المشاركة السياسية وآفاقها في سورية

                                                                       

د.أحمد فائز الفواز *

سيداتي ! سادتي !

        " يصنع الناس تاريخهم بأيديهم. لكنهم لا يصنعونه على هواهم, ولا يصنعونه في ظروف اختاروها هم, بل في ظروف يواجهون بها. في ظروف معطاة لهم, منقولة مباشرة من الماضي ". كلام معروف لماركس يلخص به علاقة الحرية بالضرورة, الذات بالموضوع في صنع حاضر الناس ومستقبلهم, جعلته بدايةً لحديثي عن المشاركة السياسية, الموضوع الذي شرفتني إدارة المنتدى وكلفتني به. بودي أن أضيف أن الناس يصنعون تاريخهم بمشاركتهم في الفعل أو باستنكافهم عنه, بجرأتهم أو بانكفائهم, بصمودهم وصبرهم وإصرارهم على أهدافهم, أو بترددهم وإحجامهم وتراجعهم عنها واستسلامهم.فالتاريخ هو محصلة ونتيجة لصراع الإرادات.

        من العنوان بدا الموضوع سهلاً. أن يساهم الناس في مناقشة الأمور العامة المشتركة بحرية وعلانية, أن يتشاركوا ويتعاونوا على استكشاف الأهداف القريبة والبعيدة للمجتمع والبلاد, أن يقرروا مصيرهم ومصير بلادهم, ذلكم هو الطبيعي, وذلكم هو الحق الذي لا مراء فيه, حق الناس وحق الأفراد.لكن هل الحديث في الأمور المفترض بها أنها عادية وطبيعية وبديهية, سهل ؟ أبداً !

        من أين تأتي الصعوبة ؟ تأتي من أننا لم نتعود, بعد, على هذا الطبيعي والعادي والبديهي. نعيش منذ أربعة عقود في حالة الاستثناء, ونعرف أننا لا نعرف موعداً لنهايتها, وقد لا ندرك معنى أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فكأننا بتعودنا على هذه الحالة, أصبحت طبيعية بالنسبة لنا, وأصبح ما هو طبيعي وعادي في بلاد الله الأخرى, وعند عباده الآخرين, استثناءً. لذلك, اسمحوا لي أن أرسل بتحيات التضامن إلى المعتقلين العشرة :

رياض الترك, حبيب عيسى, رياض سيف, عارف دليلة, كمال اللبواني, وليد البني, مأمون الحمصي, فواز تللو, حسن سعدون وحبيب صالح, بوصفهم من العاملين لكي لا يصبح الاستثناء حالة طبيعية, والمناضلين لتجسيد المشاركة السياسية في الواقع, والذين توجب عليهم دفع الضريبة المطلوبة لتحقيق هذا التجسيد.

                أريد في البداية أن افصل بين حالة الاستثناء الذي نعيش فيها وبين الصراع العربي الإسرائيلي. فمنذ تأسيس إسرائيل عام 1948 وحتى عام 1963 لم ينشأ ارتباط حقيقي أو وهمي بين إعلان حالة الأحكام العرفية وبين هذا الصراع, الذي أصبح يستخدم منذ عقود كتغطية إيديولوجية لهذه الحالة. في الفترة المشار إليها جرت عدة انقلابات أعلنت حالة الأحكام العرفية وألغتها, لأن سلطات الانقلابات كانت تنهض ضد الأوضاع التي كانت جزءاً منها, وتلغي الدستور الذي كانت قد أعلنت له الولاء, وتزيح السلطة القديمة وتفرض نفسها على المجتمع عبر قانون القوة العارية وليس بقوة القانون.

        من المفهوم, إذاً لجوء الأقلية, أية أقلية, للقوة, ولجوءها إلى إزاحة القانون. وهذا ما فعلته الانقلابات. الأمر ذاته ينطبق على المرحلة الممتدة بين عام 1963 و1970 التي تميزت بحراجتها الناجمة عن الصراعات الداخلية العنيفة على السلطة بين أطراف السلطة, وعن التدابير والإجراءات الاجتماعية العميقة التي طالت بنية المجتمع ومواقع القوى الاجتماعية, وكذلك عن العدوان الإسرائيلي عام 1967 وما نتج عنه من احتلال للأرض.استثنى من ذلك , إن لم تخنني الذاكرة , الانقلاب على الشيشكلي الذي أسس لنظام رضيت به وعنه غالبية الشعب. لكن هذه الأسباب, وبعضها لم يعد فاعلاً, وبعضها الآخر ضعف دوره, لم تعد تكفي لتفسير استمرار حالة الاستثناء بعد عام 1970 وبعد إعلان الدستور. لا بد من البحث, إذن, عن أسباب أخرى.

