الأبعاد التاريخية للعلاقات العربية- الإيرانية

خليل علي حيدر

 

أثارت تصريحات الرئيس المصري حسني مبارك حول علاقة الشيعة بإيران مواجع العلاقات العربية-الإيرانية. كثيراً ما يقال، وعن حق، إن الإسلام ديناً وثقافة وحضارة، اعتمد على العرب والفرس والأتراك. ولكن ما أكثر الخلافات والاختلافات والصراعات بين هؤلاء الثلاثة!

ويمكن القول إن الخلافات الإيرانية- العربية الحديثة، قد بدأت مع ذيول الصراع الصفوي-العثماني، ثم القاجاري-العثماني. ورغم أن المعركة العسكرية حُسمت لصالح العثمانيين بعد أن خسرت إيران المعركة في "جالديران" عام 1514، فإن الصراع الثقافي الإيراني- التركي، والتنافس المذهبي السني- الشيعي، استمرا في العراق بالذات حتى زوال الدولة العثمانية مع نهاية الحرب العالمية الأولى. ورغم كل التهم الموجهة للدولة العثمانية والأتراك، فإن العثمانيين كانوا في الواقع يحاربون على الجبهة الشيعية والسنية معاً، وبخاصة في القرن التاسع عشر، عندما قاموا بتصفية الحركة الوهابية والدولة السعودية الأولى.

وكان العراق على الدوام بؤرة الصراع الرئيسية لأسباب مختلفة، وقد أدى اعتماد العثمانيين بسبب صراعهم مع إيران الشيعية، إلى زيادة الاعتماد على السُنة في العراق، وتحاشي تجنيد الشيعة، أو إشراكهم في شؤون الحكم. فكانت هذه السياسة من أسباب الانقسامات الطائفية، وتكريس الخلاف.

بدأت المرحلة الثانية من العلاقات العربية- الإيرانية باستلام رضا شاه حكم إيران عام 1926، والملك فيصل الأول حكم العراق عام 1921، والملك عبدالعزيز آل سعود حكم المملكة العربية السعودية عام 1932. أما تركيا العثمانية فقد ألغيت فيها الخلافة عام 1924 وخرجت رسمياً من صراعات المنطقة، وبخاصة منطقة الخليج والجزيرة، بعد قرون طويلة من الوجود والتأثير في العراق والإحساء والحجاز.

شهدت هذه المرحلة، بين الحربين العالميتين، تجارب العرب والإيرانيين والأتراك في بناء الدولة الحديثة المستقلة. وفي كل هذه الدول، وبخاصة العراق وإيران اشتد التعصب القومي، الذي تم على حساب الأقليات القومية والمذهبية في البلدين مهما كان حجم هذه "الأقليات"، كالشيعة في العراق مثلاً.

حاولت إيران "رضا شاه" أن تستنسخ تجربة مصطفى كمال أتاتورك في مجال تغيير الأبجدية العربية وتحرير المرأة وتخليص الثقافة الإيرانية من المؤثرات العربية والإسلامية. ولكن قوة ونفوذ رجال الدين الشيعة واستقلالهم المادي، أجهضت جوانب عديدة من محاولات رضا شاه. بل حرصت المرجعية الشيعية لسنوات طويلة قبل وصول الملك إلى العرش في طهران، أن تقيم في النجف الأشرف وسامراء بالعراق، كي تكون بمنجى عن نفوذ ملوك إيران.

كانت السلفية الوهابية من جانب ثانٍ شديدة التأثير على الحياة الدينية في دول الخليج، وبخاصة بالنسبة لشيعة العراق والإحساء، ممن ظلوا مهددين بشدة، ربما إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. هل كان ولاء الشيعة خلال هذه المراحل لمراجعهم الدينية أم للحكومة الإيرانية؟ هذه مسألة جديرة بالبحث فيما بعد. ولكن أتباع المذهب الشيعي كانوا لقرون عديدة، يرون أنفسهم في بيئة غير ودية تتهددهم مخاطر من كل نوع، ومنها مثلاً ما حدث في كربلاء عام 1801. ومع تنامي ملامح الدولة القومية، العربية في العراق والفارسية في إيران، والإسلامية السلفية في السعودية، تضاعف شعور الشيعة بالعزلة والخطر.

