ليس من الحكمة يا أبناء بلدي الحاكمين!

منذربدر حلوم   السفير

 

ماذا يعني أن يُعتقل ناشطو المجتمع السوري وأصحاب الرأي في حاله وحال دولته؟ وما هي الرسالة التي يراد، من خلال اعتقالهم إيصالها، ولمن؟ يعلم الجميع في سوريا وخارجها أنّ أيّا من معتقلي الرأي عموما ومعتقلي اعلان دمشق بيروت خصوصا، لا يشكّل خطرا على النظام ولا يهدد أمنه ناهيك بأمن الوطن، وأنّ أيا منهم لا يدعو إلى العنف أسلوبا لحل أي قضية مختلف عليها مع النظام. والمؤسسة الأمنية السورية أكثر معرفة بذلك من أي جهة أخرى. فلماذا، إذاً، الاعتقال؟
هل يأتي الاعتقال لتثبيت هوية الدولة الأمنية، التي هي كمثل الفأر بحاجة إلى ما (أو من) تقرضه طوال الوقت، ما دامت حيّة؟ ولا أهمية، هنا، للفرق بين العاقل وغير العاقل، فالعقل هو شيخ المستهدفين باعتقالٍ يطاول الناس على آراء يدلون بها؛ أم هل يأتي الاعتقال لتأكيد الطاعة والخضوع الكلي، الطاعة المؤسِّسة لاحتكار السياسة في سوريا وتقرير مستقبلها ومصير (مواطنيها)؟ ألا تخشى المؤسسة الأمنية على صورة النظام الذي ترعاه؟ أليس كل نظام يقوم على تخويف الناس وإرهابهم نظاما مكروها، كما ان كل فعل يحرم الناس حقّهم بالتفكير الحر والتعبير العلني عن أفكارهم فعل مستبد؟ ولمصلحة من تصريف جميع أزمات النظام على حساب حقوق المواطن؟ أم هل يأتي الاعتقال لرسم حدود الممكن في الأفق السوري، كما يراه مهندسو النظام الأمنيون؟
قبل الإجابة عن السؤال الأخير المفصلي، لا بد من تعيين الممكن المرسومة حدوده باعتقال أصحاب الرأي. فأولا، هو ممكن وحيد، من حيث هو ينبني على إلغاء عقلي ونفسي وجسدي وثقافي لكل ما يخالفه، أي لكل شيء سوى ذاته؛ هو ممكن وحيد يرتسم في عيون صانعيه بما لا يسمح لأن يكون هناك محلّ لرأي آخر يفضي إلى سواه. وبالتالي، فمن حيث هو كذلك، هو، ثانيا، ممكن ألا يرى النظام نفسه فيه على أدنى تفارق مع حاضره وماضيه. وهنا تجد مهندسي النظام على درجة من الإدراك تستحق الثناء، إدراك أنّ النظام وأزماته كلّ لا يتجزّأ، فأزماته من طبيعة مصالحه. ولذلك اصطدمتْ بممانعة عُنفية جميعُ أشكال الفعل الثقافي والسياسي (المعارض) التي تبيّن، أرادت ذلك أم لا، أنّها كانت تشتغل على أزمات النظام وعلى إيجاد مخارج له نحو مستقبلٍ يكون فيه فاعلا مع غيره من أصحاب الحق في الفعل السياسي على الساحة السورية. وهكذا، فإعراض النظام عن محاولات إنقاذه لم يكُ نوعا من الاستعلاء والتكبّر الفارغ، ومن السذاجة تفسير ممانعته بعمائه عن مصلحته بمستقبل آخر. فالنظام بسبب من بنيته وطبيعة العلاقات والمصالح التي يقوم عليها وبها ومن أجلها يجد نفسه ممكنا فقط في هكذا بنية. ولذلك فهو يقضي، من دون رحمة، على فكرة كل بنية أخرى ممكنة ويلغي أسباب تحققها في الواقع. وما اعتقال معتنقي أفكار مغايرة، أو من يرون إلى بنيات أخرى، إلا من طبيعة ذلك. ولكن، من يستطيع أن يضمن تحقق هذا الممكن الوحيد؟ وهل حقا يمكن إلغاء كل الممكنات الأخرى لمصلحة تحققه؟
