عن الرقابة في العالم العربي تمريغ العقل

عقل العويط   النهار

 

إذا استمر المنطق الرقابي العربي ينمو متصاعداً، فهل ثمة مانع تأويلي وافتراضي من أن تصير الآلية الرقابية هي البنية الوحيدة، "الشرعية" والمحمودة، في الحياة العربية؟ هل ثمة مانع، والحال الاحتمالية هي هذه، من أن تتأسس على هذه الآلية القوانين والدساتير والقيم، وتنتظم على هديها العلاقات المجتمعية والمفاهيم الفكرية، وتتطور وتتمدد لتشمل أسئلة العقل وخبرات الآداب والفنون جميعها؟

تحملنا الى هذين السؤالين الافتراضيين (هل هما حقاً افتراضيان؟) ثلاث علامات سوداء، "أضاءت" في الآونة الأخيرة سموات مصر وفلسطين ولبنان، وهي من الخطورة الدلالية بحيث تتخطى فاعليتها المباشرة وتأثيراتها العملانية وانعكاساتها على أرض الواقع، لتحدث انعطافاً خطيراً في اتجاه تعميم المنطق الديكتاتوري الجائر والمتخلف الذي يلهم السلطات والحكّام الأبديين في البلدان العربية قاطبة، فيشمل مجمل نواحي التفكير والعيش. أليس هذا ما تريده وتسعى اليه الأنظمة العربية لكي يتأبد حكمها، حائلةً دون بزوغ أيّ بارقة أمل، حتى في الشؤون التي تعتبرها نافلة وتفصيلية؟ المقال الآتي يتحدث عن بعض ملامح تمريغ العقل العربي الذي لا توازيه سوى دعارات الاغتصاب الصهيوني، في أوائل القرن الحادي والعشرين هذا.

مفتي الديار المصرية يدعو الى تحريم النحت.

وزير الثقافة الفلسطيني الجديد يدعو الى تشديد الرقابة على التلفزيون والسينما والمسرح والموسيقى والكتب لمنع شيوع صور التعري والجنس وللحؤول دون تحقيق الهدف الإسرائيلي بإفساد الأخلاق وتفكيك المجتمع الفلسطيني.

بعض رجال الدين في لبنان يدعون الى مصادرة كتاب بحثي لأنه يحمل على غلافه منمنمة من مخطوط إسلامي عريق ترمز الى معراج النبي العربي.

هذه عيّنة ثلاثية "طازجة" مما سمعناه وعاينّاه وقرأناه خلال الأيام الأخيرة في ثلاثة بلدان عربية، لها تواريخ مشهود لها في رفع لواء التنوير والتمرد والحداثة والثقافة والحرية في الحياة العربية.

ترى، هل من المحتمل أن يدعو المفتي المصري مثلاً الى "مصادرة" تمثال أبي الهول، ومنحوتات الحب الفرعوني، وكل ما أنتجته الحضارة المصرية في هذا المجال الخلاّق... لأن التأويل يحرّم التجسيم والتمثيل والنحت والرسم؟

هل من المحتمل أيضاً أن يدعو الوزير الفلسطيني الى مصادرة كتب محمود درويش وغسان كنفاني واميل حبيبي وسواهم لأن بعضها يتضمن لحظات ومقاطع جنسية مثيرة، قد تخدش غشاء البكارة العقلية الرسمية؟ وماذا عن أفلام ميشال خليفي وايليا سليمان وهاني أبو أسعد وسواهم من السينمائيين الفلسطينيين الذين يصوّرون الحب والجنس وكرامة اللذة الجسدية، بما تدل عليه هذه الأحاسيس من معاني الاحتفاء بالحياة والتمرد والخروج على المكبوت والممنوع والمحرَّم؟

هل من المحتمل أيضاً أن ينبري رجال الدين اللبنانيون، المسلمون والمسيحيون، الى تجريد حملة شاملة يضعون فيها لائحة طويلة عريضة بالممنوعات التي يريدون تعميمها على المواطنين، لكي يأمنوا شرّ الفنون والآداب و"العقول"؟

