حقوق الانسان من المفوضية الي المجلس

سعيد شهاب  القدس العربي

 



بعد اكثر من عام علي الاقتراح الذي طرحه الامين العام للامم المتحدة لتطوير آليات مراقبة حقوق الانسان في العالم، جاء تشكيل مجلس حقوق الانسان ليصيب الكثيرين بالاحباط وليضع احتمالات التطوير والتراجع في حالة تأرجح واضحة. فانتخاب الدول الـ47 لعضوية المجلس الجديد ادي الي صعود حكومات لا توافق العالم في منظوره لهذه القضية التي تبلور الاهتمام الدولي بها بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال الاتفاق علي الاعلان العالمي لحقوق الانسان، ويتوقع ان يطرح مبدأ الخصوصية كذريعة لاجهاض مطالبة الدول القمعية بتحسين سجلها الحقوقي. وثمة امور يصعب اصدار الحكم بشأنها في ما يتعلق بالمجلس وتشكيله. منها ان أحدا لا يستطيع استشراف مستقبل شرعة حقوق الانسان، سواء علي صعيد بقائها في صدارة الاهتمام الدولي أم التزام دول العالم بمبدأ اعتبارها قضية تتجاوز الحدود القطرية وتخترق السيادة الوطنية في حال انتهاكها من قبل انظمة الحكم. ولعل هذا المبدأ هو الانجاز الاكبر لقمة حقوق الانسان التي عقدت في جنيف في 1993. ان مبدأ التوافق الدولي حول قضية من هذا النوع مسألة يصعب اصدار الحكم حول مدي نفعها. فالتوافق من جهة ضروري للحفاظ علي التوازن والاستفادة من تفاعل الافكار والمواقف، وإشراك كافة الدول في صنع القرار لكي يصبح ملزما للجميع. ومن جهة ثانية فان التوافق يؤدي الي مساومات تصل احيانا الي المبادئ التي يفترض انها تمثل الشرعة الدولية لحقوق الانسان، وهذه المساومات تؤثر سلبا علي القضية الاساس، لانها تعطي النظام الذي اعتاد انتهاك حقوق شعبه موقعا مساويا للنظام الذي يحترم تلك الحقوق ويعتبرها محورية في نمط حكمه.
حالة الاحباط تصاعدت لدي المنظمات الحقوقية الدولية التي أبدت شيئا من التفاؤل في البداية، بعد ان مارست ضغوطا لتطوير الاداء الدولي، علي مدي الاثني عشر شهرا الاخيرة، وهي الفترة الفاصلة ما بين دعوة السيد كوفي عنان لاصلاح مفوضية حقوق الانسان وقيام المجلس بديلا لها. فقبل شهرين أصدرت الجمعية العمومية للامم المتحدة قرارا بتأسيس مجلس حقوق الانسان، الذي لا يختلف كثيرا في اهدافه عن المفوضية التي حل محلها. وجاء القرار ليحدد عضوية المجلس بـ47 دولة عضوا موزعين كالتالي: 13 دولة من آسيا ومثلهم من افريقيا، وثماني دول من امريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، وسبع دول من الدول الغربية، وست دول من اوروبا. وجاء في قرار التأسيس ان سجل حقوق الانسان لكل دولة ترغب بعضوية المجلس سوف يفتح ويتعرض للفحص والرقابة، وانها سوف تتعرض لفحص دوري للتأكد من التزامها بالمعايير الدولية. المنظمات غير الحكومية استاءت في البداية لقرار حل المفوضية التي تعاملت معها ونشطت في دهاليزها لايصال صوتها لاصحاب القرار. ولكن بعد قرار الحل نشطت هذه المنظمات للتأثير علي اجراءات تشكيل المجلس البديل. ففي الاول من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بعثت 40 منظمة غير حكومية رسالة الي رئيس الجمعية العمومية، جان الياسون، تحتوي علي مقترحاتها للمجلس الجديد الذي كان قيد الانشاء، من بينها اتاحة الفرصة للمنظمات غير الحكومية للوصول الي المجلس. وكان من الدوافع التي حدت بالسيد عنان للمطالبة باصلاح المفوضية انها اصبحت مسيسة وانتقائية ولم تعد فاعلة لتحقيق الاهداف الدولية لتحسين اوضاع حقوق الانسان. تأسست تلك المفوضية في العام 1946 كجهاز متفرع عن المجلس الاجتماعي والاقتصادي التابع للامم المتحدة، وحظيت بدعم من مكتب المفوض السامي لحقوق الانسان. واتخذ قرار تأسيسها في الاجتماع الاول للمجلس الاجتماعي والاقتصادي، وكانت واحدة من مفوضيتين، ثانيتهما هي مفوضية أوضاع المرأة. وقد تأسست في اطار المادة 68 لميثاق الامم المتحدة الذي وقعت عليه الدول الاعضاء.
