انتفاضة الاقصى  - الثقافة شكل من أشكال المقاومة

كريم ابو حلاوة[1][1]

 

بقدر ما أذهل الحراك السياسي المقاوم الذي اشعل المنطقة، المراقبين والمحللين، وجاء في حجمه وفاعليته مخالفا لتحليلاتهم الرصينة وحساباتهم الاستراتيجية الرزينة حول موازين القوى واختلالها، بقدر ما فتح كوة من الامل، واعاد للإرادة الشعبية بعض من اعتبارها ودورها في صنع الحدث والمصير بعد ان اعتقد الكثيرون ان مصائر وأقدار هذه المنطقة من العالم ـ واعني المنطقة العربية ـ لا يفكر بها ولا تصاغ الا في عواصم صنع القرار العالمي وعلى مقاس مصالحها ومصالح حلفائها وعلى النقيض من تصورات ومصالح ابنائها ورغباتهم.

وسرعان ما برهنت الاحداث المتلاحقة عن ولادة عناصر وتعابير جديدة من القوة، لم تتأخر في اعطاء ثمارها بعد رحلة طويلة من التضحيات والصمود والمقاومة، فكان مثال المقاومة اللبنانية الظافرة وما أسفرت عنه من إجبار الاحتلال على الانسحاب تحت جنح الظلام وقبل الموعد المحدد. اعقبه مثال الانتفاضة الفلسطينية المتجددة وبما انطوت عليه من تضحيات وغضب وإرادة، وما طرحته على الوجدان الاخلاقي والعقل السياسي من احراجات وشكوك وتساؤلات.

ولعل في مقدمة الاسئلة والشكوك وعلامات الاستفهام، التي تلح على الجميع اليوم تأتي الاسئلة التالية: هل استنفد الفكر السياسي قدراته في التحليل والاستشراف وقصر عن مجاراة الاحداث لتفاجئه في عمقها وفاعليتها وشمولها؟. وهل بدأت نظريات الفهم السياسي ومفاهيمه الأكاديمية تخلي الساحة لأنماط جديدة من التفكير والتنظير والفعل، أم أننا أمام حالة طارئة وانتقالية سرعان ما يتم تجاوزها وتوظف في خدمة المخططات التي ستكتفي بادخال بعض التعديلات لاستدراك ما فاتها ولتعيد الامور الى مساراتها المرسومة مسبقا؟ ثم هل تجاوز الحراك السياسي المقاوم عتبة رد الفعل والعفوية باتجاه صيغ منظمة ذات نفس طويل وغايات مبلورة كفاية أم انه ما زال يتلمس سبله وأدواته، ويحاول بلورة أهدافه، ويخوض في حقل التجريب وميدان الممارسة لاختيار الوسائل المناسبة لعمله؟.

مع انتفاضة الشعب العربي الفلسطيني التي سميت رمزيا بانتفاضة الاقصى، دخلت عملية الصراع العربي ـ الصهيوني مرحلة جديدة وحاسمة أذنت بتفجير عملية التسوية وفتح الملفات الساخنة الأعقد والاصعب وفي مقدمتها القدس وعودة اللاجئين والمستوطنات وحدود الدولة الفلسطينية وسيادتها، والتي تتمحور مجتمعة حول هدفين استراتيجيين وهما إنهاء الاحتلال وحق تقرير المصير.

ومثلما استطاعت الانتفاضة ان تعدل ميزان القوى بالشهادة والتضحية، استطاعت ان تفرض، وعلى الأرض، جملة من الحقائق التي يصعب منذ الان تجاهلها. ولعل في طليعة هذه الحقائق استنفاد طريق اوسلو وسقوط خطة التأهيل الملازمة له، وكشف زيف السلام الاسرائيلي الذي لن يؤول، بمساراته المنفردة الا الى كيان هزيل خاضع وغير قابل للبقاء، اما الحقيقة الثانية فمؤداها ان الانتفاضة قد شكلت الارضية التي وحدت الشعب الفلسطيني بكافة فصائله وفئاته، وعبر امتدادها لتشمل المناطق المحتلة سنة 1948 وفلسطيني الشتات. هذا الى جانب التأكد من استمالة تحقيق اسرائيل اهدافها بالقوة وتعذر استمرارها باغتصاب القدس وتوطين اللاجئين وادامة الاحتلال. ولعل من ابرز الحقائق التي خطتها دماء الشهداء والتفاعل الشعب العربي غير المسبوق، عودة القضية الفلسطينية برمتها بعد متاهة المسارات الجزئية ـ لتكون قضية لكل العرب وجوهر الصراع العربي الصهيوني. ولكن ما هي الاسباب العميقة الكامنة وراء تفجر الانتفاضة الحالية، وما هي التداعيات والآثار المترتبة عليها، واي مستقبل ينتظر المنطقة في ظل إمكانية تعدد السيناريوهات المحتملة؟

