المسيحية العربية في المآلات والمصائر ... أزمة الواقع ومشكلات الرؤية والأفق

رضوان السيد :الحياة 29 /4/2006

شَهِدتُ بسلطنة عُمان زيارة قام بها البطريرك غريغوريوس الثالث لحام، البطريرك الأنطاكي للروم الكاثوليك. وقد قال الشيخ الجليل كلاماً طيباً في الإعلام عن العرب والعروبة، وكيف لا وهو يُسمي الكنيسة التي يتزعمها: الكنيسة الملكية الكاثوليكية العربية، وقد أتبع ذلك بمحاضرة عن الانتماء المسيحي العربي. كما قال كلاماً طيباً أيضاً عن العلاقة بالإسلام والمسلمين، وكيف لا، وقد كان قبل بطريركيته مطراناً للقدس لمدى عشرين عاماً، وعُرفت عنه علائقه الوثيقة بالمسلمين أُناساً ومقامات دينية، وقد أنشأ جمعيات وقاد مبادرات هدفها توثيق صلات الانتماء والتاريخ بين سكان المدينة، والدفاع عن الهوية العربية لبيت المقدس في وجه الصهيونية الزاحفة.
والروم الكاثوليك في الأصل جزء من الكنيسة الأرثوذكسية أو كنيسة الروم الأرثوذكس. ثم انشقوا عنهم عام 1724 بحلب، وامتد الانشقاق الى مدن وبلدات سورية وفلسطين ولبنان فمصر. وبذلك فقد كان هؤلاء الجزء الوحيد من الأرثوذكس القدامى الذين تبعوا بابا روما، في حين أن المعروف انضواء الكثرة الساحقة من الكنائس السريانية للمسيحية الكاثوليكية الغربية، وميل بعض الأرثوذكس للانتماء الى الكنائس الانجيلية. ولست أقصد هنا الى إعطاء درس في التقاليد الثلاثة في المسيحية القديمة بالبلدان العربية الكلاسيكية: التقليد اليوناني (الروم الأرثوذكس) والتقليد القبطي (أقباط مصر والقرن الأفريقي)، والتقليد السرياني (اليعاقبة والنساطرة والموارنة). فمنذ القرن التاسع الميلادي بدأت حركات تعرُّب وتعريب على تفاوت في سائر الكنائس: في القداس والكتابات والإدارة. إنما ما أردت الإشارة اليه المصائر غير الواعدة للمسيحية العربية في حاضر العرب ومستقبلهم. كانت الهزة الأولى التي نالت من المسيحيين العرب على مشارف الأزمنة الحديثة إذن موجات التبشير الغربي الكاثوليكي والبروتستانتي. فقد تسببت دعوات التبشير ومدارسه في تشرذم مسيحية المشرق العربي. لكنها بعثت أيضاً حركة مقاومة ونهوض في أوساط المتشبثين بتقاليدهم، تُشبه تلك الحركة التي انبعثت في أوساط المسلمين لمواجهة صدمة الغرب بالإحياء وبالتجديد وبالإصلاح. وساعدت في ذلك ظروف ظهور المجتمعات الحديثة بالشرق، وتقدم المسيحيين على المسلمين في التواصل مع الغرب الأوروبي ثم الأميركي في اللغة والتجارة والهجرة وثقافة العيش والتصرف. وظهرت آثار ذلك على المسيحيين العرب في عصر التنظيمات في الدولة العثمانية، فقد استتبت لهم المساواة في الحقوق باسم مبدأ المواطنة، وتحققت لهم ريادات في حركات التحديث وجهوده في سائر المجالات، ومنها المجال الاقتصادي والمجال التعليمي والمجال السياسي. ويذهب بعض الباحثين الى ان المسيحيين العرب كانوا رُبع السكان في المشرق العربي في مطالع القرن العشرين. ومن ضمن هذه الاندفاعة إقبال الفرنسيين استجابة لمساعي المسيحيين الموارنة على إنشاء الكيان اللبناني، حيث استتبت لهم أرجحية فيه. وما قلّت أدوارهم عن ذلك في البلدان العربية الأخرى مثل مصر وفلسطين وسورية والأردن وحتى العراق.
بيد أن هذه الاندفاعة تعرضت لتعويق كبير منذ منتصف القرن العشرين، ثم انطلقت هجرة جديدة الى الأميركتين بنسبة أعلى بكثير مما حدث في صفوف المسلمين. ولا يزال الأمر على هذا النحو حتى اليوم. ولذلك يقال الآن إن المسيحيين العرب لا يزيد عددهم على الـ10 في المئة من مجموع عرب المشرق. وهم يتضاءلون في شكل مفزع في العراق وفلسطين، وكذلك الأمر في سورية، في حين تخف الأوزان الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لسائر طوائفهم وكنائسهم في لبنان ومصر.