وخلال عمرها الذي استمر ستين عاما، عملت المفوضية لتطوير حقوق الانسان في العالم، وحققت نجاحات معقولة، ولكنها اصبحت في سنواتها الاخيرة خاضعة لمساومات الدول ومحاولات التأثير علي قراراتها لمنع صدور قرارات تدين الدول ذات السجل الاسود في الانتهاكات. لقد واجهت المفوضية صعوبات جمة وهي تسعي لنشر ثقافة حقوق الانسان وتضع حدا للانتهاكات التي تمارسها الحكومات. وكان من نتيجة تلك المساومات ان قراراتها انحصرت بشجب الدول غير الصديقة للغرب، مثل كوبا وايران والاتحاد السوفياتي والصين، بينما لم تستطع المنظمات الحقوقية في الدول الصديقة للولايات المتحدة وبريطانيا ايصال حكوماتها الي قائمة الدول التي تخضع للرقابة الدولية الا في حالات محدودة. في مقابل ذلك وقفت هذه الدول بجانب الدول الغربية التي استهدفت انظمة سياسية بعينها، مستفيدة من تفاوضها مع الانظمة الصديقة التي لم تقل قمعا عن الدول الاخري التي استهدفت. وقد عاش نشطاء حقوق الانسان سنوات عجافا وهم يسعون للحصول علي أذن صاغية من المفوضية خلال انعقادها السنوي في ربيع كل عام، او من اللجنة الفرعية التابعة لها التي كانت تجتمع سنويا في موسم الصيف. وقبل بضعة اعوام الغيت اجتماعات اللجنة الفرعية بعد ان استهدفت انظمة وحكومات صديقة للغرب، وأحدثت بذلك احراجا للولايات المتحدة وبريطانيا. مع ذلك فمهما قيل عن المفوضية فقد كان وجودها وقراراتها مصدر قلق الحكومات القمعية، الامر الذي ازعج تلك الانظمة وشجعها للمطالبة بحلها واستبدالها بالمجلس.
السيد كوفي عنان ربما انطلق علي اسس منطقية وعادلة لتطوير المفوضية او استبدالها بالمجلس، بعد ان رأي نمط التسييس السائد في اجواء المفوضية، وكذلك حالة الانتقائية بشكل واضح. فالمفوضية تصدر تقارير وقرارات ضد دولة ما بسبب تباين سياساتها مع الدول الغربية خصوصا الولايات المتحدة الامريكية، ، بينما يتم التغاضي عن الانتهاكات الخطيرة التي تحدث في دول صديقة لواشنطن. كما لوحظ عدم فاعلية المفوضية في الرقابة واصدار القرارات، فلديها آليات ولكن قدراتها ضعيفة في فرض تلك القرارات. هذا الشعور كان من بين دوافع السيد كوفي عنان لطرح اقتراحه باستبدال المفوضية بالمجلس. وكان عنان جادا عندما طرح رأيه في ضرورة اصلاح اجهزة حقوق الانسان، بعد ما رأي من انتهاكات فظيعة لتلك الحقوق برغم وجود المفوضية. وارتأي ان يكون المجلس الجديد منبثقا عن الامانة العامة للامم المتحدة، متوازيا مع المجلس الاجتماعي والاقتصادي، بينما كانت المفوضية تنبثق عن ذلك المجلس. الملاحظ ان اقتراح الامين العام قد وجد طريقه للتنفيذ علي وجه السرعة، فما ان مر عام علي ذلك الاقتراح، حتي بدأ مجلس حقوق الانسان في العمل، وهو أمر نادر الحدوث.
