التحولات المجتمعية ودور المنظمات الأهلية

كريم أبو حلاوة(*)

 

يلاحظ المتابع المهتم مسألة تعدد الندوات والمؤتمرات والبحوث التي تعقد حول حاضر ومستقبل المجتمع العربي. إن في ذلك دلالة على انتقال الفكر الاجتماعي من توصيف الواقع وتشخيصه إلى محاولة امتلاكه معرفياً واقتراح الحلول والمداخل التي تفضي للتعامل العلمي والعقلاني مع ظواهره.

غير أن توقف الفكر عند ظاهرة المنظمات الأهلية وتوجيه الأسئلة إليها بغية تسليط المزيد من الأضواء حولها، ليس سوى إشارة ضمنية بأن دور المنظمات الأهلية ومكانتها لم يصلا بعد إلى المستوى الذي تنشده حركة التنمية والتحديث في مجتمعاتنا.

يندرج الاهتمام بالمنظمات الأهلية ضمن خطاب ثقافي عربي أخذ يتنامى بشكل متواصل، تتضافر فيه مفاهيم المجتمع المدني والتعددية ومزايا الحوار الاجتماعي وأهمية الممارسة المجتمعية، لتشكل سمات جديدة. هذه السمات تؤكد النزوع المتزايد للخطاب العربي المعاصر في تبني المبادئ الديمقراطية والإعلاء من شأن المشاركة في قضايا الشأن العام وعدم اقتصار تناولها على النخب.

لا تقل دلالة هذا التحول من الناحية المعرفة أهمية عن دلالته الاجتماعية. فبعد أن تركزت البحوث والدراسات الاجتماعية ـ ولفترة طويلة ـ على الدولة ومؤسساتها والأدوار التي تقوم بها في المجتمع، بزغ اتجاه آخر يدعو إلى الاهتمام بالفاعلين الاجتماعيين سواء كانوا أفراداً، أم منظمات أهلية، أم جماعات مصالح ويتساءل عن دورهم التنموي وحجم مساهمتهم في المشروع المجتمعي.

تهدف هذه الدراسة إلى تحديد الموقع البنيوي للمنظمات الأهلية العربية والدور الذي تقوم به في المجتمع. ذلك ضمن خيار منهجي يطرح التساؤلات حول ملامح هذا القطاع الاجتماعي الحيوي والمكانة القانونية التي يتبوأها، وصولاً إلى مناقشة الأساليب المناسبة لتفعيل عمل هذه المنظمات والتعرف على النشاطات التي تمارسها في سياق مشاريع التنمية.

لا يكتمل التحليل دون الوقوف المتأني عند الصعوبات والعوائق التي تواجه عمل المنظمات الأهلية وتحد من إمكانياتها وتحول دون إسهامها النشط في مواجهة المشكلات التنموية. ذلك عبر تشجيع ومأسسة كل ما يفضي إلى تعظيم المشاركة المجتمعية كضرورة لا غنى عنها في إنجاح المسعى التنموي وديمومته.

فما هي المنظمات الأهلية وما موقعها في البنية الاجتماعية، سواء فيما يتصل بعلاقتها بالدولة ومؤسساتها أو من حيث علاقتها بالمجتمع المدني؟ ما هي الأدوار والوظائف الاجتماعية التي يمكن أن تقوم بها، وإلى أي حد هي مؤهلة وقادرة على القيام بهذا الدور؟.

منذ أكثر من عقد مضى، والاهتمام بالمنظمات الأهلية يتعاظم تدريجياً، سواء على مستوى دراسة بنى المجتمعات المحلية وتنظيمها بعد أن استحوذ النموذج المتمركز حول دور الدولة على النصيب الأعظم من الدراسات السوسيولوجية، أو على مستوى تعاظم الدور الذي بدأت المنظمات والهيئات الدولية توليه لهذه المنظمات بغية إشراك ما بات يعرف بالقطاع الثالث Third sector أو المنظمات غير الحكومية (N. G. Os) في برامج القطاع العام كجزء من استراتيجية تقليص البيروقراطيات الحكومية والارتقاء بدور القطاع الخاص. مما اعتبر مؤشراً على زيادة المشاركة والشفافية في عملية التنمية.

ومع بروز مدرسة التبعية، شهد الفكر التنموي تحولات أساسية يمكن تكثيفها على الشكل الآتي:

1 ـ التحول من نظريات التنمية الخطية إلى نظرية التبعية التي ركزت على تفسير التخلف وتحليل العلاقات الاقتصادية الدولية غير المتكافئة.

2 ـ التحول عن مفهوم الدخل القومي كمقياس للتنمية إلى مشكلات البطالة وسوء توزيع الدخل وإشباع الحاجات الأساسية.

3 ـ الانتقال من التأكيد على المشكلات الاقتصادية المحددة إلى الاهتمام بالمشكلات والقيود العالمية: كالطاقة واستنفاد الموارد والجوع والتلوث والسكان.

4 ـ الانتقال من معاملة البلدان النامية كمجموعة متجانسة المصالح إلى معاملتها كمجموعة متباينة الظروف والمصالح، إلى جانب تلاشي مفهوم انسجام المصالح العالمي وإبداله بمفهوم تعارض المصالح، خصوصاً بين البلدان المتقدمة والنامية.

لقد تضافرت الجهود النظرية لبناء ما سمي آنذاك بالتنمية المستقلة مع التركيز على المشكلات والأزمات التي لا بد للتنمية المستقلة من مواجهتها وهي:

ـ أزمة الهوية: بما تثيره من مشكلة الولاءات المحددة والضيقة مقابل الولاء القومي، والتي تتعاظم عندما يبدأ التعارض بين الثقافة التقليدية والثقافة الحديثة.

