مصر وإيران

د. محمد السيد سعيد الاتحاد

 

يقفز اسما إيران ومصر في الأخبار هذه الأيام بطريقة مختلفة تماماً. فأخبار إيران تتعلق بتحديها للولايات المتحدة وإسرائيل فيما يتعلق بالملف النووي بين أمور كثيرة. كما تتعلق باستعراض بعض الإنجازات الإيرانية الأخرى والمهمة في مجال التكنولوجيا العسكرية. وبكل أسف, يقفز اسم مصر الى الأخبار العالمية هذه الأيام فيما يتعلق بأمور مثل الضغوط التي تمارسها على حكومة "حماس" التي تحظى بتأييد شعبي جارف في الأرض المحتلة وتأييد شعبي عاجز في بقية أرجاء العالم العربي المحروم من قيادة إقليمية مقتدرة. ثم يقفز اسم مصر في الأخبار العالمية أيضاً بمناسبة مؤسفة بدرجة أشد وهي الفتن الطائفية التي صارت ملمحاً من ملامح السياسة والأوضاع الداخلية في مصر.
ولو أن شخصاً ما لا يفعل شيئاً غير المقارنة بين مصر وإيران كما تظهر كل منهما في شبكات الأخبار الدولية لشعر بأسى عميق بل وحزن طاغٍ على حال مصر هذه الأيام, ولشعر بشيء من الإعجاب, حتى لو كان مشوباً بالقلق نحو إيران. والواقع أن هذا هو ما يشعر به المصريون العارفون بالأخبار أنفسهم. فهم يقفون بحرارة مع حق إيران في امتلاك وتطوير برنامجها النووى, وينظرون بقرف شديد للسياسة الأميركية الرامية إلى حرمان إيران وحرمان العرب أيضا دون غيرهم- من الطاقة الذرية سواءً للاستخدام السلمي أو العسكري.
والواقع أن المقارنة بين مصر وإيران من أشد الممارسات الذهنية إثارة وحفزاً للتفكير في أمور السياسة, والأقدار. أول ما يرد للذهن هو هذا الانقلاب العجيب في الأقدار أو بالأحرى في الأدوار بين البلدين. فطوال الفترة 1952-1970 كانت مصر تقوم بدور مركز الثورة في العالم العربي والإسلامي, وكان لهذه الثورة وجهها الخارجي والداخلي. فخاضت مصر تجربة راديكالية في الاقتصاد والتنمية, بينما كانت إيران تعاني من آثار الثورة المضادة بعد نهاية عصر مُصدِّق. ومثلت مصر بؤرة النضال الإقليمي والعالمي ضد الإمبريالية التقليدية والحديثة, بينما كانت إيران هي شرطي الإمبريالية.
ولفترة قصيرة, التقت مصر وإيران في الطريق المتعاكس. فقد كان الرئيس أنور السادات قد وقع في هوى الأرستوقراطية, فقام بإحياء الطبقات القديمة التي كانت ثورة يوليو قد ضربتها بشدة منذ بدايتها, ثم إنه بحث عن حلفاء دوليين يعبرون عن هذه الطبقة فلم يجد أفضل من إمبراطورية الشاهنشاه العتيقة وطاووسه المختال, فأخذ الشاه كأقرب أصدقائه الإقليميين, ومضيا معاً في تحالف وثيق حتى قبل أن تعمِّد الولايات المتحدة هذا التحالف وتباركه, بل وحتى قبل أن يصالح السادات أميركا, بعد حرب أكتوبر مباشرة. ومن ثم لم يكن ثمة من عجب أن كره السادات بشدة الثورة الخمينية وأقدم على استضافة الإمبراطور المطرود من بلاده والذي لم يجد من يضيفه خوفاً على مصالح كبيرة مع إيران. وبذلك دخل البلدان مرحلة خصومة جديدة ولكن بعد انقلاب كبير في الأدوار. فمصر صارت حليفاً إقليمياً قوياً للولايات المتحدة, كبديل لإيران, وقامت إيران بدور مشابه لما كانت مصر الناصرية قامت به في تمثيل مدرسة الثورة ضد الإمبريالية.