السؤال الآن يدول حول ما اذا كان المجلس الجديد قادرا من الناحية الهيكلية علي العمل بشكل جاد لتحقيق قدر اكبر من احترام حقوق الانسان عالميا. فالشعور بالاحباط لدي المنظمات الحقوقية الدولية جاء بعد التجربة التي تمخضت الاسبوع الماضي عن اقرار عضوية المجلس الجديد. فقد لعبت السياسة، وربما المال، دورا في فوز دول ذات سجل حافل بالانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان، مثل السعودية والبحرين وتونس بعضوية المجلس. ويتردد ان الاموال لعبت دورا في انتخاب الدول الاعضاء، والا فكيف استطاعت السعودية مثلا الفوز بمقعد لثلاث سنوات متواصلة في المجلس؟ مشكلة التوافق بالنمط الذي تم في تشكيل المجلس بادرة ذات حدين، كما اشرنا، فهي وان حققت قدرا من التوازن، الا انها ادت الي صعود دول لها سجل اسود في الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان، الامر الذي يثير تساؤلات مهمة حول مدي قدرة هذا المجلس علي ادارة الملف الحقوقي الدولي. ومن المؤكد ان المساومات التي أضعفت اداء المفوضية في السابق سوف تؤدي الي اضعاف المجلس هذه المرة. خصوصا ان الدول الاعضاء هي التي سوف تخطط للمجلس وسياساته، اذ ليست هناك سياسات او آليات واضحة متفق عليها. بل ان الدول الاعضاء هي التي سوف تهندس الوضع بما يلائم مصالحها. وهل من المعقول ان تشرع هذه الدول سياسات تدينها لاحقا؟
منظمة هيومن رايتس ووج الامريكية لعبت دورا في الاعداد للمجلس، ولكنها هي الاخري منزعجة جدا من تركيبة هذا المجلس، وقد ابدي مسؤولوها امتعاضا كبيرا لان الجهات المكلفة بوضع سياسات انتخاب الاعضاء لم تضع معايير للعضوية، ولم تفتح سجلات الدول في مجال حقوق الانسان. ولو كانت هناك معايير واضحة لما استطاعت دول مثل البحرين والسعودية وتونس الفوز بمقاعد في المجلس الجديد. منظمة هيومن رايتس ووج فتحت ملفات الدول التي رشحت نفسها لعضوية المجلس، ووفقا لمعايير المنظمة، فشلت دول كثيرة حسب تلك المعايير، ومنها الدول الثلاث المذكورة. مع ذلك فازت السعودية والبحرين عن المجموعة الآسيوية (13 عضوا من بين 18 دولة). وتشعر المنظمات الحقوقية الاخري بالاحباط ايضا لان النشاط الذي قامت به في الشهور الا خيرة لمنع الدول ذات السجل الاسود من الفوز بمقاعد في المجلس لم يمنع ذلك. وبهذا اصبحت المشكلة في المجلس بنيوية تفرض نفسها علي طريقة صنع القرار، وتستطيع حماية نفسها، في اطار نظام المساومات، من الانتقادات التي توجه لها حول ملفاتها الحقوقية.
