الاستبداد السوري بوصفه استراتيجية بقاء وسيرورة حفظ نوع

صبحي حديدي   القدس العربي

  

 


الأسماء تتوالي يوماً بعد يوم: كمال اللبواني، محمد الغانم، محمد أبو النصر جواد عجم، جيهان محمد علي، عدنان خليل رشيد، وحيد جهاد مصطفي، فوزي علي قهوة، علي العبد الله، محمد علي العبد الله، محمد صالح ريحاوي، مطيع منصور، محمد بشير الصالح، جهاد درويش، حازم جهاد درويش، حسين داود، حبيب الضعضي، هاني خيزران، فاتح جاموس، ميشيل كيلو، محمود مرعي، نضال درويش، أنور البني، سليمان الشمر، عباس عباس، كمال شيخو، غالب عامر، محمود عيسي، صفوان طيفور، خالد خليفة، خليل حسين، حسين محمود، محمد محفوض...
الإتهامات (وهي قانونية كما يُقال لنا، إذْ تقتضي الإحالة علي القضاء المدني، وليس محاكم أمن الدولة، نبش القوانين الجزائية والجنائية بحثاً عن التغطيات المسرحية الأشدّ ديماغوجية وابتذالاً)، تتقاطر بدورها: النيل من هيبة الدولة والشعور القومي في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها ، وارتكاب أفعال ترمي إلي إضعاف الشعور القومي وايقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية ؛ إذاعة أنباء كاذبة أو مبالغاً فيها من شأنها أن تنال من هيبة الدولة أو مكانتها الحالية ، خصوصاً إذا أذاعها السوريّ من خارج البلاد و هو علي بينة من الأمر ؛ الذمّ والقدح إذا وقع علي رئيس الدولة ، وكذلك إذا وُجّه إلي المحاكم أو الهيئات المنظمة أو الجيش أو الإدارة العامة ، أو حتي إذا وُجّه إلي موظف ممن يمارسون السلطة العامة من أجل وظيفته أو صفته ...
والحال أنّ من العبث التوقف في كلّ مرّة، بخصوص كلّ معتقلة ومعتقل، حول سبب أو أسباب السلطة في تنفيذ الإعتقال، سواء أكانت الوقفة من باب التكهن المحض (كالقول إنّ اعتقال ميشيل كيلو جاء عقاباً له علي مقالته الإشكالية الأخيرة في القدس العربي ، والتي مسّت المحرّم الطائفي، أو لدوره في استصدار إعلان دمشق ـ بيروت)، أم علي سبيل تمحيص الملابسات وتدقيق السياقات (كما حين تُساق مسوّغات إقليمية ودولية لتبرير بطش السلطة). صحيح أنّ لهذه الاعتبارات قيمتها علي نحو أو آخر، إلا أنّ ممارسة القمع المفتوح المستديم المتصل المتواصل يظلّ جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة الوجودية لأنظمة الإستبداد من جانب أوّل عامّ؛ وهو من جانب ثانٍ خاصّ ليس أقلّ من استراتيجية تتيح البقاء وسيرورة تحفظ النوع، سيّما إذا كانت هذه الأنظمة تعيش مآزق وأزمات تمسّ هياكلها وأبنيتها وأدواتها ومؤسساتها، ذات الصلة بتنفيذ وصيانة وإدامة الإستبداد.