        على كل حال لا تسمح حالة الأحكام العرفية بالنشاط السياسي العادي للناس, أي بالمشاركة السياسية الحرة, لأن المشاركة جزء من الحالة الديمقراطية, التي هي مجموع البنى والمؤسسات وآليات العمل التي تتيح المجال لفاعلية الأفراد والجماعات. عندما تكون قدرة السلطة على استخدام العنف مطلقة لا حدود لها ولا قيود عليها, وتكون أدوات العنف وأجهزته مستعدة للفعل الفوري, ينكفئ الناس عن المشاركة في الشأن العام. في الديمقراطية الأمر مختلف. فالعلاقات تتحدد وتتوضح بين الحاكمين والمحكومين, كذلك بين أبنية الحكم ومؤسساته, وتتوفر الشروط لانطلاق ونمو مشاركة الأفراد والجماعات, وتعبيرهم عن المصالح العامة المشتركة, وعن المصالح الجزئية المتناقضة والمتنافرة, ويتأمن المجال, بالتالي, للوصول إلى التنازلات المتبادلة والتسويات بالتفاوض, لأن النظام الديمقراطي يتأسس على اتفاق الأطراف الاجتماعيين على نفي العنف خارج المجتمع, وحصر حق استعماله بالسلطة وتحديد القيود والضوابط لهذا الاستعمال, وعلى الحفاظ على وحدة المجتمع, وعلى حل التعارضات سلمياً.

        تنبني الديمقراطية على أسس وتضبطها آليات مختلفة عن الأسس والآليات في حالة الاستثناء. أولها صدور السلطة عن الشعب, وليس عن القوة والغلبة. فالشعب مصدر السلطة يمنحها ويحجبها عن القوى السياسية. يتم المنح والحجب من خلال انتخابات دورية.يرتبط بهذا الأساس مفهوما الأكثرية والأقلية. فالسلطة يمارسها من يحصل على أكثرية أصوات الناخبين, والنظام الذي تخضع له الأقلية, يصون حقوقها في ممارسة نشاطها بحرية, بما في ذلك تحولها إلى أكثرية وممارستها للسلطة من خلال تداول السلطة الذي هو أساس آخر الديمقراطية. الأساس الثالث هو سيادة القانون. قانون واحد للجميع, والجميع سواء أمامه, لا أبناء ست ولا أبناء جارية. عرّف روسو الحرية بأنها "الخضوع للقانون الذي يختاره المواطنون الأحرار لأنفسهم " . رابع الأسس الحريات, حريات الاعتقاد والرأي والتعبير عن الرأي, والتنظيم, وعقد التحالفات للدفاع عن الرأي وعن المصالح, أي ضمان التعددية تعبيراً عن تعدد واختلاف مصالح وأفكار القوى الاجتماعية. تفترض الحريات وتضمن اتصال الناس بعضهم بالبعض, أي حرية وسائل الإعلام وعدم احتكارها. الديمقراطية لا تعمل بغياب الحريات. آخر الأسس هو انفصال السلطات. كل سلطة لها حدود وكل سلطة قادرة على مراقبة السلطة الأخرى, السلطة التشريعية لها الأولوية. القضاء سيد ومستقل. تركيز السلطات يؤدي إلى الاستبداد. هذا عن الديمقراطية.

        نعود للمشاركة السياسية. أذكر في طفولتي دورتين للانتخابات. دورة 1943 ودورة 1947 . في الدورة الأولى كانت البلاد تحت الانتداب الفرنسي.  بذريعة الأمية الواسعة الانتشار والجهل وعدم القدرة على حسن الاختيار,  فرضها الفرنسيون أن تكون على درجتين, أو على مرحلتين. في الأولى ينتخب الجمهور من يسمون بالناخبين الثانويين, الذين ينتخبون في مرحلة لاحقة النواب, أعضاء البرلمان.

        ناضلت الحركة الوطنية ضد انتخاب الدرجتين ورأت فيه إضعافاً لفاعليتها وعرقلة للشعب في انتخاب من يريده وخللاً في الممارسة الديمقراطية عدا عن كونه إهانة للشعب والحركة الوطنية, وتمكنت بعد الاستقلال من جعل الانتخاب على درجة واحدة كما حدث في انتخابات عام 1947. الشيء بالشيء يذكر. أحدثكم عن الانتخابات في نقابة الأطباء في العقدين الأخيرين, الأطباء المفترض بهم التمتع بقدر معقول ومقبول من النضج والمعرفة والوعي. في كل محافظة هناك فرع, وفي القطر توجد نقابة مركزية. يقسم الأطباء في كل محافظة إلى وحدات انتخابية كيفية ( على كيف هيئة الفرع ) تجتمع مرة واحدة كل أربع سنوات ليلقى عليها ما يسمى بالتقرير الحسابي والسياسي ثم تنتخب مندوبيها أو ناخبيها الثانويين, وهؤلاء يجتمعون في مرحلة لاحقة لانتخاب فرع النقابة من قائمة الحزب والجبهة وبعض المستقلين, وأضيف من المرضي عنهم. في مرحلة ثالثة يجرى انتخاب النقابة المركزية من هيئات الفروع وبعض المندوبين.الإشراف والمراقبة المباشرة موجودان في كل المراحل0 في الماضي كان يجري انتخاب النقابة المركزية من الأطباء جميعاًً الذين يشكلون الهيئة العامة. عند تقسيم العملية الانتخابية إلى درجات يسهل التحكم فيها. أما كيف تجري المشاركة وكيف يراقب الأدنى الأعلى, فتلكم مسألة أخرى. على هذا المنوال تجري الانتخابات في النقابات المهنية الأخرى. ترون كيف نتقدم على طريق  " الديمقراطية ".

