مَن يعتقل الربيع في دمشق؟

بول شاوول: المستقبل 20/5/2006

سجلت الأجهزة الأمنية السورية رقماً قياسياً جديداً في حملتها المركزة التي اعتقلت فيها عدداً "دسماً" من المثقفين السوريين الذين وَقَّعوا (أو لم يوقّعوا) إعلان بيروت ـ دمشق. كأن الأجهزة تسابق نفسها، بل وكأن النظام يسابق نفسه، أو ظله الهارب، أو وضعه الملتبس.
شيء محزن أن يصاب نظام مدجج بالعسكر والمخابرات والعسس والطوارئ والرقابة، بهذا الهلع جرّاء بيان أو إعلان وربما مقالة أو ورقة فاكس أو مخابرة هاتفية أو تصريح أو حتى صمت "مريب". ذلك أن هذا النظام الذي تخلى عنه كثير من أهله (وباتوا في نظره خَوَنة وعملاء لاسرائيل وأميركا، هكذا فجأة)، كأنه بات أمام منعطفات ومنزلقات خطرة، لا توحي آتياً مريحاً، كما لم توحِ ماضياً مريحاً. هذه المنزلقات بدلاً من أن يعبدها النظام ويسير في "الصراط" الديموقراطي المستقيم، ها هو يعمقها بالحفر، والفجوات، والزيت، لكي تزداد وعورة وانزلاقاً... وتدحرجاً.
المثقفون المعتقلون كتبوا أو وَقَّعوا إعلاناً كأنه إشارة حوار الى النظامين اللبناني والسوري، بل كأنه دليل لمحاولة إنهاء الصراع الملتبس الذي فرضه النظام السوري على لبنان بعد خروج قواته من لبنان. لم يقل البيان جديداً. ولا صيغ بنبرة استفزازية.
و تحريضية، أو انحيازية. وضع الاصبع على بعض "الجروح" النازفة، وعين مواضع الخلل في العلاقات بين البلدين "الشقيقين" (بحمده تعالى وحمد العسكر والهزائم واستبدال صراعات بصراعات!)، وحدد معالم الأزمة، وأظهر مواقع التأزم واعترف بسيادة لبنان (والاعتراف بسيادة لبنان خيانة!)، وباستقلاله (والاعتراف باستقلال لبنان جريمة)، ودعا الى احترام الدولة اللبنانية (واحترام الدولة اللبنانية خطأ استراتيجي!). هذا البيان (الذي تفردت "المستقبل" بنشره كاملاً قبل أكثر من أسبوعين)، أفقد أهل النظام صوابهم، وأثار أعصابهم، فصنَّفوه في خانة خدمة "قرار مجلس الأمن" و"خدمة اسرائيل وأميركا" (الى آخر المعزوفة المعروفة) وبدلاً من أن يفتح "أركان" النظام (برتبهم العسكرية والسياسية) حواراً على قاعدة ما جاء في الاعلان، ها هم، يعمدون الى اعتقال واضعيه وموقعيه. فهذه طريقتهم "الأبدية" في الحوار: إلغاء الآخر، تخوينه، (ربما غداً تكفيره، مَنْ يعلم)، تسفيهه، قمعه، ترهيبه، ترويعه. لكن الآخر، في هذه الحالة، هو المثقف السوري. المواطن السوري "الصالح" المفكر السوري الذي يتحرّك من أجل استعادة مواطنته، وحريته، وديموقراطيته، ومن أجل التضامن مع بلد شقيق هو لبنان. هذا المثقف السوري، هو المناضل، والمقاوم، والضمير المدني، كاشف مواقع الخلل في السلطة، ومواقع الهيمنة والفوقية، والاستبداد. إنه مواطن سوري أباً عن جد. وله في سوريا ما لأهل النظام وأكثر. هوية تقدمية. مدنية. أبعد ما يكون من الانقلابية، والعنف والاستبداد على السلطة بالقوة. هذا السوري الآخر يعتقله النظام السوري. هذا السوري الصميم، هذا العروبي الصميم، هذا التقدمي الصميم، هذا المناضل الصميم، يعتقله نظامه السوري، وكأنه "غريب"، أو "ضال" أو "مجرم"، أو "بلا هوية"، وبلا أهل، وبلا ناس، وبلا أفكار، وبلا عواطف، وبلا وجود. هكذا، وعلى امتداد أيام، تداهم المخابرات والأجهزة، مدعومة بالقضاء (المسيَّس والمصادر) أو الادعاء العام (نتذكر المرحلة العضومية ـ السورية في لبنان)، نخبة من كبار المفكرين والمناضلين والناشطين من أجل حقوق الانسان.
