فقلت
لها لا يقتني
المرء مذهبا وإن جلّ
إلاّ كان في
عنقه غلا
تتلمذت
للإنسان في
الدهر حقبه فلقّنني
غيّا وعلّمني
جهلا
نهاني
عن قتل النفوس
وعندما رأى غرّة
منّي تعلّم
القتل
وذمّ
إليّ الرقّ ثم
إسترقني وصوّر
ظلما فيه تمجيده
عدلا
وكاد
يريني الإثم
في كل ما أرى وكلّ
نظام غير ما
سنّ مختلاّ
إلا
أن رأيت النجم
يطلع في
الدجى لذي
مقلة حسرى
وذي مقلة جذلى
وشاهدت
كيف النهر
يبذل ماءه فلا
يبتغي شكرا
ولا يدعي فضلا
وكيف
يزين الطل
وردا وعوسجا وكيف
يروي العارض
الوعر والسهل
وكيف
تغذي الأرض
الأم نبتها وأقبحه
شكلا كأحسنه
شكلا
فأصبح
رأيي في
الحياة
كرأيها
وأصبحت
لي دين سوى
مذهبي قبل
إيليا
أبو ماضي
هذا
الكتاب من
أقدم
مخطوطاتي
ويمكن عدّه من
كتابات
الشباب . أذكر
أنني كنت
أستجمع له
الأفكار
ليالي
الحراسة في مستشفى
سترازبورغ
في بداية
السبعينيات
بين توقف قلبي
, وتقّي لتر من
الدّم . وكانت
كتابة صعبة
محمومة ,
حوارا بيني
وبين نفسي
مفارقة كنت لا
أقبل الردّ
عليها
المتوفر
آنذاك بين
صفوف
المثقفين
التقدميين .
انطلقت من
أسئلة الجيل :
لماذا
الاستعمار ,
لماذا
الاندثار
الحضاري ,
لماذا العقم
العلمي
والفلسفي
والفني , لماذا
الدكتاتورية ,
في عالم فيه
شعوب متقدمة غازية
, خلاقة و
ديمقراطية
الخ ... تطور
السؤال ليصبح
بسرعة كيف
نخرج من
التخلف , من
العقم الحضاري
ومن الفقر , من
الاستبداد
بالرأي
والقرار ؟
هكذا ووجهت
يوما ككلّ
شباب العرب
منذ قرن بهذه
التساؤلات
وبكل الحلول
المقترحة
للردّ عليها ...
ومن ثمة
فقد كان علي
أن أنزل أنا
الآخر إلى السوق
الأيديولوجية
لأختار
المرهم
السحري والدواء
الناجح الذي
سيشفي كل
أمراض الأمة .
وكانت السوق
زاخرة بأصناف البضائع
- الأدوية :
إسلام سلفي ,
إسلام تقدمي ,
قومية عربية ,
ماركسية لينينية
, ماركسية تروتسكية
, ليبرالية
غربية وحتى
القومية
التونسية ...
وقد كانت
عملية
الاختيار لا
تخضع لحكم
مبني على
التدقيق في
الجودة
البضاعة
وتجربة لها ما
كانت مرتبطة
باعتبارات
ذاتية تتغير
بتغير ظروف
الساعة
والحساسية
الشخصية والتأثيرات
الخارجية .
لقد بدأت
الحيات
الفكرية ككل
الشباب عربي
في مناخ متشبث
بجذوره
الإسلامية:
قدوته ومثاله في
الحياة عمر
الخطاب,
لا لشيء إلا
لأنه قال "
إنني أعجب لامرئ
يموت جوعا ولا
يخرج شاهرا
سيفه على
الناس " , أو
لقوله
3 بارك
الله في امرئ
قوم اعوجاج
عمر " . وكان
اقتناعي بأن
كل الإيجابيات
في تاريخ
الأمة
العربية من
الإسلام
(
الفتوحات ,
الحضارة ,
التماسك ,
الصمود في وجه
الاستعمار
الخ ..) . وكان
تعلقي به إذن
تعلق متين , قوي
, وعميق , إلا أن
الشك داهمني
بطول المدّة ,
لا شك الميتافيزقي
المعتاد في
هذه المرحلة
من العمر ,
وإنما شك أعمق
وأمرّ استعصى
على العلاج ,
خاصة وأنه
خلافا لما حدث
للغزالي(
النموذج
الحضاري في
مثل هذه
المواقف
العصبية)لم
أصب " بنور
قذفه الله تعالى
في الصدور
وذلك النور هو
مفتاح أكبر
المعارف " .
وقد
اضطررت إليه
ونحن نواجه
إبان الدراسة
الجامعية بمنهجيات
أخرى ونظريات
أخرى أجبرتني
على المقارنة
والتشدد في
استخلاص
النتائج .
وكانت
خواطري
المضطربة
تدور دوما حول
نفس المحاور :
إن كان
الإسلام
العقيدة المثلى
فكيف نفسر
انحطاط
المسلمين ؟
وهل يمكن
الاكتفاء
بالحجة الواهية
إن تركهم
للإسلام هو
الذي أدى بهم
إلى الانحطاط
, أليس هذا
الكلام
بمثابة الادعاء
بأنه لولا عدم
نزول المطر
لما كان الجفاف
؟
ثم هالني
الفرق بين
النظرية
والواقع : من
جهة تعاليم
مثالية لم
يفرط فيها من
شيء ومن جهة
أخرى ممارسة
قرون طويلة من
العبودية ( لم
يلغي الرق في
بعض البلدان
الإسلامية
إلا في ...1960 ) من ظلم
المرأة ,
من التحجر
الفكري , من أشرس
أنواع
الاستبداد
السياسي .
وكان من
الطبيعي أن
تتلقفنا
الأيديولوجية
الماركسية
ونحن في تلك
الحيرة ,
لأنني لم أكن
فردا معزولا
وإنما جزء من
جيل .
وكانت
آنذاك (
الستينات ) في
أوج قوتها
وانتشارها ,
خاصة في
الجامعات التي
كنا نرتادها
لنبحث عن
العلم نام عنه
أهلنا قرونا
طويلة , ولم
لهم منه إلا
ذكريات باهتة لانتصارات
ولت ومضت . لا
همّ لهم إلا
التذكير به
آناء الليل
وأطراف
النهار
ليتناسوا
رداءتهم
وعمقهم
الحالي .
واستهوتني
النظرية خاصة
في تأكيدها
على أنها
نظرية الحركة
ونظرية
التحرك , ولا
يمكن أن تصاب
بالجمود
والتحجر
لوجود محرك
داخلي فيها
أسمه الجدلية
يجعلها تتجدد
غبر موتها .
"فحجبت " إلى
الصين
الشعبية يوم
كانت محرمة
على السواح
لأنني
تصورتها قلعة
الفكر
والممارسة
الثورية ,
باحثا في تنظيم
''الكومونات''
وفكر ماو_تسي تونج
والطب
كما يمارسه
الأطباء
الحفاة حلا
لمشاكل بلدي ,
لكن الشك
اللعين لم
يلبث أن داهمني
مرّة أخرى
لينغّص عليّ
راحتي
الفكرية واطمئناني
إلى اختيار
الطريق الأصوب
.
وقد بدأ
الشك نظريا
بحتا معزولا
في البداية عن
الإشكالية
السياسية .
فهاهي
الدعائم
النظرية التي
بنت عليها
الماركسية
دعائمها , أي
علم القرن
التاسع عشر
تتهاوى أمام
انفجار
النظريات
العلمية
الجديدة كالنسبية
théorie de la relativité
والفيزياء
النووية la mécanique quantique
ونظرية
الكوارث théorie des catastrophes ونظرية
النظام théorie de systèmes التي
أذابت مفهوم
المادة ودمرت
معنى القانون
وسخرت من
خرافات
السببية
الميكانيكية النيوتينية
, لكن الأخطر
من هذا أنني
لاحظت نفس
الظاهرة التي
لاحظتها إبان
فترتي
الإسلامية ,
أي التناقض
المريع بين
النظرية
والممارسة (
وبين النظرية
وتنبؤاتها )
فأداة التحرر
المطلق أدت
هنا أيضا إلى
اعتي أنواع
الديكتاتورية
في شكل الستالينية
, ونظرية
التحرك
الجدلي في
النظرية
والممارسة
أدت إلى " سد
باب الاجتهاد
" , وفي حالة
وقوعه إلى
تراشق السباب
بين "
المؤمنين " ,
فهذا " تحريفي
" والآخر
يساري مصاب
بمرض طفولي
, وذلك تروتسكي
بوخاريني
رجعي لم يفهم
الوصفة أو
خانها عن قصد
مثبتا بخيانته
هذه صحة
تنبؤات الكتب
المقدّسة في
فقرة كذا الخ ...
وكان
علينا أن نؤمن
بأن العمل
الصهيوني هو
الحليف
الموضوعي
للعامل
الفلسطيني ,
والعامل الأبيض
في جنوب
إفريقيا رفيق
كفاح العامل
الأسود , وإن
طبقة
المحظوظين " النومنكلاتورا
" في الاتحاد السوفياتي
ليست طبقة
مسيطرة , وإن
عدم ملكية
الفلاح لأرضه
أمر واجب , وإن
الرئاسة
العائلية
والرئاسة مدى
الحياة وكبت
الحريات
والحرب بين
البلدان
الاشتراكية
والحد من حرية
شعوب بأكملها
والتدخل
عسكريا في
شؤونها لمنعها
من ممارسة
حقها في
الاستقلال
أمور لا علاقة
لها بالنظرية
الماركسية
الصحيحة الحقة
. وهنا كنت
أتذكر مقولات
سمعتها في
السابق فإذا
بعقلي يترجم
ساخرا " ما
أجمل
الماركسية وما
أقبح
الماركسيين "
ليضيف بمرارة
: وما الفائدة
من النظريات
الكاملة
المكتملة
التي تتولد عن
مثل هذه
الأخطاء وهذه الفظاعات
التي تتركب ضد
الإنسان ,
والتي لا يجوز
الاحتجاج
عليها
بالواقع ؟
وكان
مخاطبي هنا
أيضا يحاول
إقناعي بأن
القدر لا بد
أن يستجيب
وانه عندما
يطبق هو
وشيعته "
الماركسية
الحقيقية "
فإن الأمور
ستعود إلى نصابها
وكنت آنذاك
أهز كتفي وقد
أصبح الشك
عندي يقينا ,
فكم رددوا مثل
هذه التعلّة
في السباق وكم
من شيع وصلت
بها على الحكم
فإذا بالجبل
يتمخض فيلد ...
خازوقا .
وبما
أن الطبيعة لا
تحب الفارغ
والفكر أيضا فقد
قررت هذه
المرة أن أبحث
في الغرب نفسه
عن هذه
النظرية
المثالية
التي ستفسر لي
العالم وتجعله
مفهوما
مستساغا من
العقل والقلب
, وعن برنامج
للعمل قد يشكل
الحل لتحقيق
عالم الأخوة والعدالة
والمساواة
التي كنت وما
أزال أبحث عنه
بتعطش
الإنسان الذي
عانى طويلا من
مرارة الظل
والحرمان
. هنا لم يطل
تعبدي في
المحراب , فقد
كنا نعيش في
خضم هذا الغرب
المهيمن المسيطر
, وكنت كعربي
مهزوم حضاريا
أرفض تلقائيا
سيطرته عليّ
بكل قواي ( وما
كان بحثي عن
حل في الإسلام
أو في
الماركسية
إلا محاولة
يائسة للخروج
من فلكه ) , فقد
اكتشف بسرعة
إنه إذا كانت
دعامات الفكر
العقائدي
الإسلامي أو
الشيوعي صلبة
بقدر مبالغ
فيه , فإن
دعامات الفكر
الغربي
الحديث
متحركة بقر
يصعب احتماله
, فالفكر هنا
في حالة صراع
دائم
ونظرياته في
ميدان العلوم
الإنسانية في
تنافس وخصام
شديدين . أما
علومه
الصحيحة فقد اتضح لي
أنها ليست
صحيحة بالقدر
الذي كنا
نتصوره كما
لاحظت أنها
تشهد من
داخلها
تطورات هائلة
تضع في الميزان
قدرتها على
وصف الواقع
رغم تحكمها
المتزايد فيه
إضافة إلى ما
بدا واضحا من
عنف العقل
وعقلية العنف
التي تميز الغرب
في تعاملها مع
الإنسان
والطبيعة .
أما
في ميدان
التناقض بين
النظرية
والممارسة
فقد لاحظت نفس
الفرق الهائل
الذي اتضح
لي عند كل
أصحاب الحلول
الجذرية
والنهائية ,
فمن جهة
التشدق
بالحرية والعدالة
والديمقراطية
وقيم الحضارة
الغربية , ومن
جهة أخرى
استعباد
الأمم
والشعوب إما
مباشرة أو
بطرق ملتوية
مع ممارسة كل
أنواع التعسف
ولو بتغليفها
بذكاء ضد
قطاعات
متعددة من
المجتمع الغربي
نفسه , وقس على
نفس المنوال
ما يخص سائر
المشاكل
الأخرى
كالديمقراطية
التي بدت لعبة
أحزاب وقوى
مصرفية
وإعلامية
رهيبة تسيطر
على شعوبا مدجنة
إن لم نقل
مرتشية .
بطبيعة
الحال
استغرقت هذه
الرحلة في
عالم الشك
سنوات طويلة
وكانت رحلة
مليئة
بالحيرة , بالتناقضات
,
بالاستفسارات
, بالحماس
الذي سرعان ما
كان ينطفئ بخيبات
الأمل
المتتابعة
وكنت مدفوعا
إلى هذا البحث
الشاق الذي لا
يكل , بشعور
مرهف بما
أسماه الفلاسفة
الغربيين ب''الألينة''
أو التغرب
و " كان
الوعي المؤلم
" CONSCIENCE MALHEUREUSE
طابعنا
المميز نحن
شباب تلك
الحقبة (
الستينات ) .
وقد
ولد أكثرنا في
وسط فقير
وشعرنا مبكرا
بانتمائنا
إلى طبقة دنيا
واكتشفنا ولم
نبلغ
المراهقة بعد
أننا ننتمي
إلى بلد متخلف
. ووجهنا في
بداية شبابنا
باكتشاف ثلاث
هو انتماءنا
إلى حضارة عجفاء
, ذابلة ,
مهزومة ,
متكبرة في آن
واحد لكن
بكبرياء دون
رصيد , إلى أمة
قال فيها أحد
شعرائها أنها
أمة ضحكت من
جهلها ( من
تمزقها , من انقساماتها,
من إنجازاتها
) الأمم ... لذلك
كان الرد على
الأسئلة التي
ما انفك العقل
يبحث لها عن
إجابة مقنعة
في هذه
العقيدة أو
تلك المسألة حيوية
... مسألة رد
اعتبار
للطبقة
المسحوقة التي
نشأنا فيها ,
للبلد الذي
نحبه ,
للحضارة التي
كتب علينا أن
ننتمي إليها ,
للأمة التي
كنا نحمل انتمائنا
إليها فوق
جبيننا تارة
كإكليل غار
وطورا كإكليل
شوك . وكنا ولا
نزال نبحث عن
أقصر السبل لمجتمع
الرخاء
والكرامة
والحرية ,
واستعصى رد
الاعتبار
وضاعت ملامح
الطريق أكثر
من مرة . وكان للنقاشات
الطويلة التي
أمضيت فيها
الكثير من
الوقت مع المؤمنين
من كل حدب
وصوب فضل كبير
لا لأنها كانت
تأتي
بالحقيقة
التي كان
العقل النهم
يبحث عنها ,
وإنما لأنها
مكنت من
اكتشاف
التشابه بين
كل
العقائديين
نفسيا
ومنهجيا . فقد
ظهر أن إيمان
الماركسي
والإسلامي –
وإن اختلفا في
الشكل – واحدا
في طبيعته
الخفية , أي
أنه نفس الإيمان
المطلق
بالتعبير عن "
حقائق " مقدسة أو
موضوعية لا
يمكن النقاش
فيها , ونفس
الإيمان بأن
الآخر على خطأ
وضلالة ,
ونفس الرفض
المطلق لإعادة
النظر في
دعائم تفكيره
الخ ..
وبالتالي اتضح
أن الفرق لا
يكمن بين المسلم
أو الماركسي ,
أو المنتمي
لهذا الفكر
الميتافيزيقي
السياسي أو
ذاك بقدر ما
يكمن بين العقائديين
من جهة ورجال
العلم أو رجال
الفن من جهة
أخرى .
