عودة إلى ألف باء المقاومة

 

منذ تولي الرايخ الثالث السلطة في ألمانيا، لم تبتلى البشرية بقوة عظمى تديرها مجموعة متطرفة تعتقد بأن من حقها أن تفعل كل شي وأم من واجب الآخرين الطاعة في كل شئ.

عندما عقدت وزيرة العدل الأمريكية هذه المقارنة، قامت ثائرة الإدارة الأمريكية ولم تقعد،

وكأن الحق في التحليل السياسي الشفاف صار ممنوعا.

لكن، ألم يكن مقتل ألمانيا النازية في جنون عظمتها؟ ألم يكن التطرف المؤشر الأول لأفول الإمبراطوريات وتراجع الحضارات؟

إذا كانت جريمة الاستيطان الصهيوني في أحدث القراءات الحقوقية اليوم جريمة ضد الإنسانية، فكيف يمكن أن ينجو العدوان الأمريكي من هذا التعريف؟ ولعل الإدارة الأمريكية هي أكثر من يعرف بأنه يرتكب جريمة تقع ضمن نطاق صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية (جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان)، حيث يشهد المشرق العربي تصعيدا في الهجمة الأمريكية من أجل تعزيز التواجد العسكري في بلدان الخليج والجزيرة العربية، من أجل الإشراف المباشر على أجهزة الأمن في أكثر من بلد عربي، ومن أجل الإمساك بالقرار السياسي والاقتصادي في العراق بأقل الخسائر وضمن اتباع سياسة العصا الغليظة مع كل من يخالف السياسة الأمريكية بل حتى من يقف على الحياد. ويمكن القول أن حرب الاستنزاف هذه قد عززت الوجود الأمريكي والمصالح الأمريكية على حساب أوربة وروسيا والصين من جهة، وأسقطت آخر أوراق التوت عن أمراء النفط  وحجمت من أشكال المقاومة الشعبية عبر الضغط الحكومي عليها والقوانين الاستثنائية المتكاثرة منذ أحداث أيلول/ سبتمبر.

لقد استنفرت القوى المتطرفة الأمريكية كل عناصر اللوبي الصهيوني العاملة في المجالات الحقوقية والإنسانية، ووصلت المهزلة بهؤلاء، الذين سبق وغطوا على جرائم شارون، أن يطالبوا بمحكمة جنائية دولية ad hoc محدودة المكان والموضوع خاصة بالعراق، فيما يشكل تراجعا عن المكسب الإنساني الكامن في قيام محكمة جنائية دولية دائمة. وقد عهد للدكتور برنار كوشنر بتسويق هذه البضاعة التي ترضخ للرفض الأمريكي للتصديق على قيام المحكمة الجنائية الدولية وموقفها السلبي منها.

ليس من المستغرب أن تبقى قطاعات واسعة من المجتمع العربي خارج هذا الزلزال الجيو استراتيجي، فقد تم اغتيال المجتمعات المدنية العربية عن سابق إصرار وتصميم، وجرى دعم وحماية مؤسسات الفساد والاستبداد من قبل الإدارات الأمريكية التي تتحدث اليوم عن فساد هنا واستبداد هناك. فإن كنا نرى في قسم من إفريقيا شعوبا بدون دول، كما يقول منصف المرزوقي، فنحن نرى في العالم العربي دولا بلا شعوب. لقد اعترفت الإدارة الأمريكية خارج نطاق الحكومات الاستبدادية بعرب الخدمات ومسلحي شمال العراق وجنوب السودان. وبقيت علاقتها بالقوى الديمقراطية العربية هشة حتى لا نقول غائبة، ولم تنجح إلا في كسب ود بعض المراكز المتعيشة من اليو إس إيدز. أكثر من ذلك، في كل مرة تدخلت الإدارة الأمريكية في قضية حقوقية كان تدخلها وبالا علينا.

هل لأن هناك عداء غريزي عن العرب والمسلمين للولايات المتحدة؟ هل هناك أحكام مسبقة ومعتقدات لا يمكن تغييرها حول صانعي القرار في هذا البلد؟

بعد الحادي عشر من سبتمبر، رفضت الولايات المتحدة أن تقف لحظة تأمل تطرح فيها السؤال المركزي لكل قاض عادل: ما هو الدافع إلى الجريمة؟ بل على العكس من ذلك، فقد أطلقت العنان للمدرسة الاستعمارية القديمة (رامسفيلد) والمدرسة الأمنية الجديدة (غونداليسا رايس) للترويج لنظرية بسيطة وساذجة مفادها أن عالمنا الحالي لم يعد يملك الوقت للتأمل في الأسباب والدوافع وأن من الضروري معالجة الأمور وفق المثل القائل: "وداوني بالتي كانت هي الداء". أي معالجة العنف بالعنف والإرهاب بالإرهاب. وسواء كان تطبيق هذه النظرية مباشرا كما حدث في أفغانستان أو ضمن منهج يجمع بين الضغط النفسي والسياسي ونشر القوات العسكرية للسيطرة الإقليمية الكاملة كما يحدث في العراق، فإن هذا النهج يجعل الإدارة الأمريكية باستعارة تعبير نعوم شومسكي، الإرهابي الأول، ولا يمكن لهذه الصفة إلا أن تؤرخ لاحتضار الإمبراطورية الأمريكية.

