مقاربتان حولاوان في التفكير السياسي العربي

ياسين الحاج صالح     الحياة     - 16/04/06//

 

تتوزع التحليلات السياسية العربية على خطين عريضين: خط التحليلات ذات التمحور الجيوسياسي، وخط التحليلات المتمحورة حول نظم الحكم العربية وسياساتها الداخلية. في الصحف والمجلات، ينشغل الكتاب العرب بتناول الأوضاع الإقليمية، فتكثر في تحليلاتهم مدركات من نوع العالم العربي والشرق الأوسط والإستراتيجية الأميركية والسياسات الإسرائيلية والخطط الإيرانية وخيارات تركيا ومستقبل الصين ودور روسيا... والامبريالية والنظام الدولي وموازين القوى...؛ أو يكتبون عن تكوين وطبيعة أنظمة الحكم العربية، فتنغمر كتاباتهم في عالم دلالي مكوّن من مدركات الاستبداد والقمع والديموقراطية والمعارضة والتغيير والفساد وما إلى ذلك. تميل التحليلات الأولى إلى التغاضي عن طبيعة أنظمة الحكم، وإلى إهمال قضية الديموقراطية أو وضعها في منظور إقليمي ودولي واسع، يضفي عليها قيمة نسبية جدا، فيما يُمنح لمقاومة أو ممانعة مشاريع الهيمنة الأميركية والسيطرة الإسرائيلية قيمة مطلقة. في المقابل، تنزع التحليلات الثانية إلى إغفال السياق الجيوسياسي، وإلى عزل عمليات التغيير المحتملة في الدول العربية عن المتغيرات الدولية والإقليمية الكبرى، أو خفض مرتبة الدور التفسيري والعملي لهذه في أوضاع الدول العربية القائمة.

وتميل التحليلات الجيوسياسية، بصورة نسقية، إلى الربط بين أوضاع الدول العربية، أو إلى اعتبار البلدان العربية وحدة تحليل، وربما، وإن بدرجة أقل، وحدة عمل. وأكثر المحللين المنتمين إلى هذا الخط هم عروبيون أو قوميون عرب. في المقابل، تجنح التحليلات المتمحورة حول طبيعة أنظمة الحكم إلى التفكير في الدول العربية كلا على حدة، حتى لو أمكن لها أن تفكر فيها كعالم واحد من الناحية الثقافية.

وتستثمر التحليلات الجيوسياسية ثنائية داخل/خارج، فيما توظّف التحليلات الثانية في ثنائية استبداد/ ديموقراطية.

لقد قادت عودة الجيوسياسي مع نهاية الحرب الباردة، ثم بعد 11 أيلول 2001، وبالأخص بعد احتلال العراق في 2003، إلى تعسير الانتقال الديموقراطي في المجال العربي. هذا منطقي. إذ يتعذر أن يغير الناس أنفسهم ونظمهم الذاتية حين يكونون مهددين بتغيير يُفرض عليهم من خارجهم. هذه خبرة إنسانية عامة تنطبق على الأفراد والجماعات والدول (في صراعهم مع سجّانيهم، قد يتمسك السجناء السياسيون بأفكار وولاءات فقدوا إيمانهم بها: هنا يتصدر مطلب التماسك والصمود، ويلعب ضد الحاجة الحيوية لتغيير الذات...). لقد أثارت تغيرات جيوسياسية عاصفة مخاطر الهيمنة الخارجية، ودفعت قضايا الوطنية والهوية والاستقلال إلى صدارة تفكير وهموم الفاعلين السياسيين، بينما دُفع المطلب الديموقراطي إلى الوراء. ويناسب هذا الترتيب أنظمة حكم استبدادية أسست شرعيتها على استنفار المخاطر الخارجية، وعملت على نزع شرعية معارضيها برميهم بالغفلة عنها. ورغم ما ينطوي عليه هذا الطرح من تزييف فإن المعضلة حقيقية: كيف يمكن الانتقال إلى الديموقراطية في شروط تغيرات جيوسياسية غير مسيطَر عليها وهيمنات مهددة؟ يقلب الديموقراطيون السؤال: كيف يمكن مقاومة الهيمنة في شروط الاستبداد؟ غير أنهم يطرحونه في صيغة استنكارية، تفترض أن الجواب معروف. ليس معروفا. إن تجنب الحلول اللفظية لهذه المعضلة يقتضي قفزة في الفكر السياسي، نحدس أن استكشاف مفهوم النظام الشرق أوسطي يمكن أن يساعد على تحقيقها. ويستند هذا الحدس إلى الإخفاق المتكرر في التصدي للتحديات الخارجية وإلى إجهاض متكرر ايضا في عملية الدمقرطة وفتح النظم السياسية. إن تكرر الفشل يدفع نحو إعادة النظر في أسس تفكيرنا السياسي.