إلا
أن الفضل
الأكبر في
بلورة أفكار
هذا الكتاب
يعود إلى
الأحداث
التاريخية
العظمى والمتسارعة
التي كانت
تفرض نفسها على
عقولنا
وحواسنا ولم
أكن لحسن الحظ
أنتمي إلى تلك
العقول التي
قال عنها قاليلي
العظيم إنها
تفضل أن تغير
ما في سماء
الطبيعة على
أن تغير حرفا
من كتب أرسطو
أو التي تدعي
عندما تكتشف
خطأ قالينوس
في وصفه
لأعضاء الجسم
أن هذه
الأعضاء
تغيرت من وقت قالينوس
حتى لا تضطر
إلى مراجعة
الحقيقة
المخيفة : إن قالينوس
قابل للخطأ
وإن عليها أن
تفكر بنفسها .
كان نقطة
التحول قضية
دخول القوات
السوفياتية
إلى
تشيكوسلوفاكيا
سنة 1968 لقمع شعب
مسالم متفق
على الشروع في
اشتراكية ذو
توجه إنساني
ملتف حول
زعيمه وممثله
" دوبشاك
" . وكان من الخطورة
بمكان
بالنسبة
للاشتراكيين
أمثالي أن تقمع
هذه الثورة
المسالمة
باسم
الاشتراكية وزاد
من حدة
المأساة أن
يكتب طلبة
براغ على الحيطان
: " أفق يا
لينين لقد
جنوا " فلم
ينهض من قبره
وواصلوا
جنونهم ولم
يجد يومها'' يان
بالاش''
الطالب
المسالم ما
يواجه به
جحافل الدبابات
الهمجية إلا
احتجاج
الأقوياء
الضعفاء : سكب
البترول على
جسمه وإشعال
النار فيه
ودخل أيان بلاش
تاريخ بلاده
شهيدا للحرية
. وكنت أسمع
حجج الماركسيين
في تبرير هذا
الاعتداء
السافر على شعب
مسالم , فأغضب ,
وكنت أزداد قرفا وأنا
أسمع مقولة
الاشتراكية
شيء وتجاوزات
الاشتراكيين
شيء آخر ,
والتشهير
باستعباد شعب
بأكمله هو
نتيجة عداء
بدائي
للشيوعية والسوفياتية
. ورفضت أن
أقبل الحجتين
وخرج الشعب
التشكوسلوفاكي
بعد واحد
وعشرين سنة
ليعبر هو
الآخر عن رفض
تاريخي أهم ,
وبدأ الشك
يداهمني في
الفروع و في
الأصول . هنا
لابد من التذكير
أنني أفكر
كطبيب
والطبيب لا
يتعامل مع المشاكل
إلا بالتشخيص
الصحيح ولو
كان مؤلم , ولا
يقبل من
العلاج إلا ما
اتضح
نفعه تجريبيا
. وكنت وأنا
أواجه أشباه
الفلاسفة
والثوريين
بحجتهم
المترهلة
الماركسية شيء
وكيم إيل سونج شيء وشاوشكو
شيء وستالين
شيء وبريجنيف
شيء وخوجة
شيء الخ ...
والعودة إلى
ماركس
الحقيقي هو
الحل , فتخيل
وصفة يجربها
زيد فتقتل ,
فنقول غلطة
زيد ويجربها
عمر فتقتل ,
فنقول غلطة
عمر ونبقى نجرب
بغباء وإصرار
دون أن يخطر
ببالنا أن
الوصفة نفسها
بحاجة إلى
المراجعة أو
النقد وجاءت الأحداث
الأخيرة في
الاتحاد السوفياتي
وبولونيا
وألمانيا
الشرقية
والصين تؤكد
على ما نعرفه
بالحدس أن على
النظرية أن
تسلم بالواقع
وأن تطأطئ له
الرأس طال
الزمان أو قصر
. وكان للطب
أيضا دوره في
توجيه الرد في
قضية التفاضل
بين العقائد ,
فنحن لا نقبل
مبدئيا
الإقرار بفضل
علاج على آخر
إلا بمقارنة
صارمة تعتمد
قياس مؤشرات
موضوعية . ولا
نعتبر ما تصفه
لنا شركات
الأدوية من
منافع إلا إشهارا
يجب الشك فيه
خاصة إذا كان مرفوقا
بتجارب لأشهر
الأطباء في
أشهر
المستشفيات لكنها
تجارب لم تنشر
في المجلات
الطبية الراقية
وإنما في
كتيبات أنيقة
تطبعها نفس
الشركات, بعد
إغداق أموال
هامة على "
علماءها " .
خرجت
إذا في بداية
السبعينات من
الماركسية غير
آسف عليها
وهازا
الكتفين وأنا
أسمع من ينعتني
بالمثالي
المثقف البورجوازي
الصغير , وكان
عليه أن
ينعتني
بالمتمرد
العلمي
الصارم . ولا
أكن واعيا أنذاك
بأنني على
موعد مع
إشكالية ضخمة
هي الإسلام ,
فقد كنا نعتقد
في بداية
السبعينات
أنه موضوع أغاق
وانتهى , وكان
الجدل الوحيد
قائما بين
التقدميين
والقوميين أو
المتعلقين
بشكل أو آخر
بالفكر
الماركسي
وبين
الليبراليين
المتهكمين على
موت الايدولوجيات
. والحق أن
علاقتي مع
الدين كانت
ولا تزال بسيطة
وبالغة
التعقيد في آن
واحد . فقد
رفضت دوما الانبتات
وأصررت على أن
لا أفكر إلا
من داخل
المنظومة العربية
الإسلامية ,
وكنت لا أجد
أدنى صعوبة
لتجري في
اللغة
والتقاليد
العربية
وقبول الإسلام
كثقافة
وحضارة ومنفذ
إلى العلم
الروحاني , باحثا
في الماركسية
عن أداة علمية
لتحليل
اجتماعي –
اقتصادي
وسياسي صائب
مع رفض تصورها
الساذج لقضية
الدين كمجرد
أفيون شعب أو
إلحادها
لأنني كنت ولا
أزال مؤمنا
بوجود قوة
غيبية أقف
خاشعا أمام
إعجازها
وعبقريتها وأنا
أدرس روائع البيولوجيا
. ومن ثمة انشطار
النفس إلى شطرين
: توجه عقلاني حداثي
علماني صارم
وتعلق متين من
تراث الأباء
والأجداد .
ولم أكن موفقا
ساذجا ولا
ملفقا خبيثا
في هذا والفضل
راجع من جديد
للطب في بلورة
هذا التوجيه
لأن الطبيب لا
يتنكر للتراث
الطبي فهو متجذر
فيه لكنه لا
يحمله ما لا
يطيق إذ هو
مفتوح على تطور
المعارف
مدركا لما
فيها من نقص ,
باحثا عن أقصى
قدر ممكن من النجاعة ,
قابلا لمبدأ
وضرورة
التغيير
المستمر . فلا
محبة أبو قراط
ولا الإعجاب
بالرازي
يسمرانه
مكانه لتطبيق وصفاتهما
ولا تجاوزه
لهما ينسيه فضلهما
عليه لذلك لم
أجد يوما أدنى
صعوبة في
تجاوز النص كل
نص لمتابعة
النفس
المسجونة
داخله لان هذا
ما نفعله طيلة
تاريخنا
الفكري في
الطب بدون
توقف أو حرج .
فالطبيب
خلافا
للعقائدي ملزما
بمتابعة
المهمة لا
بالإستكانة
إلى نصوص جامدة
. وكنت أفهم
تلقائيا أن
الثائر
الأعظم جاء في
قوم يقتلون
بناتهم فحرم
ذلك وفي قوم
يتزوجون ما
شاء من الناس ,
وحدد ذلك , وفي قوم
يحرمون المرأة
من كل إرث ,
فكانت ثورة
الثائرين لما
وهبها النصف ,
وفي قوم بنيت
حياتهم على
الرق فلطفه ما
استطاع وكان
ذلك أقصى ما
كانت تسمح به
الظروف . ولأن
الظروف تغيرت
أصبحنا لا
نكتفي بهذا
المقدار
وغنما نلغي
الرق ونطالب
بالمساواة
التامة بين
الرجل والمرأة
. ولا أعجب من
شيء قدر عجبي
ممن يواجهونك
بنصوص خلقت في
زمان ومكان
غير زماننا
ومكاننا محتجين
على الواقع
المتغير
بجملة سحرية
من نوع صالح
في كل زمان
ومكان
ومتجاهلين أن
التمادي في
هذا المنطق
يعني إعادة
الرق لأن
النصوص لم تلغه
وإنما قننته
وربما استمد
هذا التعجب من
قناعة عميقة
لا برهان
عليها ولا
دليل , ألا وهي
أن الثائر
الأعظم لو بعث
اليوم حيا
لمشى شوطا
أبعد في تحرير
الإنسان ولربما
كان أول ما
يفرض مثلا هذه
المساواة
المطلقة بين
الرجل والمرأة
.
لم
يخطر لي على
بال إذا أن بوسع
الدين
أن يعود يوما
كتعبير عن
تطلعات التحرر
الإنساني ,
ففي بداية
الستينات كل
الإسلام
السياسي
مرادفا للحلف
الإسلامي
لملك فيصل
الموجه ضد عبد
الناصر
ومناورات
الأخوان المسلمين
أي للرجعيين ,
لذلك فوجئت
ككل المثقفين
التقدميين
طيلة
السبعينات بإلتهاب
جذوة الإسلام
السياسي في
الوقت الذي
كان فيه بريق
الماركسية
ينطفئ شيئا
فشيئا لا بفضل
أعداء الاشتراكية
وإنما بفضل
دموية الرفيق
بول بوت
في كمبوديا ,
ودكتاتورية
الرفيق كيم إيل سويخ
في كوريا
الشمالية ,
فملكية
الرفيق تشاوشسكو
في رومانيا
نهيك عن غطرسة
الرفيق بريجنيف
وحرب الحدود
بين الصين والفيتنام
, وانطلاق
الثورة العمالية
في بولونيا
بقيادة
النقابيين ...
الكاثوليك .
كان أمرا غير
متوقع وواجهه
الجميع في ما
أعرف بسيل من
التهم والتعابير
الإرهابية
المبتذلة
والمعروفة .
تدخلت
عقلية الطب من
جديد, لأننا
في مهنتنا لا
نشتم الإعراض
وإنما نتساءل
عما تخفيه ,
لذلك تركت
السب والشتم
لأصحابه
وحاولت أن
أفهم الظاهرة
, ولم يكن المرء
بحاجة إلى
كثير من
الذكاء ليفهم
أن راية الرفض
مرت من يد إلى
أخرى . فقد كنذا
كلنا أمام بورجوازية
عاقرة – عاهرة –
منبتة تتكلم الفرانكو آراب أو الإنجلو آراب ,
دينها الدرهم
والدينار .
وكانت هذه البورجوازية
المدنية أو
العسكرية
التي أفرزتها
حركات
الاستقلال
وانتصاب
الدولة
الوطنية تأخذ
بخناقها جميعا
تارة باسم
الدولة
العصرية
والحداثة
وتارة باسم التجذر في
الدين
والهوية ,
وكان نصيبها
من الاستقلال
اللحم والشحم
ونصيب
القطاعات
العريضة من الشعب
العظم وما علق
به من لعاب
هذه البورجوازية
.
ولان
الخطاب
الاشتراكي
تهاوى , ولأن
الطبعة لا تحب
الفراغ فقد
كان من
الطبيعي أن
تستنجد قطاعات
عديدة من
الشباب
العربي بأول
راية للثورة
في تاريخنا :
الإسلام .
إن
أبسط قراءة
لجذور
الحركات
الإسلامية في
الوطن العربي
في مصر تظهر
أنه كلما كان
الفقر مدقعا
والظلم فائقا
لكل الحدود ,
كلما كان الرفض
تحت راية
الإسلام
عميقا جذريا
منتشرا ولا ربما
كان أحسن مثال
على عمق الرفض
وارتباطه بعمق
الظلم مأساة
مصطفى شكري
زعيم حركة
التفكير
والهجرة الذي
شنق في مصر
سنة 1977 فقد
قدمته كل وسائل
الإعلام
العالمية
والعربية
كإرهابي
متعصب بل
وكمجنون خطير
يكفر كل
المسلمين وينادي
بالاعتصام
بالكهوف
فرارا من
الكفار . ولم
يخطر ببال
هؤلاء
القيمين على
السلام والتقدم
أن يتساءلوا
بعقلية
الطبيب عن سبب
العنف عند
مصطفى شكري
وجماعته , ولربما
اكتشفوا لو
تساءلوا أنه
كان ردة فعل
بحجم عنف
الفقر والقمع
السياسي
المسلط على
شباب بلا أدنى
مستقبل , ولم
يكن الفقر
وحده المحرك
وإنما هذه الأنفة
التي كان
فرسان
الحداثة
يخدشونها
دوما عندما
جعلوا من
تراثنا
مستودعا لا
منهلا .
لكل
هذه الأسباب
تعاطفت مع قوى
الرفض
الجديدة رغم
تباعد المواقف
النظرية
رافضا أن
أتوقف عند
حرفية الحطاب
وهوية
المتكلمين ,
محاولا أن أنفذ
قدر المستطاع
إلى فحواه
وروحه إلا أن
عقلية
التجريب
الطبي لم تكن
تسمح
بالطوباوية ,
فقد كان الشك
في قدرة هذا
التيار
الجديد على
دفع المشروع
التحرري قدما
إلى الأمام
عميقا , ملازما
لا ينفع فيه
دواء الأمل
والتوهم , لذلك
تابعت
غرق الثورة
الإسلامية في
إيران في الدم
والفظاعة
بنوع من اليأس
الحزين .
وتعمق
الحوار في
بداية
الثمانينات
بيني وبين
نفسي حول
أسباب تواتر
الفشل وقد
تعرض لهذه الإشكالية
العالم
الاجتماعي
الفرنسي ادقار
موران
بتركيز
واقتضاب
قائلا : أن
هناك في
العالم قوى
رهيبة تبحث عن
التحرر وفي
الأخير لا
تفعل سوى
ترسيخ
عبوديتها .
وكان
موضوعي في
بداية
السبعينات
فهم أسباب هذا
المصير
المأساوي
لقوى التحرر
التي تتمخض دوما
عن قوى
استبدادية
تكون في بعض
الأحيان ألعن
مما قاومتها .
وبحثت لسنوات
عن الرد بالعودة
إلى النظرية –
إلى الوصفة
لأكتشف جذور
الاستبداد
فيها إذ قد علمني
الطب أن أعود
دوما للخلل
الكامل داخل
الخلية لفهم
مرض الجسم
بأكمله .
وكانت رحلة
طويلة في عالم
الفكر
العقائدي عدت
منها بقناعة
أن القضية
أعقد مما
تصورت لأن كل
بذور التحرر
وكل بذور
الاستبدادية
موجودة في آن
واحد و الإشكالية
النظرية جزء
من المشكل .
و من
ثمة انتقل
السِِؤال إلى
مستوى آخر : ما الذي
يجعل نزعة
الاستبداد
تتغلب على نزعة
التحرر داخل
كل عقيدة ؟
ووجدت الرد لا
في نقاشات
المثقفين
وإنما في
المعانات
اليومية . في
احتكاك في
إطار علمي في
ميدان الطب
الجماعي بعمق الفقر
والحاجة
والخصاصة إذ
يتمرد الناس
خاصة الشباب
على الفقر
والظلم باسم
هذه العقيدة
أو تلك ويستنجدون
براية التحرر
تحمل هذا
الاسم أو ذاك ,
ويأخذون
السلطة في هذا
البلد أو ذاك
ليرتطموا من
جهة بسلبيات
الفكر الذي
حملهم إلى السلطة
ومن جهة أخرى
بحاجز الفقر
الموضوعي الناتج
عن ضعف قوى
الإنتاج ,
فتكون خيبة
الأمل والمرارة
والمطالبة
بتحقيق
الوعود ,
وأمام الاستحالة
الموضوعية
لتحقيق هذه
الوعود , يتهيكل
النظام
الجديد
كسابقه على
قاعدة
التوزيع الظالم
للقرار أي
للثورة وهكذا
أضيف الفصل
الأخير إلى
مخطوطة
تمحورت
لسنوات حول
النظرية وحدها
. والسؤال هو
إلى متى ستبقى
قوى التحرر ترتطم
ثورة بعد ثورة
بالاستبداد
الفكري أي السياسي
أو السياسي أي
الفكري
وبالقصور
التكنولوجي
فتتحطم أحلام
الحرية
والرخاء , بماذا
سنستنجد يوم
يفرز الحزب
الإسلامي
المنتصر في
هذا البلد أو
ذاك فظاعته
ممارسا
الوصاية والإقصاء
والقمع
ومبرزا النومكلاتورا
الإسلامية .
