الخطاب العالمي حول الإصلاح العربي

السيد يسين الاتحاد

 

أتيح لخبراء مرصد الإصلاح العربي بمكتبة الإسكندرية الاطلاع الدقيق على الأدبيات الأميركية والأوروبية عن مختلف قضايا التحول الديمقراطي في العالم العربي. وعرضت ونوقشت في اجتماعات هيئة بحث المرصد أبرز الإسهامات التي قدمها باحثون غربيون مرموقون، على اختلاف توجهاتهم السياسية ونزعاتهم الأيديولوجية.
غير أنه كان لدينا يقين مستمد من تحليل دقيق للوضع المنهجي الراهن في العلوم الاجتماعية أن نظرة المراقب الخارجي لابد لها أن تختلف عن نظرة المراقب الداخلي للوضع العربي. نظرة المراقب الخارجي لها إيجابيات وسلبيات. من إيجابياتها أن الباحث الأجنبي بشكل عام لن يخضع لضغوط البيئة المحلية من زاوية الرقابة رسمية كانت أم ذاتية يفرضها على نفسه، لأنه يكتب -نظرياً في إطار من الحرية الأكاديمية. غير أن من سلبيات نظرة المراقب الخارجي احتمالات تحيزه سواء لوجهات نظر حكومته أو للاتجاه الأيديولوجي الذي يمثله (محافظ أو تقدمي)، بالإضافة إلى احتمالات عدم اكتمال معرفته بالوضع العربي بكل تعقيداته.
ونفس المشكلات قد يتعرض لها الباحث العربي. فهناك احتمال أن تفرض الرقابة الرسمية أو الذاتية حدوداً على حريته في التعبير، مما قد يمنعه من التقييم الموضوعي للظواهر، وربما تفلت بحكم العادة من نظراته الفاحصة أوضاع أو ظواهر يراها عادية، بحكم طول تمرسه على التعامل معها. غير أن من إيجابيات نظرة المراقب العربي قدرته النقدية على تحليل الخطابات السياسية الرسمية الغربية، بحكم تمرُّسه بتفكيك الخطاب الاستعماري الأجنبي، والخطاب السائد بعد الاستعمار. ومن هنا يمكن القول إن الباحث البصير من العالم الثالث عموماً، ومن العالم العربي خصوصاً، لديه إمكانيات متعددة في مجال التحليل النقدي للخطاب الغربي، رسمياً كان أم فكرياً.
وفي ضوء كل هذه الاعتبارات الإبستيمولوجية التي هي محصلة خبرة طويلة في مجال ممارستنا للأبحاث العلمية الاجتماعية في العالم العربي، ومناطق عديدة في العالم، من خلال اشتراكنا الفعال في البحوث الدولية المقارنة، حرصت في تقرير مرصد الإصلاح العربي لعام 2005 على أن يتضمن جزءاً خاصاً بتحليل الخطابات الخاصة بالإصلاح السياسي.
وقد بدأنا بدراسة حالة لمصر حيث حللنا الخطابات السياسية الليبرالية واليسارية/ القومية والدينية، كما عرضنا لذلك في المقالات الماضية. ثم ثنينا بدراسة لتحليل الخطاب العالمي حول الإصلاح العربي قامت بها بكل اقتدار خبيرة العلوم السياسية هناء عبيد.
بالنسبة للقسم التوثيقي والتحليلي تصدرت الدراسة نبذة مهمة عن سياق وخلفيات ومقدمات الخطاب الأميركي حول الإصلاح العربي، ثم عرضت لهذا الخطاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من خلال تحليل النصوص والمبادرات المركزية، وبعد ذلك حللت باستفاضة الخطاب الرئاسي الأميركي. وما لبثت أن عرضت للرؤية الأوروبية للإصلاح السياسي العربي، ثم تفاعلات الخطاب الأوروبي مع الخطاب الأميركي. وفي القسم الثاني من الدراسة هناك تحديد دقيق للملامح العامة للخطاب الغربي حول الإصلاح العربي، من خلال تطبيق دقيق لمنهجية تحليل الخطاب.
وتركز دراسة المرصد على حقيقة أولى بالغة الأهمية، ومفادها أن الاهتمام الأميركي بقضايا الديمقراطية لم يحدث نتيجة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر وإنما له جذور تاريخية. وإن كانت أجواء الصراع بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية في مرحلة الحرب الباردة وخصوصاً قضايا الأمن قد أزاحت إلى حد ما قضية الديمقراطية من بؤرة الضوء، مع أنها كانت إحدى القضايا التي ركزت عليها الدعاية الأميركية الرسمية، على أساس أن الدول الشيوعية تفتقر إليها، بالإضافة إلى مخالفاتها لحقوق الإنسان.
