المرأة السورية.... نظرة عامة وسريعة

بشار خضر : نساء سورية 18/5/2006

تعتبر قضية المرأة من القضايا الجوهرية التي ما زالت تشكل، كقضية أولوية، موضوعاً هاماً لدى صياغة الدساتير والقوانين لدى مختلف البلدان، ومما يزيد في أهمية هذه القضية لدى المجتمعات العربية، هو خصوصية هذه المجتمعات دينياً وثقافياً في نظرتها للمرأة، حيث لا يزال الموروث الاجتماعي والفكري الواسع الطيف وبمختلف تجلياته, لا يعترف بالمرأة إنسانة كاملة ولا بدورها الفعال في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. وحتى لو كانت القوانين في هذه المجتمعات (على اختلاف تطورها ومرونتها) تساوي بين الرجل والمرأة، إلا أن الحياة اليومية انطلاقاً من المنزل وحتى مواقع صنع القرار تحمل في طياتها، النظرة الموروثة الدونية، والكائن غير الموثوق به، تجاه المرأة. هذا من جانب، والجانب الآخر الذي يعزز هذه النظرة (وهو جانب نسبي بالطبع) هو المرأة ذاتها، بما تحمل في داخلها من شعور بالضعف, والدونية، وعدم الثقة بنفسها، وعدم مبادرتها الحقيقية في الدفاع عن حريتها وحقوقها.
كل هذه العوامل وما تحمله في طياتها من تفاصيل، شكلت سبباً هاماً من ضمن الأسباب الأخرى التي أعاقت انطلاقة المرأة وأخذها موقعها الحقيقي في بناء المجتمعات العربية. وقضية المرأة شأنها شأن مختلف أشكال الصراع الإنساني، مرت بمراحل طويلة من النضال والصراع الحقيقي واستطاعت المرأة تحقيق الكثير من المكاسب الجدية والهامة، وإن كانت اللوحة العامة لوضع المرأة العربية تتسم بالسواد والظلم، إلا أن هناك الكثير من النقاط المضيئة والهامة والتي لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، نقاط هي انجازات حققها ذلك النضال الطويل للمرأة العربية، ولم تكن المرأة السورية خارج هذا الصراع فقد أثبتت حضورها ودفاعها عن حقوقها عبر مراحل مختلفة، ومنذ النضال ضد الاحتلال العثماني ورغم الظروف الاجتماعية القاسية جداً، شهدت دمشق أول مظاهرة نسائية ضد الوالي العثماني عام (1872). واستمر هذا النضال ضد الاستعمار الفرنسي حتى الاستقلال. كما أسست عادلة الجزائري أول جمعية سورية للدفاع عن حقوق المرأة، وتتابع بعدها الكثير من الجمعيات وتم تأسيس الكثير من الدوريات والمجلات.... الخ المهتمة بأوضاع المرأة والساعية لتحرير المرأة من مختلف أشكال الظلم والاستغلال. ولو تأملنا الدستور الحالي لوجدنا تأكيداً لتلك الانتصارات التي حققتها المرأة، فقد أكد في المادة (45) على: - تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وتعمل الدولة على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع.
ومن أبرز الحقوق التي نالتها المرأة السورية:
- حق تقلد المناصب العليا ومباشرة الوظائف العامة.
- حق الاقتراع والانتخاب والترشيح إلى الهيئات النيابية والمنتخبة.
- حق التعليم بما في ذلك الالتحاق بالمؤسسات التعليمية بجميع أنواعها ومستوياتها.
- حق الأجر المتساوي في العمل المتساوي.
وبذلك أخذ الدستور بفكرة المساواة في العمل والفرص والتعليم والانتخاب والترشيح، ولم يرد أي نص يحتكر منصب معين للذكور باستثناء منصب رئيس الجمهورية.
لقد حصلت المرأة السورية قبل معظم النساء العربيات ونساء العالم الثالث على حق الاقتراع والترشيح لمجلس الشعب ومجالس الإدارة المحلية دون قيد أو شرط. وقد بلغت نسبة النساء في المجلس (12 %) وهي نسبة قياسية في الوطن العربي حيث تشير النسب الإجمالية لتمثيل المرأة في البرلمانات العربية إلى نسبة (3.4 %).
كما أتاحت معظم القوانين السورية المجال للمرأة لممارسة مختلف المهام والوظائف، فلا توجد أي عقبة أمام انخراط المرأة في أي مجال سواء كان عمل حزبي أو نقابي وبغض النظر عن انتمائها الفكري أو الديني أو الحزبي، وبذلك أصبحت المرأة عضو في اللجنة المركزية لحزب البعث ووصلت لمراكز وظيفية عليا سواء كانت وزيرة أو نائب عام أو قاضي أو دخولها في السلك العسكري وقوى الأمن الداخلي. (في سوريا أكثر من 100 قاضية والمئات من المساعدات العدليات، والمئات من المحاميات).
وقد نص القانون المدني (م 46) على منح المرأة الأهلية الكاملة عند بلوغها سن الرشد وهو 18 عام ، كما منحها اسماً ولقباً مستقلاً عن لقب زوجها (م 40) ومنحها ذمة مالية مستقلة وسمح لها بمزاولة التجارة بأموالها دون الحاجة لإذن من زوجها أو وليها إذا بلغت سن الرشد (م 15 من قانون التجارة).