وحتى
لا نغرق في
اليأس وحتى لا
نواجه
المستقبل
بنفسية
المهزومين ,
أقول أنه
علينا
الاستنجاد
بعقلية الطب .
وقديما قال
الطبيب
الألماني الكبير
فيرشوف "
إنما السياسة
طب لكن على
مستوى شعب " .
والعقلية
الطبية تأمر
بأن نبقى نجرب
الدواء بعد
الدواء على
شرط أن يكون
تشخيصنا
صحيحا .
لذلك
أقول لنبدأ
أولا بتشخيص
مأزق التحرر ,
لنأتي بعدها
جماعيا إلى
مرحلة
التطبيب .
***
« يا
للناس من قوم
فاتنين , إنهم
دوما يداوون
ويزيدون
ويعقدون
مرضاهم
واختلال
أنظمتهم متوهمين
بأن عقارا
سحريا ما
ينصحهم أحدهم
بتجربته
سيشفيهم ولكن
حالهم لا
تتحسن أبدا ,
بل تنحدر من
سيء إلى أسوأ –
أليس فائدتهم
كفائدة المسرحية
فهم يجربون
يدهم في
التشريع
متوهمين أنهم
سيضعون عن
طريق الاصلاحات
نهاية لعدم
استقامة
الجنس البشري
ورذالته غير
عالمين أنهم
فعلا وواقعا
بأنهم يقطعون
رؤوس هدرة
Hydra »
يقول التوسار
أن " الصراعات
النظرية هي صراعات
سياسية داخل
النظرية " ,
وهو محق في
هذا إلا ما فاته توضيحه هو
الرهان ,
والرهان كان
وسيبقى المشروع
التحرري
بأشكاله
وأنواعه وأسمائه
المختلفة و
والنظرية هي
دوما القوة التي
تعبر في الزمن
ما ومكان ما
بأسلوب ما عن
تقييم لمرحلة
من مراحل هذا
المشروع
وتعطيه دفعا
جديدا في قالب
هذا النظام
السياسي أو
ذاك .
والنظرية
مرتبطة أوثق
الارتباط
بالطبع بما ينتج
عنها من تطبيق
على أرض
الواقع , تأثر
عليها وتتأثر
بها سلبا
وإيجابا مثلا قولبت
النظرية
الماركسية
المشروع
التحرري في
أوروبا القرن
التاسع عشر
وتمخضت عنها
أنظمة حكمت
نصف الكرة
الأرضية
وهاهي الآن
تنهار الواحدة
بعد الأخرى أو
تراجع
أبجديتها ,
فمن المجر
التي تنزع
النجم الأحمر
من برلمانها
إلى حائط
برلين الذي
أسقطته
الجماهير
الشعبية الذي
بنى باسمها
لحمايتها إلى
" ملك " مجنون
شيوعي في
رومانيا ... الخ .
كلها
تجارب
تاريخية توجه
إلى النظرية
التي ولدتها
أكبر التحديات
, شأنها في هذا
شأن
الاكتشافات المخبرية
في هذا
الميدان التي
تضع على المحك
نظريات علمية
خالها الفكر صلبة قارة
أزلية .
إن ما
يحدث اليوم في
أرمينيا
وبولونيا
والمجر
وألمانيا
الشرقية نهيك
عن الاتحاد السوفياتي
لا يفعل إلا
تأكيد توقعات
العديد من
الأعمال التقدمية
للمشروع
التحرري في
ثوبه
الماركسي
والسابقة
بعقود للفترة
الحالية
أكانت أعمال Hanna Arendt وSolynestyne و Marcuse و Medvedev ... الخ .
فقد
كانت كل بوادر
فشل المشروع
موجودة منذ عشرات
السنين بعد أن
دخلت النظرية
في حيز التطبيق
, لذلك كان من
الطبيعي أن
تطلق الثقافة
صفارة
الإنذار كما
هو شأنها دوما
في مثل هذه
الحالات , إلا
أن من طبيعة
التجربة السياسية
أن لا تصغي
على مثل هذه
الصفارات
السابقة بل أن
تحاول
إخمادها
لأنها مدفوعة
بديناميكيتها
الخاصة التي
لا تتوقف
كالحجرة التي
تتدحرج من
أعالي الجبال
أي إلا عندما
تصل قاع تجربة
اسمها الفشل
الكامل
والتكذيب
القاطع لآمال
المشروع
التحرري . إن
ما كانت
النظرية التقييمية
تشير إليه وما
أكدته
الأحداث
الأخيرة بصفة
قطعية هو
كالآتي :
q
فشل قدرة
التوقع داخل
المشروع
التحرري في ثوبه
الماركسي حيث
ظهرت الثورة
الشيوعية أي
لم تكن منتظرة
ولم تظهر أي
كانت " القوى
الموضوعية
المزعومة "
تجعل ظهورها
أمرا إلزاميا
.
q
فشل
هذا المشروع
في جعل السلطة
أداة بيد الشعب
لصالح الشعب
بل وعودتها
على طغيان فاق
كل الحدود
التي عرفتها
التجارب
التاريخية
الأخرى ومن
ثمة سحق
الإنسان حتى
العظم هذا
الإنسان التي
بعثت النظرية أساسا
للتبشير
بخلاصه .
q
فشل
هذا المشروع
في تحرير
الإنسان من
عبوديته
الخاصة
المادية وهو
فشل نسبي
بالطبع , إذ هو يقارن
ما حققه
المشروع
التحرري في
ثوبه الليبرالي
– الغربي
والذي صوت له
سكان المناطق
الشيوعية
بأقدامهم
هربا من الظلم
والفاقة إلى واحات
العالم " الرأسمالي
الإمبريالي " .
يبقى أن
نقيم نحن هذا
الفشل
والمستوى
الأول الذي لا
يهمنا
لتفاهته , وهو
الشماتة
النابعة من
المنافسة
العقائدية
أكانت
الليبرالية
الغربية , أو
الحرة
الإسلامية ,
والتبجح
بنجاح لازال
ينتظر تأكيدا
أكبر .
والمستوى
الثاني الذي
يهمنا
بالأساس هو مستوى
المشروع
التحرري نفسه
لأنه هو الذي
كبا من جديد
في ثوبه
الماركسي
مثلما كبا
العديد من
المرات في هذا
الثوب أو ذاك ..
أو بما أن
تحرر الإنسان
هو الرهان ,
وأن
الإنسانية لا
تفعل عبر
تاريخها
المأساوي إلا
تجريب هذا
الحل أو ذاك
لتحقيق هذا
التحرر ,
فإننا
مطالبون
بتجاوز خيبة
الأمل
ومطالبون
بفحص هذه
التجربة
الجديدة علنا
نتعلم منها
بعض المعطيات
فالتجارب
الفاشلة
نفسها غنية
بالعظات , وقد
تعودنا على
فهم أعمق
للصعوبات
التي يواجهها
المشروع
التحرري ومن
ثمة على نضج
أكثر من
التعامل مع
الصعوبات .
السؤال :
لماذا فشل
الإسلامي (
نسبيا أو كليا
حسب الزمان
والمكان ) وفي
نشر الإسلام ؟
ولماذا أخفقت
المسيحية في
تطبيق تعاليم
المسيحية ؟
وكيف وصلت
الماركسية
إلى طورها
الحالي من
التشريع
لنظام عسكري
يحل نقابات
العمال ويطلق
الرصاص على
تظاهراتهم ؟
تبعه انهيار
اقتصادي وقد
يتمخض عن نظام
ليبرالي ... ؟
كيف تمخض
الإسلام الذي
ينادي
بالحرية
والمساواة
والعدالة
والذي وجد
أصلا لينشر
هذه القيم عن
أنظمة متعددة
عبر التاريخ ,
حكمت باسمه ومارست
العبودية
والظلم وكانت
الحجة والذريعة
للعقول التي
فرضت التحجر
الفكري ؟
لماذا يسهل
عادة في إطار
هذه الأنظمة
قمع الساخطين
على ظلم أمير
المؤمنين
باسم
التعاليم الإسلامية
المثالية
وباعتبار
التمرد على ظلمه
تمردا على
التعاليم
التي نصّب
نفسه حاميا لها
وناطقا
باسمها ؟
كيف
ولماذا تنقل
العقيدة من
طور إيجابي
فعال إلى دور
سلبي يقاوم
الحركة ؟ كيف
ولماذا تصبح المغامرة
الفكرية
والسياسية
التي فتحت
آفاقا للعلم
والعمل أهم
عقبة تقف في
وجه تطور
هاتين الحاجيتين
؟ باختصار كيف
ولماذا تصبح
أداة التحرر
أداة استبداد
ويكون ردهم
عادة على هاته
التساؤلات
أنه لا يجوز
الاحتجاج
بالمسلمين على
الإسلام أو
بالحزب
الشيوعي
التشيكوسلوفاكي
أو الكمبودي
على الماركسية
. وهذا ليس برد
وإنما
استعباد له ,
لذلك لن نتوقف
عند هذا الحد .
*
إنها
إشكاليات
المستوي
الأول أي
إشكاليات التفاضل
أو القدرة على
تحقيق
المشروع
التحرري أحسن
من كل
المنافسين ,
مع ما ينجر عن
هذا من مشاكل
ثانوية
هامشية لا بد
من التعرض
إليها بعجلة
للإعراض عنها
نهائيا . وقد
وصفها ابن
المقفع فقال :
" وأردت
الدين فلما
وقع ذلك في
نفسي اشتبه
علي أمر الدين
, أما كتب الطب
فلم أجد فيها
لشيء من الأديان
ذكرا يدلني
على أهداها
وأصوبها وأما
الملل فكثيرة
ومختلفة ليس
منها شيء إلا
وهو على ثلاثة
أصناف : قوم
ورثوا دينهم
عن آبائهم
وآخرون
أكرهوا عليه
حتى ولجوا فيه
وآخرون
يبتغون به
الدنيا وكلهم
يزعم أنه على
صواب وهدى وأن
من خالفه على
خطأ وضلالة . والاختلاف
بينهم كثير في
أمر الخالق
والخلق ومبدأ
الأمر
ومنتهاه وما
سوى ذلك , وكل
زار وله عدو
وعليه كاتب
فرأيت أن أنظر
في علم كل ملة ,
وأناظرهم
وأنظر فيما
يصفون لعلي
أعرف , لذلك
الحق من
الباطل
فأختاره
وألزمه على
ثقة ويقين غير
مصدق بما لا
أعرف ولأتابع
ما لا يبلغه
عقلي . ففعلت
ذلك وسألت
ونظرت فلم أجد
أحدا من
الأوائل يزيد
عن مدح دينه
وذم ما يخالفه
من الأديان
فاستبان لي
أنهم بالهوى
يستجيبون ولا
يتكلمون
بالعدل ولم
أجد عند أحد منهم
صفة تكون عدلا
ويعرفها ذو
العقل ويرضى
بها . فلما
رأيت ذلك لم
أجد إلى
متابعة أحد
منهم سبيلا ... "
ولم تتطور
مفاهيم
وعادات العقائديين
من عهد الكاتب
الفذ إذ
مازالت ظاهرة التفاضل
أهم ظاهرة
تميز تفكيرهم
.
يقول
عباس محمود
العقاد في "
مدح دينه وذم
ما يخلفه من
الأديان " : "
إن شمول
العقيدة (
الإسلامية )
في ظواهرها
الفردية
وظواهرها
الاجتماعية
هي المزية
الخاصة التي
توحي إلى
الإنسان أنه كل
شامل فيستريح
من خصام
العقائد التي
تشطر السرير
إلى شطرين
ثم تعبأ
بالجمع بين الشطرين
على وفاق .
وهذه العقيدة
الشاملة هي
التي أفردت
الإسلام
بمزية لم تعهد
في دين آخر من
الأديان الكتابية
فإن تاريخ
التحول إلى هذه
الأديان لم
يسجل لنا قط
تحولا إليها
من دين كتابي
آخر بمحض
الرضا
والاقتناع ,
ولم يحدث قط
في أمة من
الأمم ذات
الحضارة
العريقة أنها
تركت عقيدتها
لتتحول إلى
دين كتابي غير
الإسلام .
وإنما تفرد الإسلام
بهاته
المزية دون
سائر العقائد
الكتابية
ورغبهم جميعا
فيه ذلك
الشمول الذي
يجمع النفس
والضمير ويعم
بين الناس على
تعداد
الأقوام
والأوطان
ويحقق المقصد
الأكبر من
العقيدة
الدينية فيما امتازت به من عقائد الشرع
وعقائد
الأخلاق
وآداب
الاجتماع ".
وللمفكر
الماركسي ''لوفافر'' رأي
مخالف وشبيه
في نفس الوقت
في موضوع
المزية التي
لم تعهد في "
دين " آخر غير
الماركسية
والتي تفردت بها
الماركسية
دون سائر
العقائد يقول
:
"
الماركسية
حركية تفكير
شامل تجمع
وتوحد مختلف
الظواهر لا
ولن تتوقف في
تقدمها
وتطورها , وهي
معرفة علمية
للعالم تتحرك
دائما وأبدا نحو
مزيد من
التعمق
الذاتي إذ لم
ينته تطورها بعد
وهي توالي
كذلك تقدمها
المطرد إلى
الأمام كسائر
العلوم
الأخرى بدون
أن تهدم أسسها
. وقد استطاع
توحيد مظهرين
مختلفين من
مظاهر التفكير
البشري أي
العلم
والفلسفة ,
وهي تتميز بانغماسها
في الواقع
الموضوعي
الذي تكشفه
وتترجم له
بدلا من
التباعد عنه
أو استخراج
جزء منعزل عنه
وقد حوت بعد
أن أحدثت فيها
تغييرات جذرية
سائر
الفلسفات
المجزئة
والمفككة " .
ولا
فائدة في
الإكثار فلكل
عقيدة كتّاب
نهجوا على هذا
المنوال
وجبروا كميات
هائلة من الورق
في هذا المعنى
ومن الأجدى
التوقف عند
المواقف التي
يثيرها هذا الادعاء حتى
نتفادى
الوقوع فيها
وهي على ثلاثة
أصناف :
أولا :
يشكل الموقف
العقائدي
المتعنت الذي
وصفه ابن
المقفع أكثر
المواقف
انتشارا , إذ
ترث أغلبية
الناس الادعاء
العقائدي
بالأفضلية
والأزلية
وتكتفي بقناعة
الآباء
والأجداد
وبقناعتهما
كحجة دامغة
تثبت حقها
الكلي والمشروعي
في امتلاك كل
الحقيقة بلا
شريك أو منازع
, وتحارب بعنف
أعمى
المخالفين في
الملة
والمتمسكين
بالمنطق نفسه
. وقد يعتنق
بعض الناس الادعاء
العقائدي عن
رضا ووعي , ولكن
تصرفاتهم هي
نفس تصرفات
الورثة إذ
يستسلمون
للعقيدة عقلا
وروحا ولا
يسلمون بأبسط
مقومات
التفكير
النقدي
ويرتبط هذا
الموقف بالتزامات سياسية
معينة نسميها
بالمحافظة
ثانيا : يشكل
الموقف التوفيقي
ثاني المواقف
وقد علق عليه
أصحاب
النوايا الطيبة
آمالا واسعة
إذ يخلصهم من الحزازات والصراعات
التي يدركون
عمقها فتراهم
ينادون
بإمكانية الجمع
بين عقيدتين
(
أو أكثر )
بمزايا
التوفيق بينهما
والأخذ بأحسن
ما في كل
واحدة منها
بغض النظر عن تباعدهما
الشكلي . وقد
عبر غاندي عن
هذه النظرة في
كلمته
الشهيرة "
إنما الأديان
لغات ناقصة
يستعملها
أناس ناقصون
للتعبير عن
حقيقة كاملة "
وطبقها في
ترتيله
للقرآن
والإنجيل
وكتب الهندوس
المقدسة في
نفس الصلاة .
ثالثا :
تشكل بعض
المدارس
الفلسفية
المثالية
ثالث هذه
المواقف وآخر
ملجأ للفكر
المتحرر نسبيا
, إذ يواجه
الفيلسوف
بمقتضاه الادعاء
العقائدي
بتحفظ قلما
يثبت عليه فلا
يلبث أن
يستبدل قناعة
بأخرى وتستمر
المهاترة التفاضلية
على صعيد آخر .