ـ أزمة الشرعية: تشير إلى مسألة الاتفاق على شرعية الحكم، أي التحول من الأسس التقليدية الموروثة للشرعية إلى أسس أخرى حديثة.

ـ أزمة التغلغل: تتمحور حول مدى وصول الحكومة وسياساتها التنموية إلى أطراف المجتمع، أي إلى استغراق البنية الاجتماعية بأكملها.

ـ أزمة التوزيع: تتصل بالمشكلات الناجمة عن توزيع الدخل القومي ومدى اقترابها من حدي العدالة والتفاوت.

ـ أزمة المشاركة: تعني مدى الاستعداد لإشراك أكبر عدد ممكن من الأفراد والفئات الاجتماعية في العملية السياسية وإدارة شؤون البلاد وتتصل بالدمقرطة.

ـ وأخيراً أزمة الاندماج: التي تعني العمل من أجل التغلب على الفروق الإقليمية والإثنية والدينية للوصول إلى مرجعيات اجتماعية أعلى متفق عليها من الجميع أساسها الولاء للوطن.

مع الانتقادات المتزايدة التي تعرضت لها مدرسة التبعية، والصعوبات العديدة التي واجهت سياسات فك الارتباط وكسر التبعية، وبسبب جملة التحولات الاقتصادية والسياسية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة وتفكك المنظومة الاشتراكية، وما رافق ذلك من مستجدات تتصل بالعولمة وتجلياتها الاقتصادية والسياسية والعلمية، كان لا بدّ من إعادة النظر نقدياً بمفهوم التنمية. فأتى مفهوم التنمية المستدامة (المستمرة) HUMAN DEVELOPMENT SUSTANABLE الذي ركزت عليه تقارير التنمية البشرية منذ مطلع التسعينات من هذا القرن ليشكل مفهوماً مركباً يأخذ بعين الاعتبار الخبرات التنموية السابقة بشقيها النظري والتطبيقي.

إلا إن ذلك لا يعني أن مفهوم التنمية البشرية المستدامة نهائي ومكتمل وينطوي على حلول للمشكلات التنموية المعقدة. فأشكال “النمو الرديء”، التي تشهدها العديد من المجتمعات اليوم، عديدة ومنها: النمو عديم الشفقة، والنمو بلا مستقبل، والنمو الأخرس، والنمو بلا جذور، وأخيراً النمو بلا فرص عمل. لعل الأزمة التي شهدتها دول جنوب شرق آسيا منذ منتصف عام 1997 وأفقدتها 30 ـ 50• من قيم عملاتها، والتي امتدت لتشمل روسيا وفنزويلا، لعلها ترسم علامات استفهام جدية حول فرص ومستقبل التنمية في زمن العولمة GLOBALISATION. إلى أن برز مفهوم اشمل للتنمية الاجتماعية الاقتصادية يأخذ انعكاس السياسات التنموية على بنى المجتمع وأنشطته الاقتصادية بعين الاعتبار، وصولاً إلى مفهوم التنمية المستدامة الذي تبناه البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة UNDP في تقاريره السنوية التي يعدها عن واقع التنمية في العالم.

يبحث تقرير التنمية البشرية لسنة 1996 طبيعة ودرجة العلاقة بين النمو الاقتصادي والتنمية البشرية. وفي بادرة غير مسبوقة يتم تحديد مفهوم التنمية البشرية بصورة دقيقة على أنه “توسيع خيارات الناس بتوفير الفرص لهم في مجالات العمل والدخل والصحة والتعليم والحقوق السياسية التي تتكاثف في مفهوم المشاركة”، وذلك عبر اقتراح مؤشر (HUMAN DEVELOPMENT INDEX) دليل لقياس التنمية البشرية المستديمة. أي ربط النمو الاقتصادي بهدف أساسي، هو تحسين نوعية حياة الناس وضمان توزيع أسلم للدخل وحماية البيئة.

يؤكد التقرير على الربط الجدلي بين النمو الاقتصادي والتنمية البشرية، بحيث يكون النمو وسيلة والتنمية غاية. في هذا السياق يؤكد التقرير على أهمية المشاركة (PARTICIPATION) بين الحكومات ومؤسسات القطاع الخاص والمنظمات الأهلية في قضايا إدارة هذه العملية.

إن التغيرات التي يشهدها قطاع العمل الأهلي في العديد من البلدان العربية مؤشر لجملة من تحولات وتغيرات اجتماعية واقتصادية، وبدرجة أقل سياسية بدأت تشهدها هذه البلدان. كما تظهر هذه التغيرات في جزء منها كأثر لاتجاهات عالمية أبرزت تصاعد وزن القطاع الثالث وأهمية المنظمات غير الحكومية في تعاملها مع مشكلات السكان والبيئة والفئات المحرومة والأقل حظاً، إضافة إلى قضايا حقوق الإنسان والمرأة وغيرها. لكن ما هي العوامل والأسباب التي أسهمت في تغيير مكانة القطاع الأهلي في الأقطار العربية، وما حجم الدور الجديد لهذا القطاع؟.