ما هي الأسباب الداعية لذلك؟ هناك حديث كثير عن العلل السياسية المتمثلة في استتباب السيطرة لأنظمة استبدادية منذ الخمسينات من القرن العشرين، وقد أثّر ذلك في حركية سائر الفئات الاجتماعية، لكن الأقليات المسيحية تأثرت أكثر. وقد كانت شرائح واسعة من المسيحيين تنشط في التجارة والأعمال. وقد تعرضت هذه القطاعات كما هو معروف للتأميمات والتضييق في بلدان عربية رئيسة، فدفع التهميش السياسي والاقتصادي الى التغرب للتضييق في سبل العيش. والمعروف ان مسيحيين عرباً كثيرين نزحوا الى لبنان وتوطنوا فيه وصاروا جزءاً من مواطنيه. لكن النزاع الداخلي الذي اشتعل في السبعينات دفع الى هجرة جديدة وصلت الى كندا وأستراليا. ولأن المسيحيين العرب تلقوا حتى السبعينات من القرن العشرين تعليماً أفضل وأحدث، فقد كانت الحركة لديهم أسهل، وظلوا أقدر على التلاؤم مع المجتمعات الغربية الحديثة، وأسرع في الحصول على فُرص الأعمال والنجاح. والمعروف لدى المتتبعين للهجرة المسيحية أنك قد تجد قرية كاملة أو شارعاً ضخماً في مدن وبلدات أميركا اللاتينية وكندا وأستراليا، أصوله من ناحية بلبنان أو بفلسطين أو بالعراق.
بيد أن هناك متغيراً اجتماعياً مهماً يتجاوز التهميش السياسي والحقوقي والاقتصادي، يتمثل في تصاعد وعي الخصوصية والذاتية لدى المسلمين العرب، في ما صار يعرف باسم الصحوة الإسلامية. وقد غيرت الصحوة هذه من أنماط الحياة وأساليبها في المدن والبلدات والقرى، وأوجدت حالات من الجفاء غير المقصود، ومن الغربة والغرابة. وفي ما عدا لبنان ومصر ما عاد هناك ريف يتمازج فيه المسيحيون والمسلمون ويتعايشون عيشاً مشتركاً، بل غادر المسيحيون الأرياف الى المدن، وآثروا الانفراد بأحياء خاصة إن أمكن، لكي يتمكنوا من ممارسة طقوسهم الدينية، وعاداتهم الاجتماعية بحرية. ومن ضمن المتغيرات الاجتماعية/ الثقافية تلك التوترات التي تحدث في مصر، في العقود الأخيرة (ومنها ما حدث في الاسكندرية قبل أسبوعين)، لكن مصر لا تنفرد بها. ومن اللافت ألاّ يفوز أحد أو يفوز عدد قليل جداً من المسيحيين في الانتخابات البلدية والنيابية في بلدان المشرق العربي، إلا إذا تدخلت السلطة في تعيين المسيحيين في المجالس المنتخبة(!) لأن الأكثرية الإسلامية لم تعد تصوّت إلا للمحافظين أو المتشددين من المسلمين. ومع ان حركة حماس في فلسطين أو حركة الإخوان المسلمين في مصر، لا تملكان شيئاًَ ضد المسيحيين، فلا شك في أن أطروحة الدولة الإسلامية التي تطبّق الشريعة، وشعار الإسلام هو الحل، كل ذلك يثير قلق المسيحيين ومخاوفهم.
تواجه سائر الفئات الشعبية مشكلات مع الأنظمة المتحكمة منذ عقود. بيد أن المسيحيين يحسّون أكثر من غيرهم بثقل تلك الوطأة. وقد كنت أرى أن قدوم الديموقراطية سيجلب معه راحة للمسلمين والمسيحيين على حد سواء. لكن الواضح الآن أن الحركات الشعبية الإسلامية هي التي ستسود المشهد بالتدريج في الانتخابات الحرة. وهؤلاء (أو زعماؤهم على الأقل) لا يملكون شيئاً ضد المسيحيين وخصوماتهم السياسية ليست معهم، لكنهم لا يملكون وعياً بهم أو بخصوصياتهم أو بحقوقهم. فلدى كثرة كاثرة من الجمهور الإسلامي حال من السخط والغضب على واقعهم وواقع أنظمتهم، وعلاقاتهم المختلة بالعالم. وهذا الضيق لا يترك مجالاً للرحابة في تقبل التنوع أو التحسب لإمكانات وخيارات العيش المشترك.
قال الروائي اللبناني المعروف أمين معلوف في كتيّب بعنوان: الهويات القاتلة إن المسيحيين كانوا في العصور الوسطى أقل تسامحاً تجاه الآخر من المسلمين، في حين صار المسلمون اليوم أقل تسامحاً من المسيحيين. ولست أدري إن كان هذا الحكم صحيحاً. بيد أن الذي أدريه ان عيشنا المشترك في هذا الشرق ليس بخير، وأن المسيحيين العرب بسبب من ذلك تزداد معاناتهم أو بالأحرى تزداد هجرتهم، ويكون علينا جميعاً أن نفعل شيئاً إن لم يكن لمصلحة المسيحيين، فلمصلحة استمرار العيش الإنساني في منطقتنا وعالمنا.