ميشال كيلو، ومَنْ لا يعرف ميشال كيلو، هذا المفكر الديموقراطي، السلمي، الطالع من ضمير المجتمع المدني، ومن عمق الفكر التقدمي، والعروبي، سِيق، في الظلام، الى حيث "يجب أن يسوقه أهل الظلام"، بتهم قد تصل (بأحكام قضائية مستقلة عن المخابرات والسلطة!!)، الى السجن المؤبد! والتهم "المختَلَقة" والمفبرَكة، تدرك آخرين. فقد قال رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الانسان عمار القربي أن السلطة السورية اعتقلت أيضاً المحامي أنور البني (الناشط في مجال الدفاع عن الحريات وحقوق الانسان، والمتحدث باسم مركز "حريات" للدفاع عن الصحافة والصحافيين، ورئيس المركز السوري للأبحاث والدراسات في دمشق)، على خلفية توقيعه إعلان بيروت ـ دمشق، كما أعلن القربي أن الأجهزة المذكورة (وبحس ديموقراطي نادر ورفيع!) اعتقلت أيضاً في حماه الناشط في حقوق الانسان صفوان طيفور، كما اعتقلت (بشهية مفتوحة أو فلنقل بشهية عروبية مفتوحة) المترجم محمود عيسى "الذي سبق أن اعتقل (يا لحظه السعيد!) لانتمائه الى حزب العمل الشيوعي المعارِض (معارِض! وتجرؤ على أن تكون معارِضاً في نظام ديموقراطي، يا للهول!)، كما اعتقل خالد خليفة في دير الزور (وهو مواطن لا نشاط سياسياً له! هكذا، لاستكمال العدد والعدة ربما).
وقال البيان الصادر عن المنظمة الوطنية لحقوق الانسان في سوريا ان الأجهزة الأمنية اعتقلت أيضاً في سياق بحثها عن أفضل السبل لترسيخ الحريات العامة خليل حسين من دمشق وهو قيادي في تيار المستقبل الكردي وقد سبق أن اعتقل لأسباب سياسية مدة 12 عاماً في السجون السورية المضيئة والمتلألئة بمشاعل الحرية. وأعلن أيضاً أن ثمة استدعاءات بحق سليمان الشمر وكمال شيخو، وأنه تمت اعتقالات عديدة منها اعتقال أمين سر المنظمة العربية لحقوق الانسان محمود مرعي، وعضو لجان الدفاع عن الحريات الديموقراطية وحقوق الانسان في الحسكة نضال درويش. ويرى كثيرون أنها حملة الاعتقالات (خدمة للاصلاح، وتطوير النظام) الأوسع منذ خريف 2001، في ما سمي "ربيع دمشق". براو! وتوسيع هذه الحملة، فجأة، كأنه يغلق الباب والنوافذ والثقوب والكوى على كل احتمال لقيام حوار جدي بين النظام والمعارضة، أو فلنقل بينه وبين المجتمع المدني. بل كأنه يعلن للعالم كله من أقصاه الى أقصاه، ان هذا النظام صوت واحد، وسيبقى صوتاً واحداً. وان أي كلام على أي تعدد أو تنوّع، هو كلام سيواجَه بالقوة، والعنف، وربما أكثر. بل كأنه إعلان "غريب" عن أن النظام "كامل"، ولا يحتاج الى أي إصلاح لا من داخله ولا من خارجه. لا من أهله ولا من المعارضة. ولن يعدم النظام وسيلة لإسكات أي نبرة، أو أي احتجاج، أو أي مطالبة ولو محدودة، بإجراء إصلاحات أو تعديلات، أو حتى مجرد انفتاح على القوى الديموقراطية الحية. وهذا واضح في سلوكه، منذ عدة سنوات. والذرائع جاهزة: إن أي مطالبة بالديموقراطية، ورفع حالة الطوارئ وإطلاق حرية التعبير، وفصل القضاء عن السياسة، وتحرير أدوات المجتمع المدني (نقابات، أحزاب، هيئات)، إن أي مطالبة في هذا الشأن هي تلبية للضغوط الأميركية والأوروبية واسرائيل! فالمطالبة بالاصلاح هو بالنسبة الى النظام مطلب أميركي! والمطالبة بالديموقراطية مطلب اسرائيلي! والمطالبة برفع قانون الطوارئ تخدم أعداء الوطن! وهكذا دواليك وصولاً الى إعلان بيروت ـ دمشق، الذي، وبنبرة هادئة، موضوعية، عقلانية ووطنية (بالطبع)، يطالب النظام بالاعتراف بلبنان، وبالكف عن التدخل في شؤونه، واحترام سيادته... وهذه المطالب لا تختلف عن المطالب الاصلاحية الداخلية، بالنسبة الى النظام. أي ان ترسيم الحدود يخدم اسرائيل (وترسيم الحدود مع تركيا يخدم سوريا!)، ويخدم المخططات الغربية، ويصب في المؤامرة التي ينسجها أعداء سوريا في كل مكان، لا سيما في مجلس الأمن عبر قراره الأخير. إذاً، الغرب، وجزء كبير من العالم العربي، والقسم الأكبر من اللبنانيين، كل هؤلاء يمارسون، عبر إعلان بيروت ـ دمشق (أو بالتزامن معه، أو بالتزامن معها) ضغوطاً على النظام لتقديم تنازلات الى مَنْ؟ الى العدو المتلبس ألف قناع وقناع. إذاً، هناك مؤامرة داخلية تنفذها المعارضة الداخلية (كل المعتقلين ما زالوا متمسكين في البقاء في الداخل رافضين اللجوء الى أي جهة خارجية)، وهناك مؤامرة أخرى يشارك فيها المعارضون إياهم بالتنسيق مع المثقفين اللبنانيين، مجسدة في الاعلان المذكور! والرسالة واضحة: الاصلاح خط أحمر، والمطالبة بسيادة لبنان خط أحمر. والكف عن التحريض ضد البلد الشقيق خط أحمر. والتحرر من عقدة لبنان خط أحمر. وترك البلد الصغير يدير شؤونه بنفسه خط أحمر. والاقلاع عن اعتباره "ورقة" أو "ساحة" للصراعات خط أحمر، وترسيم حدوده خط أحمر.
تبادل السفارات خط أحمر. والكف عن ممارسات الضغوط على بلاد الأرز خط أحمر. وتحقيق الديموقراطية عندنا خط أحمر. وتطوير النظام خط أحمر.
إذاً، الخطوط الحمر تمتد متلألئة من الداخل الى لبنان بلا حدود. وعلى اللبنانيين أولاً أن ييأسوا من بلدهم، وأن ييأسوا من إمكان فرض سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية، والمجموعات اللبنانية وغير اللبنانية. وعلى السوريين أن ييأسوا أيضاً من أي محاولة إصلاحية، أو أي تعديل يتجه نحو النظام، أو أي مطلب ديموقراطي، أو أي محاولة إحياء لأدوات المجتمع المدني. والذريعة: ان النظام في حالة صمود وتصدّ! أين: لا في الجولان، وطبعاً لا في لواء الاسكندرون، وإنما في لبنان.
يتصدى لمن؟ للبنانيين! وفي سوريا يتصدى للمعارضين السوريين!
ونظن أن ما يجري في لبنان عبر دمشق، وما يجري في سوريا عبر السلطة من شأنه أن يضع النظام في طريق مسدود لا نتمناها له (ونحن من القائلين بعدم محاولة إسقاط النظام ببدائل خارجية أو غير ديموقراطية، وإنما السعي لإصلاحه إذا كان ما زال
ينفع فيه الاصلاح الله أعلم).