 

أولا ـ الأسباب العميقة:

لم يعد مقنعا الآن النظر الى الانتفاضة الحالية وكأنها مجرد رد فعل على زيارة (آرييل شارون) الاستفزازية لساحة الحرم القدسي الشريف، مدججا بجنود الاحتلال وبموافقة باراك ومباركته، لأن هذا الفهم يستبعد الاسباب العميقة لحالة الاحتقان والاحباط والقهر التي عانتها مختلف فئات وشرائح الشعب الفلسطيني والتي كمنت خلف الانتفاضة. وفي أهمها الابتعاد عن معالجة المشكلات البنيوية العميقة المتصلة باستمرار الاحتلال، وعدم قدرة الاتفاقات المعقودة على حل المشكلات الفعلية التي يعانيها الفلسطينيون، وخصوصا في المسائل الحساسة المتصلة بالقدس، واللاجئين، والدولة المستقلة والمسماة قضايا الحل النهائي.

كما يعود السبب الأعمق فيما يجري في الأرض المحتلة الى حالة اليأس من السلام على الطريقة الاسرائيلية كما برهنت عليها اتفاقات (اوسلو) غزة ـ أريحا و(واي بلانتيشن) والمؤتمر الرباعي الأخير في (شرم الشيخ)، وكافة الاتفاقات التي طوحت بها اسرائيل عبر طائراتها ودباباتها وقصفها لمراكز السلطة والشرطة الفلسطينية ناسفة أوهام اولئك الذين دافعوا طويلا عن مكاسب الطرف الفلسطيني نتيجة دخوله مسار التسوية، ففي أقل من أربع وعشرين ساعة أعادت اسرائيل احتلال وقصف معظم مناطق الحكم الذاتي مبرزة هشاشة الاستقلال الشكلي وتهافت مسار أوسلو ومن ثم اطلاق رصاص الرحمة عليه.

أما على الجانب الآخر من الصراع فقد أثبتت الممارسات والوقائع، وعلى النقيض من خطابها المعلن، ان اسرائيل ليست مستعدة للسلام مع العرب والفلسطينيين وليست راغبة فيه. وما استمرار الاستيطان ومصادرة الارض العربية وتغيير المعالم العمرانية والديمغرافية للقدس ومحيطها بهدف فرض حقائق على الأرض، وإرغام الطرف على القبول بها كأمر واقع، الا مؤشرات حاسمة تدلل على ان اسرائيل لا تسعى في المآل الأخير الى اقامة سلام متوازن وشامل وقابل للبقاء، بل تسعى الى تكريس تفوقها ومد هيمنتها، وما التصريحات المتكررة لبعض زعمائها عن السلام سوى محاولات لتحسين صورتها في وسائل الاعلام وأمام الرأي العام في المنطقة والعالم.

ثم تأتي زيارة أو بالأحرى انتهاك (شارون) لحرمة المسجد الاقصى بموافقة الحكومة الاسرائيلي وتحت ضرب جنودها وحمايتهم لتشكل الصاعق الذي فجر الغضب المكبوت والقهر المتراكم، ولتذكي روح المقاومة والتضحية زودا عن الأرض والمقدسات. لكن لقضية القدس، اضافة الى مكانتها الدينية والتأريخية، دلالة رمزية هامة جدا تتصل بالذهن والذاكرة العربية ويمكن لها بهذا المعنى ان تكون حجر الزاوية والمحك الذي يشهد فعل المقاومة والتأييد الاسلامي والمسيحي للقضية الفلسطينية ككل، ويقلب المعادلات المطروحة، بمعنى ان هذا الموضوع الحساس يمكن ان ينقلب على النوايا الصهيونية من الصراع لأن القدس (بداية الأرض السياسية ومنتهاها).