        لماذا لم تتقدم المشاركة السياسية, رغم إنشاء الإدارة المحلية, التي تحولت مع الزمن إلى وزارة وإلى تراتب بيروقراطي فأضيف إلى جيش الموظفين فرقة جديدة, ورغم تكوين نقابات عمالية ومهنية ومنظمات فلاحية لم تكن موجودة, جذبت إلى العمل في صفوفها آلاف الناس ؟ الجواب هو أن المنطق الذي يسود فيها هو المنطق ذاته الذي يسود في كل إدارات الدولة, والذي جعل الاستثناء حالة دائمة, منطق الدولة الشمولية, وأعني بها الدولة التي تتحكم بالإنتاج الاجتماعي, وبالمنتجين, التي تمتلك وسائل الإنتاج الأساسية مباشرة أو بطريقة غير مباشرة, وتسيطر على التبادل وقنواته, وعلى آليات توزيع وإعادة توزيع الدخل الوطني, أي تحتل موقع الرأسمالي العام المطلق الصلاحية, بدون أن يكون للمجتمع القدرة على ممارسة الرقابة. وإلى جانب الاقتصاد تتحكم الدولة كذلك بالثروة الرمزية وتشرف على حياة الأفراد بدءاً من الطفولة مروراً باليفاع والكهولة, وعلى عملهم, وثقافتهم. باختصار تشرف على الحياة الدنيا منذ الولادة حتى الموت.

 لنتفحص عن قرب آليات عمل هذه الأنظمة وبنيتها. تواجهنا فوراً المركزية القوية التي تتوحد فيها وتندمج كل السلطات, والأوامرية الصارمة العسكرية الطابع التي تتطلب الطاعة وترفض الاعتراض, والتراتبية الواضحة, مما يعطي المركز الأعلى سلطاناً شبه مطلق على المراكز الأدنى, التي بخضوعها لهذا السلطان, تتمتع بمثله على المراكز الأدنى منها.

تتأمن سيطرة وتحكم المراكز القيادية العليا من خلال ثلاث شبكات مركزية التنظيم ذات استقلال نسبي فيما بينها, مترابطة بمفاصل ربط في المستويات الأفقية وعقد الشبكات (مستويات وعقد إصدار القرار وتنفيذه), وتترابط كذلك بالمسؤولين في هذه الشبكات والذين تزداد أهميتهم بحسب علو درجتهم على سلم التراتبية وبحسب عضويتهم في أكثر من شبكة. هذه الشبكات هي أولاً الإدارة البيروقراطية التي يتبع لها القطاع العام الصناعي والتجاري والإنشائي والخدمي وجهاز التحكم بالقطاع الزراعي أي الشبكة الحاكمة على إنتاج وتبادل الخيرات المادية. وثانياً شبكة التنظيم الحزبي وتتبعها النقابات العمالية ومنظمات الشبيبة واتحاد الطلاب والنقابات المهنية واتحاد الفلاحين والحرفيين والمعلمين ..... إلخ, أي شبكة التحكم بالبشر. وثالثاً الشبكة الأمنية, التي بسبب أهميتها وحساسية عملها تنقسم إلى شبكات مستقلة تتوحد في مركز القرار الأساسي, وتتقدم على الشبكتين الأوليين بوصفها الجهاز العصبي للنظام.

أين موقع الشعب في هذا النوع من التنظيم الاجتماعي ؟  هنالك جوابان. جواب ايديولوجي يتحدث عن تماه كامل بين الشعب والنظام. وجواب مشتق من الواقع, وهو أن الشعب موجود على الدرجة الأخيرة من سلم التراتبية. فهو يتذرر إلى أفراد متلقين للأوامر ومنفذين لها. لا حرية لهم ولا دور أو مشاركة في اتخاذ القرارات الذي يتم في الأعلى. وبالحقيقة لا مكان للحرية أصلاً في هذا النوع من التنظيم, حرية الرأي والحريات الأخرى ترف لا لزوم له. لذلك تضمحل الحقوق الملازمة للإنسان.أشير خصوصا الى قيمتين يعطيان للوجود الانسانى معناه :العمل والعلم. هاتان القيمتان تبخسان. وكلنا يعرف كيف يعاني أهل العلم وأهل العمل.