هذا النوع من "الصمود والتصدي"، يبدو أنه لا يتصدى إلا للصامدين الحقيقيين في كلا البلدين. ويبدو أنه شعار، لإبقاء الشبح الخارجي "فزيّعة" لإدامة الحالة غير الديموقراطية، والوضع الأقتصادي المتأزم، وقانون الطوارئ، والواقع الاستثنائي الدائم "من الأبد الى الأبد". وعلى هذا الأساس لا بد من تحويل "المادة الكيميائية" للصمود والتصدي بحيث تكون استنفاراً للاصلاح في بنية النظام والقضايا الاقتصادية وتحريك لآليات المدنية على حساب الآليات الأمنية، وعندها ينتقل "الصمود والتصدي" من قهر الشعب، واستلابه، وحماية الفساد، وفتح جبهات على لبنان، الى حيث يكون لهذا الشعار معناه الحقيقي، لا التمويهي، أي الى اسرائيل وتحديداً في الجولان (وليس بمعارك بديلة في شبعا، تغاضياً، أو توارياً أو التباساً أو استسلاماً).
وهنا، ومن خلال هذه الأبعاد يتخذ ربيع دمشق المعاني التي تثير كوامنه وهواجسه على امتداد حلمه التغييري، ليجد صدى حوارياً، بين أهل الديموقراطية وأهل النظام، بين أهل الانتفاضة في لبنان، وأهل الوصاية، أي بين الربيع الدمشقي ـ البيروتي المتمثل في الاعلان وبين خريف النظام. ولا نظن أن هذا من شأنه أن "يضعف" النظام السوري (الضعيف حتى الوهن)، وإنما على العكس، يمنحه من القوة والشرعية "الحقيقية" (لا شرعية القوة والمخابرات) ما يتيح له أن "يفعل" ويبادر في الاصلاح، وما يجعله ينضم الى الضمير الربيعي الدمشقي، أكثر مما يجعل الضمير الربيعي الدمشقي ينضم حتى الذوبان والتواطؤ في شعابه ودهاليزه وسجونه. وعلى هذا الأساس لا يكون تأكيد النظام الخريفي بتأكيد القوة والبطش وإفلات الأجهزة الأمنية على العُزَّل إلا من القلم والرأي، وان بهذه المصالحة العميمة والصحيحة بين النظام والناس، عبر الضمير اليقظ، الملتهب، الذي يجسّده الذين اعتقلوا بطرق تمس حقوقهم الانسانية، ووجودهم، وحتى كينونتهم، أي الذي يجسده المتصدون الفعليون، والصامدون الفعليون في وجه الظواهر الخطرة المؤشرة لتراجع النظام، وردود فعله الضعيفة (البطش، والقهر، والقمع).
فالذين اعتقلوا على مدار الأيام السابقة، لتوقيعهم إعلان بيروت ـ دمشق، إنما اعتقلوا أيضاً لنوازعهم التغييرية ـ الديموقراطية ـ العروبية، أي لسماتهم "الربيعية" في تجديد الواقع السياسي (الميت)، ولإحياء المؤسسات المدنية (المعتقلة)، ولإعادة الكلمة الى الناس والمبادرة الى المجموعات البشرية والشعبية التي يتألف منها الرأي العام، وها هم يدفعون الثمن، سجناً، وقمعاً، وترهيباً؛ ذلك ان هذه الأنظمة التي قبضت ثمن هزائمها استمراراً في السلطة، تواجه، وبشراسة الذين يريدون أن يدفعوا حتى حياتهم ثمناً للتطوير والتغيير والحرية والديموقراطية... أي أن يدفعوا ثمناً لربيعهم... على مذبح الخريف المتلاشي، الذابل ليس للنظام السوري فحسب، بل لمعظم النظام العربي الذي يعاني "سكرات" نهاياته "الخريفية" المتأخرة.
فتحية لهم، ونحن واثقون بأنهم... سيربحون معركتهم الديموقراطية، وسيستمرون في "الصمود والتصدي"... ذلك الصمود الذي يزهر في ربيع أصابعهم، وذلك التصدي الذي يورق في عيونهم وضمائرهم.