 وإذا كانت الأسباب السابقة هي الدوافع الحقيقية الكامنة وراء انتفاضة الاقصى، فإن من العبث إعادة العجلة الى ما قبل الانتفاضة، وكأن شيئاً لم يحدث، فبدون معالجة الاسباب العميقة والحقيقية للصراع، وبدون الوصول الى حلول تلبي الحد الأدنى من المطالب العربي المشروع، يستحيل على اسرائيل ومعها الراعي الاميركي، الذي تخلى عن دوره كراع محايد ونزيه وانكفا تحت المظلة الاسرائيلية، بحيث يصعب تبين الخط الفاصل بين المواقف الاسرائيلية والمواقف الامريكية، ويستحيل عليهما اذا ان يفرضا ولو بالقوة إرادتهما على المنطقة بعيدا عن مصالح وحقوق ورغبات اصحابها لتحقيق غاياتهم البعيدة المتمثلة بكسر إرادة الامة وتيئيس أبنائها. لهذا يصعب تجاهل التداعيات والآثار التي تمخضت عنها الانتفاضة وعلى الصعيدين الفلسطيني والعربي.

 

ثانيا ـ تداعيات الانتفاضة وآثارها فلسطينيا وعربيا:

لم يعد موت أوسلو وخيار التسويات الجزئية سرا. بل ان الحديث في الشارع السياسي اليوم يتعدى الإعلان عن تجاوز أوسلو وتجاوز عملية التسوية برمتها، صوب خيار آخر هو خيار المقاومة فبد أكثر من ثماني سنوات من المفاوضات تحت شعارات (الواقعية السياسية) واستقلال القرار الفلسطيني (ويا وحدنا) اكتشف المواطن الفلسطيني العادي ان الحصاد هزيلا ولا يعدو ان يكون كيانا شكليا يفتقد الشرعية والاستقلال ولا يحقق حتى ما وافقت عليه الامم المتحدة ومجلس الامن من قرارات تتصل بالقضية الفلسطينية منذ القرار 191 وصولا الى 242 و338 ومبادئ مؤتمر مدريد التي تنص على مبدأ مركزي مفاده تبادل (الأرض مقابل السلام).

هكذا وجد الانسان العربي نفسه بمواجهة التحدي والاحتلال، لكن استجابته لم تكن بأقل من حجم التحدي المفروض. فكان الموقف السوري مثالا يحتذي في الصمود وبعد النظر السياسي، وكانت المقاومة اللبنانية الظافرة بتضحياتها وتلاحمها مع الناس وحنكتها، ثم والنصر الذي انتزعته بالرغم من جبروت الاحتلال، معالم بارزة على طريق نهج المقاومة كخيار استراتيجي لا يتناقض مع مطالب السلام العادل والشامل. ثم كانت الانتفاضات المتلاحقة للشعب الفلسطيني وعلى الأخص الانتفاضة الاخيرة التي دخلت شهرها الثاني بهذا العدد من الشهداء والجرحى، وباصرار على انتزاع الحق والحرية، وكان الاطفال أبطاله قبل الكبار ليصبح ترجمة ملموسة لتبني خيار المقاومة التي انخرط فيها الشعب الفلسطيني بأسره شيوخا ونساء واطفالا الى جانب الرجال، ومن كل المناطق والفصائل والتيارات، ليسجل وحدة وتلاحم هذا الشعب ولكن بالدماء والتضحيات هذه المرة لا بالبيانات والخطب.