بدلاً من ذلك يتكرر الكلام عن المنح والعطايا والهبات التي يمنحها الفوق للتحت. كذلك تنتفي السياسة كممارسة اجتماعية وتصبح حكراً على دائرة ضيقة من القمة. أن تكون السياسة, كتقرير لأهداف المجتمع البعيدة, وتنظيم لامكاناته لتحقيق هذه الأهداف, بعيدة عن متناول أيدي الناس,يعني إبعادهم عن تقرير مصيرهم بأنفسهم. في وسائل الإعلام, الشعب موجود ككينونة اجتماعية, لكنه موجود ككتلة عديمة الملامح اختفى فيها الاختلاف والتنوع. في الواقع الشعب موجود كأفراد هم موضوع شبكات التحكم, يبقى هؤلاء الأفراد " قاصرين ", عاجزين عن بلوغ " الرشد ", محتاجين دائماً إلى " الوصاية " التي لا يمكن الانفكاك عنها, والتي تتأمن عبر الشبكات المذكورة, وتأخذ شكلها الحقوقي في صيغة الحزب القائد, علماً ان مفهوم القيادة لا يجمعه جامع بمفاهيم التسلط والتحكم والإقصاء والإلغاء.

القوانين الموحدة للمجتمع, والتي يتساوى أمامها الجميع تصبح نافلة, أو يمكن الاستغناء عنها في كل حين, لأن " تماسك المجتمع ووحدته " يمكن تأمينها بوسائل مادية ومعنوية أخرى. سيادة القانون تفقد معناها, إذ يستطيع أيُّ من مراكز التحكم على سلم التراتبية إيقاف سريانه في الميدان الذي يشرف عليه. تناقض القوانين بعضها مع البعض الآخر, اصطدام القوانين بالإجراءات الإدارية, تناقض القوانين مع الدستور, كل ذلك لا أهمية له, طالما بالإمكان جمع الصيف والشتاء على صعيد واحد. لذلك تعيش الأحكام العرفية مع الدستور الدائم منذ ثلاثة عقود, والتي هي تعبير عن حاجة السلطة لتكون طليقة اليد تجاه المجتمع, وعن حاجة المراكز العليا للحرية المطلقة تجاه المراكز الدنيا. وهذا ما يفسر استمرارها طوال هذه المدة. جاءت محاكمة الأخوة الثمانية أمام محكمة أمن الدولة العليا لتشرح الوضع أحسن من عشرة مقالات. فلو كانت هناك مادة لجرائم حقيقية لحولوا للقضاء العادي. أما محكمة أمن الدولة المفروض اختفاؤها مع صدور الدستور الدائم, فهي تابعة للسلطة التنفيذية وأحكامها خاضعة لتصديق الحاكم العرفي. أي أنها تابعة للسلطة التنفيذية الموجودة في الحالة الاستثنائية, في حالة الطوارئ وليس للسلطة التنفيذية في الحالة العادية, لأن السلطة التنفيذية في الحالة العادية لا تجعل من نفسها سلطة قضائية. أما متى تلبس السلطة التنفيذية لبوس الحالة العادية أو الحالة الاستثنائية, فهذا مالا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم.  أنا لا أناقش كيف أن الاعتقال هو اعتداء على حقوق الإنسان, على حرية الرأي, ولا أناقش كيف يتحول الرأي, حتى عندما لا يكون ناضجاً ولا يكون نهائياً, وربما بعض كلمات مقتطعة من سياقها, كيف يتحول إلى " عمل " على تغيير الدستور بطرق غير مشروعة مستوجب للعقاب. لكن هذا هو واقع الحال الذي علينا, على الناس تغييره بنضالهم لأخذ دورهم في الحياة السياسية. إذا كان الوصف المقدم لبنيان النظام الشمولي قريباً للواقع, فهو يشرح لماذا شكلانية النظام التمثيلي وخواء المؤسسات التمثيلية, وشكلانية الانتخابات التي تتحول إلى نوع من الاحتفالات, بينما تحدد الشبكات, المشار إليها, الأشخاص المقرر وجودهم في المؤسسات التمثيلية, وتتحدد مهمتهم بالموافقة على القرارات التي تقرر من وراء ظهر هذه المؤسسات التي لا تستطيع أن تمارس الصلاحيات المنصوص عنها في القوانين المؤسسة لها والناظمة لعملها.