ومع اختفاء مؤسسي إيران والسعودية والعراق بعد وفاة ملوكها، بدأت مرحلة ثالثة، خلال حكم محمد رضا شاه والرئيس جمال عبدالناصر ومن قبله الملك فاروق والملكان سعود وفيصل في المملكة العربية السعودية. وتميزت هذه المرحلة بمحاولة التقريب بين المذهبين الشيعي والسني، توّجت في الأزهر الشريف خلال فبراير 1958 بصدور فتوى تجيز التعبد بموجب "المذهب الجعفري" الشيعي. ولكن المرحلة كانت كذلك شديدة التوتر على الصعيد السياسي، بعد اصطدام مصر الناصرية بإيران والسعودية على حد سواء. وهكذا ساد التوتر العلاقات العربية-العربية من جانب، والعلاقات العربية-الإيرانية من جانب ثان، والتهبت المشاعر القومية العربية وزادت الشكوك في كل ما يمت إلى إيران بصلة. وإذا كانت الصراعات والاختلافات الإيرانية-العربية السابقة محدودة الإطار بعض الشيء، فإن هذه المرحلة، ما بين 1952-1967، قد دخلت فيها الصحافة والإذاعة والتلفاز والراديو والمسجل والميكروفونات والمدرسة والبيت والمسجد والمظاهرات، وهكذا جرى إشراك جمهور واسع جداً في الشد والجذب.

مع وفاة الرئيس عبدالناصر عام 1970 وشاه إيران 1980، والملك فيصل في المملكة العربية السعودية 1975، بدأت مرحلة الثورة الإيرانية بقيادة آيه الله الخميني وهيمنة الرئيس صدام حسين على مقدرات العراق، فيما تصدرت المملكة العربية السعودية مع الملك فهد العالم العربي.

ومن أطرف ما قرأت في مجال العلاقات العربية- الإيرانية، ما يورده الباحث "سعيد باديب"، إذ يبدو أن نقطة الخلاف الكبيرة بين إيران في زمن الشاه والسعودية في زمن الملك فيصل، كانت حول السياسة النفطية، حيث كانت مواقف البلدين منها عكس ما نرى اليوم: "ففيما كانت المملكة العربية السعودية تقيم رابطاً بين سياسة إنتاج النفط لديها وبين الصراع العربي-الإسرائيلي، كانت سياسات الشاه تبدي اهتماماً كبيراً بالدعم الذي كان يتلقاه من الولايات المتحدة، ولقد تعقد الوضع كثيراً من جراء رغبة المملكة العربية السعودية في الاستجابة للطلب على النفط في الغرب دون الإساءة إلى القضية العربية، وهي قضية كان الملك فيصل، ووزير نفطه الشيخ أحمد زكي اليماني، لا يكفان عن إعلان الالتزام بها". (العلاقات السعودية-الإيرانية 1932-1983، لندن 1994، ص 84). وهذا بالطبع عكس ما نرى في سياسة البلدين النفطية...اليوم!

بدأت مع نشوب الحرب العراقية- الإيرانية المدمرة التي دامت 8 سنوات، مرحلة جديدة من التوتر الطائفي وصلت بعض موجاته إلى مصر وشمال أفريقيا والسودان. ومع تزايد مخاوف السُنة من انتصار إيران في هذه الحرب، وجد الشيعة أنفسهم في معظم الأحيان محاصرين بين الأيديولوجية المذهبية والسياسية المتشددة من جانب والشكوك في حقيقة موقفهم الوطني من جانب آخر.

ولم تصطدم الثورة الإيرانية بالدول العربية فحسب، بل اشتد خلافها حتى مع الأحزاب الإسلامية العربية، كـ"الإخوان المسلمين" و"حزب التحرير" وغيرهما. وفي دمشق، بعد أن انحاز "الأخوان المسلمون" السوريون إلى صدام حسين، هاجم قاضي الثورة الإيرانية صادق خلخالي "الأخوان" وسماهم "أخوان الشياطين"، واتهمت أجهزة الإعلام الإيرانية بعض قادة "الأخوان" في مصر بما فيهم مرشدهم عمر التلمساني بأنهم "عملاء أميركيون". (اعتدال أم تطرف، خليل علي حيدر، 1998، ص 105).

بلغ الاستقطاب السياسي والمذهبي مداه خلال تلك الحرب الدامية المروعة، التي رافقتها هذه المرة أجهزة التلفاز الملونة والأغاني الحماسية وحملة إعلامية لا تبقي ولا تذر. أحد الكتب العراقية التي نشرها النظام على نطاق واسع عام 1985 كان كتاب "المدارس اليهودية والإيرانية في العراق". يقول المؤلف د. فاضل البراك فيه، ص 227، ما يلي: "الصهيونية والخمينية مظهران لحقيقة واحدة، تطابقت فيهما القواعد والمرتكزات مع اختلاف في الصورة الخارجية". مرت العلاقات السنية-الشيعية بمرحلة من التحسن والهدوء مع انتهاء الحرب، وفي أعقاب تحرير الكويت، والدور المقاوم لإسرائيل لشيعة لبنان، والتغييرات في البحرين والمملكة العربية السعودية، وغير ذلك.

ولكن العلاقة ما لبثت أن دخلت مع حرب تحرير العراق عام 2003، في مرحلة جديدة، تقودها هذه المرة إيران العازمة على استخدام كل ورقة للتحول إلى دولة إقليمية ذرية عظمى، وجماعات تكفيرية سلفية جهادية متحالفة مع بقايا النظام العراقي المدحور. فإلى أين ستقود هذه التطورات الجديدة الشيعة في العالم العربي؟