ولا تقل التداعيات التي ولدتها الانتفاضة في الشارع العربي أهمية عن مثيلتها في الشارع الفلسطيني. فزخم التحرك الشعبي العربي غير المسبوق، وامتداد وتنوع أشكال التضامن والتأييد مع عرب الارض المحتلة يقرأه المحللون بأنه المعادل الرمزي لاحياء الحلم العربي بالوحدة من جهة، وبأنه استعادة للقضية برمتها الى نصابها الفعلي ووضعها في سياقها الموضوعي الصحيح الذي يعني ان القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع وهي قضية العرب الاولى. وما ملايين المتظاهرين الذين امتدوا من الرباط الى الخليج مرورا بدمشق والقاهرة وبيروت وعمان. اضافة الى أشكال الدعم والمساندة الاخرى التي أبداها العرب، والتي تستحق التقدير لكنها مع ذلك ليست بحجم الحدث. ومن هنا يكتسب الحديث عن كيفيات تفعيلها وإكسابها المزيد من الزخم والتجذر لتشمل كافة انشطة المجتمع المدني العربي وخصوصا الثقافية والإعلامية والسياسية منها. ان النشاطات السابقة لا تعدو كونها تعبيرا جماعيا عفويا، لكنه يعبر عن عجز الانظمة التي اختارت طريق التسويات والتطبيع والصلح مع اسرائيل متخلية عن مصالح شعوبها من اجل مكاسب آنية وتعبر عن رؤيا قصيرة النظر، لا يهمها الا كسب رضى الولايات المتحدة، إما خوفا، او ممالأة، أو لاندماج مصالحها مع مصالح أعداء الامة، التي تقف على النقيض من إرادة ومصالح الاغلبية من مواطنيها الذين عبروا عن مشاعرهم علنا، مقدمين البراهين من خلالها ان الحراك السياسي العربي لم يمت، رغم غيابه الطويل عن ساحة الاحداث، وخصوصا عندما يتعلق الامر بالقضايا المصيرية التي يتمحور حولها الصراع العربي الصهيوني.

 

ثالثا ـ التداعيات السياسية والفكرية:

لعل أهم ما تمخضت عنه الانتفاضة الحالية على الصعيد السياسي والفكري، يتمثل في ضرورة إعادة النظر في العديد من المفاهيم والمقولات التي تقادمت أو عجزت عن مواكبة ما يجري، وفي أولها ضرورة إعادة النظر بمقولة ان (السلام هو الخيار الاستراتيجي للعرب) والتي أقرتها قمة القاهرة عام 1996. فهذه المقولة وبصيغتها السالفة تحتاج الى ايضاح وتحديد. فلا أظن أن في العالم العربي من يعترض على السلام العادل والشامل الذي يكفل استعادة الأرض المحتلة ويصون الحقوق والمقدسات وفقا لقرارات الشرعية الدولية لكن ماذا يحدث ان لم يلتزم الطرف الاسرائيلي بهذه الصيغة للسلام، ماذا لو ثبت وبالدليل القاطع ان اسرائيل غير راغبة في السلام وغير قادرة عليه؟ وما هو البديل العربي المطروح عندئذ؟. هذا ما يتناوله الخطاب السياسي العربي وتركه إعلان قمة القاهرة بدون جواب.

ولا ينفصل عن الطرح السابق ضرورة فضح زيف الثنائية التي يروج لها هذه الايام وهي ثنائية إما الحرب، وهي غير ممكنة كما يقال، أو السلام ولكن على القياس الاسرائيلي الامريكي كما يضمر ويفهم دون قول.

تكشف المقولات السابقة عن تهافت هذه الصيغة من الخطاب السياسي العربي المعلن ووقوعه في منطق (إما أو)، ولا ثالث لهذين الاحتمالين فخيار السلام الاستراتيجي يستدعي توفير مستلزمات هذا السلام وتأمين عناصر قيامه واستمراره وهي بجوهرها لا تنفصل عن ميزان القوي وميزان المصالح.

وإذا كانت الحرب ممكنة بمجرد ان يعلنها طرف واحد، فإن السلام يحتاج الى توافق إرادتين ورؤيتين والا سيكون إملاء لرغبة وهيمنة طرف على آخر وهي صيغة أخرى للاخضاع لا تختلف في حقيقتها عن الاخضاع بالقوة المباشرة، اي بالحرب. لهذا إعتقد ان البديل الاستراتيجي للخيارات الزائفة السابقة وهو خيار المقاومة واستثمار كافة طاقات الامة وتوظيفها للوصول الى حلول مشرفة تحفظ كرامة الوطن والانسان. وبتوفير أسباب المقاومة والصمود لا نكون قد تخلينا عن التزامنا الفعلي بأن السلام هو خيارنا الاستراتيجي، لكنه سلام الأقوياء والقادرون على أخذ وترسيخ موقع لائق لأنفسهم تحت الشمس. فهل نسعى جميعا صوب هذا الخيار الصعب والعقلاني والممكن؟ ذلك هو الرهان الذي يستحق النقاش ويستدعي مشاركة جهود كل شرفاء هذه الامة وأحرارها

 

رابعا ـ ثقافة المقاومة:

قبل انفجار المد الشعبي الفلسطيني المقاوم المتمثل في انتفاضة الأقصى والذي أعقب انتصار المقاومة الاسلامية والوطنية اللبنانية وإجبار جيش الاحتلال على الانسحاب من جنوب لبنان، ساد الاعتقاد طويلا بان الثقافة المقاومة لمشروع التسوية هي آخر الحصون التي لابد من اجتياحها كي يستقر قطار التسوية في محطته الاخيرة حسب التطورات الاسرائيلية ـ الامريكية لمستقبل المنظمة وبشروطها.