وماذا لو كرّت السبحة: تحريم النحت في العراق ومصادرة - بل وتدمير - كل شواهد التاريخ النحتي في بلاد ما بين النهرين، على غرار ما حصل للتماثيل في أفغانستان؟ وكذا منحوتات العبقرية الطبيعية والبشرية في اليمن على سبيل المثال. وماذا لو ذهب طغاة العرب جميعهم هذا المذهب، وعلى المستويات كلها، وبدون استثناء، ودعوا الى إلغاء كل ما يرونه انتهاكاً للدين ومفسداً للأخلاق، والى منعه من الوجود؟

المشهد الأبوكاليبتي

فلنتصور هذا المشهد العربي الرؤيوي الأبوكاليبتي كاملاً، ابتداء من تحريم صور أمّنا العارية حواء وليس انتهاء بما تفعله محطات التلفزة العربية التي تعرض لأفلام شهيرة هي جزء من الريبرتوار "الكلاسيكي" في السينما العالمية، فتحذف بانتظام منهجي لا غبار على دقته، كل المشاهد ذات الصلة بالقبلة والعناق والعلاقات الجنسية - حتى المحتشمة منها - بين الأزواج والعشاق، لئلا تنمّي هذه الصور نزعات الجسد الطبيعية لدى المشاهد العربي، وتؤلبه ضد المفهوم الرجعي والظلامي للأخلاق، وتحرّضه على الانزلاق في متاهات المشاعر الإنسانية الطبيعية!

فلنتصور أحوال الكتاب العربي، بما يحفل به تراثه وحاضره (بعضه في الأقل) المضيئان من نماذج خلاّقة كثيرة، وقد مُزّقت صفحاته "المعيبة"، واستؤصلت حتى من العقول والأفئدة في عملية غسل فائقة القدرة. وكذا الشعر العربي. والنثر. والسينما. والمسرح. والموسيقى. والغناء. والرقص. الى أن ينتفي وجود كل دليل حسي وعقلي على حرية العيش والتفكير والخلق العربية، فتبدأ حياتنا من الصفر، من صفر العدم الجسدي والعقلي والإبداعي!

بل فلنتصوّر أن الرجال ممنوعون من رؤية النساء، وإذا رأوهنّ فمن وراء الستر! ولنتصوّر أن الرجال سيكونون محمولين، في ضوء منطق "طالبان" هذا، والمعمم على العالم العربي، الى أن يناموا مع زوجاتهم من دون أن يروا بأعينهم أجسادهن، ومن دون أن يلمسوا هذه الأجساد! فلنتخيّل - إذا كان ثمة قدرة على التخيّل في هذا الباب - أحوال المتزوجين من الخليج الى المحيط (كي لا نستخدم كلمة "العشاق" خشية أن نخدش الشرعيات الزوجية ورهافة الأخلاق العربية)، فلنتخيّلهم في أوضاعهم الجنسية القانونية، لكنْ من دون التلامس إلاّ في الأعضاء التي لا مفرّ من التلامس فيها! فلنتخيّل فحسب. وهكذا دواليك.

***

عن العدد الأخير

... صدر العدد الأخير من "الملحق" (الرقم 736) وعلى غلافه سؤال عن سبب فشل التنوير العربي، وذلك لمناسبة المعرض الضخم الذي تقيمه المكتبة الوطنية الفرنسية حول عصر الأنوار الفرنسي والأوروبي.

لكي أجيب، أقول ما يأتي: لا تبحثوا عن السبب بعيداً. هذا هو السبب. وهنا.

ثمة بالتأكيد أسباب موضوعية هائلة، استعمارية وصهيونية وغيرها، ومن حقّ الباحث أن يدقق فيها ويكشف النقاب عنها، ومن واجباته النقدية أن يعلن ما تتوصل اليه استنتاجاته، وخصوصاً إذا كان الغرب وإسرائيل يتحملان مسؤوليات كبيرة فيها. وقد يكون هذا صحيحاً مئة في المئة.

