نظرية الحرب الصليبية من جديد!

د. محمد السيد سعيد  الاتحاد

 

سألني أحد الحاضرين ضمن وفد إسكندنافي عما إذا كان من الممكن النظر إلى أسامة بن لادن باعتباره "جيفارا" إسلامياً وعربياً؟ من الواضح أن الشاب كان يعكس بهذا السؤال توق قطاع من الشباب الأوروبي لاستعادة الولع أو العاطفة الرومانسية الثورية التي تماهت مع أسطورة "تشي جيفارا" الثوري الأرجنتيني الأصل الذي جسد بالفعل نظرية الثورة العالمية ضد الإمبريالية من خلال حرب التحرير الشعبية. تشي أسطورة "تشي جيفارا" أيضاً بالخطأ الأساسي الذي وقع فيه. فبعد نجاح تجربة حرب التحرير الشعبية في كوبا ظن أن بوسعه تعميمها على بقية أميركا اللاتينية وربما بقية العالم, وهو التعميم الذي ثبت أنه خطأ كبير, وانتهى بمقتله, وفشل ثورات أميركا اللاتينية.

وكان من الواضح بالنسبة لي أن قراءة أسامة بن لادن على ضوء تجربة "تشي جيفارا" هو خطأ جسيم آخر يقع فيه بعض الشباب الأوروبي الساخط على الظلم الكامن في العولمة وفي المشروع الإمبراطوري الأميركي, وفي المشروع العسكري والعنصري الإسرائيلي, وفي غزو العراق, وغيرها من السياسات والمواقف والعلاقات البنيوية التي تميز اللحظة الراهنة على المستوى العالمي.

كان لابد من أن يتذكر المرء هذا السؤال بل والبراءة على وجه هذا الشاب الدانمركي عندما استمعت إلى الشريط الصوتي الجديد لأسامة بن لادن. فالرسالة الفكرية الجوهرية لهذا الشريط تسخر سخرية مريرة من مشاعر وأشواق هذا الشاب الأوروبي, وغيره من الشباب المعادين للعولمة وللظلم الدولي. فهي رسالة كراهية وتحريض وتكفير ديني بالغة البؤس سياسياً وأخلاقياً. وإذا تركنا مؤقتاً النقاش حول العنف والإرهاب الثوري الذي لا أتعاطف معه إطلاقاً بغض النظر عن الدوافع والمنطلقات, فإن بن لادن لا يمكنه أن يحشد هذا الشباب وهذه المشاعر الغربية، وفي النظم الإقليمية والثقافية الأخرى التي تعكس التوق لنظام عالمي عادل طالما أنه متمسك بفهم العلاقات الدولية على أسس دينية جامدة, وتفتقر للروح الإنسانية, وبصورة مغايرة تماماً للحقيقة والواقع ومزورة تماماً لطبيعة القضايا والمصالح والاختيارات القائمة والممكنة.

في رأي أسامة بن لادن أن "الغرب" يقود حملات صليبية من جديد ضد العرب والمسلمين. وهو يقدم أدلة بائسة من وقائع مفرقة هنا وهناك للتدليل على الطبيعة الدينية للسياسات والمواقف الغربية, ولا يعرف كيف يصوغ دليلاً مقبولاً من الناحيتين المنطقية والميدانية, وخاصة إذا بدأ بتقسيم العالم إلى أديان أو مناطق دينية, فهذا غرب مسيحي, وهذا عالم هندوسي وثني, وذاك عالم بوذي مُشرك, إلخ. يشتمل هذا التوصيف للعالم على موقف معادٍ للبشر, وللثقافة وللتنوع البشري الخلاق, ويعكس الروح التعصبية والعصابية في الفهم المتطرف للإسلام ورسالته الأخلاقية والإنسانية.