واليوم وبعد ان اتضح للجميع استحالة تحقيق السلام مع بقاء الاحتلال للأرض والمقدسات واستمرار الاستيطان، وبعد ان أيقن العرب ان اسرائيل غير مستعدة للسلام وغير قادرة عليه بدلالة نتائج الانتخابات الاسرائيلية التي اوصلت شارون الى سدة الحكم، لم يبق امام الفلسطينيين والعرب سوى التمسك بحقوقهم الثابتة لتحرير الأرض المحتلة والدفاع عن وجودهم ومقدساتهم وهو ما لا يتيسر دون بناء المقومات الاساسية لثقافة المقاومة بما هي تلك المقومات وكيف يمكن ان تساهم في تعديل موازين القوى، ثم كيف تستطيع الثقافة التقاط المشاعر والافكار والرموز وتحويلها الى وعي دائم ومبتكر في مواجهة المعتدي، وما هو دور المثقفين والمفكرين العرب في تعميم ثقافة المقاومة وجعلها سلوكا يوميا ضاغطا لمساندة الانتفاضة؟

لعل اول مقومات ثقافة المقاومة هو الايمان بعدالة القضايا العربية ونقد الاسس التي تقوم عليها ثقافة التطبيع والاستسلام عبر نقد الايديولوجيات التي تحاول تكريس روح اليأس باسم الواقعية السياسية والفشل المتكرر للنظام السياسي العربي لحسم الصراع المستمر منذ ما يربو عن خمسين عاما لصالح العرب استنادا الى حالة الاحباط وتغييب الشارع العربي عن القيام بدوره الفاعل، هذا الى جانب الوعود التي يلوح بها دعاة السلام وأوهامهم المتكاثرة عن فوائد السلام.

وبمواجهة هذا المنطق الانتظاري والتيئيسي يحتاج المنطق المقاوم كي يتجذر ويكون فاعلا الى تكريس منطق السلم الاهلي والاستقرار الاجتماعي عبر تجاوز انقسامات الهوية وانقسامات الوعي في الواقع العربي والتركيز على التكامل بين المستويات المتعددة للوجود الاجتماعي، الوطنية والعربية والاسلامية، بدلا من تناقضها. كما يحتاج الى امتلاك اسباب القوة الفعلية (العلم والتكنولوجيا) بوصفها المدخل للانخراط الواعي في العالم والتعامل مع البيئة الدولية الجديدة. هذا الى جانب ازالة المعوقات التي تحول دون تحول ثقافة المقاومة الى جزء عضوي من ثقافة الكتلة التاريخية للامة وفي اهمه التخلف الاجتماعي وما يباطنه من الامية والجهل وتجذر الولاءات الما قبل حدثية علاوة على استمرار المفاعيل السلبية للتجزئية القومية.

الا ان التصور السابق لا يحقق غاياته دون تحويل الصراع مع العدو الى ايديولوجيات شاملة تجمع كل فئات الامة على اختلاف مشاربها ومرجعياتها الفكرية والسياسية والدينية وذلك من خلال حماية التنوع الثقافي واعتباره علامة قوة، تمهيدا للانخراط في حوار حضاري جدي مع العالم يهدف الى تقديم قضايانا وعرضها بصورة مقنعة للاخرين وبصيغة تؤدي ـ على المدى الطويل ـ الى عادة النظر بالمفاهيم والمصطلحات التي يتداولها الاعلام العالمي بصورة انتقائية او مشوهة تحت تأثير ونفوذ الاعلام الصهيوني الذي لا يتوقف عن تغيير الحقائق وغسل الأدمغة. فعلى سبيل المثال طالب اللوبي الصهيوني في واشنطن (ايباك) الصحفيين الاجانب ومؤيدي اسرائيل في بيان له بعدم استخدام ثلاثة مصطلحات في الاعلام فيما يخص مدينة القدس وهي القدس المحتلة عام 1967 والقدس الشرقية العربية ومستوطنة هارحوما او مستوطنة ابو غنيم، واعادة الانتشار في الضفة الغربية عوضا عن الانسحاب من الضفة   الخ. وهذا ما قصده (جوليان هكسلي) عند ما نبه لدور الكلمات في تشكيل التفكير والسلوك اذا قال (لا تعبر الكلمات التي يستعملها الناس عن افكارهم فقط، بل تشكلها ايضا. ان الكلمات التي يستخدمها الناس لا تختلف عن الجغرافيا والمناخ في تشكيلهما للتاريخ والمجتمع).