وجاء قانون العقوبات في بعض نصوصه ليسبغ على المرأة حماية كاملة في حالات الاعتداء سواء لجهة العنف الجسدي أو لجهة الاعتداء الجنسي المترافق مع العنف، كما عاقب على الإجهاض القصدي دون رضاء المرأة. رغم وجود بعض المواد الأخرى التي تقوم على تمييز كامل ضد المرأة كالمادة 548 مثلاً.
أما قانون العمل فقد جاء مساوياً المرأة العاملة في كل أحكامه الرجل العامل من حيث الحقوق والواجبات، وراعى خصوصية وضع المرأة في فتر الحمل والإرضاع.
ومن ناحية التعليم فقد ساهمت حملات محو الأمية، وازدياد عدد المدارس، وفرض التعليم الإلزامي تحت طائلة معاقبة الأهل الذين يمتنعون عن إرسال بناتهم للمدارس، في التقليص بدرجة مقبولة من انتشار الأمية، كما ارتفعت بشكل ملحوظ نسبة الخريجات سواء من الدراسات العليا أو الجامعات أو المعاهد.
إن هذه النظرة السريعة جداً على بعض جوانب واقع المرأة السورية لا يخفي الجوانب السلبية في هذا الواقع، بل يضعنا أمام المزيد من العمل والمتابعة للتغيير نحو الأفضل، وإن كانت النظرة الموضوعية والأمانة الأدبية وقبول واحترام الآخر، تفرض علينا رؤية واقع المرأة بكافة جوانبه السلبية والإيجابية، وعدم التعصب أو التحيز لأية أراء مسبقة، فقد فرضت علينا هذه الرؤية أن نرى مختلف المكاسب التي حققتها المرأة السورية، هذه المكاسب التي أصبحت حقيقة قانونية موجودة في الدستور وفي بعض القوانين، وإن كان وجودها الواقعي وامكانية تنفيذها تصطدم بالكثير من المعوقات بحيث تجعل من معظمها (وليس جميعها) حقيقة قانونية فقط، ولعل أبرز هذه المعوقات هو غياب الانسجام الحقيقي بين الدستور وبين مختلف التشريعات التي تعالج مختلف أوضاع المرأة، وهذا يعود لأسباب عديدة، قد يكون أهمها كما ذكرنا سابقاً، سيطرة موروث اجتماعي وديني، جعل من الصعوبة بمكان قدرة المشرع على صياغة تشريعات وقوانين أكثر انسجاماً مع الدستور ومع متطلبات واقع المرأة الحالي.
وعلى سبيل الذكر فإن توقيع سوريا على اتفاقية (السيداو) الخاصة بإلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة عام 2002 جاء توقيعاً يخالف مقدمة هذه الاتفاقية التي أكدت على أن الدول الموقعة ليست ملزمة فقط بشجب كل أشكال التمييز ضد المرأة، وإنما ملزمة أيضاً باتخاذ كافة الإجراءات الممكنة والمختلفة للقضاء على هذا التمييز، وجاءت هذه المخالفة عندما أبدت سوريا تحفظها على عدد من البنود الواردة في هذه الاتفاقية وهي المادة 2 و(المادة 9 فقرة 2) المتعلقة بحق منح الأطفال جنسية المرأة، (والمادة 15 فقرة 4) المتعلقة بحرية التنقل والسكن، (والمادة 16) المتعلقة بالمساواة في الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه فيما يخص الولاية والنسب والتبني والنفقة (والمادة 29) المتعلقة بالتحكيم بين الدول في حال حصول نزاع بينهما.
فقد جاءت هذه التحفظات ضربة مؤلمة للمرأة السورية، فقد ضاعفت الأذى اللاحق بالمرأة والموجود في بعض التشريعات كالأحوال الشخصية والجنسية والعقوبات، كما أنها قيدت التطبيق الحقيقي لأي تشريع لصالح المرأة بحيث أضحت حرية المرأة ومساواتها مع الرجل صورية، وأصبح هذا التشريع حبرا على ورق (وحقيقة قانونية فقط) وبالتالي ظهرت اللوحة العامة للقوانين السورية مثيرة للجدل والحيرة من تناقضاتها بخصوص موضوع المرأة ، فكيف يضمن الدستور والقوانين حرية المرأة ويعطيها الفرص المكافئة للرجل في مختلف مناح الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعمل والتعليم، بينما المعني الأساسي بهذه الفرص مقيد من الناحية الشخصية بأدق تفاصيل حياته الإنسانية من حيث التنقل والإقامة والأمومة ومرهون بموافقة ولي الأمر وبالتهديد بالطلاق والحرمان من الأولاد!
إنها لكوميديا سوداء مثيرة للتأمل (أن القانون السوري سمح للمرأة أن تكون قاضية كما نص القانون على أن القاضي هو ولي كل من لا ولياً له، وبموجبه فإن المرأة القاضية هي ولية لكل من لا ولي له بموجب القانون، ولكن هذه (المرأة/ القاضية/ الولية) لا تملك ولاية أمر نفسها ولا يحق لها الوصاية على أولادها، بموجب قانون الأحوال الشخصية.