يبين التحليل المتأني للعوامل الاجتماعية والاقتصادية الكامنة وراء هذا التحول أن هناك مجموعتان من العوامل: تتعلق أولاهما بالسياسات التنموية التي اتبعتها أغلب الدول العربية بما تضمنته من إخفاقات ونجاحات وبما تكشفت عنه من الثغرات والنواقص، في حين تتصل ثانيتهما بتغييرات البنى الاجتماعية والهيكل السكاني المرتبط بمطالب واحتياجات جديدة ناجمة عن هذه المستجدات.

لقد أسفرت السياسات المالية والنقدية التي اتبعتها غالبية البلدان العربية لمواجهة التضخم وعجز الميزانيات عبر تحرير السوق والاتجاه نحو الخصخصة والإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، عن انخفاض الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة في قطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية. مما أدى إلى بروز أهمية دور القطاع الأهلي في تغطية جانب من مطالب السكان وإشباعها. وهو دور طبيعي وضروري من حيث أنه مكمل لدور الدولة من جانب، إضافة إلى الدور المتعاظم للقطاع الخاص من جانب آخر.

وبالتوازي مع السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي نجم عنها تراجع دور الحكومات في الإنفاق على الخدمات العامة والرعاية الاجتماعية، اتجه عدد السكان في الدول العربية نحو التزايد المستمر (270 مليون نسمة عام 1990) ووصل معدل نمو السكان إلى 2.6 الذي هو من أعلى المعدلات في العالم. يعني هذا أن ثمة احتياجات ومطالب سكانية جديدة لا تستطيع الحكومات إشباعها، خاصة إذا كانت هذه الاحتياجات مرتبطة بمجتمعات فتية تصل فيها نسبة الأعمار دون 15 سنة حوالي 40• من إجمالي عدد السكان. هذا بالإضافة إلى الظروف الاستثنائية التي شهدتها بعض الأقطار العربية بسبب الحروب والكوارث البيئية والطبيعية (مثل لبنان وفلسطين والسودان والصومال). والتي برز فيها دور مهم لمنظمات القطاع الأهلي في تلبية حاجات السكان، حيث استجابت بمرونة عالية للمشكلات والمتغيرات التي شهدتها هذه المجتمعات.

الملاحظ بالنسبة للدول العربية تباطؤ النمو خلال الفترة 1991 ـ 1997 نتيجة أزمة الخليج الثانية وتزايد مديونية الكثير من الدول العربية عموما(1).

تبين المقارنة بين البلدان العربية التي انتهجت سياسة الاقتصاد المخطط والمركزي وبين الدول التي انتهجت سياسات اقتصادية تقوم على اقتصاد السوق والتعددية الاقتصادية إن المجموعة الأولى من الدول ذات الاقتصاد الموجه، وبالرغم من أنها استطاعت توفير بنية اقتصادية تحتية (مشاريع صناعية وزراعية وطرق وخدمات)، إلا أنها لم تنجح في استثمارها بمعايير الكفاءة الاقتصادية. لقد وصلت إلى أزمة انسداد أفق وتباطؤ في النمو الفعلي بسبب البيروقراطية والروتين والفساد وتقييد المبادرة وكبح الاستثمارات. مما يستدعي القيام بالإصلاحات الاقتصادية وإعادة الهيكلية والخصخصة وتنشيط المبادرات الخاصة(2).

أما المجموعة الثانية، فقد عانت معظم بلدانها من مشكلة تفاقم سوء التوزيع في الثروات والدخول نتيجة لإجراءات الخصخصة والإصلاحات المالية وضغوط صندوق النقد والبنك الدوليين. مما أفضى إلى تفاقم ظاهرة البطالة وارتفاع نسبة الفقر. الأمر الذي يستلزم إعادة النظر في الآثار الاجتماعية السلبية لهذه السياسات التنموية والعمل على إيجاد التوازن الصعب بين سياسات التحرير الاقتصادي وبين حاجات المجتمع التنموية ومقتضيات العدالة الاجتماعية، مع ملاحظة الفروق بين البلدان العربية داخل المجموعتين السابقتين.

من هنا يتضح أن الاهتمام بالمنظمات الأهلية باعتبارها إحدى مكونات المجتمع المدني في البلدان النامية لا ينفصل عن التفكير بالقضيتين المركزيتين اللتين تواجههما هذه المجتمعات وهما: قضية التنمية والمسألة الديمقراطية.

لم يعد خافياً التعثر، بل والفشل، الذي وصلت إليه التجارب التنموية لمجتمعات “جنوب العالم” أو ما بات يعرف بالجيل الأول للتنمية، والذي نصب عينيه تراكم رأس المال دون تراكم خبرات البشر وإطلاق إمكانياتهم. عدا عن إهمال بعدين أساسيين من أبعاد التنمية وهما: الاستمرارية من جهة، وجعل البشر غاية هذه التنمية ووسيلتها في الوقت نفسه من جهة ثانية.

في حين يتمثل المظهر الثاني لفشل تجارب البلدان النامية في العجز أو عدم الرغبة في استنهاض المشاركة الشعبية، بحيث بقيت شكلية وغير فعالة في غالبيتها.

ملامح القطاع الأهلي في العالم العربي:

تحاول هذه الدراسة أن تتعرف على السمات الأساسية للمنظمات الأهلية العربية والتي يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر. في حين يمتد العمل الأهلي عميقاً في تاريخنا الاجتماعي، تمت ممارسته عبر صيغ متعددة كالوقف والزكاة وغيرها من أشكال العطاء الإنساني الذي بات يشكل قيماً مشتركة بين الحضارات والثقافات والأديان في العديد من مناطق العالم.

