خسائر العلمانية في بؤس العلمانيين (1)

 الصايغ نصري   السفير

 

أنت علماني، إذاً، أنت غير موجود. النظام السياسي في لبنان، لم ولا يعترف بك، وقد لن. الدستور تجاهلك. القوانين استثنتك.
أنت العلماني، موجود فقط بصيغة النفي. أنت لست.
الحيز السياسي، الحقوقي، الاداري، الوظيفي، مغلق أمام العلماني. الحيز اللبناني الاجتماعي، التربوي، الثقافي، مفتوح، إنما أبوابه المدنية بأيدي المؤسسات الدينية، الطائفية، المذهبية. القوانين تحد المنع. والاعراف أشد قسوة وفتكا بالعلماني. عندما يغيب النص يحضر العرف الطائفي.
أنت العلماني، موجود ووجودك مشروط بالوصاية الطائفية الالزامية، او بالحماية المذهبية الضرورية. بدونهما، أنت طارئ على المجتمع، غريب فيه، وأنت منه. كي ينوجد العلماني في لبنان، في أي حيز مشترك، عليه ان ينخرط طائفيا. عليه ان يوضب علمانيته وان يعتبرها ترفيها فكريا او ايديولوجية خلاصية، ثم، عليه ان ينصرف لترتيب شؤون وجوده اللبناني، من خلال الحياة الطائفية النشطة جدا، في السياسة والإعلام والإدارة والتخطيط وإنشاء المؤسسات التربوية (جامعات، مدارس، معاهد، حضانة، تقني) والاجتماعية (مياتم، مآو، أندية) والطبية (مستوصفات، مستشفيات، صيدليات) والخدماتية والخيرية.
إذا غادر العلماني هذا النشاط، ورفض الخدمة الالزامية فيه، فسيجد نفسه عاطلا عن النشاط. فالحيز العلماني، شبه معدوم، إذ لا مؤسسات حكومية او مدنية تتيح للعلماني ان يمارس قناعاته، في نشاط مستقل وأن يمارس فعاليته الوطنية، كإنسان مستقل، متحرر، غير تابع، يؤمن بالحرية.
أنت علماني، مأزقك في لبنان أنك تمثل وعيا حديثا للذات وللإنسان، لك وللآخر، للدولة وطبيعتها، للقوانين ووضعيتها، للبشري والديني وللحدود الفاصلة بين الله وقيصره. أنت العلماني، أحدثت قطيعة نهائية وحاسمة مع تركة العصور الوسطى، وموروثات المجتمع الاقطاعي، وشروط الانتماء للماضي. أنت تتجه الى المستقبل. ولذلك، أنت ستبقى مطرودا، عن سابق تصور وتصميم. أنت الخطر الجميل، فابقَ في الحجر السياسي. أنت علماني، إذاً، أنت ممنوع من الوجود في لبنان، برغم أنك ممتلئ الوجود بذاتك وفكرك ووعيك وثقافتك وانتمائك وانسانيتك ووطنيتك.
أنت والطائفي ضدان، لا يلتقيان.
هو موجود بالتمام والكمال. بكل أوبئته المتنامية، وأنت مغلوب على أمرك، متسكع، سائح، او اي شيء آخر، باستثناء ان تكون مواطنا. كي تكون لبنانيا، بطريقة ما، بتلفيق ما، بنفاق ما، بقضية معلنة ما، عليك ان تعيش بالمثنى: تفكر علمانيا، وتمارس طائفيا. الطائفي اكثر انسجاما. إنه مقيم في مقعده. مرتاح لوضعه. يتناقض مع من يشبهه من الطوائف الاخرى. يقلِّد ويقلَّد، يَنسخ ويُستنسخ. يتأصل في الماضي. يطرح مستقبله على صورة ماضيه ويصنعه أشد شناعة.