لكن مثل هذه الاستنتاجات ينبغي لها ألاّ تدعو أحداً الى ذر الرماد في الأعين، فيحمله، مثلاً، العمى العقلي المعتوه - بل والعنصرية العقلية - الى نفي حقائق التنوير، وإيجابياته العلمية والعقلية والفلسفية والأدبية والمجتمعية والسياسية و... الدينية، فقط لان التنوير غربي. ومع ذلك، ثمة في هذه الحياة العربية من يذهب به العته الى هذا الحد من الصلف العقلي الارتدادي. وما العيّنات الثلاث المشار اليها في أول هذا المقال سوى نماذج دلالية على هذا العته.

أما السبب الجوهري والأول لفشل التنوير العربي فهو هنا: في العقل العربي. فهو في أزمة. بل وفي مأساة. وهو يعيش كارثته العقلية. بل وهو الكارثة بالذات.

أقول العقل العربي، وأعني في شكل أساسي العقل العربي الرسمي، أسياسياً كان أم عسكريتارياً أم لاهوتياً. والآن. أقول "الآن" تحديداً وحصراً، لأن العقل العربي شهد لحظات، بل ومراحل كاملة، من السموّ الذهني الخالص، حتى بات مرجعاً تنويرياً كونياً في بعض الأزمنة، وعلى كل مستويات الخلق العقلي المعروفة آنذاك.

لكي لا نذهب بعيداً، فلنطرح على أنفسنا السؤال الآتي: هل الرقابة التي تمارَس الآن في المجتمعات العربية، وعليها، هي رقابة المسؤولين السياسيين والأمنيين والاجتماعيين والدينيين، أم هي أيضاً وأولاً وفي الآن نفسه، رقابة العقل على العقل، ورقابة الذات على الذات؟ الجواب لا يحتاج الى تأويلات ملتبسة، لأننا نحن بالذات، وفي مقدّمنا المفكرون والباحثون والمتنورون والمثقفون والكتّاب والفنانون والصحافيون، نقمع العقل، ونكبته، ونروّضه، ونتفنن في تدجينه، وفي إلحاقه بالعقل العربي السائد والعام.

نحن خصوصاً نتجسس على أنفسنا، على عقولنا وأجسادنا وأقلامنا ومشاعرنا وأفكارنا وآرائنا، فنمنعها، بألف حيلة وحيلة، وبألف هرب وهرب، وبألف طريقة ملتوية وطريقة، من أن تفصح عن أحوالها ورغباتها ومواقفها. ونجبرها على أن لا تكون ما تكون، وما تريد أن تكون.

نحن، أهل العقل، نكبت هذا العقل، ونتذاكى عليه، ونعميه، ونسلّم زمامه لسلطات العقل العربي الرسمي، ابتداء بديكتاتوريات العسف، السياسي والعسكري والأمني والمخابراتي والقبلي والمالي، وليس انتهاء بديكتاتوريات هؤلاء الذين ينصّبون أنفسهم حراساً للدين.  

لنعترف بوضوح أننا نحن السبب أيضاً، وأننا نحن النتيجة: فكلنا نراقب. وكلنا نقمع. وكلنا نحذف. وكلنا ندجّن ونروّض. لأن في داخلنا جميعاً يحيا العسس. ولأننا كلنا مخابرات. وكلنا أمن عام. وكلنا حرّاس مزعومون للدين.

ونحن نساعد الرقيب، ونعضده، ونقف موضوعياً - وأحياناً مبدئياً - الى جانبه، فنراقب عقولنا وأجسادنا، قبل أن نراقب نصوصنا وفنوننا وأفكارنا.

ثم نعلن الاحتجاج الأسهل لأنه لا يكلّفنا شيئاً على الاطلاق، فنطلق الصرخة: كيف يسمح مفتٍ مصري لنفسه أو وزير فلسطيني للثقافة، أو مشايخ وكهنة لبنانيون، بإرساء مثل هذه الدعوات الظلامية، في زمن نكاد نخسر فيه كل شيء. كل شيء تقريباً؟!

ليس غريباً

... بعد هذا كله، ليس غريباً أن نكون نخسر، نحن اللبنانيين، بل نحن بالذات، رويداً رويداً، كل إنجازات الحرية والسيادة والاستقلال. فضلاً عن تاريخ طويل من الحداثة والثقافة... والخروج على القطيع!