غير أن مسألة دعم الديمقراطية شهدت تطوراً مهماً عام 1983 الذي شهد تأسيس "الصندوق الدولي للديمقراطية"، والذي يسعى بشكل أساسي إلى دعم التوجهات الديمقراطية في الدول الشيوعية ودول العالم الثالث. وبعد انتهاء فترة الحرب الباردة وفي عصر الرئيس بيل كلينتون، تصاعد الاهتمام بقضايا الديمقراطية في العالم، وأصبحت تقارير الخارجية الأميركية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان ورقة ضغط مهمة في تحديد السياسة الخارجية الأميركية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا التجارية. وركز الرئيس كلينتون على سياسة التوسع الديمقراطي عام 1993 والتي ربطت التحرير السياسي بالاقتصادي فيما أطلق عليه "ديمقراطيات السوق"، واستخدام الأدوات الاقتصادية كحافز أو أداة ضغط على الدول المختلفة للقيام بالإصلاحات السياسية.
غير أنه لا يمكن القول إنه قد تبلور في هذه الفترة التاريخية خطاب أميركي محدد الملامح حول الإصلاح، لأن الولايات المتحدة الأميركية قنعت بتطبيق سياسة انتقائية لنشر الديمقراطية في العالم على أساس الربط بين التحول الديمقراطي والمعونات الاقتصادية، أو التبادل التجاري، أو التصويت في المؤسسات المالية الدولية.
ومن هنا يمكن القول إن السياسة الأميركية لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، لم تعطِ في الفترة التاريخية المشار إليها اهتماماً كبيراً لدعم الديمقراطية في الدول العربية.
ولكن سرعان ما تغير الموقف بعد أحداث سبتمبر 2001. ذلك لأن الضربة التي وجهت إلى الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها القوة العظمى الوحيدة دفعتها دفعاً إلى إعادة النظر في استراتيجيتها للأمن القومي. وأبلغ تعبير عن هذا التحول وثيقة "استراتيجية الأمن القومي الأميركية" التي صدرت عام 2002، وفيها احتلت قضية دعم الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان مكانا متقدماً في أولويات الأمن القومي كما حددتها الوثيقة، ويلفت النظر أن الرئيس بوش استهل الوثيقة بالدعوة إلى "تأسيس توازن قوى في صالح الحرية".
وتعتبر مبادرة الشراكة مع دول الشرق الأوسط التي طرحها وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول في خطابه أمام مؤسسة "هيريتيدج" في ديسمبر 2002، المبادرة الرئيسية الصادرة عن الخارجية الأميركية بهدف إصلاح الشرق الأوسط.
وترتكز المبادرة على فكرة الفجوة الديمقراطية في العالم العربي والتي تتخذ من "التقرير العربي للتنمية الإنسانية" مرجعيتها الأساسية.
وأوضح باول أن هذه المبادرة تستند إلى ثلاث ركائز هي:
1- "الاشتراك مع القطاعين الخاص والعام لسد فجوات الوظائف بإصلاح اقتصادي واستثمار للأعمال، وتنمية القطاع الخاص".
2- الاشتراك مع قادة المجتمع المدني لسد فجوة الحرية بمشاريع لتقوية المجتمع المدني وتوسيع المشاركة السياسية، وتمكين المرأة.
3- العمل على سد فجوة المعرفة بمدارس أفضل ومزيد من فرص التعليم العالمي.
ويتضح من الركائز السابقة أن المبادرة تبنت الفكر الإصلاحي للرئيس كلينتون الذي ركز على الإصلاح الاقتصادي. ويمكن القول إن التطور الرئيسي يبدو في التركيز على النظام العربي الذي يعاني من فجوة رئيسية في مجال الديمقراطية مما يستدعي التدخل، وضرورة تفعيل دور المجتمع المدني، والتركيز على إصلاح التعليم، وهو يرتبط في الفكر الأميركي بمشكلة تخفيف منابع الإرهاب ومواجهة الأصولية.
وبالإضافة إلى ذلك أصدرت وزارة الخارجية الأميركية وثيقة الدبلوماسية الشعبية في أكتوبر 2002 لمواجهة موجات الكراهية والعداء للسياسات الأميركية في الوطن العربي.
ما سبق كان مجرد خطوط عريضة لملامح الخطاب الرسمي لوزارة الخارجية الأميركية، ولكن يبقى بعد ذلك أن نحلل الخطاب الرئاسي الأميركي والذي يتضمن توجهات استراتيجية أساسية أهمها مبادرة تحدي الألفية واستراتيجية دعم الحرية، ومبادرة الشرق الأوسط الكبير.