فتنة وإرهاب ومبادرات إصلاحية

د. محمد السيد سعيد

 

خلال الأسبوع الماضي كانت قوات الشرطة المصرية تلاحق ثلاثة أنواع من الأحداث. النوع الأول هو أحداث الفتنة الطائفية بالإسكندرية, والنوع الثاني هو أحداث الإرهاب في دهب, أما النوع الثالث فهو أحداث أقل حجماً بكثير من الناحية الجماهيرية ولكنها أكثر أهمية من الناحية الرمزية والنوعية، وهي المبادرات التي تقدم بها نادي القضاة ونقابة الصحفيين المصريين لإصلاح تشريعات القضاء والصحافة.
وسوف نترك للتاريخ الحكم على أداء قوات الشرطة في هذه الأحداث الثلاثة, فهذا ليس موضوعنا. ولكن لابد من الإشارة ولو بصورة عابرة إلى عودة الشرطة إلى تقاليدها وممارساتها السابقة والتي أدت إلى تدهور شديد في علاقتها بالصحفيين والقضاة والمثقفين والنشطاء السياسيين. ففي يوم الأربعاء الماضي, قامت الشرطة بحصار عدد محدود للغاية من النشطاء السياسيين الذين قاموا باعتصام رمزي على رصيف بشارع عبد الخالق ثروت تأييداً لمطالب نادي القضاة, بأعداد مذهلة من الجنود والضباط, حتى ليتخيل المرء أن قوات الشرطة مقبلة على حرب كبيرة, تتبع فيها أساليب النشر العسكري التكتيكي بين ميمنة وميسرة وصدارة القوات, وبين جيش رسمي وآخر شعبي من أشخاص مقتدرين جسمانياً يرتدون ملابس مدنية (بالطبع لزوم التفلت من مسؤولية أعمال معينة يعتقد الجميع أنها لا تليق بقوات الدولة الشرطية). وكان من المقبول تماماً أن يخصص هذا العدد الكبير من الجنود والضباط لوقف أعمال السلب والنهب وأعمال الفوضى الجنائية الأخرى التي أعقبت أحداث الفتنة الطائفية يوم الجمعة السابق في الإسكندرية, وذلك لإظهار موقف الدولة الحاسم من الفتنة الطائفية وخاصة عندما تتعدى المشاحنات الكلامية إلى مستوى الأعمال الإجرامية, ولم يكن هناك أي تفسير عاقل لفقدان التناسب بين حجم الجيش الشرطي وعدد المنخرطين في الشغب المرتبط بأحداث الفتنة الطائفية في الإسكندرية يوم الجمعة السابق, ولا بين حجم الجيش الشرطي وعمليات الهتاف أمام سلالم نقابة الصحفيين التي نشطت بعد إلقاء القبض على المعتصمين يوم الأربعاء الماضي. فبينما تفوق المشاغبون على قوات الشرطة في أحداث الإسكندرية بنسبة خمسين مشاغباً لكل جندي حدث العكس في شارع عبد الخالق ثروت, فالنسبة تقترب من خمسين جندياً لكل معتصم أو هتيف.
وقد فشل الجميع أمام مهمة تفسير هذه المظاهرة العسكرية الكبيرة لحصار وإلقاء القبض على نحو خمسين مثقفاً وناشطاً وصحفياً شاركوا إما في الاعتصام أو في الهتاف, إلا أن الجميع تقديراً لهيبة الدولة وخبرائها الشرطيين- استبعدوا أن تكون عشوائية. إذ يستحيل أن تحشد الدولة هذا العدد لمجرد تخويف أو إلقاء القبض على هذا العدد من النشطاء. وروج بعض هؤلاء النشطاء نكتة تقول إنه كان يكفيهم أقل من نصف جندي لتحقيق هذا الغرض. كما روج آخرون لنكتة تقول بأنهم إذا كانوا يتمتعون بالقوة الكونية التي تستدعي حصارهم بنحو خمسين ضعف عددهم, فإنه كان من الأفضل للدولة أن تترك لهم مهمة التصدي للإرهاب, على الأقل في سيناء. ولو فعلت لما وقع ما وقع في دهب!
وبعيدا عن إيقاع النكتة, فإن دلالتها الرمزية وعمقها الفكري دالان للغاية على الخلل الكبير للمجتمع والذي ظهر في الأحداث الأخرى وخاصة الإرهاب والفتن الطائفية المتكررة. وبالفعل يؤكد الخبراء أن من الظلم للشرطة أن تكون هي من يتصدى للإرهاب والفتن الطائفية في غيبة الأبعاد الجوهرية الأخرى للسياسة. ويكفينا هنا ما يقوله الخبير الاستراتيجي الكبير اللواء أحمد عبد الحليم ونشرت منه الأهرام مقتطفاً موجزاً يوم الجمعة الماضي.
