هل يمكن للمقاومة الانتحارية أن تكون شرعية؟

ياسين الحاج صالح     الحياة     - 23/04/06//

لا تحمل العمليات الانتحارية (الاستشهادية) الفلسطينية شرعيتها في ذاتها إلا ضمن منظور تقديسي للمقاومة، أية مقاومة. وليست العمليات تلك مجردة من الشرعية سلفا إلا ضمن منظور أخلاقوي، يتنكر، هو الآخر، لاستقلال السياسة بشرعية ذاتية لا ترتد إلى الأخلاق والدين.

نقترح هنا أنه يمكن للعمليات أن تحوز شرعية سياسية في حال توافرت لها شروط ثلاثة: أولها، أن تحوز مفعولا ردعيا مؤثرا، وألا يكون الرد الإسرائيلي عليها رادعا للفلسطينيين، وهو ما يقتضي أن يكون ما تلحقه من أذى بدولة الاحتلال ومجتمعه أكبر نسبيا من أذاها للمجتمع الفلسطيني، بحيث يضطر إلى التفاوض مع الفلسطينيين أو تغيير سياساته حيالهم، وصولا في المآل الأخير إلى الانسحاب من أرضهم؛ ثانيها، أن يكون من الممكن ضمان استمرارية تلك العمليات لوقت طويل، كاف لإقناع الإسرائيليين وحلفائهم بضرورة البحث عن مخارج سياسية عادلة؛ ثالثها، أن تكون العمليات هذه مرتبطة بتحقيق هدف محدد واضح، مشروع عالميا.

يقتضي الشرط الأول أن يكون تقدير الأضرار المحتملة على الجانب الفلسطيني غير مقتصر على نتائج الرد الإسرائيلي المحتمل، البشرية والمادية، بل يشمل كذلك تأثيره المحتمل على قدرة المجتمع الفلسطيني على توفير الحماية والدعم والإمداد للجهات المخططة والمنفذة للعمليات الفدائية. فكفالة المجتمع الفلسطيني للعمليات الانتحارية هي المقياس الأنسب لاستعداده لتحمل أكلافها لعدم ارتداعه من الردود الإسرائيلية. مفاد الشرط الأول، إذن، هو دفع العدو إلى الاقتناع بأن ردوده الانتقامية لن تجدي نفعا من جهة، ودفعه نحو تغيير سياسته الفلسطينية وفرض احترام الشعب الفلسطيني عليه من جهة ثانية.

والحال، يبدو أن العمليات هذه تتسبب في توترات فلسطينية فلسطينية، وفي ضغوط متنوعة على السلطة الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني، فضلا عن أضرار غير منظورة تصيب الشتات الفلسطيني وتمس أخلاقية القضية الفلسطينية، ما يشكك بالجملة في شرعيتها. فوق ذلك، ثمة الضرر المادي الباهظ، والبشري الذي يفوق متوسطه أكثر من ثلاثة أضعاف ما يصيب الإسرائيليين، طوال سنوات الانتفاضة الثانية، دون أن ندخل المعتقلين والملاحقين وتخريب الحياة اليومية للفلسطينيين في الحساب.

وبالنتيجة لم نتمكن من تسجيل مفعول ردعي للعمليات، إن لم نقل العكس تماما، وهذا لأنها تبدو للإسرائيليين مساسا وجوديا بكيانهم، ما يوحدهم ضدها ويشحذ استعدادهم لبذل كل شيء في مواجهتها، مهما تكن الكلفة. أي للسبب ذاته الذي يحد من المفعول الردعي للاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين في الضفة وغزة. فهم يدافعون عن وطنهم وكيانهم، وهنا يدخل دوما عنصر غير عقلاني أو فوق عقلاني، مبطل للحسابات العقلانية التي يقتضيها التعويل على المفعول الردعي. هذا العنصر هو الدفاع عن الوطن أو فداؤه والتضحية من أجله.

الشرط الثاني، أي القدرة على ضمان استمرار العمليات، يقتضي قدرة المنظمات الفلسطينية على السيطرة على كامل سلسلة العمل الفدائي من جهة، وضمان دوام هذا العمل ضد العواقب القاسية المحتملة المترتبة عليه من جهة أخرى. هذا يعني القدرة على إدراج العمليات الانتحارية ضمن استراتيجية متماسكة تضمن استمرارها واستمرار البنى الكافلة لدوامها، وترتفع بها عن كونها محض ردود فعل آنية أو عمليات انتقام عارضة. بالمقابل، يكون الفعل أو الإجراء السياسي غير صحيح، إن لم يندرج ضمن سياسة متسقة واستراتيجية واضحة المعالم. هذا ما يفوت إدراكه على كثير من الفاعلين السياسيين في المجال العربي. يعتقدون أن موقفا سياسيا هو سليم بصرف النظر عن إمكانية أو تعذر الربط بينه وبين سلسلة من الأفعال والمواقف والخيارات والأهداف تمنحه معقوليته ونجوعه، وتاليا شرعيته.