الطائفي استشرى، فاض عن مواقعه المقررة في القوانين. احتل بواسطة الأعراف المستحدثة، كل الأمكنة. صار أقوى من النص، أقوى من الدولة. هو الأقوى دائما. في الحروب هو الأفعل والأشد فتكا. في السلم، هو الأكثر انتفاعا وانتقاما، فأين مقام العلماني؟
هل حُكم عليه بالإعدام السياسي المؤبد؟ هل يرضخ لمصير يخطه له نقيضه الطائفي، فيقوده الى معارك خاسرة، ونظام خائر، ودولة كسيحة ومجتمع تنكسر أجنحته قبل التحليق؟
أم ان العلماني يستطيب نظافة فكره وينتفخ بالاكتفاء الذاتي لوعيه، فيصب نقده وشتائمه على أبناء جلدته، وبلده، وكفى الله؟ أم أنه ينقد مسيرته التي لم تُنتج بعد، مشروعا قابلا للتنفيذ؟ الحق على الطائفي؟
قليلا.
الحق على العلماني؟
ربما تقع عليه مسؤولية العمل للنجاح. فالطائفي، أثبت جدارته بالعمل والمثابرة والتضحية والاحتيال وكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة. فماذا فعل العلماني، سوى الخدمة المجانية أحيانا، في هذا المعسكر الطائفي، او ذاك، حربا وسلما. ثم خرج بخفي حنين. يلعن الطائفي ويبرئ نفسه.
متى يصير العلماني بإيمانه ووعيه، علمانيا ملتزما بالعمل والجهد والعقل والممارسة، في كافة أنشطة الحياة الاجتماعية والسياسية؟ متى يبدع العلماني، حيزه الخاص، أرضيته الخاصة، فضاءه الخاص، ويقول: هذا أنا هنا. علماني بجدارة الإنتاج والنشاط. علماني، يساهم في موقعه العلماني، بمقاربة حاسمة، بكل القضايا الوطنية والسياسية والاجتماعية والقومية والاقتصادية. الطائفي لن يعطي العلماني ولن يتحنن عليه.
العلماني أعطى الطائفي. قدم له الدماء والأصوات والخبرات والتجارب والتنظير، وخرج خائبا، بلا حيز. لا مكان لإقامته كعلماني.
هل يقرر العلماني، أن يقول: كفى هدرا للوقت والجهد. ولنبدأ ببناء مؤسسات علمانية، ننشط فيها، في مشروع بعيد المنال، ولكنه أكيد، نحول فيه الدولة، من مزرعة الطوائف الشرسة، الى وطن ديموقراطي، ويستقوي على مشكلاته، بالعقل والحوار والديموقراطية. وتكون العلمانية ركيزة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات؟
تلك هي المسألة... وهنا بعض المحاولة.
أمامنا أبواب مغلقة كثيرة... وعلينا ان نصنع مفاتيحنا بأيدينا، فإن لم.. نخلع هذه الأبواب الصدئة والموصدة.
أولا: باب النظام:
أقفل الدستور اللبناني، بصيغتيه، الباب أمام تطوير النظام اللبناني. فالمادة 95 الأصلية والمعدلة، وهي حجر الزاوية التي أقيم عليها البناء الطائفي المرصوص، نصت على <العدل الطائفي> الموقت في إدارة شؤون الدولة وفي وظائفها، كما حدد اتفاق الطائف اسلوبا لتنفيذ هذه <العدالة الطائفية> عبر <نظام المحاصصة> الظالم: المناصفة بين الدينين والمحاصصة النسبية بين الطوائف والمناطق. وقد احترم السياسيون هذه المادة الدستورية، وأتقنوا التجييش لتطبيق المعطى الدستوري هنا، حرفا وروحا.
طبقوا المحاصصة بحذافيرها وشتموها. المهم التطبيق. لشتم ديكور أخلاقي. طلاء كلامي. مسحوق تجميلي.
طبقوا المحاصصة بأصولية وسلفية أكيدة. واتهموها بتسبب الفساد: الفساد السياسي، الهدر المالي، النهب المفضوح. كلامهم وشعاراتهم عن محاربة الفساد جعجعة بلا طحين. فساد من دون فاسدين. فليكن. اذا انتشر الفساد، كان ذلك سيئا نسبيا. المهم، ان لا تنتهك قداسة المحاصصة الفاجرة، مسببة الفساد العام.
لم يفتح الدستور نافذة صغيرة لتطوير النظام باتجاه الغاء الطائفية. والنافذة المزعومة الواردة في المادة ,95 مغلقة الى أجل غير مسمى. الهيئة الوطنية العليا لإلغاء الطائفية، شاخت قبل ان تولد. وان أتيح لها الولادة، فستولد ميتة ولن تُبعث حية. القاعدة الذهبية الفاضلة تقول: لا يعدم المرء نفسه. لا يعلق رقبته في أنشوطة الإعدام. لا يقصلها. الطائفي لا يوقع على مرسوم او قانون إلغائه.