وقد أسهمت
الأدبيات العقائدية
على مر العصور
في حصر الكلام
حول هذه المواضيع
فسخر أدب
الإثبات
قدرات
المتكلم
لخدمة منطلقات
وأهداف الزعم
العقائدي ,
وأدى هذه الأخير
دوره بصدق نية
أو لغرض في
نفسه . بينما
دار أدب الشرح
في حلقة مفرغة
من التحاليل
والتنقيب عن
الدرر
الثمينة
الكامنة في
تعريج الجمل
الغامضة
ومتاهات
الكلمات
والاصطلاحات
التي تتحمل
بسهولة عجيبة
شتى التأويلات
, ولا يعدو هذا
الشرح أن يكون
في غالب الوقت
ترديدا
تتفاوت فيه
جودة التمحيص
وعبقرية التبرير
تفاوتا كبيرا
حسب قيمة
الشارح ومدى
إخلاصه
للنصوص أو
استعماله لها
لدفع بعض
أفكاره وسربلتها
برداء
العقيدة ,
بينما ألهب
الأدب النضالي
صدور العامة
بالحماس
اللازم لسوغ
العالم والإنسان
وفق المقاييس
العقائدية
وتجاوز الصعوبات
الهائلة التي
يثيرها
الواقع . ولا
تزال هذه
الأدبيات
تستنفذ كثيرا
من الطاقات .
ويبقى
النقاش يدور
إلى مالا
نهاية في حلقة
مفرغة .
يقول ماكسيم
رودنسون
" أن هناك
ماركسيات
كثيرة
بالعشرات
والمئات ,
ولقد قال
ماركس أشياء
كثيرة ومن
اليسر أن نجد
في تراثه ما
نبرر به أية فكرة
. إن هذا
التراث
كالكتاب
المقدّس (
أسفار التوراة
والأناجيل
وملحقاتها )
حتى الشيطان يستطيع
أن يجد فيها
ما يؤيد
ضلالته "
.ويقول محسن الميلي في
نفس السياق في
الإسلام :
" ولا
نعجب من إنسان
يدرس القرآن
ويقف عند الآيات
المتشابهات
أن يظهر له أن
كل القرآن
متشابه , أو
يقف عند
الآيات التي
يدل ظاهرها
على الجبر أن
يقول أن
الإنسان مجبر
وليس مخيرا ,
لا نعجب مما
لا يرى من
التراث
الإسلامي إلا
الصفحات
المشرقة أن
يصوره على أنه
تاريخ "
ملائكي " , كما
لا نعجب ممن
لا يرى في هذا
التراث إلا الصراعات
الدموية على
السلطة أن
يقول بأن
التراث الإسلامي
يمثل أحلك
عصور الظلام ,
لا نعجب أن
يأتي تأويل
" قومي "
للإسلام
يتعصب
للعروبة
ويجعل الإسلام
ظاهرة من
ظواهر
الإبداع
العربي متهما
كل من ليس
بعربي بأنه
عنصر طارئ
ودخيل على
الأمة لا نعجب
أن يأتي تأويل
" رأس مالي "
للإسلام
لمجرد سماح
الإسلام
بالملكية
الفردية
والتجارة
الخاصة , كما لا
نعجب أن يأتي
تأويل " شيوعي
" للإسلام
ينطلق من
تأويل لبعض
النصوص
والأحداث " .
المشكلة
أن الميلي
( مثل رودنسون
) لا يفعل سوى
إضافة قراءة
أخرى عندما
يطالبنا
بالخروج من "
هذه الأغاليط
والمغالطات "
بتجاوز"
النظرة
التجزيئية
التي لا تقف
على انسجام
الموضوع
وتكامله " ونحاول
عبثا تجاوز
النظرة التجزيئية
لنكتشف بسرعة
أننا لم نفعل
سوى التمادي
في التجزئة
وهكذا نبقى
ندور في نفس
الحلقة المفرغة
: البحث عن
النظرية
المثالية
التي ستتمخض حتما
إن طبقت كما
ينبغي عن
الممارسة
المثالية .
وحتى لا
نكرر أنفسنا ,
حتى لا نعيد
أنفسنا إلى ما
لا نهاية حتى
لا نتراكم كما
يقول أدونيس
يجب أن نتجاوز
التجاوز , وأن
نطرح أسئلة
أخرى وعلى
مستوى آخر .
الإشكـــاليــات
الــدسـمـــة
- كيف يمكن
تفسير التناقضات
الهائلة
والفرق
الشاسع بين ما
يوجد في الكتب
وما يجري في
الواقع , كيف
متى ولماذا
وقع الانفصام
؟
- لماذا هذا
التقديس
الشديد
للنظرية ورفض
المساس بها
وتطويرها
وحتى إعادة
صياغتها , وما هي
درجة الصحة في
ادعاء
العقائديين
بأنها حجة على
كل شيء ولا
شيء حجة عليها
؟
- كيف يمكن
العقيدة أن
تنظر للتحرر
وتغلف ممارسة
الاستبداد ؟
- لماذا هذا
الرفض المطلق
عند
العقائديين
باعتبار
التجربة
التاريخية
وكلها تجربة
استبداد ؟
- كيف ولماذا
يختار
الإنسان
مواقفه
العقائدية
ولماذا يثبت
عليها وأي
وظيفة فكرية
اجتماعية يؤديها الخيار والثبات ؟
- ماذا لو كانت
للعقائد ازدواجية الطبع
والخصائص , أي
أنها في نفس
الوقت إيجابية
وسلبية ؟
- هل تتطور
سلبياتها عبر
التاريخ
فتطغى على إيجابياتها
, أي هل يجوز
تشبيهها
بكائن حي يولد
فيشب يافعا ثم
شابا ليصيبه
الهرم يوما
فالموت . أليس
النشوء
فالتطور
فالهرم فالموت
قانونا عاما
في الكون تخضع
له كل أجزائه ,
أكانت في عالم
الجماد أم من
عالم الحياة ,
أترى
الكائنات
الفكرية تخضع
هي الأخرى
لنفس القانون
؟
- هل نعتقدها
قارة تتحدى
الزمن ( في حين
أنه لا شيء
يتحدى الزمن )
كما نعتقد أن
الجبل لا
يتحرك لأننا
لا نملك الوقت
الكافي
لملاحظة
تحركه نظرا
للتفاوت بين
مقاييس زمننا
وزمن تحرك
الجبل ؟ عن
كانت هذه
النظرة الخلدونية
صحيحة فكيف
تولد العقائد
, بماذا تحيا وبماذا
تموت , وهل
جذور الموت
كامنة في
أعماقها شانها
في هذا شأن
الكائن الحي
الذي يحمل
أوامر موته في
داخل التركيبات
الكيمياوية
التي تحمل
أوامر الحياة
نفسها ؟
هل العقائد
إذا ردود
مؤقتة وإن طال
ترحالها عبر
الزمان لكن
لأي حاجة قارة
؟ هل هناك
حاجة في
الإنسان
اسمها الحاجة
العقائدية
تتالى العقائد
لإشباعها
مثلما تتالى
مدارس الفنية
والعلمية لإشباع
حاجته إلى
الفن وحاجته
إلى المعرفة .
هذا الكتاب
محاولة
لإعادة طرح
الموضوع ومحاولة
لإيجاد مخرج
من مأزق نظري
لا زالت ترتباته
على الصعيد
السياسي
عاملا من
عوامل تخلفنا
.
الفــــــرضـــيـــات
نعرف كلنا
ظاهرة تراشق
العقائديين
بالسباب ولا
نكلف أنفسنا
عناء تفسير
الظاهرة
والغوص في
أعماقها إما
لأننا نعتقد
في إطار
تشبعنا
بالمبتذلات
التي وصفها
ابن المقفع إن
علينا
الانتصار
لأحد الخصمين
, أو لأننا
كليهما باسم"
التسامح" في
نفس الكفة
طالبين من
الله أن يهدي
كل الناس إلى
سواء سبيل
التآخي
والتفاهم إلى
آخر المعزوفة
. لنضع الحكم
المعياري
جانبا
ولنحاول
الإصغاء
السباب
لنفهمه
وتفسيره قبل
المسارعة إلى
دخول حلبة
الصراع أو
الانسحاب
منها بفضل
حبنا العميق
للتسامح .
ترى ما الذي
يقصده الطالب
الإسلامي
عندما يصف
زميله الطالب
الشيوعي
بالإلحاد
والعمالة لنظام
قتل عشرين
مليون فلاح , وما
الذي يعنيه
هذا الطالب
الشيوعي
عندما يكيل
الصاع صاعين
لزميله
الإسلامي
فيصفه بالظلام
الرجعي
المتشبث
بممارسات قروسطية
كقطع الأيدي
ورجم الناس
وتبرير الظلم
الطبقي
وتفاوت نصيب
الناس من
الدنيا ؟ فهل
الماركسي حقا
ما يصف
الإسلام وهل
الإسلام فعلا
ما يشجبه
الماركسي ؟
طبعا لا , ولكن
الأمر لا يتضح
لا لهذا ولا
لذاك لأنهم
يجهلان أن "
الإسلام " أو "
الماركسية "
كائن معقد
وليس
بالبساطة التي
يتصورانها
فالعقيدة أيا
كان اسمها
ومضمونها هي
شيئان :
1- المشروع
التحرري
النظري :
ويوجد هذا
المشروع في
الكتب
والأعمال
والنظرية
المختلفة
التي ترتكز
عليها
العقيدة
وقلما يمكن مؤاخذة
هذه الكتابات
لأنها تتوثب
طموحا لتحرير
الإنسان من ربقة
الاستغلال
والاضطهاد
والقمع , وهذا
ما سيمكن في
ما بعد من
تفادي
الإشكالية
برفض
الاحتجاج على
العقيدة
والممارسة
باسم العقيدة
النظرية .
2- الممارسة
وهي كما علمنا
التاريخ دوما
ممارسة
الاستبداد
تنفي في الواقع
وتكذب وتسفه
المشروع
التحرري , بل
وتستعمله
كغطاء لتركيز
الاستغلال
وتعميقه . والآن
لنعد إلى خصام
طالبينا .
من البديل أن
كليهما مقتنع
بأنه على حق
وصواب وأن
الآخر على خطأ
وضلالة , وهما
على أهبة الاستعداد
عندما تتوفر
الفرصة للفتك
بالعدو
العقائدي
ممثل الشر
وعدو
الإنسانية
بمنتهى راحة
الضمير , فمن البديهي
أيضا أن
كليهما وقفا
عند نصف الآية
.
لنعد
طرح سؤالنا
بكيفية
مغايرة من أين
يستمد
الإسلام أو
الشيوعي
قناعته بأنه
ناطق باسم
الحق والهدى ؟
والرد بديهي :
من مشروعه التحرري
ونصوصه التي
لا غبار فيه ,
والآن على
ماذا يستند يا
ترى لهاجمة
الخصم
العقائدي ؟
والرد كذلك
بديهي : على
ممارسة
الاستبداد في
تاريخ هذا
الخصم . وهكذا
يسع الإسلام
أن يتغنى
بالمبادئ
النظرية
السامية
للإسلام وأن
يقارنها بالممارسات
الاستبدادية للستالينية
أو لتجربة الخمير
الحمر في
الوقت الذي
سترى
الماركسي
يسقط نبل المشروع
التحرري
الإسلامي
وتجربة
الاستبداد
الماركسي
ليتغنى بدوره
بالكتابات
المقدسة ,
ويشجب إسلام
أئمة اليمن
وسائر
ممارسات الاستبداد
التي عرفتها
البلدان
الإسلامية على
مر العصور .
فلنتجاوز
عملية
الإسقاط والتعتيم
والخلط التي
تحكم خصام
العقائديين لنقول
:
إن كل عقيدة
هي بالضرورة
هي مشروع
تحرري وممارسة
لهذا المشروع
تمخضت
تاريخيا عن
تجارب استبدادية
وبالتالي ,
فإن علينا أن
نفصل دوما بين
المشروع
النظري وهو ما
نعنيه عادة
بالعقيدة ,
وشكلها
المتحجر الذي
سيصبح قناعا يتغطى
به الاستبداد
ولنسمي هذا
الشكل : المذهب
.
نأتي إلى
الفرضيات
التي يمكن أن
تعيننا على فهم
المعضلة .
-هدف
كل حضارة (1)
تحرير
الإنسان من
الحاجة المادية
, من الجهل ومن
النظام , ولكل
حضارة تكنولوجيا
معينة
وإيديولوجيا
مرتبطة بها
أوثق الارتباط
, وبالتالي فإن
العقيدة أو الإيديولوجيا
هي الجزء
النظري
للمشروع
التحرري في
حين تشكل التكنولوجيا
الجزء العملي
أو المادي
الملموس له .
-قضية
العقيدة
الأولى ليست
الحقيقة
وإنما السلطة
( السلطة
الفكرية التي
تسمح بترتيب
الكون ,
السلطة
السياسية
التي تسمح
بالتحكم في
العالم الإنسان
بالمضي قدما
في المشروع
التحرري أو
إيقافه ) .
وتحاول كل
عقيدة ترجمة
الحاجيات
بعقليتها ووسائلها
الخاصة , فهي
تلعب إذن دورا
هاما في المشروع
التحرري عندما
يصبح التعبير
المقدس عن هذا
المشروع
وجزءا من
استراتيجيته .
ولنركز من
جديد على أن
تحرر الإنسان
هو الهدف أو
اللب , أما ما
يحاط حول هذا
اللب من زخرف
قدسي ( كاتصال
العقيدة
بمصدر غيبي أو
علاقته بالعلم
في مفهومه
المبتذل )
فأمر ثانوي أو
هو لا يستمد
أهميته إلا في
قيامه بوظيفة
شحن المستعبدين
بالثقة
والأمل مثلا
في تحقيق جزء
أو كل المشروع
التحرري نظرا
للارتباط
بقوى خارقة
يفترض منها
أنها تؤمن
الانتصار .
والأمثلة
على هذا
متعددة وتزخر
بها كتب التاريخ
, فوراء قيام
كل عقيدة
أكانت غيبية
أو متعلمنة
أي أكانت من
نتاج الحضارة
الثانية (
الزراعية ) أو
الثالثة (
الصناعية )
ثورة
اجتماعية
سياسية حادّة
أبطالها من
سماهم طه حسين
بالمعذبين في
الأرض . فما
كان لليهودية
أن تظهر لولا
أنين وتمرد
عبيد فرعون ,
وما كان
للمسيحية أن
ترى النور
لولا انتظار
الناس لمنقذ
يخلصهم من جور
روما ويعدهم
بالسلام في
الأرض والسماء
, وما كان
للإسلام أو
الماركسية أن
يلعبا أي دور
لولا دوام
وتواتر
الاستبداد .
فالعقائد
مشاريع
تحررية
سياسية
اجتماعية
تنطق بلهجات
مختلفة عبر
الزمان
والمكان
ولكنها تتكلم
أساسا لغة
واحدة . يقول شارل
أندري جوليان
في كتابه "
تاريخ
إفريقيا
الشمالية " عن
ظروف ظهور
المسيحية في
أرض المغرب في
القرن الثاني
: " كان على
الملاكين
الكبار في
غياب أسواق
كافية
استغلال
عبيدهم بشكل
مجحف واستغلال
المراعي
وتقسيمها
وبيعها
للمستعمرين (
الرومان )
وكانت
أرستقراطية
الأرضية
كسولة مبذرة ,
تمارس الرباء
, مما أدى إلى
انهيار
العملية " ...
وعن رأي الدولة
التي تدافع عن
مصالح هذه
الطبقة في
الديانة الجديدة
يقول : " كانت الدولة
( الرومانية )
ترفض التغاضي
عن شيعة هي في
نفس الوقت ذات
توجه عالمي
ومضادة
للعسكرية
الرومانية
والفوضوية (
أي ثورية ... )
ويقول في موضع
آخر من كتابه :
" كان موقفها
تجاه
المسيحية هو
موقف النظم
المعاصرة
تجاه الحركات
الثورية " .
ولا شك أن هذه
الموقف هو من
الثوابت
التاريخية ,
فقد مثّل نفس
السيناريو المرار
العديدة على
ساحة التاريخ
... فنجد من جهة
نظم قمعية ومن
جهة أخرى
حركات ثورية
تتخذ في بعض
الحالات
طابعا منظما
هائلا يجعل
منها عقيدة المقموعين
والمسحوقين .
لا غرابة أن
نرى عبيد مكّة
وفقرائها
يدخلون في دين
الله أفواجا
نرى
المنبوذين في
الهند
يتعلقون بأهداب
الديانة
الجديدة
لأنها تعدهم
بالحرية .
- العقيدة
هي أساس الشكل
المقدس
للسياسية والصراعات
العقائدية
أكانت بين
العقائد أو
داخل نفس العقيدة
هي بالأول صراعات
سياسية تغلف
نظريا .
- بقاء
العقيدة
مرتبط
بتحقيقها
للهدف الأوحد
الذي بعثت من
أجله ألا وهو
تحرير الإنسان
وبالتالي فإن
كل عقيدة تفشل
في تحقيق هذا التحرر
مؤهلة
للانقراض طال
الزمان أو قصر
مهما كانت
ضراوة
المدافعين
عنها
والمتشبثين بها
.