الغرض أن العمليات الفدائية الانتحارية تحوز من الشرعية بقدر ما تكون عنصرا في استراتيجية أوسع منها، ولا تقتصر عليها وحدها من جهة، وعلى القدرة على الالتزام بهذه الاستراتيجية وعدم التقلب بين استراتيجية وأخرى من جهة ثانية. إن المفعول الردعي للعمليات الانتحارية مرتبط بإقناع إسرائيل أن العمليات هذه مستمرة إلى أن يتحقق الهدف الفلسطيني، وأنهم غير قادرين على كسر استمرارها قبل ذلك.

هنا الشرط الثالث، أي وضوح الهدف الذي يسعى إليه الكفاح الفدائي. هذا مهم، لأن الانتحار الفدائي يمكن أن يحرز الشرعية فقط في حال لم يكن الهدف بحد ذاته انتحاريا أو مطلقا. أي إذا كان المرء، أو عدد كبير من الناس، يضحون بحياتهم ويقتلون أعداءهم من أجل هدف إنساني وسياسي، سوي ومعقول. وهذا الهدف لا يمكن أن يشرح ويكتسب الشرعية، اليوم، على غير أرضية القيم العالمية المشتركة. وهو يقف في الحالة الفلسطينية عند استعادة ارض 1967، لا يتخطاها. وهنا مفارقة المقاومة الانتحارية: إن ما يحفز أناسا للتضحية بحياتهم، من أجل قتل أعدائهم وترويع مجتمع الأعداء، هو الإيمان بهدف مطلق، من نوع إزالة إسرائيل واسترداد فلسطين بوصفها وقفا إسلاميا، كما تقول حماس. لكن هذا الهدف ينزع مأسوية التضحية الانتحارية، لأنه يبدو مهددا لكيان مجتمع آخر يعترف له العالم، الوحيد الموجود، بحقه في الوجود. (هل لدينا، فلسطينيين أو عربا، استراتيجية متماسكة لتحرير فلسطين وإزالة إسرائيل؟). بالمقابل، يبدو احتمال علمنة العمليات الانتحارية ضعيفا، رغم أن كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح شاركت فيها، علما أن العلمنة هذه، المرتبطة بهدف معترف به عالميا من نوع الاستقلال الوطني والمساواة وحكم القانون، هي التي من شأنها أن تسبغ شرعية عالمية على النضال الفلسطيني. بعبارة أخرى، ما يجعل التضحية ممكنة (أي الإيمان الديني) ينزع عنها شرعيتها المشتركة، وما يمكن أن يمنحها شرعية مشتركة عالميا يضعف إمكانيتها وحوافز القيام بها.

أية شرعية؟ وأي عالم؟ هذه أسئلة استنكار بديهية من قبل المجاهدين الانتحاريين وإيديولوجيتهم وتنظيماتهم. إنهم على حق. إذ لا ريب أن استثناء إسرائيل من أحكام الشرعية الدولية يمثل دافعا قويا لخروج قطاعات فلسطينية ضدها نحو شرعية خاصة، لا تجد من سبيل لمقاومة فعالة ضد المحتلين دون الخروج على تلك الشرعية الدولية البكماء. يشجع على ذلك أن إسرائيل ذاتها تبني جانبا من شرعيتها ضد الشرعية الدولية، وعلى أساس وعود توراتية ويهودية الدولة وفكرة أرض إسرائيل. بيد أن حق الجهاديين معزول، لا يندرج ضمن تصور متسق للعدالة. والحق المعزول، مثل الموقف المنفصل عن استراتيجية منسجمة (متسقة ذاتيا وواقعية)، لا يقبل التعميم ولا يمكن ضمان الاعتراف العام به.

في جانب منه، يدور الأمر حول علاقة الوطنية الفلسطينية بالحداثة على الصعد القانونية والسياسية وفكرية: إذا طرح الفلسطينيون قضيتهم على أرضية غير حداثية رفض العالم الإصغاء إليهم ووصمهم بالإرهاب، وإذا شرحوا قضيتهم على أرضية حداثية سبقتهم إسرائيل وفازت بأذن العالم وقلبه. وفي جانب آخر، يدور الأمر حول حيازة الفلسطينيين (والعرب) للقوة الرادعة. لا يملكون القوة، والحداثة تخون نفسها حين يتعلق الأمر بقضيتهم. ويدفع الضعف إما نحو تصور أخلاقي للسياسة (إدوارد سعيد)، أو نحو الجهاد الانتحاري (الشيخ أحمد ياسين). الأول ألطف من أن يكون مجديا، والثاني أعنف من أين يكون مشروعا. سيكون الجهاديون على حق إذا، وفقط إذا، تمكنوا من تغيير منطق العالم كله أو كسبه إلى صفهم، أي إذا استطاعوا جعل منطقهم شرعة عالمية. أما العمل على إدراج الكفاح الفلسطيني ضمن الشرعية العالمية، القائمة على القيم الكونية العامة، من مساواة وتقرير المصير الوطني ودولة ديموقراطية، فلا يبدو، في الشروط الراهنة، غير قناع للضعف والعجز. أين السياسة؟ ممنوعة. هذا ما يقوله حبس ياسر عرفات قبل موته، وشل محمود عباس، وحصار حكومة حماس اليوم. لمن الشرعية إذن؟