يبدو أنّ حكماء بلدي يفوتهم هنا أمر بالغ الأهمية، أم ثمّة من يريد ذلك الأمر حقا فيكون أسوأ الممكنات! الحديث يدور، هنا، عن العبرة التي لا تكون دائما كما يراد لها أن تكون ولا تفضي بالضرورة إلى النتائج المتوخاة فقط. فثمة منطقة لا تُقبل فيها الأمور على علاّتها، وهي المنطقة التي يتم اللعب فيها اليوم. قد يستخلص جزءٌ مهمٌّ من المجتمع السوري العبرة المنشودة من الاعتقالات، وقد يجد فيها عزاءً وركيزةً نفسية تُسوّغ خنوعه، وقد يستخلص هذه العبرة معظم الناشطين المشمولين بالعيون والأدوات الأمنية فينكفئ بعضهم ويتقوقع بعضهم الآخر ويغترب أو يرحل بعضهم الثالث. ولكنّ درس الشام يحتمل قراءة أخرى: فإذا كان التعبير عن الرأي بالقول ممنوعا، فقد تجد غدا من يبحث عن طريقة أخرى للتعبير عنه؛ وإذا كان الفعل السلمي ممنوعا فقد تجد غدا من يبحث عن فعل من طبيعة أخرى؛ وإذا كان تصريف الطاقات إبداعيا وبما يخدم البناء محاصرا بألفِ ممنوعٍ أمني فقد تجد غدا من يبحث عن تصريفها بطرائق تخدم الهدم؛ وإذا كانت صمّامات التنفيس جميعها مغلقة أمام الشحنة السلبية المتراكمة عبر أشكال القمع المختلفة، فلا أحزاب ولا جمعيات ولا منتديات ولا مظاهرات ولا منابر حتى للصراخ، فقد يحصل انفجار غدا ينفث المجتمع من خلاله طاقته السلبية؛ وإذا كان قتال إسرائيل ممنوعا، أو غير ممكن، فلا جبهات مفتوحة معها أمام المواطن السوري لتصريف طاقة العنف إيجابيا بما يخدم هدف التحرير فقد تجد من يبني على الرغبةِ في حمل السلاح وإطلاق النار مستقبلا لسوريا لا اخال وطنيا يريده.
وهكذا، فليس من الحكمة يا أبناء بلدي الحاكمين حصر الناس في الزاوية، فالإنسان إمّا يموت أو يتحوّل إلى وحش حين تغلق المنافذ أمامه، وأن تحاصر وحشا في زاوية يعني أن تصبح أنت الباب الوحيد؛ وليس من الحكمة يا أبناء بلدي الحاكمين إيصال الناس إلى عتبة لا يخشون بعدها شيئا. فالإنسان عندما لا يبقى لديه ما يفقده أو عندما لا يجد في الأفق ما هو أسوأ مما هو قائم يصعب تخويفه ويستحيل ضبطه. التاريخ يقول بذلك يا أبناء بلدي وليس البيولوجيا، وليس من الحكمة إغماض العين عمّا يقول به التاريخ. سوريا لنا جميعا، وليس من حقّنا فقط، كمواطنين، بل من واجبنا أن نفكّر بجميع قضاياها، جميعها من دون استثناء، بصوت مسموع، وليس من الوطنية أن يحول أحد بيننا وبين تحقيق هذا الواجب. وأمّا هذه ال(نا) فتعود إلى جميع السوريين، على اختلاف معتقداتهم الدينية والسياسية، الذين يرون فاعليتهم في فعل سياسي سلمي، ومعتقلو الرأي جميعهم كذلك. فليُطلَق سراحهم من دون تأخير!
(?) كاتب سوري