  من الطبيعي في مثل هذه الحالة أن تنشأ مراكز القوى في عقد الشبكات التي هي مراكز التحكم, ومن الطبيعي أن ينشأ الفساد وينمو كظاهرة وليدة لمراكز القوى ونتاج تمركز القوة في أيد قليلة وبسبب غياب آليات المراقبة من الشعب والصحافة الحرة والأحزاب والنقابات والهيئات الاجتماعية وكذلك من السلطات المنفصلة بعضها عن البعض الآخر.

  يتحول الفساد إلى أسلوب عمل وطراز حياة ويتكون من خلاله ما يسمى بالاقتصاد الموازي الذي يشكل التهريب جزءاً منه لا أكثر, و قد يكون من الأصح تسميته باقتصاد الفساد, الذي أصبح ميدان ممارسة فئة اجتماعية ليست قليلة , منظمة أحسن من جميع الأحزاب, وتعرف كيف تدافع عن نفسها وتحمي رؤوسها. ولأن الفساد هو آلية من آليات إعادة توزيع الدخل الوطني مستقلة كلياً عن سيرورة إنتاج الخيرات المادية، ينشأ تناقض لا حل له بين الإنتاج والفساد, وهذا هو أحد أسباب تدهور الإنتاج الاجتماعي.

نلاحظ أن الفساد كحالة فردية موجود في كل المجتمعات, لكن الفساد كظاهرة اجتماعية أمر مختلف. في بلادنا كان الفساد محدوداً وقد يذكر البعض كيف سمي أحدهم بالمستر فايف بيرسنت, في أوائل السبعينيات. وتدريجياً حدث الانتشار, ليس كما تتوسع بقعة الزيت فوق سطح الماء, بل كما ينتشر الوباء. من الناحية الأخلاقية يلعب الفساد دوراً تدميرياً كبيرأ في المجتمع, لأنه يفكك وحدته بتمزيق الروابط المعنوية التي تشد أفراد المجتمع وفئاته بعضهم إلى البعض, واعني بهذه الروابط القانون. حتى في القبيلة القديمة التي تنتمي لأصول واحدة كان التساوي بين أفراد القبيلة أمام قانونها ( العرف ) هو الرابط الحقيقي فيما بينهم.

ليس النظام الشمولي صناعة وطنية أو قومية. فهو نظام حديث من إنتاج عالمنا المعاصر وحضارته الحديثة. في تبنينا له كنا " محايثين " للعالم إلى حدّ ما. لكننا لسنا أول المطبقين له, وأظن أننا لن نكون آخر المتخلين عنه, إذ سبقنا إليه الكثيرون, وسبقنا إلى التخلي عنه الكثيرون. لقد جرى استجراره إلينا لأنه لبى حاجة حقيقية لقوى اجتماعية وازنة ومؤثرة, ووجد تربة اجتماعية مناسبة لانغراسه, وليس لأن أحداً أعجب به فعمل على استيراده. لقد جرت فيه تبدلات وتحولات, مكنته من الثبات في الأرض والنمو آخذاً ملامح وطنية, وهذه هي الإضافة المحلية, أو" الإبداع " الوطني، إن صح التعبير، لكنها لم تغير جوهره. كما نشأت بالارتباط به قوى اجتماعية استمرار مصالحها مرهون باستمراره. ليس في مبدأ الاستيراد, بحد ذاته, مشكلة. فنحن جزء من هذا العالم, متفاعل معه, وإن ظنّ البعض غير ذلك, نستورد منه كل منجزات الحضارة الحديثة بما في ذلك شرورها, وأعني النتاجات المادية والفكرية والروحية ومن ضمنها أشكال التنظيم وأشكال الحكم. وهكذا تفعل جميع الشعوب بلا استثناء. هذا نقاش مع من يقول إن الديمقراطية مستوردة. نعم هي مستوردة مثل سيارة المرسيدس ومثل النظام الشمولي. هناك بضائع جيدة ينبغي استيرادها وهناك بضائع رديئة يجب التوقف عن استيرادها وهناك بضائع مكلفة جداً ليس من مصلحتنا      و لا في طاقتنا استيرادها. المشكلة إذاً في كوننا نستورد الكثير مما لا يلزم مجتمعنا أو مما يلحق الضرر به, والمشكلة أيضاً في كوننا هامشيين ومستهلكين, في هذه الحضارة, غير منتجين أو مبدعين فيها. هل هو النفط الذي يحولنا إلى مجتمعات ريعية ؟ أم القوى الاجتماعية الممسكة بزمام الأمور التي تهدر الفرص التاريخية التي يوفرها النفط, فتهدر مستقبل الأمة معه ؟