![]()
(1) الحضارة
هي جملة
الوسائل التكنوإديولوجية
المستعملة في
التعامل مع
الطبيعة
والإنسان وقد
عرف العالم
ثلاث حضارات
الأولى والبدائية
الثانية أو
الزراعية
والثالثة أو
الصناعية وهو
بصدد
الانتقال في
البلدان
المتقدمة إلى
الحضارة
الرابعة نظرا
للتطور
المدهش للتكنولوجيا
المعاصرة (
أنظر كتابنا دع وطني
يستيقظ )
- كل
عقيدة معرضة
عاجلا أم آجلا
إلى التحجر في
قالب ما يمكن
تسميته
بالمذهب , والتحجر
هذا رغم طول
الزمان نذير
بأفولها , وخلافا
لما يدعيه العقائديون
فالتحجر ليس
شكلا دخيلا
عليها نتيجة "
سوء الفهم
للأصول"
وإنما هو
شكلها
الطبيعي
عندما يتضح
استعصاء
المشروع
التحرري على
التحقيق ,
فتنقلب نظرية
التحرر إلى
قناع تختفي
وراءه ممارسة
الاستبداد .
- فشل مشاريع
التحرر (
مختلف
العقائد التي
نعرفها )
نتيجة تضافر
عاملين أحدهما
خارجي والآخر
داخلي . أما العامل
الخارجي
فيتمثل لقصور
تكنولوجيا الحضارة
عن تلبية
حاجيات
الإنسان
الرئيسية المادية
, ولا يبقى للإيديولوجيا
غلا تنظير هذا
العجز أو
محاولة
مداواته بصفة سحرية
كالتطبيل
للزهد أو
للعالم الآخر
الخ ... أما
العامل
الداخلي
فيكمن في
آليات
التفكير العقائدي
نفسه كأهمية
الإيمان
وتغييب العقل
والحرية أي
أدوات
التقييم مما
يسمح للأقلية
المحظوظة بالاستيلاء بسهولة على
السلاح الذي
شهر في وجههم ...
هذه إذا بعض
الفرضيات
الهامة التي
يمكن أن تعطي
للنقاش
الدائر حاليا
في عالمنا
العربي بعدا
آخرا .
***
الفصــــل
الثـاني
آليـات الفـكـر
العـقـائــدي
لقد أفرز
الفكر البشري
إلى حدّ الآن
في إطار بحثه
عن الحقيقة
نوعين من
العقائد :
1 – عقائد
الحضارة
الأولى وخاصة
الثانية
الدينية ,
وتستمد
شرعيتها
وقوتها من
الإيمان بقوة
غيبية ( تختلف
تسميتها حسب
العقائد) .
2 – عقائد
الحضارة
الثالثة أي
العقلانية ,
وترفض أي سند
تثبت به
وجودها وتدعم
بها شرعيتها
خارج العقل
البشري .
ويشترك التفكيران
في انكار
ثلاث حقائق
رئيسية .
أولها
استحالة
الكلام عن
العالم
والإنسان
بكيفية شاملة
مكتملة منذ البداية
( إذ لن يتوفر
هذا إلا عندما
يطوي التاريخ
آخر صفحات سجل
البشرية ) ,
وثانيها
استحالة حشر
الواقع اللامحدود
والمتحرك في
إطار فكري
محدود مهما
كان هذا الإطار
. إذ " تتناهى
النصوص ولا
تتناهى أحوال
الناس " . وآخرها
استحالة
تكذيب
التاريخ الذي
أثبت غلط
ونسبية جل
المفاهيم
العقائدية
والفلسفية
والعلمية
التي تشبثت بهما
حضارات عريقة (
والقانون
جاري مفعوله
على
اعتقاداتنا
وعلى عصرنا
بنفس الكيفية
) إذ كل معرفة
تاريخية ...
ومع هذا
فللحقيقة
الغيبية دور
إيجابي فعال لا
يحسن إنكاره ,
إذ تستطيع
وحدها في فترة
معينة من
تاريخ
البشرية
تأدية عدّة
وظائف يستحيل الاستغناء
عنها ويستحيل
تأديتها
بكيفية أخرى
نظرا لانعدام
البديل .
مثلا :
يستطيع
التفكير
الغيبي وحده إنكار
استحالة
القفز في
مرحلة الجهل
المطبق الذي
لا يطاق إلى
مرحلة العلم
المكتمل .
لذلك تراه يثب
دون أدنى تردد
من التطلب إلى
التحقيق الخيالي
معتبرا أن
الحقيقة ليست
في تطابق الكلام
مع جوهر
موضوعه بقدر
ما هي في
الإيمان
الكلي بوجود
علاقة قارة
بين التصور
المعين الذي
يفترضه وبين
طبيعة الأشياء
المدروسة .
ومن ثمة
ترى
العقائدي يعطي
أولوية كلية
للكلام على
خصائص الأمور
ويحدد
بالتالي
مكانتها
وطبيعتها
بحرية
وديكتاتورية
مطلقة , ولا
يعبأ " برأيها
" وذلك إلى أبعد
مدى ممكن تسمح
به الفاعلية (
التي لا تلبث
أن تدخل في
صراع طويل
ونشاز مهم مع
هذه الإرادة
السحرية ) .
كما يجد
الإنسان "
بدائيا " كان
أو " متحضرا " ضالته
المنشودة في
هذه الحقائق
المتحررة من قيود
المنطق
والموضوعية .
إذ تقيه
بكيفية سحرية
من التخبط
والضياع في زحمة
الظواهر
المحيرة ,
فيغرف منها
معرفته للعالم
كما تمكنه منه
ولو كان هذا
التمكن وهميا .
وتستطيع
المخيلة
وحدها ممارسة
حرية التعريف
هذه , إذ يسعها
في إطار
الأسطورة وصف
العالم والرد
على جملة
التساؤلات
الإنسانية
الملحة حول
ماضي وحاضر
وغد الإنسان
بسهولة تامة ,
إذ لا يحد من
شططها في
قيامها بهذا
الدور سوى ملكة
الابتكار وتصوّر
الإمكانيات
المتعددة
للرد على هذه
الأسئلة , وفي
ما عدى هذا
تراها تمزج
وتخلط وتقنع
وتمسخ عددا
محدودا من
الظواهر يسهل
اكتشافها
وراء تعقيد
الأقنعة
الأسطورية
البدائية
منها والمتطورة
, ولا يحد من
شططها في
سلمها هذا سوى
طبيعة المهمة
الملقاة على
عاتقها فهي
تعمل دائما
وفق خط معين
يحدده لها
الوعي
الباطني أي
أنها تعبر عما
يختلج في لا
شعور الإنسان
من رغبات
ومخاوف ,
وتتشارك معه
في خصائصه
المعهودة إذ
ترفض الواقع
وتصر على
إخضاعه
لرغباتها
وتنكر حيثيات
الزمان ولا
تأبه لما فيها
من تناقضات
. فتطغى
الرغبة على
كافة
إمكانيات
الفكر الموضوعي
ولا تعود تحسب
له حسابا خاصة
وأن هذا الفكر
عاجز مرحليا
عن تأدية جملة
المهام
المستعجلة
والحيوية
التي تترجم
لها العقيدة
الغيبية
بنجاح متفاوت
. فالحقيقة
الغيبية إذا
كاللوحة
الفنية أي
أنها عمل عفوي
وفريد من نوعه
وإمكانية
محدودة من بين
إمكانيات
متناهية
ولكنها تختلف
معها في
أدائها
لوظائف على
قدر كبير من
الخطورة .
تقول
أسطورة
العالم عند
الهندوس مثلا
أن للكون عمرا
كعمر الإنسان
وتحدده بـــــ
311040 مليار سنة
بالضبط
وتقسمه إلى
أربعة مراحل .
1 – مرحلة''
كريتا يوجا''
التي تدوم 172.000.000
سنة وتتميز
بانتصار
وسيادة العدل
والحق والخير
ولكن إلى مدى .
إذ تأخذ في
التلاشي
رويدا رويدا
ويبدأ عمر
الإنسان في
التناقض
تدريجيا .
2 – مرحلة'' ترتيا
يوجا'' وتدوم 900.000. 1
سنة وتشهد هذه
الفترة
انهيار وانحطاط
الأخلاق فتعم
الأمراض
وتسود الآفات
.
3 – مرحلة ''دافايار
يوجا'' التي
تبلغ خلالها
المعاصي درجة قصوى فتصل
البشرية
خلالها إلى
مرحلة الأخيرة
4 – مرحلة ''كالي
يوجا''و تدوم هذه
000. 432 لتكون
بداية
النهاية إذ
ينسى الإنسان
الدين ويرتكب
كل المعاصي
والموبقات فينتقم
منه الرب فينشو
بتدمير
العالم وخلقه
من جديد
ليتكرر
السيناريو
نفسه إلى ما
نهاية .
يلاحظ
القارئ
المهام
المتعددة
التي تؤديها هذه
الأسطورة فهي
:
- تنظم
الزمان وتحدد
معالم الماضي
والمستقبل .
- تفسر
سبب المرض
والموت .
- تفرض
أولوية الدين
.
- تؤكد
حتمية انتصار
الحق على
الباطل في
خاتمة المطاف
.
- تعد
الباغي بعقاب
لا مفر منه ,
فكأنها
بتذكيرها
إياه بهذه
الحقيقة أولى
بوادر انتقام
الرب فينشو
, ولا تقتصر
وظيفة
الحقيقة
الغيبية على
التعريف حتى
إن كانت معرفة
العالم على
قدر كبير من الأهمية
لسكناه
والاطمئنان
إليه بل تذهب
إلى أبعد وأهم
من هذا أي
تحقيق جملة من
المكاسب
الخيالية .
يقول
مرسيا الياد
في وصف تعامل
بعض القبائل
البدائية مع
مشكلة المرض :
" تروى
أساطير قبائل الميهل
الهندية
الظروف التي
واكبت ظهور
الأمراض . ولقبائل
أخرى جنوب
شرقي الصين
نفس الأساطير
وتجمع كلها القول
بأن العالم
كان في بداية
التاريخ ملكا
مشتركا بين
البشر
والأرواح
الشريرة إلى
أن دب بينهم
خلاف فبدأت هذه
الأرواح
الشريرة في
التنكيل
بالناس والانتقام
منهم بتسليط
الأوبئة
عليهم .
فالمرض هو نتيجة
اختطافها
لروح الإنسان
, ويقتصر
الساحر إن
أراد شفاء
المريض على
إصلاح الأمور
بينه وبين
الأرواح
الشريرة أو تهديدها
بسرد قصة
الانتصار
الساحق الذي
أحرزه الساحر
الأكبر داتومبا
بمعونة الرب
فأرد في حرب
سابقة ضد " .
يلاحظ
القارئ إن
وظيفة
الحقيقة
الغيبية هنا هي
مداراة
وتجاوز العجز
البشري عن
تفسير الأمراض
, والسيطرة
عليها باختلاق
تصورات
ومراسيم تسد
بها فراغا لا
يطاق أي أن
وجودها بهذا
الشكل أفضل
وأنفع من لا
وجودها بما قد
يعنيه هذا من
يأس قاتل .
فانعدام البديل
الفعل هو
السبب
الرئيسي في
تشبث
العقائدي
بمفاهيمه وفي
مغالاته في
التمسك بها.
أما دور
العقيدة في
تنظيم
المجتمع فأمر
معروف وقديم
قدم
الإنسانية
نفسها . وتؤدي
العقيدة هذا
الدور بتحديد
مكانة الفرد
من الجماعة
وبالتركيز
على واجباته
تجاهها . كما
تفرض
التصرفات
الأخلاقية أي
جملة الأعمال
والآراء التي
تمكن الجماعة
من العيش في
انسجام نسبي .
فالعقيدة إذا
هي محاولة لتحرير
الإنسان من
الجهل بالعلم
المخيل ,
وتحرير
الإنسان من
الإنسان بالأخلاق
والقانون إلا
أن الحقيقة
العقائدية تبقى
على نبل
وحيوية
ومقاصدها
عفوية رمزية وظائفية
نسبية . ومن
ثمة فهي بحاجة
إلى ضمانات تسند
ادعاءاتها
وتدعم وجودها
وتضفي عليها شرعيتها
وتمكنها
بالتالي من
أداء مهامها
على أحسن وجه .
فلابد من
التوقف عند
طبيعة هذه
الضمانات
وتقييم دورها
في ظهور
الاستبداد وأولى
هذه الضمانات
وأهمها
بطبيعة الحال
هو الإيمان .
يقول فرازر
: " تؤمن قبائل الماوري
النيوزيلندية
ككافة
القبائل المنحدرة
من أصل بوليذيزي
بوجود حواجز
سحرية منيعة
تفصل بين عامة
الناس وبين
القادة
المقدسين .
وتعتقد أن خرق
هذه الحواجز
سوى بالنظر
إليهم أو
بالأكل من وعاء
أكلوا فيه أمر
بالغ الخطورة
قد يؤدي إلى
موت المتجاسر
على هذه
المحرمات ,
حتى ولو ارتكب
الخطيئة من
غير قصد ...
ولقبائل
هندية
بالبرازيل
نفس
الاعتقادات
فيلقى
الإنسان
عندهم نفسه
على الأرض
رافضا الأكل
والشرب إلى أن
يقضي نحبه ... إذ
تنبأ الشامان
بموته . كذلك
نجد تصرفات
متشابهة عند
البدائيين الأستراليين
إذ يرفض
المقاتل
العلاج إذا
أصيب بخدش
نبلة يظنها
مسحورة
ويستقبل
الموت بنفسية
من لا مهرب له
ولا ملاذ " .
ومما لا
شك فيه أن
القارئ لاحظ
ما في هذه الاعتقادت
من غرابة (
بينما لا
يراها عادة في
اعتقاداته هو
) . فمن البديهي
أنه ليست هناك
أدنى علاقة موضوعية
واجبة الوجوب
بين خرق قانون
وهمي وموت هذا
الإنسان
البدائي . ومع
هذا فقد ظهرت
هذه العلاقة
الخيالية
قدرتها على
قتله بنفس
فعالية عملية
الخنق أو الذبح
, مما جعل ممكن
الوجود واجب
الوجود بفضل
الإيمان وحده
. معنى هذا
أيضا أن وجود
الحقيقة الغيبية
في الإيمان
بوجودها إذ لا
تملك سندا آخر
غير هذا
الإيمان ,
ولكنه كاف
لإعطائها
فعالية القوى
الطبيعية .
فالإيمان
قادر في بعض
الأحيان على
إلغاء
الفوارق بين الحقيقة
الموضوعية
الواجبة
الوجود
والمستقلة عن
أهواء
الإنسان .
وبين الحقيقة
الغيبية . وله
قدرة خارقة
على إخضاع
الواقع ومن
ثمة , فهو
بطبيعته
عنفواني إذ
يستمد
فعاليته من
الاستسلام
الكلي ومن
الرفض المطلق
لم عداه من
إمكانيات
واحتمالات ,
وتعرف
العقيدة
الغيبية قوة هذه
الدعامة ,
لذلك تجعل
منها أولى
متطلباتها أن
هذه القوة
التي تستطيع
إلغاء
الحواجز
الموضوعية أو
تطويقها
مبنية
بالأساس على
الرغبة , رغبة
الفرد في أن
تكون الأمور
كما يريدها ,
أو كما قبلها
من الثقافة
المتقدمة
عليه فهو يدرك
عجزه عن البت
في كبريات
المشاكل التي
ترتبط حياته ,
وهو يعلم أن
هذا الإيمان
جزء من
انتمائه إلى
مجموعة معينة
تحميه ويستمد
منها أهم
معالم وجوده .
فهو يدرك أن
لا وجود خارجها
إلا للضياع
والمغامرة
وإن تماسك
الكون والمجموعة
المرتبطان
أوثق
الارتباط
بإيمانه . فعليه
إذا أن يحارب
دوما لكي يبقى
هذا التماسك
موجودا عامل
الشك في نفسه
وهو شك يتعاظم
بتكاثر
المعلومات عن
تعقيد العالم
وعقائد الآخرين
ومن ثمة, تراه
يحارب شك
الآخر أو
إيمانه
المخالف
للتخلص من شكه
الخاص ومن ثمة
لا نستغرب أن
نرى العقيدة
تحارب حربا لا
هوادة فيها كل
ما يمكن أن
يشكل تنسيبا
أو تشكيكا في دعامتها
. في تدرك بصفة
مبهمة أنه لا
برهان على
فرضياتها وأن
حججها
العفوية هي
الفرضية , والمنهجية
والاستنتاج
في آن واحد ,
وإنه لا إقناع
من باب آخر
غير القبول اللامشروط
لمفاهيمها , وترتبات هذه
النظرة واضحة
فالله كما
تصفه وتتصوره
العقيدة
موجود وفعال
طالما بقي الإيمان
به قويا , عنفوانيا
عميقا لا يطاله
الشك , عندئذ
تصل العقيدة
إلى قمة المجد
والسيطرة .