تتنوع صيغ التنظيمات الأهلية العربية وتختلف من حيث العدد وتاريخ النشاط وأنواعه. تشير المعطيات المتوفرة إلى وجود 70000 منظمة أهلية عربية، أي وجود عدد ضخم من المبادرات الشعبية التي يمكن تصنيفها، حسب النشاطات التي تقدمها، إلى أربعة أنواع:

ـ أولاً: الجمعيات الخيرية: تضم مجمل المنظمات الأهلية التي تعمل في مجال العمل الخيري بشكله التقليدي الذي يعتمد صيغة مانح وممنوح. تتراوح نسبة الجمعيات الخيرية بين 34• من مجمل المنظمات الأهلية في مصر وتصل في سوريا إلى نسبة 80•، في حين تصل في الخليج العربي إلى 90•. تتراوح بقية النسب في باقي الدول العربية بين هاتين النسبتين، إلا أنها وبالمتوسط العام، الشكل الأساسي لعمل المنظمات الأهلية العربية.

ـ ثانياً: منظمات الخدمة والرعاية الاجتماعية: وهي منظمات أهلية تنشط في مجالات اجتماعية عديدة وتقدم خدمات صحية وخدمات اقتصادية واجتماعية متنوعة للأطفال والمرأة والمسنين والأسرة وغيرها.

ـ ثالثاً: منظمات التنمية: هو نوع جديد من منظمات العمل الأهلي بدأ يتنامى تدريجياً في المجتمعات العربية. يهدف هذا النمط من الجمعيات الأهلية إلى تحقيق التنمية في إطار مجتمع محلي محدد.

ـ رابعاً: منظمات دفاعية: أي منظمات التأثير والرأي (ADVOCACY)، من أمثلتها منظمات حقوق الإنسان والدفاع عن المرأة وحقوقها ومنظمات حقوق المعاقين ومنظمات ظهرت مؤخراً في مصر تعنى بالدفاع عن حقوق الأطفال الذين ليس لهم مأوى، إضافة إلى منظمات الدفاع عن البيئة.

ـ خامساً: منظمات ثقافية متنوعة: كالجمعيات الأدبية واتحادات الكتاب والفنانين وجمعيات الشعر والقصة والرواية... الخ، إضافة إلى منظمات تأهيل وتدريب ومحو الأمية للكبار وغيرها.

المشترك بين المنظمات الأهلية السابقة على اختلاف أنواعها ونشاطاتها أنها غير هادفة للربح أولاً، وهي منظمات غير حكومية ثانياً، وثالثاً تقوم بمبادرات أهلية وشعبية طوعية (غير ربحية) لتلبية حاجات أو مطالب اجتماعية والمشاركة في عملية التنمية.

تحديد مفاهيمي ومحاولة تعريف:

يشير مفهوم المنظمات الأهلية غير الحكومية المعروفة بـ (NGOs) إلى جملة المبادرات الاجتماعية الطوعية التي تنشط في مجالات مختلفة مثل الخدمات الاجتماعية والمساعدات الخيرية وخدمات التعليم والصحة والثقافة. إضافة للاهتمام بشؤون البيئة والتنمية والتدريب المهني وتأهيل النساء وتنمية المجتمعات المحلية والدفاع عن حقوق الإنسان والطفل وغيرها.

يتحدد موقع المنظمات الأهلية بين الدولة ومؤسساتها من طرف والقطاع الخاص الهادف إلى الربح من طرف آخر. ويدلل على اشتراك تنظيمات العمل الأهلي مع مؤسسات المجتمع المدني (CIVIL SOCIETY) بمعناه المعاصر في العديد من الأدوار والوظائف المشتركة. فالمجتمع المدني تعريفاً هو “مجموعة المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية التي تعمل باستقلال نسبي عن الدولة لتحقيق أهداف وغايات متنوعة: سياسية واقتصادية واجتماعية. وينطوي على الأحزاب السياسية، والنقابات، والاتحادات والنوادي الثقافية، غرف التجارة والصناعة، التنظيمات الحرفية والمهنية”. والشرط الكافي والأساسي لقيام هذه الروابط بين الأفراد هو ارتكازها على مفهوم “المواطنة” كبديل للانتماءات التقليدية ما قبل المدينة.

أما من الناحية المفاهيمية، فهناك فرق في حالة المجتمع العربي بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني لا يلحظه المصطلح الإنكليزي (CIVIL SOCIETY) لأنه يوّحد بينهما. إذ أن المجتمع الأهلي قائم على الروابط والتنظيمات الإرثية (PRIMORDIAL ORGANIZATIONS) التي ينتمي إليها الفرد عند الميلاد لاعتبارات مسبقة دون أن يكون له في هذا الانتماء المبكّر المعطى أي هامش من حرية الاختيار. في حين يعرّف سعد الدين إبراهيم المجتمع المدني بأنه “مجمل التنظيمات الاجتماعية التطوعية، وغير الإرثية وغير الحكومية، التي ترعى الفرد وتعظّم من قدراته على المشاركة المجزية في الحياة العامة”(3). وهذا ما يؤكده عالم الاجتماع الألماني “تونيس” عندما يميز استناداً إلى هيغل/ Hegl بين مصطلح (BURGARLLEISCHE GESSLSCHAFT) أي المجتمع المدني الذي يشير إلى أشكال التضامن الاجتماعي الطوعية الحديثة والمبنية على الانتماء الحر والمصلحة، وبين مصطلح (BURGARLEISCHE GEMAINSCHAFT) أي المجتمع الأهلي القائم على أشكال التضامن الاجتماعية الموروثة. أما في الثقافة العربية، فإننا نستخدم مصطلحات متجاورة ومتعددة للإشارة إلى المنظمات الأهلية. فعندما نقول “القطاع الثالث” (THIRD SECTOR) فإننا نقصد تمييزه عن القطاع الحكومي من جهة، وعن القطاع الخاص الهادف للربح من جهة ثانية. وعندما نقول (NON GOUVERNE MENTAL ORGANIZATION) نقصد المنظمات الأهلية غير الحكومية التي تشكل مع التنظيمات الخاصة الهادفة للربح ما يسمى المجتمع المدني عموماً(4).