الكائنات الاجتماعية مثل كائنات الطبيعة الحية, لها دورة حياة, لها ولادة ونمو وموت. باعتقادي أن دورة حياة نوع الكائن الاجتماعي المسمى بالنظام الشمولي قد انتهت على النطاق العالمي. لقد كفّ هذا النظام عن الوجود في البلدان الأصلية التي أنتجته وصدّرته, بعد أن دخل عندها في أزمة تعفن طويلة وسبب لها الكثير من الآلام والتضحيات والدمار, ولا يزال أهم بلدانه يعاني من آثاره.يدخل النظام الاجتماعي مرحلة الأزمة عندما يفقد مشروعيته الإيديولوجية والاجتماعية, أي عندما تصبح الهوة غير قابلة للعبور بين الأهداف المعلنة والقدرة على تحقيقها, بين الحاجات الاجتماعية والوطنية وبين الواقع الاجتماعي والوطني. لا يغير من هذه الحقيقة اختلال التناسب بين القوى المرتبطة بالقديم والمقاتلة بشراسة من أجل استمراره وبين القوى المرتبطة بالجديد والعاملة بوجل وتردد على ولادته. فاختلال التناسب يصعب ولادة الجديد ويزيد من آلام الولادة ويفرض المزيد من التضحيات .

تعيش البلاد في أزمة مزمنة تجلّت في العجز عن تحقيق الأهداف الوطنية والقومية, والعجز عن بناء مجتمع, لا نقول يفيض بالخيرات المادية والروحية بما في ذلك الحرية, إنما يأخذ كفايته منها. مادياً تجلت الأزمة في ركود الإنتاج الاجتماعي ورقمياً ظهرت من خلال التناقص التدريجي لحصة الفرد من الدخل القومي وصغر هذه الحصة بالمقارنة مع بلدان أخرى بما فيها بلدان عربية مجاورة. تعكس الأزمة اختلال التوازن بين السلطة والمجتمع وإلغاء رقابة المجتمع على السلطة. أشرت قبلاً إلى أن السلطة احتلت موقع " الرأسمالي العام " المالك لوسائل الإنتاج، والمتصرف بها، وصاحب القرار في الإنتاج وإعادة الإنتاج، لكنها لم تعمل على طريقة الرأسمالي الذي يعرف، حتى بالغريزة، أن تطوير الإنتاج، وضمان إعادته الموسعة، يزيدان الربح، ويؤمنان بالتالي شروطاً أفضل للحياة له أولاً ولمن يعملون في مشروعه ثانياً. وقد ساعد اكتشاف النفط وازدياد استخراجه بتوفير قاعدة مادية لاستقلال أكبر للسلطة عن الإنتاج الاجتماعي، أي عن المجتمع نفسه ,وبالتالي أدى لضعف مصلحتها في تطوره.  أكثر من ذلك وضعت قيود مادية وقانونية، "وموازية " للقانونية أحاطت بهذا الإنتاج ومنعته من النمو وشوهته، مثل الحذاء الحديدي الصيني الذي كان يوضع في أقدام البنات الصغيرات لمنعها من النمو. إلى جانب ذلك اتصف النشاط الاقتصادي بالإفراط في الهدر الذي يقارب السفه، ناهيك عن الفساد الذي لا يمكن تقدير أضراره التي ألحقها بالبلاد. بكلام آخر للاقتصاد قوانين يجب مراعاتها واحترامها. خرقها المزمن لا يعطي إلا نتائج كارثية. توجد طريقتان للتعامل مع الدجاجة التي تبيض الذهب، رعايتها حتى تستمر على البيض، أو استنزافها حتى تنفق.

اسمحوا لي أن أعدد بعض مظاهر الأزمة :    

أولاً   : العجز المترقي تجاه مشكلات المجتمع المتفاقمة ... أذكر الصحة والتعليم وكذلك العجز المترقي في إدارة الموارد والمنشآت. فالحاجة كبيرة لإدارة عالمة وشغّالة ونظيفة ومنجزة للعمل وتشعر بالمسؤولية تجاه المجتمع وتجاه المال العام. أشير إلى انهيار سد زيزون، وأشير أيضاً إلى تخلي الدولة عن المشروع الرائد بعد الفشل فيه وتملّح الأرض رغم الإنفاق الهائل والذي يقدر     بالمليارات.أين ذهبت المليارات؟

ثانياً   : نمو الفقر. التقديرات تقول أن ستين بالمئة من الناس تعيش تحت خط الفقر.

ثالثاً  : البطالة وتقدر بين عشرين وخمس وعشرين بالمئة من قوى العمل. هناك نصف مليون عامل سوري في لبنان. لا يوجد تقدير للبطالة المقنعة.

رابعاً  : ازدياد التمايز الطبقي. خمسة بالمئة يحصلون على خمسين بالمئة من الدخل الوطني، وهؤلاء الذين يشكلون خمسة بالمئة لا تأتي قوتهم ودخولهم من ارتباطهم بالإنتاج الاجتماعي.

خامساً : الفساد الذي أصبح له اقتصاده وأصبح أهله طبقة اجتماعية. أشير خصوصاً إلى انتشار الفساد في الأجهزة المفترض بها حماية الناس منه.