لكن
الأرضية التي
تبنى عليها
وجودها
وسلطانها
خطرة متحركة ,
وعاجزة عن
تحمل الهزات
العنيفة إذ
تبهت معالم
هذا الله
الموصوف ويطوله
الوهن ,
والضعف بضعف
الإيمان به ,
وقد يموت
وينقرض إن
تلاشى
الإيمان كليا
. فتلاقي العقيدة
نفس المصير
بالضبط نظرا
لارتباطها الكلي
بهذا السند
الرئيسي إذ
تتسرب كثير من
قداسية هذا
الكائن إليها
. فهو يمدها
بالقوة ويدعمها
ويثبت حقها ادعاء
الأفضلية
والأزلية , في
حين تؤدي له
هي الأخرى نفس
الخدمة
بتنظيم مظاهر
الإيمان
والدعوة له
وبالتالي في "
إيجاده " ومن
ثمة , نفهم
تشنج
الإيمان وعنفوانيته
واستبداديته
. ندرك سبب
دفاع العقيدة
عن حرفية
النصوص عن تمسكها
الكلي
والمتشنج
بمفاهيمها ,
ودفاعها المستميت
عن الإيمان
والحرص إليه
وصيانته من كل
ما يمكن
التأثير عليه
ونفهم كرهها
الجدل
والنقاش ,
واحتراسها من
العقل . أي
أننا نرى في
خصائصها
العميقة
ومكوناتها الأساسية
ومصادر قوتها
الخفي كل بذور
الاستبداد
المقبل .
إن هذه
الآلية
الفكرية
الرئيسية
واضحة كل الوضوح
في التعامل مع
السند الآخر
للفكر العقائدي
, أي سلطة
الأوائل
لنتساءل كيف
ولماذا تصبح
تعاليم منظر
وقائد الثورة
العارمة
ركيزة الجور
والطغيان وقد
قلنا ورددنا
بما فيه
الكفاية أن كل
عقيدة عبر
مختلف أشكالها
إلا ثورة على
الجهل والظلم
.
ويمكن أن
ندلل على هذا
الانحراف
الخطير , وعلى
العقلية التي
تدعمها بنص لقاليلي
أشهر شهداء
الفكر المتحرر
وسيسع القارئ
أن يقدر أزلية
الظاهرة
وتجددها
باستبدال اسم
أرسطو باسم أي
سلطة فكرية
أخرى , مع
العلم بأنه
يمكن اعتبار
أرسطو نبيا
بالمفهوم
الوظائفي
للكلمة وليس
بالمفهوم
الديني إذ شكل
لأمد طويل
بالنسبة
لشريحة معينة
من الناس (
الفلاسفة )
الهادي
والمهدي .
الاستســلام
للسلـــطــة
"سمبليسيو
": أود أن
اعترف لكما
بأنني أمضيت
معظم الليل في
استعادة حديث
البارحة و لقد
انتهيت إلى رأي
ألا وهو أن في
ما قلمتماه
الكثير من
الأفكار
الجديدة و
الصائبة و
المدهشة و مع
ذلك ...و مع ذلك
فمازلت على
اعتقادي بأن ما
قاله القدماء
أكثر جدية و
صوابا و خاصة
ما قال... أراك
تبتسم يا سنيور
ساجرد
أتفوهت بكلام
يثير
الاستهزاء ؟
ساجردو : إنني
أبتسم و لكنني
في الواقع أود
أن أقهقه إذ
ذكرني كلامك
بحادثة طريفة
جرت بحضوري
سالفياتي : ماذا
جرى ؟ قص
علينا
الحادثة يا ساجردو
حتى لا يظن السنيور
سمبليسيو
أنك تضحك منه
ساجردو : كنت ذات
يوم عند طبيب فينيسي
ذائع الصيت
اعتاد عدد من
كبير العلماء
المتعلمين
على زيارته
فضولا أو طلبا
للمعرفة ,
وكان صاحبنا
مغرما بالجدل
والنقاش في
مختلف المواضيع
العلمية إذ
كان موهوبا
وقادرا على إفحام
أي خصم .
وقرر
طبيبنا ذلك
اليوم أن يضع
حدا فاصلا
بخصومة
الأعصاب وأن
يثبت نهائيا
أنها لا تتفرع
من القلب كما
يدعي أتباع
أرسطو , ولعلك
تذكر يا سنيور
سمبليسيو
هذه الخصومة
المشهورة
بينهم وبين
تلامذة قاليان
. وحضر
الفلاسفة
يومئذ على
أهبة الاستعداد
للمناقشة
والمناظرة إذ
كان إيمانهم
بصواب
نظريتهم
عميقا للغاية
, فبادرهم
طبيبنا بتشريح
جثة وهم
ينظرون مثبتا
بطريقة لا
جدال فيها أن
الأعصاب
تتفرع من المخ
لا من القلب
كما يدعون
ولما أتم
الطبيب
التشريح
التفت إلى أحد
هؤلاء
الفلاسفة
مبتسما
ابتسامة
المنتصر وسأله
عن رأيه في
هذه الحجة
الدامغة
ومنتظرا تهانيه
بصواب
التجربة
واعترافا
بنتيجتها .
أتدري يا سمبليسيو
ماذا كان رد
صاحبنا ؟ وجم
لحظة ثم قال :
لقد أثبت لنا
يا سنيور
بصفة واضحة ما
كنت تقوله
دائما في هذا
الموضوع ولكن
أرسطو يقول
بصفة أوضح أن
الأعصاب تتفرع
من القلب . حقا
إنني آسف فلو
لا نصوص أرسطو
لما رفضت
تصديقك .
سمبلسيو : أيها
السادة أود إلفات
نظركما إلى
حقيقة مهمة
ألا وهي أن
النقاش لم ينتهي
بعد وذلك رغم ادعاء
بعض المفكرين
.
ساجردو : ولن
ينتهي أبدا يا
سمبليسيو
إذ لن يختفي
أبدا نوع
معروف من مدعي
العلم على كل
حال لا ينقد
اعتراضك هذا
من غرابة رد
هذا الفيلسوف
, بأي أدلة كذب
تجربة علمية
استحال عليه
إنكار نتيجته
؟
بأي
براهين قارعة
حقيقة واضحة ؟
رد يا سمبليسيو
, لقد رد هو على
التجربة بجمل
مستخرجة من
كتب أرسطو
ومعتمدا على سيط
الفيلسوف
وعلى سمعته فقط ؟
سمبليسيو : لقد
اكتسب أرسطو صيتا
ذائعا وشهرة
لا حدود له على
مر العصور
لأنه كان أعمق
الناس في
أبحاثه وأقواهم
في سوق الحجج
والبراهين
ولا تنسى يا ساجردو
أنه لم يكتب
للعامة وأنه
لم ينظم ولم
يبسط آراءه
واستنتاجاته
فعلى كل من
يرغب في
الإلمام وبكل
ما قاله أن
يكون قوي
الذاكرة
حاضرة البديهة
وأن يجمع
ويقارن آراء
مبعثرة في
فصول مختلفة
وسيغرف
الإنسان الذي
يجيد هذا الفن
من أرسطو كل
الأدلة
والبراهين
وذلك في أي
موضوع
الإنسان
معرفته إذ
احتوى تفكير
أرسطو كل شيء
وكل موضوع
يخصه .
ساجردو ( ساخر ) :
بما أن خلط
النصوص لا
يضايقك يا
عزيزي سمبليسيو
, وبما أنك
تؤمن أن مزج
مقتطفات من
أرسطو كفيل
بإعطاء أي
فيلسوف الحجج
الدامغة والأجوبة
النهائية
التي تمكنه من
فهم سائر المشاكل
فسأطبق هذه
المنهجية على
قصائد أقيد وقرجيل
وأخيط بعض
الجمل بأخرى
وسأفسر
ابتداء من هذا
المزيج أسرار
الطبيعة
وشواغل
الإنسان ولكن هل
أنا بحاجة إلى
فرجيل أو
أي شاعر آخر ,
ألا أملك
كتابا أقل
حجما بكثير من
كتب أرسطو وأوقيد
ومع ذلك أجد
فيه كل ما
يمكن قوله عن
العالم وعن
الإنسان ؟
نعم الست
ملما
بالأبجدية ؟
ما رأيك يا سلفياتي
لو مزجت
الأحرف وفق أي
تنظيم ؟ ألن
تنكشف فجأة
أسرار
الطبيعة
أمامي كما
ينكشف وجه
القمر الساطع
في ليلة ظلماء
عندما تهب
الريح وترغم
السحب
الدامسة على
الفرار ؟
ألن أجيد
آنذاك كافة
العلوم
والفنون ؟ أو
ما رأيك لو
مزجت الألوان
قليل من
الأحمر هنا أو
شيء من الأصفر
هناك ماذا بي
أخلق بشرا
وحيوانات الخ
.. الخ .. .
سلفياتي : لقد
ذكرتني قصتك
بحادثة طريفة
أخرى , كنت لها شاهد
عيان . كنا في
يوم ما في جمع
من العلماء
فاخذ أحدهم في
سياق الحديث
في وصف المرقب
وأسهب في مدح
هذا الاختراع
الذي فتح
آفاقا واسعة
في علم الفلك
فتصدى له
فيلسوف معروف
بانتمائه إلى
إحدى المدارس
الفلسفية
الشهيرة
مدعيا أن فضل
هذا الاختراع
( وهم لم يرى
المرقب أبدا )
راجع إلى
أرسطو . وأضاف
أن صاحب
الاكتشاف هو مجرد
ناقل
لنظرياته , ثم
أخرج كتابا له
وأتى إلى صفحة
يقول فيها
أرسطو
بإمكانية
رؤية النجوم
في عز الظهيرة
وذلك بمشاهدة
السماء من قاع
بئر عميقة
وأخذ دكتورنا
يشرح بفصاحة
وقناعة
الواثق من
نفسه ومن
مصادره : ألم
تفهموا ؟
البئر هي جعبة
المرقب
والمادة
الكثيفة الشفافة
المكونة من
الهوا وبخار
الماء
الموجود في
قاع البئر هي
العدسة . هكذا !
ساجردو : ينتمي
صاحبنا إلى
نوع من البشر
يؤمن بان في كل
صخرة آلاف
التماثيل
الرائعة ولا
يجد أدنى صعوبة
في اكتشافها
مهما كانت
حالة الصخرة .
سلفياتي : أتذكر
يا ساجردو
سخافات
الكيميائيين
وإيمانهم
الكلي بان هم
العباقرة
اقتصر على
موضوع واحد هو
صنع الذهب من
المعادن
البخسة .
أتذكر
طريقتهم في
تبادل المعلومات
وتدريس
الطلبة حتى لا
يكتشف بقية
البشر
أسرارهم
الرهيبة ؟
أتذكر كيف
يدعي كل واحد
منهم أنه
اكتشف أحسن
وسيلة
الإيحاء
بالسر العظيم
؟ إنني لا أعرف
موقفا أكثر
فكاهة وإثارة
من الإنصات
إليهم وهم
يحللون قصائد
الشعراء
القدامى
مفتشين عن
الأسرار عن
الإيحاءات
وذلك
لاعتقادهم
بأن القصص
والأساطير طلاسيم
تخفي ما عظم
من هذه
الأسرار .
سمبليسيو: أن
أصحاب
التفكير
الغريب والمنطق
العجيب يا ساجردو
ويا سلفياتي
كثيرون فهل
يعني هذا أن
نلقى تبعة
سخافاتهم وترهاتهم
على عاتق
أرسطو
ويسوؤني أن أضيف
أنكما
تتحدثان عنه
بلا كلفة ...
فأنتما
لا توفيانه
قدره من
التبجيل
والاحترام .
لقد حاز أرسطو
على شهرته
الكبيرة عن
جدارة
واستحقاق
وأعترف له
بعبقرية عدد
ما لا يستهان
به من النوابغ
على مر العصور
ألا يكفي هذا
كي نجله
إجلالا مطلقا .
سلفياتي : لسنا
بصدد البحث في
موضوع احترام
أو عدم احترام
أرسطو إنما
نريد إقناعك
يا سمبليسيو
بحقيقة بسيطة
ألا وهي أن
سبب تدهور
سمعة المعلم
في تصرف
تلامذته الذي
لا يتورعون عن
ترديد أي
سخافة باسمه .
قل لي بربك لو
كان أرسطو
حاضرا عندما
ادعى
الفيلسوف أن
المرقب نقل
لاختراع هو
صاحبه ألا تظن
أنه
ربما تضايق من
كلام تلميذه
هذا أكثر من
تضايقه من نقد
الحاشرين
وسخريتهم ؟
ألا تظن أن
أرسطو كفيل
بتغيير آراءه
وتصحيح كتبه لو
بعلم بآخر الاكتشافات
وبتبني
النظرات
الجديدة
والتبرؤ من كل
هذه العقول
المتحجرة
الذليلة التي
تحتفظ بكل
كلمة من
كلماته ؟
لو كان
أرسطو كما
يتصورونه
لكان مثال
الإنسان
الغبي الهمجي
الطاغية
المؤمن بأن
البشر ماشية
حمقاء وبأن
القول الفصل
هو لإرادته
ولو كان ذلك
على حساب التجربة
والمنطق وحتى
الطبيعة
نفسها لقد
أعطاه أتباعه
هذا السلطان
المطلق
واعتبروه فوق
كل شيء وذلك بمحض
إرادته هم
فأنا لا أعلم
بأن أرسطو قد
ادعى في يوم
ما أن على
الفكر أن
ينحني أمامه
وأن يتعيش على
نظرياته آه
أيتها العقول
الذليلة أنكم
تجدون
الاحتماء
بدرع مفكر
عبقري ولكنكم
عاجزون على
الدخول إلى
حلبة الصراع مكشوفي
الوجه .
وترتعد
فرائصكم من
الخوف كلما
تجاسر أحد على
الابتعاد عن
الخط المرسوم
تراهم يفضلون
تغيير ما
يرونه في سماء
الطبيعة حتى
لا يغير شيئا
في سماء أرسطو
.
ساجردو : إنهم
يذكرونني
بذلك الفنان
العبقري الذي
نحت تمثالا لا
له فأجاد
واكتسب الصنم
من دقة النحت
وروعة الفن
قوة غريبة
وإشعاعا
مذهلا , فأصيب
الفنان
بالرهبة وغدا
يخشى الاقتراب
من الصخرة
التي فجر فيها
بيده معالم الغضب
والجلال .
سالفياني : لا زلت
أعجب من أتباع
أرسطو الذين
أخذوا على عاتقهم
مهمة الدفاع
عن كل كلمة
كتبها المعلم
كأنهم لا يرون
الضرر الفادح
الذي يسببونه
له ولشهرته
وللاحترام
الذي يستحقه
فيهدمون بطريقة
دفاعهم عنه كل
سلطانه
الفكري وأنا مضطر
الآن لمراجعة
آرائي في كل
ما قاله أرسطو
كلما سمعتهم
يدافعون
بضراوة عن
نظريات أثبت
الفكر فسادها
وكلما حاولوا
إقناعي بأن
الفيلسوف
الحقيقي هو
الذي يعتنق
هذه الأفكار
الهزيلة فلو
تصرفوا بتعقل
أي لو تخلوا عن
المغالاة في
اعتبار الخطأ
صوابا لثقة
فيما يقوله أرسطوا في
مواضيع لا
يمكنني
التوغل فيها ولآمنت
بصواب رأيه
وتسويقه على
ثقة ويقين .
ساجردو : ترى لم
يحاولون من
الآن الأخذ بوصفة
السنيور سمبليسيو
فيربطون بين
المقتطفات
ويكتشفون
بذلك كل ما سيكتشفه
العلم قبل أن
يبدأ العلماء
في البحث والتنقيب
فيحصلون على
قصب السباق .
سالفياتي : كفى
هزلا يا ساجردو
أتذكر ذلك
الفيلسوف
الذي ألّف منذ
سنوات كتابا
عن خلود الروح
مستشهدا بجمل
من كتب أرسطو لتدعيم
آرائه , وكانت
تلك الآراء
شبه مجهولة وغير
أرثوذكسية ,
فلاحظ ذلك أحد
أصدقائه
وحذره من مغبة
غضب الكنيسة
التي قد تمتعض
من الكتاب وتمنعه
من الصدور
فقرر
الفيلسوف
عندئذ تغيير
نظرة المعلم
للمشكلة
وأعلن لصديقه
أنه على أهبة
الاستعداد
لإثبات عكس
النظرية وذلك
بالاستشهاد
بنصوص أخرى .