مناهضة الإرهاب تستلزم ما هو أكثر بكثير جداً من المواجهة البوليسية. فالمواجهة تحتاج إلى أبعاد ومبادرات فكرية وسياسية وتنظيمية وتعبوية تصب كلها في نهر واحد هو السياسة العامة. هذا هو ما يردده الخبراء جميعاً مع اللواء أحمد عبد الحليم, وهو صحيح كل الصحة, ويبلور إجماعاً واضحاً في مختلف الدراسات العالمية الجادة حول الإرهاب. وإذا كان ذلك صحيحاً بالنسبة للإرهاب فهو أكثر أهمية وأعمق مغزى وأبعد تأثيراً بكثير فيما يتعلق بالفتنة الطائفية.
ورغم وضوح هذه الفكرة الجوهرية فإن تطبيقها يبدو بالغ الصعوبة بدون التعمق في فهم جذور ومن ثم حل المشكلة التي تؤدي إلى الإرهاب حيناً والفتن الطائفية حيناً آخر, والأمران معاً معظم الأوقات. ولا نتحدث هنا عن مصر بالذات بل عن عدد كبير من الدول والمجتمعات, بما فيها الولايات المتحدة وإسرائيل مثلاً. فرغم أن هاتين الدولتين تستعينان بالعلم والعلماء في مواجهة أكثر المشاكل, فإنهما واجهتا تحدي ما تسميانه بالإرهاب بنفس الطريقة البوليسية القائمة على العنف المطلق, وبدون الاستعداد للأخذ بالتغييرات الضرورية لمعالجة شاملة للمشكلة أو المشكلات التي تولد الإرهاب, لأن هذه المعالجة تقتضي إحداث تغيير مهم في طبيعة الدولة وتصفية البعد العنصري سواء في علاقة إسرائيل بالشعب الفلسطيني, أو في علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة العربية والإسلامية ككل.
مصر بدورها لم تتقدم حتى الآن للأخذ بمعالجة شاملة لظاهرتي الإرهاب والفتن الطائفية، لأنها لا تريد أن تحدث التغييرات العميقة الضرورية في هذه المعالجة. وتمثل الفتنة الطائفية والإرهاب وجهين مختلفين ومتصلين للأزمة الاجتماعية والسياسية التي نشأت مع هزيمة عام 1967 وتعمقت بصورة مطردة, وأخذت تتحرك بين مد وجزر خلال الفترة التالية وحتى الآن. ورغم تعدد أبعاد هذه الأزمة، فإنه يمكن تلخيصها في مشكلة المرجعية التي هي أساس الشرعية السياسية ومن ثم شكل وطبيعة الدولة. والإرهاب هو في نهاية التحليل محاولة عنيفة لفرض مرجعية جديدة للدولة. ترمي هذه المحاولة إلى حل الأزمة ليس عن طريق بناء دولة ديمقراطية, وإنما تحديداً بناء دولة شمولية تقوم على فهم وتفسير متشدد للدين يفرض على الدولة خوض صراعات دينية على المستوى العالمي. والفتنة الطائفية هي في الجوهر ناتج ثانوي للتفاعلات والتعقيدات المرتبطة بمحاولة إضفاء طابع أو طبيعة دينية على الدولة المصرية, بهذا المعنى. وبينما لا يضمن التحول إلى دولة دينية توقف الإرهاب, فإنه يقود إلى مأسسة الفتن الطائفية, ويقسم المجتمع إلى كتلتين. ومن جانب آخر فإن الديمقراطية لا تضمن توقف الإرهاب, ولكنها تضمن مناهضته على أسس مبدئية وأخلاقية, وعلى نحو يشرك الشعب كله في النضال ضده. وعلى نفس الدرجة من الأهمية فإن القيمة الحقيقية للديمقراطية تتمثل في دفع تطور الدولة الوطنية وضمان انطلاقها على طريق أو في سماوات النهضة. وبوجه عام, لن تتمكن من مواجهة الإرهاب وإنهائه على المدى الطويل سوى الدول الديمقراطية. ومن ثم فإن المعالجة الوحيدة الممكنة لمشكلتي الفتنة الطائفية والإرهاب معاً تقوم في الجوهر على التحول الديمقراطي, وهو التحول الذي يحل مرة واحدة وبصورة شاملة مشكلة أو أزمة الشرعية.
وهنا تحديداً تكمن أهمية المبادرات الإصلاحية التي يطالب بها نشطاء المجتمع المدني مع المثقفين والصحفيين والقضاة وأساتذة الجامعات وجميع النقابات المهنية النشطة تقريباً, فضلاً عن المفكرين والمشتغلين بالعمل العام, والأحزاب السياسية.
وهنا أيضاً يكمن الخلل الأهم في ملاحقة الشرطة لهذه الأحداث كلها بنفس الطريقة وإن لم يكن بالمنظور نفسه أو الهدف ذاته. فملاحقة المثقفين والنشطاء والصدام مع القضاة... لا يضعف قوى الإصلاح فحسب, بل إنه يضعف المقاومة الطبيعية للفتن الطائفية ولقوى الإرهاب.