سادساً : انهيار القيم وتبدل المثل. الإنسان ليس معدة ولا يحيا بالخبز وحده. " وإنما الأمم الأخلاق ... "

سابعاً  : المظاهر النفسية للأزمة : أبرزها فقدان الأمل والإحباط : حلم الشباب النجاة بالنفس من المركب والسفر إلى الخارج لتأمين المستقبل.

أخيراً  : نزوح الثروة إلى خارج البلاد. قدّر وزير الاقتصاد الدكتور غسان الرفاعي، الخبير السابق في البنك الدولي، حجم الأموال الموجودة في الخارج ما بين ثمانين إلى مئة وعشرين مليار دولار...والنزف لا يتوقف.

 

أظن أننا وصلنا إلى العقدة. قد يعترض البعض على ما قيل، وأن الصورة الحقيقية للأوضاع ليست بالقتامة التي قدمت بها. وقد يعترض آخرون بأن الواقع أشدّ قتامةً من الصورة المقدمة. وقد يقال إن الحقيقة نسبيّة، وإن الواقع يمكن معاينته من مواقع وزوايا مختلفة، وإن المعاينة نفسها عرضة لأنواع من الخلل. لكن نسبية الحقيقة لا تعنى بحال حرية تبادل المواقع بين الصح والخطأ. المهم في الأمر هو أن الاستمرار على المنوال القديم يحمل في طياته أخطاراًَ جدّية حقيقية على حاضر البلاد ومستقبلها. هناك قناعة بضرورة التغيير عند كثيرين، بمن فيهم أشخاص من دوائر القرار. لكن صورة التغيير واتجاهه، وهدفه وقواه ليست واضحة أو ليس هناك توافق اجتماعي حولها، ربما بسبب غياب التداول الوطني في القضايا المصيرية، أو بسبب " السرّية " التي تمارسها السلطة تجاه المجتمع، أو ضعف القوى الديمقراطية ومحدودية نشاطها. بل إن بدايات التغيير قديمة. ففي النصف الثاني من الثمانينات جرت محاولات للتغيير، اقتصادية الطابع، عندما تقرر التخفيض الحاد لقيمة العملة على حساب مدّخرات الشعب الشغيل، والذي أدى إلى ارتفاع الأسعار الكبير وهبوط القدرة الشرائية وتكوّن فجوة لا تزال تتسع بين إمكانيات الكتلة الأساسية من المجتمع والحاجات الضرورية لها المطلوب تلبيتها، وكذلك عندما صدر قانون الاستثمار المشهور الذي هدف لجذب الرساميل من الخارج وضخها في عروق الاقتصاد ( الذي لم يكن قد نزف كثيراً، مثلما هي حاله اليوم ) لتنشيط الإنتاج الوطني. هناك الآن محاولات في الاتجاه نفسه تدور حول حركة الرساميل ونشاط البنوك وحول القوانين المتعلقة بهذه الميادين. ولأسباب كثيرة تتعلق بالأوضاع في الشرق الأوسط والسياسة الأمريكية تجاهه، وخصوصاً تجاه المشرق العربي، وكذلك بالبيروقراطية المترهلة والفساد المستشري، فإن نجاح هذه المحاولات أمر مشكوك فيه، كذلك مشكوك في أن يكتب النجاح لاقتباس نموذج من جنوب شرقي آسيا، ناهيك عن النموذج الصيني.

تتضمن فكرة الإصلاح الجذري أو العميق أو الشامل، جملة من المعاني الكبيرة، أولها نفي العنف كطريقة للتغيير. والحقيقة أن المجتمع السوري قد شبع من العنف، ولا يحمل عنه إلاّ ذكريات مرّه، بل يريد تصفية آثاره التي لا تزال تثيره. وثانيها الحوار بين أطراف المجتمع المختلفة المصالح والأهداف للوصول إلى صيغ تسوويه " لا تقتل الذيب ولا تفني الغنم " بحسب القول الشعبي، وتمثل ما هو مشترك بين هذه الأطراف. وثالثها أن الإصلاح يعني الإقرار بالمكانة المتميزة والدور المركزي للسلطة بوصفها صاحبة القرار والمركز المنوط به اتخاذ القرار في كل مجتمع، مع الأخذ بالاعتبار أن قوة قرارات السلطة مرهونة بقدرة السلطة على عكس مصالح الأطراف الاجتماعيين والحصول على موافقة المجتمع عليها. تنطلق فكرة الإصلاح، إذاً، من وحدة المجتمع، التي تتسع للتناقضات الاجتماعية، والمصالح المختلفة المتعارضة التي تجد حلولاً لتناقضاتها وتعارضاتها واختلافاتها في إطار هذه الوحدة.