ساجردو : عظيما ,
عظيم , والله إنه
لفيلسوف بأتم
معنى الكلمة
إذ لم يسمح
لأرسطو
بالتسلط على عقله
بل شدّه هو من
أذنه وأرقصه
على النغم
الذي اختاره .
آه أيتها
العقول
الذليلة كيف
يرضى الإنسان
بالعبودية عن
طواعية
واختيار كيف
يقبل بربط
نفسه بشخص
غريب وبسلاسل
أبدية ؟ كيف
يمكنه الاقتناع
ببراهين طفلانية
؟ والأدهى
من هذا يا سلفياتي
إن دكاترتنا
في اختلاف
دائم حول
الرأي الذي انتصر
له المعلم هل
أيّد هذا
الموقف أو
نقيضه ؟
أو ليس في
هذا إضفاء
النبوة على
صنم من خشب ؟ هل
يجب أن ننتظر
الرد على أي
سؤال من هذا
الصنم ؟
أعلينا أن
نخشى وأن نعبد
وأن نقدس إلى
الأبد صنما
خشبيا ؟
سمبليسيو : من
سيوجه العلم
إذا تركنا
أرسطو جانبا ؟
من سيفتح
الأبواب
ويرسم الطريق
قل لي اسم أي
معلم آخر ؟
سلفياتي : يحتاج
الإنسان إلى
دليل في
الأماكن
الموحشة
والمجهولة
ولكن الأعمى
وحده بحاجة
غليه في السهل
المنبسط فعلى
الأعمى أن يقبع
في عقر داره
وعلى المبصر
أن يكون دليل
نفسه . أنا لا
أنكر أن أحد
حق الإنصات
إلى أرسطو والاهتمام
بما كتب بل
بالعكس ,
فإنني أعجب
بالتعمق في
دراسته,
ولكنني أنحو
باللوم على كل
من يستسلم له
عقلا وروحا
وأهزأ بكل من يؤمن
بدون مبرر
وبصفة عمياء
بكل ما قاله
كما لو كانت
لكلمته قيمة
القانون أليس
من السخف أن ينكر
أتباعه
الواقع وأن
يستخفوا
بالبراهين
والأدلة
الملموسة
وذلك
بالاعتماد
على الصيت والشهرة
فقط ؟
إذا
أردتم أيها
السادة الأرسطوطاليون
أن تتابعوا
على هذا الشكل
فلا تحسبوا
أنفسكم
فلاسفة بل
دكاترة في
الحفظ
والاستظهار,
فالذي لا
يتفلسف غير
جدير بلقب
الفيلسوف .
لقد
بدأنا نتيه في
بحر عميق
فلنغادر وغلا
فلن نخرج منه
بعد الآن .
وختم
القول يا سنيور
سمبليسيو
إئتنا
ببراهينك
وبراهين
أرسطو ولا
تعتمد من الآن
على صيته
وسلطاته فقط ,
لأننا نهتم
بالعالم أكثر
مما نهتم
بالورق
المقدس .
*
بهذا
الحوار يكون قاليلي قد
وصف ببراعة
مساهمة
ومسؤولية
النبي المذهبي
في عملية
التحجر . وقد
أدرك القارئ
أهم خصائص هذا
النبي , فهو
مقدس ولكلامه
مهما كان
ألوية مطلقة
على الواقع ,
وهو مقياس
الحقيقة أي
أنه مصدر
التفرقة بين
الحق والباطل
تكمن قيمة كل
الأفكار في
تماشيها مع
كلام المعلم أو
معقولا في هذا
الكلام . ويجب
إلقاء تبعة
الخطأ على
الواقع كلما
حدت نشاز بين
نظرة النبي للأمور
وخصائص هذه
الأخيرة ,
وتقتصر المعرفة
على التعيش
على أفكار
المعلم
ونظرياته التي
لا تبلى ولا
تعرف النسبية
. فالطريق
السوي مرسوم
إلى الأبد ولا
هادي للناس
غيره ولا حيلة
لهم إلا في
الاحتماء
بدرعه
والتعيش على
تعاليمه , ( إذا
احتوى فكره كل
شيء وكل موضوع
يخصه ) , فعلى
العقائدي أن
يغرف منه بثقة
واطمئنان .
فرمز
السلطة إذا
كامل المعرفة
والفعالية سواء
كان ناقل
الحقيقة
الربانية أو
همزة الوصل بين
المعرفة
الموضوعية
العلمية الحقة
وبين الإنسان
الناقص , ولا
تخفى أهمية
تعظيم المعلم
على أحد إذ
تساهم قوته هو
الآخر في قوة
العقيدة ,
فكلما عظم
النبي ( أي عظم
الاعتراف
بقدره ) كلما
عظمت العقيدة
فيشعر المؤمن
باطمئنان كلي
لاختياره "
نبيا له مثل
هذه القوة
الجبارة
يستظل به ويحتمى
بدرعه" ,
وبعبارة أخرى
فإن تعظيم
الإنسان لنبي
عقيدته
كتعظيمه
لأبيه إذ
يستمد الطفل
من عظمة الأب
ثقة مطلقة
بنفسه .
ولكن خطر
هذا الاعتماد
الكلي على
سلطة الأب
الروحي كبير ,
إذ يشعر
الإنسان العقائدي
المتعود على
هذه الركيزة
بالضياع إذا
ما تهدد
الواقع سلطة
النبي
بتكذيبه أو أظهر
خطأ في كلامه
أو نسبية فيه
عندئذ يصرخ كسمبليوسيو
مستغيثا " من
سيوجه العلم
والعمل إذا تركنا
فلانا جانبا
من سيفتح
الأبواب ويرسم
الطريق قل لي
اسم معلم آخر "
تبرز هذه
الصرخة أهم
خصائص نفسية
العقائدي المتشبث
بسلطان الأب
الروحي , أي
ضعفه وخشيته من
التوغل في
دروب المعرفة
والمسؤولية .
فهو بحاجة
ماسة إلى من
يفتح له
الأبواب
ويرسم له الطريق
, وهو مستعد كي
ينعم بتلك
الطمأنينة
للتخلي عن حريته
ومسئوليته ,
فاختياره
واضح منذ
البداية ولا
رجوع فيه :
الراحة
والدعة
النفسانية
التي يوفرها
الإيمان ,
والمشي في
الطريق
المرسوم بدلا
من القلق
والضياع
والحيرة
والتخبط , أي
ثمن الحرية
الباهظ
لذلك ترى
العقائدية
يجاهد ابتداء
من اللحظة
التي قبل فيها
بالمشي في الطريق
المرسوم
لحماية هذا
الحل من هجمات
الواقع برفض
متشنج
عنفواني لكل
ما يشكل خطرا
على صيت الأب
الروحي
وسلطانه ,
فيحتفظ بكل
كلمة من كلماته
ويجترها
ويبالغ في اظهار
قيمتها
وفعاليتها ,
ويجعل منها
مقياس كل حقيقة
, ويتنكر لما
عداها من آراء
ومفاهيم
برفضها وإخراجها
بكيفية سحرية وقسرية من
دائرة
اهتماماته
ومشاغله
ويواجه بها
الواقع في
محاولة يائسة
لإدخاله في
كلام النبي التاريخي
النسبي
الإنساني ,
المعرض
للتقصير ككل
كلام إنساني
آخر .
لكن لهذا
الحل الذي
يعتمده الفكر
مؤقتا عيوبا
لا تلبث أن
تتضخم فتظهر
كل السلبيات .
ولابد هنا من
جديد التركيز
على أننا لن
نتمكن من فهم
كافة معطيات
القضية إن لم
نضع الفكر في
إطاره
التاريخي ,
وإن لم نفهم
إن هذه
السلبيات هي تجاربه
الإجبارية ,
وإنه لا وجود (
خلافا لما يدعيه
بعض حملة
الفكر )
لمدارس فكرية
متناحرة .
هذه
المدارس هي رد
الفكر على
نفسه ونقاشه
مع نفسه عبر
تعدد
الحضارات
والأشخاص ومن
ثمة نفهم أن
علينا تحاشي
الأحكام
المعيارية
والاكتفاء
بتتبع عثرات
الفكر , أي
عثرات نظرية
المشروع
التحرري .
السؤال
المطروح الآن
هو : كيف يحاول
هذا الفكر
الذي سقط في
فخ نصبه لنفسه
أن يواجه
تكذيب الواقع
ونقضه الدائم
لنظرية أتى
بها في زمن ما
ومكان ما
واستكان لها
زمنا ولكنها
لا تصمد أمام
نقد منطقي
يأتي به هو في
فترات صحوه
.
لنتوقف
عند نقاشه مع
نفسه حول بعض
الفرضيات العقائدية
والغيبية .
ولندرس
محاولاته
اليائسة
لإيجاد حلول
مرضية لتناقضاته
الغيبية
الفرضية
والعقل
الباحث الموضوعي
الناقد الذي
يستعمله نفس
الفكر للتثبت
من صلاحية هذه
الفرضيات .
*
العقــل :
القــوة
المشبــوهـة
لنتفق
مبدئيا على
تصور للعقل :
هو أساسا
وظيفة وربما
من أقدمها عند
الإنسان قدم
الذكاء واللغة
والرقص
وبالتالي هو
ليس كما نتصور
عامل حديث
أفرزته
الحضارة
والتطور لأنه
هو الذي أفرزهما
, وهو متقدم عليهما
إذ نجده عند
الصياد
البدائي قبل
أن نكتشفه عند
أرسطو وابن
سينا .
ونحن إذ
نجده عند هذا
الصياد فلسبب
البقاء على
قيد الحياة
فلابد من
الملاحظة
الدقيقة
والصائبة أي
الموضوعية
لمكان
الفريسة , ولابد
من معرفة
صحيحة لاتجاه
الريح وسرعة
الركض ,
وتقدير لمرمى
السهم الخ ... إن
كل هذه
العوامل : الملاحظة
والحساب
والاستنتاج
والمراجعة السريعة
للقرار هي
شروط
الفعالية
التي يكتشفها
ويحترمها
الصياد قبل أن
يمارسها عالم
الذرة . وهي
أساسا عملية
تقييم في
مراحل مختلفة
, وبما أنها
ضرورية
للحياة ضرورة
الإيمان والتخيل
العقائديين ,
فإننا سنواجه
بحالة مزعجة ألا
وهي تجاور
النقيضين
داخل نفس
الفرد ونفس الحضارة
لتأديتهما
بطريقتين
مختلفتين مهمة
واحدة ألا وهي
تحرير
الإنسان من
الفاقة والجهل
بالتقييم
الموضوعي وإن
فشل هذا
الأخير لقصور
في التكنولوجيا
بجامح الرغبة
التي تتجاوز
سحريا كل
الحدود الصعبة
. إن من طبيعة
التقييم
الفعلي أن ترد
على أسئلة من
نوع أبعد ,
أقرب , أقوى ,
أضعف الخ ... وبالتالي
فهي مقارنة
دائمة بين
خيارات
للتوصل إلى
فعالية التمكن
من الغزال أو
تطويع قوى
الذرة .
فهذه
الخاصية
الهامة هي
التي ستواجه
الإيمان داخل
الشخص أو
خارجه لتقييم
هذا الموقف
بصفة واضحة او مبهمة ,
أنفع ؟ أنجع ,
أحسن الخ ...
كيف
تتعايش هذه
القوة
القديمة
الموجودة بالضرورة
ومنذ البداية
في الإنسان مع
نزعته الأخرى
أي كيف يتعامل
العقل مع
الحقيقة
الغيبية ؟
مما لا شك
فيه أنه لاحظ
بمجرد إعمال
شيء من المنطق
وجود تناقضات
جذرية مقلقة .
فبدا في طرح
الأسئلة التي
لا تتحملها
العقيدة ولا
تطيقها إذ
قلنا أنها لا
تحي إلا
بالقبول اللامشروط
, فلنتابع
بعض مظاهر
تململ العقل
لأن هذا
الصراع الداخلي
هو جزء لا
يتجزأ من
آليات الفكر
العقائدي .
سؤال : لو
كان الله
المذهبي
بالأوصاف
التي تعرفه
بها العقيدة (
أي الرحمة
والقدرة ) فلم
لم يخلق
العالم خيرا
من أول وهلة ؟
ويستنتج
العقل أنه إما
أراد ذلك ولم
يقدر فهو إذن
ناقص وإما انه
لم يرد وهو
قادر فهو إذا
شرير . وقد عمر
الخيام في
أبيات رائعة
ما تثيره
الحقيقة
الغيبية من
تساؤلات قلقة
ومن مشاعر
مضطربة
وبالتالي ,
فشلها أو
نجاحها نسبي
في أداء
مهمتها بقول
مخاطبه الله
المذهبي :
طبائع
الأنفـس
ركبتهـــــا فكيف
تجزئ أنفسا
صغتها
وكيف
تفني كاملا أو
ترى
نقصا بنفس
أنت صورتها
ويسأله :
إن كانت
الجنة
مقصورة
على
المطيعين
فأين العطاء
ويتساءل :
كان الذي
صورني يعلم في الغيب
ما أجني وما
آثم
فكيف يجزيني
على أنني أجرمت
والجرم قضا
مبرم
وتقتصر
مهمة التفكير
العقلاني
المرتبط في البداية
بالعقيدة على
محاولة إغلاق
منافذ الشك
فيخلق
تفسيرات
وتبريرات
تزيد الطين بلة .
وقد حاول
النبي
الفارسي ماني
مثلا الرد على
المشكلة فأتى
بنظرية يمكن
تحليلها
كالآتي :
·
الله خيّر لا
يريد إلا
الخير : تشكّل
هذه الجملة
الأرضية التي
تسند البناء
العقائدي
بأكمله والتي
لا يمكن
التفريط بها
بأي ثمن تعني
أنه لا تستقيم
الحياة
للإنسان بدون
الله خير ... فهو
إذا ؟؟
·
لا يخلق
الخير إلا
الخير : وبما
أن الشرّ
موجود فهو إذا
خارج عن
إرادته كما لا
يجوز القول
بأن الشيطان
هو سبب الشر
لأن الشيطان
من صنع الله
فهو يعقل أن
يخلق إلاه
الخير سيّد
الشّر ويتركه
يعيث في الأرض
فسادا .
·
إذن فهناك آلهين إله
الخير والاه
الشّر : ووجود
الثاني
بالقوة وهو
سبب الشّر وما
حالة العالم
بما فيه من
خير وشّر سوى
صورة لمراحل
الصراع
الجبّار
القائم بين
الإلهين .
وهكذا ينجح ماني بهذا
التخلص من
أنقاض وجود
الله الخيّر .
ولكن المنطق
أجبره على
إحداث
تغييرات
جذريّة أي تقسيم
الآلوهية
إلى قسمين وهو
الأمر الذي
ترفضه
العقيدة الإسلامية
. لكن تفسير
الإسلام
للشّر عبر قصة
إبليس كما
وردت في القرآن
– أي تحميل
الشيطان
مسؤوليته –
يؤدي إلى تناقضات
جذرية لاحظها
جلال صادق
العظيم قائلا
:
" لا شك أن
إبليس خالف
الأمر الإلهي
عندما رفض السجود
لآدم غير أنه
كان منسجما كل
الانسجام مع
المشيئة
الإلهية ومع
واجبه المطلق
نحو ربه . لو
وقع إبليس
ساجدا لآدم
لخرج عن حقيقة
التوحيد وعصى
واجبه المطلق
نحو معبوده
إذ أن السجود
لغير الله لا
يجوز على
الإطلاق لأنه
أشرك به ؟
بعبارة أخرى
كان إبليس صنيعة
الإرادة
الإلهية
خاضعا
لأحكامها
ومنفذا لطلباتها
وعندما اختار
العصيان
والجحود إنه لم
يختر سوى ما
كان الله قد
اختاره له منذ
الأزل .
إنه مستعمل
فيها قدرة
الله عليه
واقع في قبضة قهره
"
ولهذا
استخلص بعض
الناس من تناقضات
الحقيقة
الغيبية
استنتاجات في
منتهى الغرابة
عقائديا ,
ولكنها تدل
على تعدد
وتنوع المسالك
الممكنة
عندما يبدأ
تعامل العقل
مع هذه
الفرضية
العفوية . لقد
أدّى التركيز
مثلا على
خصائص الله
الإيجابية
والتنويه
بالشيطان
كسيّد الشّر ,
إلى استنتاج
منطقي كوّن
نواة لعقيدة
غريبة هي
عقيدة الزيديين
. أن يقبل الزيديون
بصورة الله
كما وردت في
الإسلام
ويعترفون بإبليس
كسيّد الشّر ,
ومن ثمة
يتوصلون إلى
أنه يجب عبادة
الشيطان ولهم
في هذا الموقف
تبرير متين .