نقول إن إيران قامت بدور مشابه وليس مماثلاً أو بديلاً للدور الذي لعبته مصر في عقدي الخمسينيات والستينيات. فعبد الناصر طرح أيديولوجيا قومية عربية واستجاب له العرب من الخليج إلى المحيط, بينما طرح الخميني إيديولوجيا إسلامية شكلاً وشيعية مضموناً, فاستجابت له الطائفة الشيعية في كل أرجاء العالم, بما في ذلك العالم العربي. وثمة فارق كبير بين الحالتين. ثم إن ناصر لم يحدث أبداً قطيعة مع العالم, بل أسس تحالفاً جباراً ساهم في تغيير النظام العالمي بصورة محسوسة, وهو تحالف عدم الانحياز وتحالف الشعوب الآفرو-آسيوية, بينما فشل الخميني بل لم يطرح على نفسه أصلا تأسيس هذا التحالف حتى في النطاق الإسلامي البحت, وبالرغم من إقبال العالم الإسلامي في نفس الفترة على تأمل أطروحات الثورة العالمية. كان عبد الناصر أكثر نجاحاً في السياسة الخارجية حتى عام 1967 بالرغم من أنه فعل أقل بكثير في التحدي الظاهر للولايات المتحدة من الخميني قبل أن يرحل. فالأخير يتحمل مسؤولية اتخاذ الدبلوماسيين الأميركيين في طهران رهائن مهانين, مما أدى إلى صعود صاروخي لليمين الجديد في الولايات المتحدة ممثلا في الرئيس ريجان, ومن ثم سلسلة الرؤساء الأشد يمينية في التاريخ الأميركي منذ الحرب الثانية. ولم يقم ناصر أبداً بشيء من هذا, بل لم يتردد في الحوار مع رئيس أميركي متحرر مثل كيندى, أملا في وقف الخصومة العربية الأميركية, ولم يخلط بين الإمبريالية والغرب.
ويبدو العكس صحيحاً أيضاً, فمصر السادات ومبارك "خدمت" المصالح الأميركية أكثر كثيراً جداً مما فعلت إيران الشاه. فقامت مصر بدور أساسي في تصفية النفوذ السوفيتي في العالم العربي, وفي الحرب ضد السوفييت في أفغانستان والقرن الأفريقي, خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات. ثم إن مصر قامت بدور رئيسي في الحرب الأميركية ضد الغزو الصدامي للكويت, وقدمت مساعدات لا حصر لها للإمبريالية الأميركية في العالم العربي والإسلامي, وهي لا زالت تقدم هذه الخدمات, بل إن الموقف المصري السلبي من إيران حتى الآن يبدو وكأنه خدمة زائدة عن الحاجة للأميركيين.
وتبدو السياسة الخارجية لمصر أكثر نجاحاً بكثير ولو من الناحية الشكلية من إيران. فلمصر قدر أكبر بكثير من النفوذ في اتخاذ القرارات الدولية, وفي أي استطلاع للرأي العام الأوروبي والغربي وربما العالمي تحصل مصر على "علامات" إيجابية أعلى أو قبول دولي شعبي ورسمي أرفع من إيران. ولكن بالمقابل تبدو السياسة الداخلية لإيران أكثر نجاحاً بكثير ولو من الناحية الشكلية من مصر. فمصر مبارك تعاني بشدة من تمزقات داخلية كبيرة تدور حول كل شيء من قضية الديمقراطية, إلى الفساد والأداء الاقتصادي المتواضع, إلى القضية الاجتماعية وقضايا الثقافة. وتعاني إيران من تمزقات حول قضايا الديمقراطية والإدارة الاقتصادية. ولكن تماسك المجتمع الإيراني أعلى بكثير منه في مصر, والأداء الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي والثقافي لإيران أعلى بصورة ملموسة من مصر.
والأهم أن درجة رضا الشعب الإيراني عن أداء حكومته أعلى بكثير من حالة الشعب المصري مع حكومته. وبينما تتخفف النخبة الإيرانية تدريجياً من جمود المرجعية الدينية, يبدو أن النخبة المصرية تحث الخطى على طريق هذه المرجعية, مما يشير إلى احتمال انقلاب جديد في الأدوار في المستقبل!