ولهذا، يزداد النظام اللبناني انغلاقا على ذاته، وعزلة عن ناسه. الناس عوضوا عن لجوئهم الى الدولة بالركون الى الطائفة. الطائفة دولتهم الصغيرة. وطنهم المريح. الطائفة هواؤهم السياسي واختناقهم كذلك. العامة الطائفية مؤمنة عن جد بالطائفية. أما نخب الطوائف وزعاماتها، فهي تدرك مخاطر الطائفية، ولكنها تفضل اللعب بها وقيادتها لأنها مطية سهلة لتأمين أقصى المنافع والمصالح والنفوذ السهل. عامة الطائفة، لا تحاسب زعاماتها. العامة تطوب قادتها وتؤبدها. العامة تبذل دمها وعرقها وكرامتها لبقاء لواء الطائفة عاليا. بؤساء الطوائف يرون خلاصهم في الجحيم الطائفي.
فكيف يطلب الى هذه الطبقة إلغاء الطائفية؟
إن إلغاء الطائفية يمهد لإلغائهم، والغاء امتيازاتهم. فالمادة 95 أغلقت النوافذ كلها.. ورسمت عوضا عن ذلك اطارا غامضا وقالت: هذه نافذة للمستقبل. فما العمل، إذا كان اتفاق الطائف لم يترك للعلماني منفذا واحدا للعبور الى النظام ولم يرسم طريقا لهذا النظام للخروج من مأزقه واختناقه؟
للدستور أبواب اخرى، أهملها اللبنانيون. لعل أبرزها حق الانتماء والمساواة والعدالة وحق الاختيار والحرية. هذه النصوص قد تشكل اسلوبا للنضال ضد الطائفية.
ثانيا: باب الأحزاب:
يعول التغيير والتطوير على الأحزاب، كتنظيم حديث، يقوم على الانتماء الحر والالتزام بفكر او ببرنامج سياسي، والنضال من أجل نصرة مشروع أو قضية.
نظريا الأحزاب الديموقراطية أداة للتغيير الديموقراطي. الأحزاب العلمانية أداة نضالية للتغيير باتجاه العلمانية، أداة تبشير وتنفيذ وتقييم فكرتها وبرنامجها. الأحزاب الشيوعية او الاشتراكية تقوم بأداء فكري نظري مرتبط بأداء عملي يتناسب مع الأهداف المرسومة.
استقرت الأحزاب في لبنان بعد طول مخاض في أحضان الطوائف او في القطار الطائفي. بعض هذه الاحزاب كان علمانيا جدا وما زال. وبعضها نشأ ضد الطائفية ثم تقلص فبات طائفيا بمنسوب مرتفع. الحزب التقدمي الاشتراكي، بدأ مسيرة مشتركة من كل الطوائف ثم استقر في البيئة الدرزية. حركة المحرومين التي قادها السيد موسى الصدر ازدانت بأسماء نخب لاطائفية من كل الطوائف. كانوا قادة رأي وفكر وإدارة. وبعد مسيرة قصيرة جدا استقرت في الحضن الشيعي فقط لا غير. أحزاب الناصريين القومية بعد عبور سريع من الوحدة الى التفكك وجدت ما تبقى منها، معبرا عن شرائح سنية قليلة.
الأحزاب العقائدية والعلمانية حافظت على نقاوة العقيدة في الخطاب الايديولوجي ولفقته مع النظام الطائفي في الخطاب والحراك السياسيين. لجأت في ممارستها الى المفاضلة بين طائفة وطنية وأخرى لاوطنية. بين طائفة ترش الأرز على العدو، وطائفة <سترشه> في ما بعد... الى آخره.
طرحت على مستوى الايديولوجيا: تغيير النظام الطائفي. إلغاء الطائفية او الطائفية السياسية. استمرت في ترداد عيوب النظام الطائفي بوتيرة سبقها فيها أهل الطوائف جميعا. ادعت أنها تريد إقامة نظام علماني. ولكنها لم تفعل، بل غالبا ما جاء سلوكها السياسي متحالفا مع الطوائف مصطفا الى جانبها، وخائضا معاركه.
(?) كاتب لبناني