هل يمكن تطوير اداء المجلس بحيث يتجاوز هذه الاشكالات؟ ويتغلب علي محاولات الدول حماية نفسها حتي لو انتهكت حقوق الانسان؟ يعتمد ذلك علي مدي التعاون بين المنظمات الحقوقية الدولية والدول ذات المعايير العالية في مجال حقوق الانسان. اما اذا اعطيت الحكومات الاعضاء بالمجلس حرية التصرف والتشريع كما تريد، فلن يكون هناك فرق بين المفوضية والمجلس، وسوف يتعطل اداء المجلس كما تعطل اداء المفوضية. ومن اولي الخطوات المطلوبة القيام بحملة لفتح ملفات حقوق الانسان لدي الدول الاعضاء، وعندها ستجد دول مثل البحرين نفسها امام استحقاق دولي حقيقي، ولن تستطيع حماية المعذبين كما تفعل الآن، او اعتقال الاطفال والشباب والزج بهم في غياهب السجون، كما تشهد عليه زنزانات التعذيب التي امتلأت مجددا بسجناء الرأي. من هنا مطلوب من نشطاء حقوق الانسان في الدول الاعضاء تصعيد فعالياتهم المدنية، والسعي للوصول الي العالم الخارجي لتوضيح حقيقة ما يجري في بلدانهم لكي لا يبقي الآخرون ضحايا التضليل الاعلامي والدعائي للحكومات التي تمتلك ثروات هائلة تساعدها علي شراء المواقف وتضليل الآخرين. وقد اعترفت وزارة الخارجية الامريكية علي لسان الناطق باسمها، شون ماكورميك، بان بعض الاعضاء الذين انتخبوا الاسبوع الماضي لعضوية المجلس ليسوا ملتزمين بحماية حقوق الانسان ، ولكنه اعتبر المجلس تطورا بدون شك اذا قورن بالمفوضية السابقة . واعتبر المسؤول الامريكي ان الامتحان الحقيقي سيكون مدي قدرة المجلس علي القيام بعمل فاعل في الشهور المقبلة للتصدي لمشاكل حقوق الانسان الخيطرة في العالم.
برغم ما قيل، فهناك بارقة أمل بتغير الوضع. ففي الوقت الذي تشعر فيه الدول القمعية التي انتخبت للمجلس بانها حققت كسبا اعلاميا، فانها في الوقت نفسه، تعرف ان لتلك العضوية استحقاقات كبيرة سوف تحاصرها عما قريب، عندما تتعرض للرقابة الدورية بسبب عضويتها، وتطالب بفتح ملفاتها الحقوقية. ولذلك يشعر بعض نشطاء حقوق الانسان بان امكانهم تصعيد الضغوط علي الحكومات المنتخبة التي تواجه احتمالات الطرد اذا ثبت انها مستمرة في تجاهل حقوق مواطنيها. ويعتزم نشطاء حقوقيون في السعودية والبحرين محاصرة حكوماتهم لاجبارها علي فتح سجلاتها السوداء والسماح بالرقابة الدولية عليها. هؤلاء النشطاء، برغم استيائهم من صعود حكوماتهم الي المجلس الدولي، يعتزمون تكثيف فعالياتهم لتكريس ثقافة حقوق الانسان في بلدانهم، مستفيدين مما يعتقدونه حصانة دولية لهم في ظل الاوضاع الجديدة. فمع سهولة تبادل المعلومات ونشرها لم تعد الانظمة القمعية قادرة علي الاستمرار في سياساتها القديمة التي تسمح لها بممارسة الانتهاكات الفظيعة وفي مقدمتها التعذيب الوحشي بحق المعارضين، بدون الخشية من ردة فعل دولية غاضبة. فعضوية مجلس حقوق الانسان سلاح ذو حدين، وباستطاعة الناشطين الاستفادة القصوي من وجوده بالتشمير عن سواعد الجد وفتح ملفات حقوق الانسان في بلدانها علي اوسع نطاق، والمطالبة بمحالكمة المعذبين، واطلاع العالم علي السجلات السوداء لانظمتها في التعامل مع المعارضين.