فما الذي يتبقي من علّة وجود لأمثال اللواء علي مملوك مدير إدارة المخابرات العامة، أو اللواء فؤاد ناصيف خير بك رئيس الفرع الداخلي في الإدارة ذاتها (وهما اللذان يشرفان علي معظم الإعتقالات الأخيرة)، إذا لم يمارسا القمع المفتوح مباشرة: بالكفّ والذراع واللسان والحذاء، كما تقول التقارير الأخيرة التي تصف طبيعة ما يمارسانه شخصياً من تكنيك استجواب مع المعتقلين؟ وإذا كان النهب أخذ ينحصر أكثر فأكثر في الحلقة الأضيق من بيت السلطة، وبعض أبناء العمومة والخؤولة؛ وكان رسم وإدارة السياسات الأمنية ـ العسكرية في مستوياتها الأعلي، إلي جانب اتخاذ القرارات الحاسمة فيها، من نصيب اللواء آصف شوكت، صهر السلطة ورئيس المخابرات العسكرية؛ أفلا يُمنح أمثال مملوك وخير بك فرصة إثبات الوجود، بل منافذ البقاء المحض، عن هذا الطريق... في الأقلّ؟
هذا لا يعني، في مستوي آخر يكمل جميع هذه المستويات، أنّ الأمر لا يعكس تبدّلات ذات دلالة في جسم السلطة الأمني بصفة خاصة، أو لا يخفي صراعات داخلية بين مختلف مراكز السلطة حول ما تبقي من نفوذ أمني، وتنافس محموم علي ما يظلّ متاحاً من أواليات القمع والتعسّف والتنكيل. المرء يتذكر طوراً كان فيه غازي كنعان، رئيس إدارة الأمن السياسي ثمّ وزير الداخلية (المنتحر نحراً، كما يصحّ القول!)، هو الذراع الضاربة شبه الوحيدة في الإعتقال والإستدعاء؛ قبل أن يتولي المهمة، لفترة وجيزة، اللواء محمد منصورة خليفة كنعان في إدارة الأمن السياسي. علي المرء أن يتنبّه، في الآن ذاته، إلي مقدار الخبث والتشاطر المكشوف الذي يستخفّ بعقول السوريين، في ظهور جهاز المخابرات العسكرية، واللواء شوكت شخصياً، بمنأي شبه تام عن هذه الموبقات... وكأنّ الرجل وجهازه الأشدّ بطشاً ونفوذاً وتسلطاً في واد، وأمثال علي مملوك وفؤاد ناصيف خير بك في واد آخر!
كذلك لا يعني استئثار بيت السلطة بمنابع النهب العليا والأدسم في البلاد أنّ إدامة الإستبداد علي صعيد حملات الإعتقال المتكررة ليست منابع نهب، بل صانعة اقتصاد سياسي، لضباط الأمن الذين أخذت سُبُل التكسّب تضيق بهم يوماً بعد يوم. ثمة طرائق مباشرة في ابتزاز عوائل المعتقلين، حتي إذا كانت مداخيلها لا تسمن الذئاب الكاسرة مفتوحة الأشداق أبداً؛ وثمة طرائق غير مباشرة، تتمثّل أساساً في فبركة السطوة والإيحاء بالنفوذ بغية استدراج الفدية ، مسبقاً، لقاء اعتقالات لم تتمّ ولكنها قد تجري في كلّ حين، دونما إنذار مسبق، دونما ذريعة كامنة، ودونما مؤشرات أو احتمالات أو توقعات، علي الإطلاق. هذه صناعة قائمة بذاتها، تتعيّش عليها المؤسسة الأمنية بمختلف تراتباتها ومراتبها، وتنطوي علي سداد أثمان ترقي عملياً إلي صيغة الجزية ، لقاء خدمات ملموسة لا تؤدي إلا نادراً، وخدمات أخري افتراضية لا تؤدي أبداً، أو مقابل مجرّد اتقاء الشرّ أو حتي اللطف فيه!