لعل ما يشكّل فارقاً حاسماً بين المنظمات الأهلية وبين بقية منظمات المجتمع المدني هو السمات الخمس التالية: 1 ـ التطوعية، 2 ـ الاستقلالية وخصوصاً عن الدولة، 3 ـ عدم السعي للربح، 4 ـ عدم السعي إلى الخدمة الشخصية للأعضاء، 5 ـ المشاركة في الشأن العام.

إنها منظمات تتكون بناء على اهتمام عام مشترك، أو بهدف العمل في مجال محدد، ولأغراض تحقيق منافع جماعية (collective Benefits)، أو مساعدة الأفراد والأسر المعوزة وغير القادرة، أو بهدف الدفاع عن قضايا مثل حقوق الإنسان والمرأة والطفولة وغيرها.

تبين المقارنة بين مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية كفاءة الأولى ونجاحها لأسباب عديدة منها:

أ ـ قدرتها على اجتذاب المتطوعين والمنح والهبات المالية، مما يساهم في خفض التكاليف، وذلك بعكس المؤسسات الحكومية.

ب ـ تستطيع مؤسسات المجتمع المدني امتلاك معلومات أفضل بشأن احتياجات المجتمعات المحلية ومعرفة أفضل السبل لتلبيتها، إضافة إلى تحديد الفئات الاجتماعية التي تستحقها. ذلك على خلاف الأجهزة البيروقراطية الضخمة والبعيدة عن معايشة الوقائع وتلمس المستجدات.

غير أن نجاعة كل من القطاعات الثلاثة الحكومي والأهلي والخاص مرهونة بقدراتها على التنسيق والتكامل والحوار فيما بينها لتذليل أية صعوبات يمكن أن تظهر خلال المسيرة التنموية للمجتمع. وحتى في حالات وجود تناقضات أو صراعات قائمة أو محتملةـ وهذا طبيعيـ فإن طرق إدارة الصراع وكيفيات حل التناقض التي تجري في ظل سيادة القانون، هي الضمانة الفعلية لعدم تحول الصراعات إلى قوى سلبية أو هدامة، أو حتى لتخفيها تحت السطح بانتظار أية فرصة للظهور. بصيغة أخرى، لا بد من التعرف الفعلي على طبيعة المشكلات القائمة بين القطاعات الثلاثة السابقة والعمل على معالجتها بشكل جذري يطال أسبابها العميقة، بدلاً من الاكتفاء بتسويتها بشكل مؤقت وعابر. وهذا يضمن ديمومة التنمية ويجنب المجتمع الصراعات العقيمة وغير المثمرة تاريخياً كالصراعات القبلية والمذهبية والعشائرية والإثنية.

الجمعيات الأهلية في سورية ـ دراسة حالة:

للجمعيات والمنظمات الأهلية في سورية تاريخ مديد فأول جمعية تأسست في دمشق تعود إلى عام 1880، وهي جمعية ميتم قريش الخيرية. أي إلى مرحلة ما قبل الاستقلال بفترة طويلة، حيث بدأت الجمعيات على شكل نشاطات أهلية يقوم بها الناس بدافع ذاتي وعلى أساس الشعور بالواجب وعمل الخير.

مع الاستقلال، تطور عمل المنظمات والهيئات الأهلية تبعاً للتغيرات السياسية والاقتصادية، حيث ظهرت تيارات واتجاهات تنادي بالإصلاح الاجتماعي ووضع أنظمة التكافل الاجتماعي والخدمة الاجتماعية. وبعد أن وضعت دراسات عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في سورية سنة 1957 بمساعدة فنية من مكتب العمل الدولي، صدر قانون التأمينات الاجتماعية رقم 92 لعام 1959. ثم تتالت القرارات والمراسيم التي تنظم مواضيع التأمين الصحي وتأمين الشيخوخة والعجز والوفاة وقواعد إنشاء مؤسسات الرعاية الاجتماعية. بناء على تلك الأنظمة تم تأسيس العديد من الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي قام بها الأهالي وازداد عددها وتعددت أدوارها ووظائفها.

أما المرحلة الأخيرة لتطور الجمعيات الأهلية، فهي مرحلة الإشراف، حيث كلّفت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالإشراف على مختلف نشاطات وأعمال الجمعيات والمؤسسات الخيرية وتقديم الدعم المالي والتوجيه لها. وفي عام 1974 تحددت أنظمة الجمعيات ضمن إطار عام يشمل ثلاثة عشر بنداً يتوجب على الجمعيات الأهلية العمل بموجبه.