ولا يكتمل النقاش حول ثقافة المقاومة دون انضاج تصور استراتيجي بديل للتصور السائد والقائم على تسوية الصراع العربي الصهيوني استنادا الى سياسات الامر الواقع، (التي توظف حالة الضعف العربي لتمرير مشروع التسوية عبر افتراض زائف يرى في وضعية التردي والضعف العربي حالة دائمة وأبدية تحتم على العرب القبول بالسلام كخيار استراتيجي دون توفير الاسباب والمقومات الضرورية لجعله سلاما عادلا وشاملا فاذا كانت الحرب ممكنة بمجرد ان يعلنها طرف واحد، فان السلام يحتاج كي يدوم الى توافق ارادتين ورؤيتين والا فسيكون املاء لرغبة وهيمنة طرف على آخر، وهي صيغة اخرى للاخضاع لا تختلف في حقيقتها عن الاخضاع بالقوة المباشرة، اي بالحرب. لهذا ارى البديل الاستراتيجي عن الخيارات الزائفة والمطروحة والمتمثلة بالقول اما الحرب وهي غير ممكنة كما يروج، او السلام ولكن على القياس الاسرائيلي كما يضمر ويفهم دون قول، ان البديل هو خيار المقاومة واستثمار كافة طاقات الامة توظيفها لوصول الى حلول تحفظ كرامة الوطن والمواطن وبتوفير اسباب المقاومة لا نكون قد تخلينا عن الالتزام بالسلام كخيار استراتيجي، لكنه يكون سلام الأقوياء القادرين على اخذ وترسيخ موقع لائق في العالم المعاصر.

والآن كيف يمكن تجذير ثقافة المقاومة في السلوك والفكر العربيين وجعلها احد مقومات المواجهة، وهل يكفي التأكيد على ان اسرائيل عدو وجودي وان جوهر الصراع كامن في القضية الفلسطينية، وهل تهدف المقاومة في المآل الاخير الى تحسين وضع المفاوض العربي، أم ان الهدف هو الكفاح من أجل التحرر ودحر المشروع الصهيوني؟.

تستند ثقافة المقاومة الى مفهوم الحق بالأرض والسيادة والدفاع عن النفس والوطن. وحيث ان المقاومة الوطنية والاسلامية في لبنان ومن ثم الانتفاضة في فلسطين لم تستند الى مفهوم موازين القوى، فقد بدتا بأنهما مشروع مقامر وخصوصا في مراحل انطلاقتهما الاولى. لكن سرعان ما اخذ التناقض يتلاشى بين مفهومي الحق وميزان القوى ونتج عن ذلك تكيف بين المفهومين تجلى في صورة اداء مقاوم مدروس ومحترف. واذا كانت المقاومة قد التزمت بفهمها لقضيتها ولم تتنازل عن حقوقها ورفضت باستمرار الاستجابة للشروط الاسرائيلية، الا انها وفي مرحلة من مراحل الصراع وافقت على تفاهم تموز، وهو صيغة ضبط الصراع في اطار معين، ثم وافقت في مرحلة ثانية على تفاهم نيسان.

وهو ما اعتبر شكل من اشكال التكيف بين مفهوم الحق ومفهوم موازين القوى بطريقة اوصلت المقاومة اللبنانية الى أهدافها المرجوة. أما التعبيرات التي يحفل بها قاموس المقاومة كالشرعية والدفاع عن المقدسات والصراع الوجودي فهي تفوق المستوى السياسي بوصفها متغيرات وحيثيات ووقائع وتعتبر نوعا من التعالي في الممارسة النضالية تدفع باتجاه تجذير هذه المصطلحات في الوعي لتصبح جزءا من العقيدة، وتستقطب دعم وتعاطف ملايين المسلمين والمسيحيين نفي العالم وخصوصا عندما يتصل الامر بالبعد الروحي المتصل بالمقدسات التي تكتنزها أرض فلسطين عموما ومدينة القدس بصفة خاصة.