لسنا في الوطن العربي الكبير، ولا في دول منفصلة عن بعضها كأنها جزر متباعدة. إننا في الشرق الأوسط. وليس الشرق الأوسط إقليما جغرافيا، بل هو نظام أمني وسياسي إقليمي يجمع دولا مختلفة ومتخاصمة، لكنها متفاعلة بعمق وقوة، تجمع بينها تواطؤات على استقرار النظام وتفاهمات موضوعية، وأحيانا ذاتية، على توازن القوى فيه. وهي تفاهمات وتواطؤات لا تمنع الخصومة، ولا حتى العداء، بشرط عزلهما عن المساس العميق بدوام النظام. تشارك الولايات المتحدة في النظام كحائزة على السيادة العليا، وإسرائيل كقوة متفوقة قادرة على اعتراض التفاعلات الإقليمية غير المناسبة لها، وأنظمة الحكم العربية كقوى مسيطرة في مجتمعاتها. فالشرق الأوسط هو النظام المكوّن من دول عربية استبدادية، تحكمها سلطات غير منتخبة، ومن إسرائيل متفوقة ويهودية، ومن سيادة أميركية عليا. والنظام منشغل أولا وأخيرا بحفظ ذاته، أي ببقائه وبقاء تفاعلات وتغيرات أطرافه تحت عتبة المساس بأسسه. ويستجيب النظام بصورة ممتازة لهاجس إسرائيل في البقاء، ويراعي هاجس الأنظمة العربية في التأبيد، ويخاطب رغبة الولايات المتحدة في استبعاد أية منافسة عالمية محتملة واحتلال القرن الحادي والعشرين. وبفضل هذا النظام، خرجت قضية التغيير السياسي في الدول العربية من كونها قضية داخلية، إن من حيث الإمكان أو من حيث المآل، وأضحت قضية إقليمية ودولية كما تثبت جملة التفاعلات الجارية الآن حول فلسطين وحول لبنان وحول سورية، بما في هذه التفاعلات مواقف إسرائيل الغنية بالدلالة حيال فلسطين وسورية بالخصوص.

ونميل إلى أن مفهوم النظام الشرق أوسطي هو الذي يمكن أن يقوم بدور جسر نظري بين صنفي التحليلات اللذين أشرنا إليهما ويخرجهما من مأزقهما المشترك. إن نقطة ضعف المقاربة الجيوسياسية تتمثل في عدم طرحها على التساؤل شرعية وتمثيلية نظم الحكم القائمة فيها، أي في عماها الديموقراطي، بينما يتمثل ضعف المقاربات الديموقراطية في ارتباكها أمام وقائع الهيمنة الإقليمية والدولية، أي في عماها الجيوسياسي. إننا نتحرك على غير هدى اليوم حين نفكر في مقاومة الهيمنة الأميركية والسيطرة الإسرائيلية دون مساس بنُظمنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة. ونخبط خبط عشواء ايضا حين ندعو إلى الديموقراطية ونعمل من أجلها دون تفكير الشروط وعلاقات القوى المكوّنة للنظام الشرق الأوسطي. ولعلنا نلاحظ أنه ليس لدى الديموقراطيين العرب أفكارهم الخاصة حول مقاربة المسألة الإسرائيلية والعلاقة مع الولايات المتحدة ومشكلات الأقليات والأكثريات في المجال العربي. ضمن هذا الشرط يميلون إلى استعارة تفكير القوميين في هذه القضايا، وهو تفكير يجمع بين العقم والفشل، إن حكمنا من السوابق.

ويمكن للجمع بين مقاربتين حولاوين أن يفضي إلى عمى تام: اندراج ضمن النظام لضمان بقاء الأوضاع الاستبدادية القائمة؛ أو إلى استنارة حقيقية: وضع العمل الديموقراطي في سياق تعديل العلاقات الشرق أوسطية غير الديموقراطية.

على أن الترابط التحليلي بين قوى النظام الشرق أوسطي وقضاياه لا يصلح بحال برنامجا للعمل السياسي. منطق السياسة يقتضي البدء بما هو أسهل. والحلقة الأضعف في النظام هي الديكتاتوريات العربية. ما يعني أن تغييرها، بما يتضمنه من حلول ديموقراطية لمشكلات الأقليات (مشكلة الأقليات في المجال العربي من العناصر الجوهرية للنظام الشرق أوسطي)، هو المدخل إلى تغيير ديموقراطي للنظام. إذ ينبغي، أولاً، أن تقوم أطراف عربية، عقلانية وديموقراطية، من أجل أن تكون قادرة على مساءلة النظام عن لا عدالته، ومن أجل أن يحوز احتجاجها عليه درجة من الصدقية.

إن الشرق الأوسط، من وجهة نظر عقلانية وتغييرية، إن أمكن لهذا الجمع أن يقوم، ينبغي أن يكون وحدة التحليل الصغرى (العالم هو الوحدة الكبرى)، ووحدة العمل الكبرى في مدى العقود القادمة (الدول القائمة هي الوحدات الصغرى). ومن شأن اتخاذه موضوعا أصيلا للتفكير السياسي أن يخرج كلا من التعاون العربي والعمل الديموقراطي من الطريق المسدود الذي وصلا إليه.