باعتبار أن الجمعيات في سوريا تتصف بطابع رسمي أو شبه رسمي، فإن العودة إلى الإحصاءات الرسمية لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تبين أن عدد الجمعيات بلغ 4089 جمعية سنة 1994. غير أن هذا الرقم يضم كافة الجمعيات والمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية والأهلية. في حين بلغ عدد الجمعيات الأهلية بالمعنى الحصري والتي تملك استقلالاً نسبياً عن الدولة 625 جمعية سنة 1998. تنقسم الجمعيات حسب نوع النشاط والأهداف إلى خمس مجموعات:

ـ أولاً: مجموعات الجمعيات الخيرية ويبلغ عددها 240 جمعية، تضم جمعيات المساعدة الخيرية والجمعيات التعليمية الخيرية.

ـ ثانياً: مجموعة الجمعيات الثقافية ويبلغ عددها 127 جمعية، تضم الجمعيات الفنية والأدبية والجمعيات العلمية.

ـ ثالثاً: مجموعات الجمعيات والروابط والاتحادات الاجتماعية والنوادي ويبلغ عددها 203 جمعية وتضم: جمعيات كفالة الأيتام، جمعيات حضانة أطفال الموظفات، جمعيات رعاية المسنين، جمعيات رعاية المعوقين جسدياً والمكفوفين والمتخلفين عقلياً والصم والبكم والنوادي الريفية ورعاية الأطفال.

ـ رابعاً: مجموعة الجمعيات الصحية ويبلغ عددها 26 جمعية.

ـ خامساً: مجموعة الجمعيات التعاونية التي تشرف عليها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ويبلغ عددها 29 جمعية.

لعل هيئات الرعاية الاجتماعية هي من أكثر المنظمات الأهلية إسهاماُ في عملية التنمية البشرية نظراً لما تقدمه في حالة سورية من تأهيل وتدريب وخدمات لفئتي الأطفال والنساء. وكما تبين المعطيات، فإن المتوسط الشهري لعدد المستفيدين من خدماتها خلال السنوات 1990 ـ 1998 يصل إلى 5400 شخص شهرياً، رغم أن نسبة هذه المنظمات لا تتجاوز 18• من إجمالي عدد المنظمات الأهلية في سوريا.

لكن هذه المساهمة الإيجابية هي أحد وجوه العمل الأهلي في سوريا الذي يعاني جملة من المشكلات التنظيمية والقانونية، كما يشكو من قلة المشاركة وانخفاض عدد المتطوعين وخصوصاً بين فئات الشباب. وهذا ما دفع عددا من أعضاء مجلس الشعب (البرلمان) السوري للمطالبة بإعادة النظر في قوانين تشكيل هذه الجمعيات وتسهيل الترخيص لها بهدف التخفيف من الآثار السلبية الناجمة عن التطورات الاقتصادية وتعميق المشاركة الشعبية في التنمية. هذا إلى جانب الصعوبات المالية التي تواجهها هذه الجمعيات(5) في سياق تزايد الاهتمام بالتنظيمات الأهلية، أقام المركز العربي للدراسات الاستراتيجية في دمشق، وبناءً على توصيات مؤتمر التنظيمات الأهلية العربية في القاهرة، عدداً من الدورات التدريبية بهدف تقوية البناء المؤسسي شارك فيها 17 منظمة من سوريا. تم خلال هذه الدورات تدريب المشاركين على أساليب التخطيط والإدارة والقيادة وإعداد مشروعات للجمعيات الأهلية وتنفيذها وأساليب دعمها لتمكنها من الوصول إلى المجتمع بكل فئاته. استمرت هذه الدورات على ثلاث مراحل بالتعاون بين المركز العربي للدراسات الاستراتيجية ومنظمة الهلال الأحمر ومنظمة الاتحاد النسائي في سوريا ومركز التنظيمات الأهلية في القاهرة.

مع ذلك، تبقى مساهمة التنظيمات الأهلية في سوريا في عملية التنمية البشرية على أهميتها أقل من المأمول وتحتاج إلى مزيد من التنسيق والتعاون بين كافة الجهات المعنية بالشأن التنموي. كما ويحتاج تفعيلها إلى مجموعة إجراءات نعتقد أن أهمها هو:

ـ تحديث القوانين الناظمة للعمل الأهلي بما يتوافق مع المستجدات الاقتصادية والاجتماعية ويكفل للمنظمات الأهلية القائمة على المشاركة والتطوع استقلالاً واسعاً في الإدارة والتنظيم ورسم الاستراتيجيات.

ـ توفير الكفاءات البشرية لهذه المنظمات وتمكينها من تحقيق أهدافها في إطار من الشفافية والوضوح، خصوصاً فيما يتعلق بالموارد والتمويل وتوزيع الخدمات على المستفيدين لتجسيد مشاركتها الفعلية في عملية التنمية.

ـ التخلص من المعوقات والمشكلات التي تواجه عمل التنظيمات الأهلية كما بينت المعطيات الميدانية والتي من أهمها: محاولات البعض تحقيق الاستفادة الشخصية، تفشي ظاهرة الشللية والمحاباة في تنفيذ الأعمال عبر الاستعانة بكوادر غير كفوءة اعتماداً على المعارف الشخصية والقرابة، إضافة إلى ما لمسناه من اعتبار أعمال الجمعيات من الأسرار المغلقة التي يجب عدم مناقشتها مع الغير. علما بأن هذه العقبات تتعارض مع الشروط الدنيا التي يجب توفرها لإنجاح عمل الهيئات والمنظمات الأهلية. هذه الشروط تقوم على: وضوح أهداف وغايات الجمعية، وضع قواعد العمل بناء على التخطيط المدروس، تنظيم نشاط المشاركين بعيداً عن رتابة التنظيم البيروقراطي وتعقّد إجراءاته.

