الدولة التسلطية في ازدهارها العولمي:  محنة السلطة أم محنة العقل؟

الشيخ ماجد    السفير

 

قد لا تكون السياسة في أحد أكثر تجلياتها توقاً للحرية مجرد تحكم بالسلطة، انما هي في إمكانية تحويل السلطة الى موضوع للمعرفة، كنتاج لتراكم الخبرات والتجارب، وبما يدعم تحولها من سلطة غريزية بدائية، الى سلطة عقلانية تمتلك آلياتها القادرة على خلق تحولات مجتمعية هامة، لإحداثك نقلة نوعية تاريخية باتجاه التحضر والحداثة في سياق تراكم معرفي يقطع مع التبعية المعرفية المتداولة، ويخولها التحول الى مصدر من مصادر إشاعة الحرية، والحض على ممارسة الخيارات الديموقراطية، بدلا من كونها المصدر الأول العامل على تكريس سلطتها وسلطة نخبها بوجهها القمعي العنفي.
وفي هذا الطور من أطوار السلطة الاستبدادية، لم تقترب <الدولة> الراهنة القائمة باتجاه تكريس ثقافة المواطنة، قدر ما كرست لمفاهيم الرعية. وما الاشكال الانتخابية الراهنة إلا مفاعيل تقليدية لتوليد السلطة وتأبيدها <كمؤسسة> تقوم على التداور بين أجيال من نخب تتناسخ وتتناسل في خط نمطي تتعدد أشكاله، لكنه لا يرقى الى مستوى <التوزيع العادل> لمصادر السلطة، حيث يلعب المال السياسي والمحسوبيات والنفوذ المهيمن لرموز السلطة العليا دوره <التاريخي> في تكريس ما يسندها على الدوام من آليات ووسائل الهيمنة على المركز السلطوي الأقوى وأجهزته ومؤسساته الأمنية والبيروقراطية، وهي الأخرى ليست إلا مصدرا من مصادر السلطة الفردية القائمة على التبعية الكاملة للزعيم الفرد وسلطته الفردية المطلقة.
وفي الحلقة الراهنة من <تطور> السلطة أو أشكال السلطات القائمة في أروقة <الدولة>. هل أبقت العولمة الليبرالية المتوحشة تلك <الدولة> كما كانت قد تحددت أشكالها وطبائعها من قبل كدولة قومية أو دولة/ أمة أو دولة مواطنيها؟
لقد حوّلت العولمة الهادفة الى إعادة استعباد الدول والشعوب، وكسر إرادة المجتمعات، كل شيء الى مادة استعمالية قابلة للتوظيف، توسلاً للوصول الى هيمنة مطلقة، فما عادت الدولة سوى شتات دولة/ سوق، وما عاد المجتمع سوى تابع من توابع هذا الشتات، الذي أضحى في زمن العولمة أداة من أدوات التسلط والاستبداد، ما دامت الدولة/ السوق باتت أكثر اعتماداً على موارد المساعدات والقروض والهبات الواردة اليها من الخارج، ما حوّل دورها ووظيفتها الى مجرد أداة فئوية معادية لمجتمعها، الذي سبق وان ركنته جانباً، حين لم يعد له أي دور جوهري في بناء دولته، وحين لم تعد <الدولة> تشكل تلك الثمرة التي تنتجها شجرة المجتمع.
وفي ظل تآكل السياسة، وتفتيت وانقسام المجتمعات العربية، وارتداد السلطة الى صيغتها البدائية الاولى، كفرع من فروع العشيرة القبلية والعائلية الأضيق، تتلاشى الوحدة كمكون من مكونات التأسيس المجتمعي لعصب الدولة، سافرة عن وجه من وجوه <وحدة السلطة> بنخبها السياسية/ العسكرية/ البيروقراطية المدنية/ الأمنية، مضافاً الى هذا المزيج ذاك المال السياسي الذي أنتجته تلك <الوحدة>، مساهماً أول في لعبة تداور السلطة، وما يحيطها من حال انتشار الرشوة والفساد، والإفساد العامل على تكتيل وحدة هلامية، أضحت تتحلق حول نخب السلطة، مشكلة سمة من سمات القواعد الاجتماعية المنفعية ريعية الطابع.
وفي وسط هذا الهلام والهباء، وإذ لم يبق من الوحدة، سوى هذا الشكل الوحيد من خراب الاتحاد والتوحد، فإن الوطنية والعقيدية أحياناً باتت حكراً على نخب السلطات المستجدة، وما عداها فهو خارج هذا <المقدس> الدنيوي، لسلطة تقارب بين هيمنتها وهيمنة القدر، ورؤيتها لذاتها كونها المطلق الذي لا يأتيه الباطل من أي اتجاه..!!
