنيوية" تهز أركانهما سياسة واقتصاداً وقضاءً ومرجعية أخلاقية وطنية، فإن التساؤل التالي المركّب، والمُفعم أسىً ومرارة واستفزازاً، يواجهنا الآن، في مرحلة الانكسار العربي المشين: ألم يتضح بعد أن الإقرار بـ"الرأى الآخر" لم يعد مبدأ أخلاقياً وسياسياً فحسب، وإنما يكاد يكون قد تماهى وتطابق مع الإقرار بحق الحياة للآخر؟ ثم، إذا اختلف فريق أو آخر مع "أصحاب القرار" على حلّ مسألة أخرى، مثل دارفور ولبنان والعراق، وعبّر هذا الفريق عن رأيه ضمن الحقوق المتاحة ومنها الكتابة، هل يلجأ هؤلاء (أصحاب القرار) إلى المدفع والسجن وما يدخل في هذا الحقل، أم يلجأون -بمقتضيات الدستور والشفافية الأخلاقية- إلى الحوار على صفحات الإعلام؟
لقد أصبح عيباً وعاراً شائناً، أن يخترق أصحاب القرار في النظام السياسي العربي الحقوق الدنيا، التي يمتلكها من لا قرار بيده، وهذا بالذات، يعيد طرح السؤال الوارد في عنوان هذه الكلمات: هل هذا من قبيل أزمة نموّ أم من قبيل أزمة بنيوية تستدعي القيام بجهود الجميع لمواجهتها؟ وهل يغيب عن الذهن المثل الشهير: الرّطل من المشكلات يحتاج إلى رطلين من الحلول!