ـ بهذا قد تصبح المنظمات الأهلية شريكاً حقيقياً في عملية التنمية والإصلاح الاقتصادي التي تشهدها سوريا والتي تحتاج إلى جهود ومساهمات كل الفئات والقطاعات المجتمعية صاحبة المصلحة الفعلية في التنمية والتحديث.

ظاهرة الجمعيات والمنتديات غير المرخصة:

رغم أن الجمعيات والمنتديات الأهلية في سوريا تتصف بطابع رسمي أو شبه رسمي، إلا أن إيقاف الترخيص لمثل هذه الجمعيات منذ حوالي عشرين عاماً بسبب القوانين العتيقة التي تقادمت ولم تعد تلبي حاجات التطور الاجتماعي، وجراء النظر إلى هذه الجمعيات بوصفها قد تساعد على القيام بنشاطات سياسية معينة، أديا إلى بروز عدد كبير من الأندية والملتقيات والهيئات غير المرخص لها التي انتشرت حتى أواخر العام 1999، على نطاق واسع في دمشق وبقية المدن السورية الكبرى. وهي ذات اهتمامات متعددة: ثقافية وفنية وأدبية ونسوية وشبابية وخيرية وغيرها. من هذه الجمعيات جمعية الدكتور إحسان عمر سنقر الخيرية لمساعدة المحتاجين والفقراء، جمعية مفتي سوريا الشيخ أحمد كفتارو، جمعية دار الأيتام التي أسستها أسرة الشلاح وعلى رأسها بدر الدين الشلاح. ذلك إضافة إلى جمعيات نسائية كجمعية المرأة العربية الخيرية التي أسستها السيدة لبيبة حسني في المنطقة الشرقية، إلى جانب جمعية رفع المستوى الصحي في محافظة حلب التي اشتهرت في تشرين الثاني من عام 1996.

لكن الظاهرة الجديدة نوعياً والتي تشهد على الحراك الاجتماعي والثقافي النشط في سوريا، فهي ظاهرة انتشار عشرات المنتديات الأدبية والثقافية التي تضم الشباب والمثقفين والنساء، إلى جانب المنتديات الفكرية والسياسية وبيانات المثقفين.

بغض النظر عن النتائج التي أسفرت عنها هذه الموجة من النشاط الاجتماعي والسياسي والفكري وظهور نبرة متشنجة في بعض الكتابات والردود، فإن التحليل المتأني لهذه الظاهرة يفصح عن مجموعة من الدلالات التي يصعب تجاهلها:

ـ أولى تلك الدلالات تتمثل في ضرورة توسيع هامش الحراك والتعبير الديمقراطي لأعداد متزايدة من الناس تدرك أهمية مشاركتها في مناقشة القضايا والمواضيع التي تتصل بالشأن السوري من مختلف جوانبه وتحاول أن تفعّل مساهمتها في الشأن العام.

ـ أما الدلالة الثانية فهي المتصلة بالتوجهات الجديدة للقيادة السورية برئاسة الدكتور بشار الأسد التي طرحت تصوراتها فيما يخص الإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد وتحسين الأداء الحكومي. وهو ما شكّل مظلة رأى فيها أنصار الإصلاح والتجديد مناسبة لقول هواجسهم بصوت عالٍ على صفحات المجلات والصحف العربية والمحلية.

أهم هذه الهواجس: المطالبة بتجديد القوانين وإلغاء الأحكام العرفية وإعادة النظر في مؤسستي القضاء والتعليم، إلى جانب الإجراءات والمراسيم الاقتصادية المتتالية المتعلقة بالبنوك الخاصة والجامعات والإدارة بالأهداف لإصلاح القطاع العام وتشجيع الاستثمار. لكن يبدو أن الخلاف لا يدور على الإصلاح الاقتصادي، إذ من الواضح أنه أصبح قاسماً مشتركاً للحكومة وبقية القوى الاجتماعية، بل هو يتركز حول إمكانية إنجاز إصلاح اقتصادي بمعزل عن الإصلاح السياسي أو قبله بفترة طويلة. لكن المؤشرات المتوفرة تشير إلى تحضير ودراسة مجموعة من القوانين المتصلة بتوسيع المشاركة السياسية عبر قانون جديد للأحزاب والمطبوعات يضمن الحق بإصدار الصحف الخاصة.

بغض النظر عن التفاؤل والتشاؤم، يبدو واضحاً أن سورية اليوم تمر بمرحلة انتقالية مفتوحة على ممكنات عديدة، تحددها القوى الاجتماعية وتحالفاتها ومدى نضجها على أرضية تقوية دولة المؤسسات والقانون من طرف، والعمل على احترام الرأي الآخر وحق جميع السوريين على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم في رسم مستقبل سورية بعيداً عن العنف والعنف المضاد. كذلك بعيداً عن الاستبعاد والتهميش واحتكار القول بالشأن العام بوصفه المدخل لتنظيم الصراع الاجتماعي بالسبل السلمية وعلى قاعدة المواطنة التي لا تعني شيئاً إن لم تتسع لمشاركة وأفكار كل الفاعلين الاجتماعيين. فالمصير المشترك يعني المسؤولية المشتركة أيضاً. والضمانة الأهم هي تطوير القوانين واحترامها بما يتناسب مع حاجات مجتمع ديناميكي يتطلع إلى صياغة الغد والتواجد في العالم المعاصر بطاقات واستعدادات مختلف أبناءه.