لسنا من أنصار سيادة الدولة القائمة على توزيع الموت أو اختزال الوجود المجتمعي بمجرد البقاء على قيد الحياة. كما أن معركتنا مع الدكتاتوريات العربية لم تقبل هدنة أو مساومة أو مراضاة. إلا أن السؤال النظري السياسي الكبير الذي طرحناه على أنفسنا منذ حرب الكوسوفو حين توضحت معالم سياسة "القرار الأمريكي أولا" كان: كيف يمكن أن نواكب حقبة الانتقال التي عاشتها البشرية من الدولة-الأمة إلى مرحلة الدولة كضرورة والسيادة كمفهوم نسبي بشكل تقطف ثماره المنجزات الأساسية على صعيد القانون الدولي وحقوق الإنسان؟ بتعبير آخر، كيف يمكن أن يتم توظيف تراجع مفهوم السيادة لحساب شرعة حقوقية فاعلة تعطي المؤسسات العالمية بعدا إنسانيا ولا تشكل انتقالا من الدكتاتور المحلي إلى الدكتاتورية العسكرية-المالية المعاصرة: أي مجالس إدارة الشركات المتعددة الجنسية وسادة الأسواق المالية والمسيطرين على الصناعات المعلوماتية والتكنولوجيات الوراثية وأكبر الدول تسلحا والتجمعات الإعلامية الراضخة لها؟

ضمن هذه الرؤية الديالكتيكية نبصر باستمرار العلاقة بين أي كيان سياسي وقدرته على امتلاك حقه في القرار، ولهذا جمعنا في هذا العدد بين محاولات الحوار والتنسيق بين القوى الوطنية المختلفة في سورية كشرط أساسي لإعادة تجميع أركان المبنى الإنساني في الكيانات المختلفة في العالم العربي وصولا لتجمعات وتنسيق على مستوى أعلى،  باعتبار كل ما يعزز الوعي السياسي والتفاعل المجتمعي يشكل سدا منيعا في وجه الطوفان الأمريكي والعنجهية الصهيونية. وباعتبار الاجتماع السياسي من أهم عناصر التماسك المدني الضروري لإنضاج الرؤى الأفضل لنا ولأبنائنا.

 إن ردود الفعل في البلدان الأوربية ضد حكومات بلير وبيرلسكوني وأزنار المنتخبة ديمقراطيا يبرز إلى أي حد ترفض المجتمعات المدنية الحية تورط حكوماتها في عدوان تفوح منه رائحة النفط، وكيف أن ضرب المجتمعات العربية وحده قد مكّن الحكومات العربية الخضوع دون مقاومة لرغبات حاكم خارجي أهوج وسلطة داعرة.

ليس بوسع الحوانيت الصغيرة للدفاع عن حقوق الإنسان أو أشباه الأحزاب والنقابات المفصلة من فوق الرد على تحديات المرحلة، ولعل مهمات كهذه تتطلب إعادة النظر في البرامج النضالية للمنظمات غير الحكومية على الصعيد العالمي. فخضوع السلطة السياسية لقانون الأقوى، القدرة على تحجيم مقاومة الحكومات، غياب الشرعية عن معظم السلطات التنفيذية العربية ومحاولات التدخل المباشر في سياسة دول حلف شمالي الأطلسي من قبل الولايات المتحدة، كل هذا أعطى لتعبيرات المجتمع المدني دورا مركزيا في إعادة بناء المقاومة للدفاع عن الحريات والحقوق، فهذه التعبيرات لم تعد وحسب، الوسيط بين المجتمع والدولة، صمام الأمان تجاه العنف الداخلي، الرابط بين الشعوب والثقافات وآخر قلعة للدفاع عن مفهوم التضامن الأممي، بل أصبحت اليوم، باستعارة تعبير محمود محمد صلاح ومورو دوفارغ، المتحدث الرسمي باسم أخلاقية عالمية ضربها النظام العالمي الحالي في مكوناته البنيوية اقتصادية كانت أم سياسية أم عسكرية.

يشكل العدوان الواسع على العراق بداية حقبة جديدة يسحق فيها قانون القوة قوة القانون، وللرد على عنجهية القوة نحن بأمس الحاجة للانتقال إلى المبادرة لجمع السياسي والحقوقي، أصوات مناهضة الهيمنة الأمريكية والمدافعين عن حقهم في الاختلاف، النقابي التقدمي والعامل في المجال الإنساني والخيري، المثقف النقدي ورجل الدين المقاوم، الحزب السياسي والمنظمة غير الحكومية،  كل هذه القوى يقع على عاتقها إعادة تكوين شبكات المقاومة والدفاع عن الكرامة الإنسانية في لحظة حاسمة من لحظات التحلل السياسي والتعفن المؤسساتي ومحاولات استثمار وضع عربي منهار، لتعزيز الاستغلال والاستبداد على الصعيد العالمي..

لم تعد الإدارة الأمريكية تقبل بحق المشاركة والتفاعل والتبادل المتكافئ، فاضت مطاليبها عن درجة احتمال البشر لأية قوة عظمى، وبدأت تتوارد من الأفق البعيد صرخات تقول: بين البربرية والمقاومة.. سنختار المقاومة..

هذا الصدى تتبناه "مقاربات" مع ملايين الحناجر المدافعة عن الخبز والكرامة والحرية

  هيئة التحرير