من المفهوم ان تكون <الوحدة الوطنية> كغاية وكهدف، موجهة الى الخارج، لكن أن تكون وسيلة من وسائل مواجهة الشعب والمجتمع، فتلك إحدى أكثر آفات الاستبداد والتسلط خروجاً عن منطق الاجتماع البشري، فوحدة نخب السلطة وكيفما تمظهرت هي وحدة مؤقتة، طابعها المصلحة الآنية المباشرة المؤقتة والمحددة برؤية كل من أطرافها لمصالحه في نطاق هذه الوحدة، وخدمتها لتلك المصالح. وإلا فإن ما يجمع هذه النخب في نسق سلوكها السلطوي، ليس إلا محددات تلك العلاقة في سياق ممارستها للعبة السلطة عبر التزام قواعدها، وأي شذوذ عنها أو خروج منها ليس سوى خروج على/ ومن جنة النظام نظام السلطة ونخبها .
في أكثر الحالات شيوعاً، لم تؤسس الدولة اجتماعها السلطوي، إلا على حساب مجتمعها وشعبها، معتمدة على آليات ووسائل إخضاع وسيطرة، إما أنها تستمدها من الخارج، عبر خضوعها له، اعتماداً على استجاباتها المستمرة للإملاءات وسياسات الاستتباع والهيمنة، أو أنها تستمدها من الداخل، بالعمل على إقصاء وتهميش قوى الداخل الوطني، واحتكار كل وسائل السيطرة وآليات الهيمنة، من اقتصادية وسياسية واجتماعية ودينية. حتى ولو أدى الأمر الى مماهاة سلوكها وسلوك القوى الخارجية، في الاستيلاء على كل ما من شأنه المساهمة في تفتيت وحدة المجتمع ومكوناته كافة.
وفي ظل <حداثتها> الراهنة، فإن الدولة وإن نجحت في إنتاج آليات ووسائل هيمنتها السلطوية، إلا أنها لم تنجح مطلقاً في تأسيس آليات تحولها الى دولة إصلاحية حديثة، وبما يؤهلها للتقدم خطوة باتجاه دمقرطة سلوكها، أو تقريب مجتمعها من انتهاج آلية ديموقراطية حديثة، يخرجها من حالة الريعية والفساد والاستبداد الذي تعيشه، قدر ما تذهب وبتوجه واع منها نحو الحفاظ على تقليديتها وتقليدية مجتمعها، بمعنى حراسة الراهن وإبقائه راهناً على الدوام، ضماناً لسلاسة قيادها له، حفاظاً على سلامتها و<سلامته>!! حتى وإن اتجهت توجهات نقيضة لسلام المجتمع ومكوناته الوطنية.
ولئن احتل طوائفيو الاقطاع السلطوي الحاكم الفضاء العام للسياسة، بعد أن اجتاحت قطعانهم مجتمع الدولة قبل ذلك، حين تحولت النخب الى أداة للسيطرة على الدولة وعلى المجتمع، فقد أصبحنا أمام <حالة أندلسية>، حيث ملوك الطوائف وإقطاعيوها يتفلتون من بين ظهراني مجتمعاتهم وشعوبهم وأوطانهم، الواحد بعد الآخر، محققين لعولمة الاستعمار الجديد، ما لم تكن تحققه <الدولة> قديماً، وهي تحت الاحتلال، أو تحت الوصاية، والانتداب الاجنبي، الذي حكم بلادنا قروناً طويلة. وفي الوقت الذي لم يستطع الفكر السياسي العربي التقليدي الذي يهيمن على الحياة العامة، أن يبلور نظرية ثقافية أو ثقافة نظرية سياسية للحكم، فإن شعوبنا ومجتمعاتنا ما زالت تعاني آثار غياب الثقافة السياسية تلك غياباً في كل ما هو منتج على الصعيد العملي، فالبطالة التي تعيشها أغلب القوى العاملة والمؤهلة للعمل الانتاجي، ما هي إلا أحد مظاهر الازمة أو الازمات المتراكمة التي تعكس حالة العطالة السياسية والذكرية التي تعيشها مجتمعاتنا. وفي ظل فردية النظام السياسي في أروقة <الدولة> العربية، وحدها مؤسسات السلطة هي التي تعمل وفق <مؤسسية> طابعها فردي هي الأخرى، تلك هي المؤسسات البيروقراطية للنظام وأدواته العسكرية/ الأمنية والبوليسية/ الاستخباراتية. وحتى تلك النقابية، والأشكال الاخرى من أشباه المجتمع المدني المرتبطة بأجهزة السلطة، لا تتخارج عن كونها إنما تشتغل وفق آليات الفردية ذاتها، التي تجمع كامل أشكال السلطة في بوتقة النظام السياسي المهيمن على المجتمع، وهي كلها تتغذى وتتعيش وتتعايش، على قاعدة اشتغالها في ممارسة العنف القمعي ضد كل ما يضادها أو يناهضها، من قوى مجتمعية أو سياسية أو نقابية أو ثقافية، في طموحها وتوقها للحرية، وممارستها لحقها الطبيعي في الانتخاب الحر المباشر، ضمن عملية ديموقراطية يحتجزها النظام وتصادرها السلطة، وتغيبها المؤسسات البيروقراطية العاجزة عن بلورة أي شكل من أشكال ممارسة الحياة الطبيعية.