وهذه، بدورها، لا تلغي المغزي الخاصّ المنفرد الذي تمثّله، أو يمكن أن تمثّله، كلّ حالة اعتقال علي حدة: توقيف ميشيل كيلو هو المؤشّر إلي أنّ النظام لم يعد يحتمل حتي هذه النبرة المعارضة، المعتدلة إجمالاً؛ وتوقيف محمد الغانم يذكّر الجميع انّ التضامن مع الكرد، وهم مواطنون سوريون في نهاية المطاف، ليس خياراً غير باهظ الكلفة؛ وتوقيف كمال اللبواني كان إعلاناً، مبكراً وصارخاً، عن عقوبات ما سيتكشف بعدئذ من لائحة محرّمات؛ وتوقيف أنور البني يرفع الهراوة الأمنية في درب طراز من العمل الحقوقي والمدني والقانوني كانت السلطة ذاتها، خصوصاً في الأطوار الأولي من صعود بشار الأسد، قد أشاعت أنها تتسامح معه أو تغضّ عنه النظر؛ وبالطبع، يعيد توقيف فاتح جاموس التشديد علي أمثولة الدكتور عارف دليلة (وهما، للإيضاح الدالّ، من محافظة واحدة هي اللاذقية، ومن ضيعة واحدة هي بسنادة!): أنّ العقوبة المضاعفة هي جزاء كلّ معارض للنظام يتحدّر من صفوف الطائفة العلوية...
ولا تكتمل مشهدية هذا الطور من الإستبداد السوري إلا إذا استعاد المرء موبقات من نوع آخر، لا ترتكبها أجهزة النظام الأمنية هذه المرّة، بل تنخرط فيها بعض شخصيات وأحزاب وقوي المعارضة السورية ذاتها، بذاتها، ولذاتها! خذوا، في مثال أوّل، حماسة كمال اللبواني (السجين السابق، أحد دعاة التجمع الليبرالي الديموقراطي ، والسجين اللاحق) في الترحيب بالمناقلات الأمنية التي أجراها بشار الأسد في أعقاب المؤتمر القطري العاشر، واعتبارها خطوة إيجابية أولي علي طريق الإصلاح ! وبتاريخ 21 حزيران (يونيو) الماضي كان جانبلات شكاي، مراسل الرأي العام الكويتية في دمشق، قد نقل عن اللبواني قوله إنّ هذه المناقلات (وبينها تعيين علي مملوك في إدارة المخابرات العامة، وفؤاد ناصيف خير بك في الفرع الداخلي!) تضع سورية في اتجاه صندوق الإنتخاب، خصوصا بعد المقررات التي خرج بها المؤتمر القطري العاشر من توصية للترخيص للاحزاب، وحلّ مشكلة الأكراد، واعادة النظر بقانون الطوارئ !
أو خذوا، في مثال أوسع نطاقاً وأخطر عاقبة، هذه المظلة الساكنة الرتيبة الجامدة التي انقلب إليها إعلان دمشق ، بحيث أسفرت مراوحة قواه في المكان عن عجز فاضح لا يتسبب في تعطيل العمل العامّ لقوي المعارضة السورية فحسب، بل يسقف خطاباتها عند نصّ الإعلان الأوّل (الركيك، أصلاً)، ونصّ الإعلان التوضيحي الذي صدر في أواخر كانون الثاني (يناير) الماضي فزاد الطين بلّة من حيث الركاكة والتوفيق والتلفيق. وهو، من جهة ثانية، عجز لا يطلق ولادات سوية سليمة، ولهذا فإنه يفسح الميدان أمام مخلوقات شائهة مشوَّهة ومشوِّهة مثل جبهة الخلاص الوطني التي ضمّت جماعة الإخوان المسلمين إلي عبد الحليم خدّام. ومن المدهش أنّ تتردد تقارير عن عزم بعض قيادات إعلان دمشق ، وهي في الآن ذاته قيادات في التجمع الوطني الديمقراطي ، تحالف المعارضة الأقدم والأوحد عملياً، علي الدخول في مفاوضات (يلطّف البعض مضمونها فيطلق عليها تسمية حوارات !) مع الجناح المدني ـ الحزبي في السلطة (هشام بختيار تارة، ومحمد سعيد بخيتان طوراً، من القيادة القطرية لحزب البعث)، ومع الجناح الأمني (ليس دون مفارقة فاضحة: مع علي مملوك تارة، ومع فؤاد ناصيف خير بك طوراً!)، حول... تطوير إعلان دمشق !