خاتمة:

لقد اصبح واضحا اليوم لجميع المهتمين بالقطاع الأهلي في سوريا أن الإبقاء على الدور الخيري القديم للجمعيات واعتبارها مجرد وسيط بين المانح والممنوح، عبر تنظيمهما لأدوار العمل الخيري والاكتفاء بتقديم المساعدات إلى المحتاجين، لم يعد يلبي الحاجات الاجتماعية المتجددة. ومع احترامنا للجهد الذي بذلته هذه الجمعيات تاريخيا في تقديم الخدمات الصحية والمعونات المالية للأســر الفقيرة، إلا أن الدور المطلوب منها اليوم يتجاوز توزيع المساعدات وأموال الزكاة والتبرعات على المحتاجين والفقراء.

فالإسهام في معالجة مشكلة الفقر أو البطالة أو الأمية مثلا يتطلب اليوم الارتقاء بعمل الجمعيات لتصبح قادرة على المساهمة الفعالة في عملية التنمية وتشارك في معالجة مشكلات البطالة أو الفقر عبر توفير فرص عمل جديدة مثلاً، أو إتاحة الفرصة لذوي الدخل المنخفض لزيادة إنتاجيتهم. باختصار، إن الأهم هو الانتقال من الأدوار العلاجية للنتائج السلبية الناجمة عن سوء توزيع الدخل، إلى المساهمة في رسم وتنفيذ سياسات وقائية تعيد النظر في آليات وأساليب توزيع الدخل ضمن المجتمع.

كي تتمكن الجمعيات والمنظمات الأهلية المختلفة من تأدية دورها التنموي، سواء كان اقتصاديا أو اجتماعيا أو تثقيفيا، فإنها تحتاج إلى تحديث القوانين الناظمة لعملها، سواء لجهة علاقتها بالدولة أو لجهة علاقتها بالفئات المستفيدة. وهو ما يتطلب أنظمة وقوانين جديدة تتصل بتنظيم مجالس إدارتها وتحديد الجهات المشرفة على عملها ومصادر تمويلها بما يتناسب مع مهامها الجديدة.

بهذا يمكن للمنظمات الأهلية في سورية والعالم العربي إن تتحول إلى قطاع ثالث وشريك فعلي إلى جانب الدولة والقطاع الخاص في عملية التنمية والتحديث التي تشهدها هذه البلدان. أما الإبقاء على أوضاعها الحالية فهو تجاهل للإمكانات التي تنطوي عليها وهدر لطاقات العديد من الفئات الاجتماعية والتي يصعب الحديث عن تنمية حقيقية دون مشاركتها.

– – –

¸¸¸¸¸¸¸¸¸¸

الهوامش:

1 ـ محمود عبد الفضيل: الخصخصة ومتطلبات التنمية والتوزيع والعدالة الاجتماعية في الوطن العربي، تعقيب على ورقة ياسين سعيد نعمان، المؤتمر السنوي الرابع للمركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق، 2000، ص7.

2 ـ نبيل سكر: الإصلاح الاقتصادي في سورية، محاضرة ألقيت في ندوة الثلاثاء الاقتصادي الثالثة عشرة التي تقيمها جمعية العلوم الاقتصادية بسورية، دمشق، آذار/ مارس، 2000.

3 ـ سعد الدين إبراهيم (مشرف): دور المؤسسات المهنية والأندية الفكرية في دعم ثقافة المجتمع المدني، حلقات نقاشية، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، القاهرة، 1998، ص16.

4 - BABLO, NOBERTO; GRAMCI AND THE CONCEPT OF CIVIL SOCIETY, IN JOHN CIVIL SOCIETY AND THE STAT LONDON, 1988, P.80.

                 وانظر أيضاً:

                 هيغل: مبادىء فلسفة الحق، ترجمة تيسير شيخ الأرض، وزارة الثقافة، دمشق، 1974، ص222.1

5 ـ الشرق الأوسط: الجمعيات الأهلية في العالم العربي، العدد 6815، تاريخ 31/8/1997. والجمعيات والهيئات التطوعية في سوريا، محمد سعيد الحلبي، دراسة غير منشورة، 1995.

مراجع عامة:

ـ العمل الأهلي في مصر، سعد الدين إبراهيم، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 1998.

ـ الجمعيات الأهلية وأزمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر: إبراهيم محرم وآخرون، تحرير عبد الغفار شكر، دار الأمين، القاهرة، 1998.

ـ محمد حسين باقر: قياس الفقر في دول الاسكوا، نيويورك 1995.

ـ أماني قنديل: المجتمع المدني في العالم العربي، دراسة للجمعيات الأهلية العربية، سيفيكوس، القاهرة، 1994.

ـ كريم أبو حلاوة: إشكالية مفهوم المجتمع المدني، النشأة ـ التطور ـ التجليات، دار الأهالي، دمشق، 1998.

ـ المجتمع المدني ودوره في تطوير الديمقراطية، مجموعة مؤلفين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1992.

ـ المجتمع المدني في الإمارات العربية المتحدة: عبد الخالق عبد الله وآخرون، جمعية الاجتماعيين، الشارقة، 1995.

ـ تقرير التنمية البشرية لعام 1997، منشورات الأمم المتحدة، نيويورك، 1997.

المراجع الأجنبية:

- RICHARD T. INGRAM: TWN BASIC RESPONSIBILITES OF NON PROFIT BOARDS, NCNB. GOVERNANCE SERIES - 1 - WASHINGTON, 1998,

- SELDGMAM, ADAM: THE IDEA OF CIVIL SOCIETY, FREE PRESS, NEWYORK, 1992.