لقد أسست سنوات الرصاص/ الغضب/ الاحكام العرفية/ حالات الطوارئ/ الحكم البوليسي... الخ لنشوء ديكتاتوريات فردية/ بونابرتية ذات سمات شرقية، استملكت الدولة والمجتمع والشعب والوطن كإقطاعيات عبودية خاصة بها، تتصرف بها كملكية خاصة، ما قاد الى انقلاب <الدولة> ضد شعبها، والى تحول السلطة الى مجرد أداة فئوية ضد المجتمع، الامر الذي يبرز تحولاً هاماً في ظاهرة الدولة، ساهم في نشوئها تحول النخب البيروقراطية والطفيلية الى أداة من أدوات السيطرة على الدولة وعلى المجتمع وعلى الاقتصاد، في ظل انحطاط المفاهيم واستلاب دلالاتها، ومصادرتها، وبشكل باتت معها كل الحقوق السياسية والمدنية أسيرة السلطة، لجهة تغييبها وحجبها ومنعها. وباتت الدساتير مجرد حبر على ورق، لا يعمل بها، ولا يحرص على تطبيقها حتى مشرّعوها وحرّاسها المفترضون.
واذا كان النظام السياسي قد قاد الى حداثة ما، فهي حداثة نخبوية خالصة، فردية في طابعها. بحيث انها لم تمس تركيبة المجتمع التقليدية، ولا أثّرت في بناه. فلم ينل المجتمع أي حصة له من تلك الحداثة. وكان قد استبعد أساساً، وأقصي عن تلك المساحة التي كان يمكن له أن يؤسس فيها نقلته النوعية، من التخلف والتقليدية الى التجديد والحداثة، أو أن يسهم في أي شكل من أشكال التحديث. بل ان المجتمع استبقي على الهامش، أسير تقليديته، وأسير الحدود التي رسمها النظام السياسي بأجهزته الساعية الى حراسة العطالة السياسية، ضماناً لاستمراريته كنظام دولة ريعي تابع، ما استدعى ويستدعي سؤالا محوريا فحواه: كيف نضع مجتمعاتنا العربية في قلب العصر وحداثته؟
المؤلم ان الدولة التسلطية لم تراكم سوى المحن، ولم تنتج سوى الأزمات، ما قاد الى انسداد كل أفق ممكن لإيجاد حلول ومعالجات ناجعة للأزمات الناشئة في مجتمعاتنا العربية، أزمات أدت وتؤدي بنا الى أن نكون في منطقة أبرز سماتها وطبائعها محنة العقل، قبل أن تكون محنة الحال المأزوم. فهنا وإذ نشهد لغياب التفكير العميق، نشهد لغياب الفكر السياسي ولنظرية الثقافة السياسية/ الثقافة العالمة لا المتعالمة، نشهد لغياب التراكم المعرفي في مجالات التجربة والممارسة العامة.
والأكثر إيلاماً ما نشهده من غياب التراكم المالي ذي التوجه الانتاجي، ما أدى ويؤدي الى غياب إمكانية نشوء رأسمالية وطنية أو برجوازية وطنية، ما دام التراكم الراهن للثروة بعيدا عن آلية خلق بنى إنتاجية حقا، تساهم في تنمية اجتماعية بعيدا عن هيمنة وتسلط نخب الفساد والإفساد السلطوية التي تحكمت بمسارات التراكم المالي الرأسمالي، مباشرة أو بطرق غير مباشرة، كضامن لتحكمها بالسلطة وبمصادر الثروة، وبالتالي خلق آليات لم تنتج سوى القيام بما يسمى <نمواً> لكنه بيروقراطي/ طفيلي الطابع، قاد الى توسع الطبقة الكميرادورية التابعة لأسواق العولمة وقممها المهيمنة، في تضاد كامل ومناهضة مطلقة لتنمية حقيقية لقوى إنتاج فعلية، تشكل حاملاً من حوامل التقدم الاجتماعي المقترن بديموقراطية حقة، هي نتاج التبيؤ الاجتماعي كضرورة من ضرورات تلازم مساري التقدم الاجتماعي والديموقراطية.
(?) كاتب فلسطيني