وهذا سبب اضافي يؤشر على أهمية ثقافة المقاومة. واذا كان نقد أصحاب الايديولوجيات التي تستند الى مجموعة من المقومات والشعارات الجاهزة ضروريا لفهم الواقع بصورة موضوعية سواء كان أصحابها ينتمون الى اتجاهات دينية أو علمانية، فان القول الليبرالي المنافي للالتزام الايديولوجي يقوم بنفس الوظيفة ولكن من خلال تعبئته للفشل والهزائم اعتباره أي انتحار على انه مرحلي وعابر، اذ لا يرى الا مكامن الخلل والضعف وهي عديدة بطبيعة الحال، ويغذي نزوعات التشكيك والعدمية في أوساط أتباعه من التكنوقراطيين والمثقفين ورجال الاعمال الذين تفرض مصالحهم تبني هذه الرؤى والترويج لها. وهذين الاتجاهين يشكلان قوام الازمة في الوعي العربي ويشكلان حاجزا امام انتاج وعي حقيقي وفاعل في حين يقتضي الامر الثقة بالامة والمستقبل وايجاد سبل التصالح داخل المجتمع الاهلي العربي وتوجيه ادوات الصراع باتجاه العدو الاسرائيلي فقط. وهو ما يحتاج تجاوز فعلي للانقسام البنيوي الذي أخذ غالبا طابعا الغائيا او صراعيا. اننا نحتاج لضرورة نشر ثقافة المقاومة والى توفير الادوات والقيم القادرة على ضبط هذه الخلافات وتوظيفها في اطار ايجابي يحولها من علاقات تناحر الى علاقات تعاون توظف التنوع وتحترمه، وهذه مسؤولية الفكر السياسي العربي المطالب بتوسيع معاني السياسة بحيث تتعالى على الانتماءات الحزبية الضيقة صوب صيغة للتدخل في الشأن العام بمعناه الواسع على أرضية التكامل بين البعد الوطني والبعد القومي والبعد الإسلامي.

ينجم عن ترجمة الاسس السابقة نتيجة على قدر كبير من الأهمية، وهي انه لا معنى لثقافة المقاومة مالم نتمكن من تحويل الصراع مع العدو الى رؤية سياسية جامعة لمختلف مكونات وتيارات وأفراد الامة على اختلاف انتماءاتهم الثقافية والسياسية والفكرية، وهي المقدمة لتشكيل كتلة تاريخية شديدة التنوع والاتساع لكنها موحدة في وظائفها وأدوارها، اذ لا يمكن لفريق ان يستأثر بهذا الحق تحت أية مقولة أو ذريعة.

وفي حال نجاحنا في بناء مقومات ثقافة المقاومة وفي بلورة وعي استراتيجي يحدث نقلة نوعية بفهمنا ورؤيتنا لمتطلبات الصراع مع العدو الاسرائيلي، نكون قد انضجنا المعادل النظري لانتصار المقاومة اللبنانية والانتفاضة الفلسطينية، وهي واحدة من مهمات الفكر الجليلة والتي لا تقل في مدلولاتها وفاعليتها عن أشكال المقاومة والتضحيات التي خبرها العرب على امتداد النصف الثاني من القرن الماضي برمته.

 

خامسا: البدائل والسيناريوهات المحتملة:

يكتنف الحديث عن مستقبل الانتفاضة ومآلاتها البعيدة الكثير من الغموض ويمتزج التصور الرغبي بالتحليل الرصين، فبينما يعلن الكثيرون عن تخوفهم من احتمال وقف الانتفاضة واجهاضها كما حدث مع الانتفاضة الأولى، يرى البعض في اصرار الفلسطينيين، وتبلور مواقفهم حول خيار المقاومة بوصفه الخيار الوحيد الذي يكفل لهم تحقيق أهدافهم وتطلعاتهم في الانعتاق من الاحتلال، مؤشرات اضافية تدلل على مدى تجذر الفعل المقاوم في الوجدان الشعبي الفلسطيني والعربي. وحرصا على عدم مصادرة الاحتمالات الممكنة التي يحبل بها المستقبل، سوف نستعرض أهم السيناريوهات المحتملة والتي تتوفر على فرص التحقق أكثر من غيرها وهي:

1 ـ التصور الذي يرجح استمرار الوضع القائم على حاله، وهو ما يعني استمرار جمود عملية التسوية السلمية بالتوازي مع اعمال القمع والعنف المسلح من الجانب الاسرائيلي ودوام المقاومة الشعبية الفلسطينية المدنية والعسكرية وفقا للمتاح لها من عناصر القوة. ولعل ما يعطي لهذا السيناريو بعض المصداقية الظروف الاقليمية والدولية ذات الصلة بالمنطقة، فالادارة الامريكية الجديدة سوف تحتاج بعض الوقت لاعادة صياغة أولوياتها وتنشيط مبادراتها ولا توجد قوة أخرى حاليا قادرة على حسم الوضع الراهن ودفعه نحو نهاياته القصوى سلما او حربا. لكن مشكلة هذا التصور ونقطة ضعفه تكمن في اعتقاده بأن المستقبل ليس سوى استمرار للحاضر، وهو ما يغفل إمكانية دخول عناصر ومفاجآت محتملة، يمكن لها بالتفاعل مع بقية الاوضاع المعقدة، ان تخلق ظروفا جديدة غير محسوبة مسبقا.

2 ـ يرجح التصور الثاني إمكانية بدء مرحلة جديدة في عملية التسوية تأخذ بعين الاعتبار المستجدات الناجمة عن مواجهة انتفاضة الأقصى ومحاولة الاستفادة من خبراتها وتوظيفها لاجراء بعض التعديلات التي باتت ضرورية وحاسمة إذا ما أريد لقطار التسوية ان يستمر في الحركة ومنها على سبيل المثال إعادة النظر إسرائيليا بأهمية وحساسية موضوع القدس بالنسبة للعرب والمسلمين، والعمل على تقليل الاحتكاك ما أمكن بين الفلسطينيين والاسرائيليين عبر فصل المناطق العربية عن المستوطنات. كما يعود سبب ترجيح هذا السيناريو الى عدم قدرة الطرفين على الاستمرار في الوضع القائم لانه ينطوي على احتمالات تصعيد باتجاهات غير مرغوبة ويصعب تحمل نتائجها على المدى الطويل بشريا واقتصاديا.

3 ـ أما السيناريو الثالث فهو المبني على احتمال انهيار عملية التسوية كليا بسبب وصول المفاوضات الى طريق مسدود وتجذر حالة عدم الثقة، كما وبسبب العجز عن ايجاد صيغة مقبولة للتعامل مع القضايا لأكثر جوهرية المتصلة بالقدس واللاجئين والدولة المستقلة. اضافة الى احتمال تفاقم العمليات المسلحة وما تحمله هذه الامكانية من ضرورة طرح بدائل جذرية يمكن ان تصل الى مستوى الحرب رغم اننا مستبعدة حاليا، أو أستمرار حالة اللاحرب واللاسلم.

ينتج عن السيناريو الثالث المرتبط بانهيار العملية السلمية جملة من المتغيرات التي تقتضي وضع خطوط عامة لاستراتيجية عربية مستقبلية ترتقي الى مستوى الاستجابة الفاعلة في الاحداث آخذة بعين الاعتبار خطورة الاهمال المتواصل لمكونات الامن القومي العربي، والذي يشكل على المدى البعيد الضمانة الحقيقية للاستقلال، عبر امتلاك وسائل الردع واسباب القوة المادية والعسكرية بما فيها القوة النووية لاعادة التوازن المفقود، أو للوصول الى اتفاق جميع الاطراف على جعل منطقة الشرق الاوسط خالية من الاسلحة النووية وهو ما يعني تفكيك إسرائيل لترسانتها النووية التي تشكل خطرا حقيقيا على جميع شعوب المنطقة.

وفي الحالات جميعها، ليس أمام الفلسطينيين والعرب اليوم، إذ ما أرادوا الاستفادة من المقومات الأوراق الايجابية التي يمتلكونها، الا العمل على ترسيخ خط المقاومة وابتكار الوسائل المناسبة لتعميقه ورفده بتعبئة شعبية وثقافية وإعلامية واقتصادية تناهض التطبيع بمختلف صيغه واشكاله وتجعل من المطالب العربية المشروعة استهدافات قابلة للتحقق في رحم المستقبل.