ولكن الأكثر خطراً على المستوى العملي هو تحليل بن لادن وشريكة الظواهري لطبيعة العلاقات الدولية. إذ تنطوي تلك الرؤية على أخطاء جوهرية للغاية. إذ يستحيل وصف أو فهم العلاقات الدولية الراهنة أو السياسات الخارجية للدول الكبرى من منظور ديني. بل تصاغ السياسات والعلاقات الخارجية للدول لتحقيق مصالح استراتيجية واقتصادية وسياسية, وأيضاً ثقافية. وثمة بعد ديني يختلف من حالة لأخرى في المصالح الثقافية للدول, ولكنه ليس البعد المحدد ولا هو البعد الذي يبتلع الأبعاد والمصالح الأخرى ولا تندرج تحته هذه المصالح والأبعاد الأخرى. ويبدو هذا البعد الديني أكثر ثقلاً وأهمية بما لا يقاس في الحالة الأميركية الراهنة, حيث صعدت الأصولية المسيحية هناك وصارت تضم أعداداً كبيرة من الناس, وتمثل القوة التصويتية الرئيسية وإن كانت ليست الوحيدة للحزب الجمهوري وللإدارة الحالية, وهي الإدارة الأكثر تعصباً وعنفاً في التاريخ الأميركي الحديث. وتعد الحركة الأصولية المسيحية بدون شك قلب اليمين المتطرف والإسناد الأكبر للصهيونية اليهودية لأنها هي ذاتها تنطوي على عقيدة صهيونية مسيحية. ويختلف الأمر كلية في أوروبا, حيث لا يكاد الدين يلعب أي دور في السياسة الخارجية لأهم الدول. وفي كل الحالات, فإنه لا توجد التزامات أو مفاهيم أو منطلقات دينية واحدة, بل تتنوع تنوعاً شديداً, تبعاً للطوائف والمفاهيم السياسية والانتماءات الاجتماعية والمدارس الفلسفية. وتتناقض بعض هذه المنطلقات تناقضاً تاماً أحياناً. وتخشى بعضها سيطرة زميلاتها المسيحيات بأكثر مما تخشى الإسلام أو البوذية. وبوجه عام فإن الغالبية الساحقة من السلطات المسيحية في أوروبا وأميركا -بما في ذلك مجلس الكنائس العالمي بل ومجلس الكنائس الأميركي- تؤيد حقوق الشعب الفلسطيني كما هي مصوغة الآن في الوعي العالمي والعربي السائد. وتساند بعض السلطات المسيحية العالمية والأميركية الشعب الفلسطيني بأكثر كثيراً مما سانده بن لادن وأنصاره. وعلى المستوى الشعبي, شكل المؤمنون المسيحيون نسبة عالية للغاية من المناضلين الذين تدفقوا في شوارع أكثر من 7000 مدينة في أكثر من 60 دولة للاحتجاج على الغزو الأميركي للعراق يوم 15 فبراير عام 2003, وقبل هذا التاريخ وبعده حتى الآن. ولاشك إطلاقاً أن عدد من خرج من المسيحيين للاحتجاج على هذا الغزو أكثر من عدد المسلمين الذين خرجوا للغرض نفسه. ويمكننا أن نمضي في هذه المقارنات إلى ما لا نهاية لإثبات أن الغالبية الساحقة من المواطنين المسيحيين والسلطات المسيحية في العالم أقرب إلى العمل الفعلي من أجل الحقوق العربية من أكثرية العرب, وأنه ليس في عقلهم أو ضميرهم ما يشجع على حرب صليبية ضد العرب والمسلمين. بل يمكننا القول بأن التحالف بين اليمين الأميركي والتيار الإسلامي في العالم العربي شكل أحد أهم ملامح السياسة الإقليمية والدولية حتى قرب نهاية التسعينيات. ويمكن القول بثقة إن هذا التحالف وخاصة مع ما يسمى بالتيار الإسلامي المعتدل قابل للاستعادة في المستقبل.

ولكن المشكلة في خطاب بن لادن لا تتوقف عند الخطأ الجوهري في فهم واقع العلاقات الدولية, فالوصف والتشخيص الخاطئ يقود إلى فعل ومسار خاطئ للعمل, ويقود العالم العربي والإسلامي نحو كارثة. فإذا استمرت المواقف الحالية للتيار الذي يمثله بن لادن قد يندفع العالم بمختلف انتماءاته السياسية والثقافية والدينية للتوحد ضد الإسلاميين بل وفي لحظة معينة التوحد ضد الإسلام, وبذلك يصبح التوصيف الخاطئ نبوءة مشؤومة تحقق نفسها بنفسها. وبينما أدعو دائما إلى حوار متصل مع التيار المتطرف من الحركة الإسلامية, أتمنى أن يفطن بن لادن قريباً إلى أخطائه وإلى سوء فهم بعض مساعديه الكبار وخاصة الظواهري للعلاقات الدولية حتى يتوقف هذا السيل من الدماء التي تزهق عن غير حق, بغضِّ النظر عن أي دين تنتمي إليه هذه الدماء, فهي دماء بشر وعباد الله.