الإصلاح المطلوب هو الإصلاح الجذري والشامل. وهو جذري عندما يتناول الدولة كموضوع للإصلاح، بوصف الدولة التعبير السياسي عن الكلية الاجتماعية، وهو شامل لأن عليه أن يتناول أوجه الحياة الاجتماعية المختلفة. لذلك فللإصلاح هدف، واتجاه، وزمن أو سرعة. الهدف هو إقامة النظام الديمقراطي، والاتجاه هو من النظام الشمولي إلى النظام الديمقراطي والزمن أو السرعة هو التدرج الذي يوفر ما يمكن من آلام الإصلاح ومن تكاليفه المادية والمعنوية. في هذا المجال لا بدّ من التأكيد على أن الديمقراطية ليست مفتاحاً سحرياً للمشاكل التي تعاني منها البلاد. إنما هي حلّ لمسألة وحيدة هي بنية الدولة، أي طبيعة العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، ونوعية أبنية الحكم وعلاقاتها بعضها مع البعض. لكنها أيضاً تقدم الإطار الصالح الذي يستطيع الناس من خلاله مواجهة مشاكلهم والتعلم على إيجاد الحلول لها.

يمكن تصنيف قضايا الإصلاح في ثلاث مجموعات تبعاً لطبيعة القضايا وإلحاحها أو ضرورة الوصول إلى إجماع وطني عليها.

المجموعة الأولى تضم ما يمكن تسميته بالمسائل الاستراتيجية وتتعلق بإصلاح الدولة لذاتها بذاتها. وهي تضم الإصلاح السياسي الذي يشمل بالضرورة الحياة الدستورية وهياكل السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية وطبيعة العلاقات فيما بينها, والإصلاح الاقتصادي وأهدافه وعلاقته بالشعب الشغيل والموقف من القطاع العام والخاص والصناعة والزراعة, والإصلاح القضائي وسيادة القانون, والإصلاح الاجتماعي والتامين الاجتماعي والصحي والموقف من البطالة, والإصلاح الإداري, والإصلاح التعليمي والصحي. هذه المجموعة التي ترسم الأهداف للمجتمع وتفحص النواقص والإنجازات, تستدعي توافقاً اجتماعياً واسعاً يمكن تأمينه عبر مؤتمر وطني أو طاولة مستديرة يضمان أهل العلم والمعرفة وممثلي قوى العمل والإنتاج والفئات الاجتماعية المختلفة تدعو إليه السلطة وترأسه وتلتزم بنتائجه. عندما تتوفر القناعات بسلوك مثل هذا الطريق يمكن الانطلاق خلال بضعة أشهر, ويمكن رسم البرامج خلال بضعة أشهر أخرى, وتحقيقها خلال ثلاث أو أربع سنوات, تنقص قليلاً أو تزيد قليلاً.

المجموعة الثانية هي تدابير الإصلاح السريع للحياة العامة وتتضمن

               - إلغاء حالة الطوارئ

               - إطلاق حرية الصحافة

- إعلان القضاء سلطة مستقلة وإلغاء تبعيته للسلطة التنفيذية, وإلغاء القضاء الاستثنائي                - إصدار نظام ضد هدر الموارد العامة ولمكافحة الإهمال في المؤسسات الاستراتيجية

             

 - فتح ملف الفساد إلى المجموعة الثالثة تنتسب القضايا التي يمكن وضعها تحت عنوان رد المظالم وهي :

               - إطلاق سراح معتقلي الرأي والسجناء السياسيين

               - السماح للمبتعدين أو المبعدين بالعودة

               - حل مسألة المفقودين حلاً إنسانياً

               - التعويض على المتضررين لأسباب سياسية

المجموعات الثلاث ترتكز على أن الدولة هي التعبير السياسي عن الكلية الاجتماعية, والمسؤولة عن صياغة الوحدة الوطنية ولأم جراح الماضي.

        إصلاح من هذا النوع يجعل من سورية مثلاً يحتذى من الأقطار العربية الأخرى, ويؤسس لإنجازات وحدوية ويرفع من قدرة البلاد على مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي.

        الإصلاح هو إعادة تشكيل, كما يدل اسمه عليه, وهو من التحولات الكبرى في حياة الشعوب, مثل الحرب والسلم والثورة. الإصلاحات الكبرى ارتبطت دائماً بقيادة تاريخية خلدتها.

سيداتي ! سادتي !

         يولد الطفل, يقف على قدميه, يتعلم المشي, يقع أرضاً, ينهض ويتابع المشي, وتبدأ مغامرته في اكتشاف العالم. نحن نتعلم المشي, يقع بعضنا, ينهضون ونتابع تعرفنا على عالمنا من أجل تغييره.

هل أجبت على سؤال المشاركة السياسية ؟

 

 

* كتب وباحث سوري