ويبقي أنّ خيارات بيت السلطة، في الحلقة الأضيق حيث الأسد وشقيقه وشقيقته وصهره أساساً، تسعي إلي استئناف خيار مركزي محوري ناظم سبق للأسد الأب أن اعتمده طيلة سنوات، وربما علي امتداد عقود الحركة التصحيحية : أنّ استقرار سورية هو في صالح المنطقة عموماً، وفي صالح الدولة العبرية كذلك وخصوصاً؛ وأنّ زعزعة استقرارها سوف ينتقل كالسيل الجارف إلي الجوار، فلا يتزعزع استقرار النظام الحاكم في دمشق وحده، بل الأنظمة (أو بالأحري: أنظمة الإستقرار، لمزيد من الدقّة) في معظم أطراف الجوار. اليوم يبدو الأسد الابن وكأنه يعني بمفردة الجوار كلّ الدول والأنظمة التي لا تجاور سورية فحسب (لبنان والعراق وفلسطين والأردن وتركيا)، بل تلك الأخري التي لا تجاورها ولكنها تتقاطع موضوعياً ـ وأيضاً: أمنياً، سياسياً، إثنياً، مذهبياً... ـ مع دمشق، كما هي حال السعودية ومصر والخليج العربي. ومن الإنصاف التذكير بأنّ العراق، الراهن يحظي بمكانة خاصة في شطرنج تفكير بيت السلطة، ومراراً كرّر بشار الأسد قناعته أنّ واشنطن سوف تطرق بابه ذات يوم، قادمة من بوّابة الجحيم العراقي، مثخنة الجراح، مستجدية، طالبة القرب!
وإذا كان ثمة أيّ دور سياسي خارجي للقبضة الأمنية التي يجري تشديدها في سورية منذ أسابيع، فهو علي الأرجح غير بعيد عن الصياغات التي تستأنف المعادلة القديمة حول معادلة المنافع الإقليمية لإدامة الإستقرار السوري، ومضارّ زعزعته. وتلك معادلة كان حافظ الأسد لا يفوّت فرصة دون ترجمتها هكذا: ثمن الإستقرار السوري هو الحفاظ علي النظام سالماً مسلحاً مصاناً (أي، في عبارة أخري: غضّ النظر عن الإستبداد، بل وضرورة مساندته في الشدّة والضائقة!)؛ وثمن زعزعته لا يسدّده بيت السلطة وحده، بل يقع ـ بوتائر أكثر خطورة وأشدّ وطأة ـ علي عاتق المجتمع السوري بأسره، بإثنياته وطوائفه وحساسياته وانقساماته التي يمكن تلفيقها أو إيقاظها من سبات عميق، وسيشعل من النيران ما سيأكل البلد أوّلاً، ثمّ ينتقل إلي الجوار... طالباً المزيد.
وإذا كانت أنساق القمع الراهنة بمثابة عود لنظام بشار الأسد علي بدء الإستبداد كما أرسي تقاليده حافظ الأسد منذ 1970، فذلك لأنّ نظام الابن لم يبدأ كخروج علي نظام الأب، ولا حتي كتنويع تجميلي له، بل شرع ويظلّ استمراراً له وإعادة إنتاج لأسوأ خياراته في قهر المجتمع ونهبه، وخنق الحريات، وتدمير اللحمة الوطنية، وإشاعة الفساد كنهج في تصنيع الولاءات. وبهذا فإنّ الأنماط الراهنة من إعادة إنتاج استبداد السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات هي، علي صعيد بيت السلطة كذلك، سيرورة لحفظ النوع وستراتيجية للبقاء.
ولكن ليس إلي أبد الآبدين، كما نعلم ويعلمون!