لماذا عبادة
الله وهو خير
لا يريد لنا
إلا الخير ,
أليس من الأهم
اتـّقاء شّر الشيطان
المصمم على
إلحاق الأذى
بنا فلنتودّد
إليه ولنعبده
ولنسترضيه
حتى نكون معه
في سلام ووئام
؟
إنّ الموقف هذا
قديم , إذ عرف
الفكر في شكله
الأسطوري
آلهة لا تسمن
ولا تغني من
جوع لأنها
كمال مطلق
وبالتالي لا
فعالة في مجرى
الأحداث
البشرية .
فتركها
ليتودّد إلى
آلهة أقل خطرا
وأكثر تأثيرا
على مصير الإنسان
. شكلت إذن تناقضات
العقيدة
الغيبية
ومحاولات
إيجاد حلول
لها فصولا
كاملة من كتب الاّهوت
والفلسفة على
مر العصور ,
فقد تخبط
الفكر في
ردائه
المسيحي طيلة
قرون عديدة في
محاولة تصوّر
ذات المسيح .
ترى هل كان
المسيح آلها
أم إنسانا ؟
وما هي طبيعة
العلاقة التي
تربط بين الأب
والروح القدس
؟ وقد أثارت
هذه المشكلة زوابع
فكرية * . فقد
أعلن الراهب أريوس في
القرن الرابع
بالإسكندرية
أن ذات الله
تختلف
اختلافا
جذريا عن ذات
الابن وأن
الله خلق ابنه
قبل أن يخلق
العالم . فشنّ
عليه الراهب'' أتاناس''
هجوما عنيفا
مؤكدا أنهما
من نفس الذات
وانتصر مجمع
الأساقفة
المنعقد
بالقسطنطينية
سنة 381 لهذه
النظرية وقرر
أن الأب
والابن وروح
القدس ثلاث
مظاهر لنفس الذات . ولم
يتوقف النقاش
وكيف يسعه ذلك
وقد طلع'' نستوريوس'' سنة
419 بنظرية تقول
بأن الابن
تقمّص جسد
المسيح ولذلك
فالمسيح في
نفس الوقت
إنسان وذات آلهية
متجسّدة .
وبالتالي فإن مريم هي أم
المسيح وليست
بأمّ ابن الله
ولم تلاق هذه
النظرية
استحسان مجمع
الأساقفة ب''آفاز''
الذي شجبها
مقررا من جديد
أن المسيح كل
لا يتجزأ .
وقد تدخلت
سلطات
الكنيسة
بكامل ثقلها
لتضع حدا
فاصلا لهذه
الخصومات .
فأعلنت أنه
يجب الإيمان
بأن للمسيح
ذات بشرية
أخرى إلهية وأن الذاتان
تتجاوزان فيه
بدون تمازج
فهو آلهة
وإنسان في
الوقت نفسه .
ولم تتبخر
المشكلة بل
ازدادت
تعقيدا إذ طرح
الجانب
المنطقي
للفكر عندئذ
مشكلة قدرة
المسيح . هل هي
قدرة إنسان
محدودة أم
قدرة إله لامحدودة
؟ وهلم جرا من
الأسئلة
والمعضلات
التي لا تنتهي
, إذ لا يِؤدي
سد ثغرة في
البناء
العقائدي إلا إلى
فتح ثغرات .
لهذا اضطرت
الكنيسة
للتدخل مرة
أخرى . فقررت
أن الخصائص
الأربعة
متواجدة في
المسيح , ولو
قررت العكس
لما تغير شيء
على سطح الأرض
إنما كان
هدفها إسكات
صوت العقل
ولجم الحاجة
الثقيلة أي
بوادر الثورة
الفكرية والسياسية .
وقد واجهت
الفلسفة نفس
المشاكل فزادتها
تعقيدا
بتنظيمها أي
بلفها في كلام
غامض لا يفهمه
إلا أصحاب
الحل والعقد .
واصطنعت
كثيرا من
المشاكل من
نوع هل خلق
الله العالم
من لا شيء ؟
وكيف يمكن
للواحد أن
يخلق الكثرة ؟
وهل العالم
قديم أم حديث ,
فإن كان قديما
فهل يعني هذا
أنه شريك لله
في إحدى صفاته
؟ وإن كان
محدثا فهل
يعني أن إرادة
الله متغيرة ؟
وهل يقبل
التغير الدال
على نقص من
ذات كاملة
ومكتفية
بجوهرها ؟ الخ
...
وطبيعة هذه
التساؤلات
مزدوجة وتهدف
إلى تعميق
مفاهيم
العقيدة
كسلطة فكر-سياسية
.
ولكنها تشكل
خطرا موضوعيا
على تماسك
البنيان
وتهدد
انسجامه وهو
الأمر الذي
تدركه
العقيدة قبل
أن يفطن إليه
الفلاسفة إن
فطنوا ذلك أن
إدخال العقل
أداة التحرر
على العقيدة
كإدخال الذئب
على قطيع من
الغنم .
يقول
الفارابي
مثلا في وصفه
لله :
" الله علم
وعالم ومعلوم
فهو لا يحتاج
في أن يعلم
إلى ذات أخرى
يستفيد
بعلمها
الفضيلة خارج
عن ذاته ولا في أن
يكون معلوما
إلى ذات أخرى
تعلمه بل هو
مكتف بجوهره
في أن يعلم
ويعـلـّـم
وليس علمه بذاته
شيئا سوى
جوهره فإنه
يعلم , ذاته
وانه معلوم وأنه
علم فهو ذات
واحد وجوهر
واحد " .
ولهذا الصقل
والتشذيب
الفلسفي
لمفهوم الله ترتيب
خطير يتنافى
مع أهم مهام
العقيدة . إذ
كيف يعقل تصور
أدنى صلة بين كائن
كالإنسان
وبين قوة
مكتفية
بجوهرها ؟ فهدف
العقيدة هو
تقريب الله من
الإنسان
بينما تعمق
الفلسفة
القوة بينهما
كذلك يدخل
الفارابي في
نشاز آخر مع
العقيدة عندما
يتصور أن علم
الله يتناول
الكليات دون الجزئيات
لأن هذه خارجة
عن ذاته إذ
يقع عندئذ في
تناقض آخر . فلو
صدق كلامه
لوجب أن ننسب
الجهل إلى
الله وهذا كفر
. وإذا قلنا أن
الله يعلم الجزئيات
وهي متحركة
فمعنى هذا أن
علمه متبدل
متغير وهو ما
يتنافى مع
الخصائص
المقررة له .
أما تخلص ابن
سينا القائل
بأن الله يعلم
الجزئيات
من وقت حدوثها
بل من الأزل ,
فكلام عفوي من
نفس طبيعة
قرارات
الكنيسة , أي
أنه محاولة
الفكر لوضع حد
للجدل الذي
أثاره بنفس
الكيفية التي
نسكت بها صوتا
مزعجا أي
بإيجاد أي
تخلص .
والتمسّك يمكننا
أن نستخلص إذن
ما يلي :
·
يؤدي
أي تساؤل
منطقي حول
البديهيات
العقائدية
إلى إدخال
بلبلة فكرية
وخيمة
العواقب على تماسك
البنيان
العقائدي.
·
ينقض
التفكير
المنطقي
البديهيات
الغيبية إذا
حاول التعمق
فيها أو
إثباتها إذ
يكشف التعامل
معها بطريقة
ضمنية عيوبها
ومواطن الضعف فيها
.
·
يضيع
التفكير
المنطقي
عندما يتعامل
بقواعده
وعاداته مع
الحقيقة
الغيبية في
دوامة مفرغة
من الثرثرة
العميقة . إذ
لا تؤدي هذه
الثرثرة إلى
شيء فلا هي علم
ولا هي عقيدة ,
فلا غرابة أن
تتشعب
المواقف وأن
يعلو الصراخ
وأن يكثر
التهافت
والردّ عليه
وذلك لانعدام
أي محكّ
موضوعي يمكن
الاحتكام
إليه .
*
التـــوفيــق
والإرجــاء
بعد القبول اللامشروط للسند
الأعلى
والاستكانة
إلى سلطة
الأوائل ومحاصرة
العقل، نصل إلى
رابع خاصية من
خصائص الفكر
العقائدي ألا
وهي البحث عن
حل وسط بين
الموضوعية
والذاتية بين
الرغبة
واستحالتها
بين الفعالية
الحقيقية
والفعالية
الرمزية .
يأتي من العقائدين
من يقول أن
النشاز بين
متطلبات
العقل والحقيقة
الغيبية
مفتعل ,
ويأخذون على
عاتقهم إثبات هذه
النظرية
ودافعها في
هذا الجمع بين
الحسنيين
وخاصة تفادي
الاصطدام مع
الاستبداد
السياسي
لنتتبع آراء
أشهر
الموفقين
المسلمين ابن
رشد إذ نستخلص
من أفكاره
الخصائص الرئيسية
لهذا النوع من
التفكير
وسنرد عليها
في إطار هذا
الحوار
الأزلي الذي
ما انفك الفكر
يحاور به نفسه
.
لابد من
التدليل هنا
على توفيقية
ابن رشد بما
أن أحد كبار
مفكرينا محمد
عابد الجابري
ينفي عنه هذه
الصفة ( محمد
عابد الجابري
: نحن والتراث
صفحة 304 ) التي يقصرها
على فلاسفة
الشرق العربي
. ونحن لا نجد
أدنى صعوبة في
الاتفاق مع
الجابري حول
نقطتين
هامتين أبرزهما
في كتابه هذا :
- أن
كل قراءة
تفويضية , قرأ
الفارابي
التراث اليوناني
وفوضه ( لصالح
التحرر ) من
خلال الكليات
أو الجزئيات
ومن هذا الباب
نقرأ نحن ابن
رشد فنفوضه
أيضا في صراعاتنا
الفكرية –
السياسية كما
فوض ابن رشد
نفسه أرسطو
لمواقفه
الخاصة
المرتبطة
بوضعية
سياسية ( الثورة
الموحدية
وفكرة "
التعرض
للمحافظين
وأعداء العقل
تلامذة
الغزالي وابن
سينا " ) .
- أن
على كل قراءة
أن تعتبر
المنظومة
الفكرية لصاحبها
وعصره حتى لا
نسقط في
التعميم
السطحي فنعتب
على ابن خلدون
أنه آمن
بالسحر
والتنجيم
كعلمين قائمي الذات أو
نلوم ابن سينا
على نظرية
الأخلاط
الأربعة والفارابي
على نظرية
العقول
العشرة .
ولربما وقع الجابري
في الفخ الذي
حذر منه فهو
لا ينف التوفيقية
إلا بدأ
بقراءته لابن
رشد بمفاهيم
عصرنا التي
أصبحت تشجب التوفيقية
وتسميها أيضا
التلفيقية
وترى فيها
ضعفا كبرا ,
والحال أنها
كانت أقصى ما
كان يمكن
تحقيقه في تلك
العصور التي
لم يكن للعقل
فيها رصيد الانتصارات
التكنولوجية
التي حققتها
في عصرنا
والتي تمكنه
اليوم من حقه
في الصدارة
والأولوية
المطلقة على
الحس وسائل
أنواع النور
التي يقذف به
الله في صدور
عباده .
لنعترف إذن
مبدئيا أن
نقدنا لابن
رشد ليس في المطلق
وإنما هو
قراءة جديدة
له كما ينصح
الجابري لكن
من داخل
منظومتنا نحن
, ولا عيب في
هذا ما دمنا
أعلنا عن
منطلقنا من
خلال نصوصه
ومنظومته الفكرية
لنبين الخلل
في عقلانيته
المنقوصة على لأن
لا ننس مرة
أخرى أنه لم
يكن نظرا
لميزان القوى
آنذاك بين قوى
التحرر
والاستبداد
من حل آخر لإكتساح
جزء من
المواقع .
يقول
فيلسوفنا "
وإنا معشر
المسلمين :
1- نعلم على
القطع أن
النظر البرهاني
لا يؤدي إلى
مخالفة ما ورد
به الشرع .
2- فإن الحق لا يضاد الحق
بل يوافقه
ويشهد له .
ويعتقد ابن
رشد بعد هذا
التمهيد أنه
سيسعه التحرك
بمطلق الحرية
فيرد على حامل
لواء الحقيقة
الغيبية
الغزالي
رافضا تكفيره
للفلاسفة بقوله
:
" فالمذاهب
في العالم
ليست تتباعد
كل التباعد حتى
يكفر بها بعضا
أو لا يكفر
ولذلك ما أدى
إليه البرهان
أن العلم
الرباني منزه
عن أن يوصف
بكلي أو جزئي
فلا معنى
للاختلاف في هاته
المسألة ,
ويشبه أن يكون
المخطأ في هاته
المسألة (
مسألة بعث
الروح أم
الجسد )
معذورا والمصيب
مشكورا
ومأجورا وذلك
إذا اعترف
بالوجود
وتأول فيه
نحوا من
التأويل أعني
في صفة المعاد
لا في وجوده
إذ كان هذا
التأويل لا
يؤدي إلى نفس
التأويل وإنما
كان جحد
الوجود في هذا
كفرا لأنه أصل
من أصول
الشريعة"
وترتبات هذا
الكلام واضحة
فقد شرح ابن
رشد الضمانات
المبدئية
التي يتعهد
بها المفكر
للعقيدة قبل إبداء
أي رأي مستقل
وهي :
1 – يجب
عليه أن يجهر
بإيمانه
المطلق
بالعقيدة وأن
يركز على
ولائه الكلي واللامشروط
للأفكار
الرسمية (
نقطة 1 ).
2- يجب
عليه أن يتعهد
مبدئيا
بإيجاد توافق
كلي بين الترتبات
الممكنة
للتفكير
العقلاني
وبين الحقيقة
الغيبية , وأن
يتوقف في تأويلاته
عند حدود معينة
فيكفر هو أيضا
باسم العقل كل
متطاول ومتجاسر
على الحقيقة
المقدسة وأن
يقبل بأولوياتها
على العقل (
نقطة 2 – 4 – 5 ) .
3 – يجب على
أن يتعهد
بخدمة
العقيدة بنفس
إخلاص الإيمان
اللامشروط
في بابه الخاص
( نقطة 3 ) ولا
تكفي هذه
الضمانات على
ما يبدو
للتغلب على ارتياب
العقائديين
المشروع لهذا
التفكير إذ يحاول
ابن رشد تبرير
منهجيته
وشرعية
استخدام العقل
بالاستشهاد
بجمل مستخرجة
من النصوص المقدسة
نفسها
والتصرف هذا
شائع وفعال
ولكن إلى مدى .
يقول
الفيلسوف :
" وإن كان
فعل الفلسفة
ليس شيئا أكثر
من النظر في
الموجودات
واعتبارها من
جهة دلالتها
على الصانع ...
وكان الشرع
قد ندب إلى
اعتبار
الموجودات
وحث على ذلك
فبين أن ما
يدل عليه هذا
الاسم إما
واجب الشرع
وإما مندوب
إليه فإما أن الشرع دعا
إلى اعتبار
الموجودات
بالعقل وتطلب
معرفتها به
لذلك بين على
غير آية من
كتاب الله تبارك
وتعالى مثل
قوله ]
فاعتبروا يا
أولي الألباب [
وهذا نص على
وجوب استعمال
القياس
العقلي " .
ويضم ابن
رشد أنه يمكن
إفحام السلطة
الفكر-سياسية
بهذه الحجة ,
وقد غال ابن
رشد في استعمالها
فذهب إلى حد
القول بأن
الفلسفة
اليونانية –
أبرز مظاهر
التفكير
العقلاني في
ذلك العصر – رافد
فرعي يصب في
نهر العقيدة
إذ " أنه يتبين
في هذا أن
النظر في كتب
القدماء واجب بالشرع إذ
كان مغزاه في
كتبهم ومقصده
هو المقصد
الذي حثه
علينا الشرع
" فيجوز
للمؤمن إذن أن
يأخذ بأقوال
الفيلسوف سواء
كان مشاركا في
الملة أو لا "
بدون أن يخشى
على دينه " , "
فالحكمة هي
صاحبة
الشريعة
والأخت
الرضيعة وهما
المصطحبان
بالطبع
المتحابتان
بالقوة
والغريزة " ثم
يلغي ابن رشد تناقضات
الحقيقة
الغيبية
بنظرية وجود
باطن مظاهر للعقيدة
, فالناس
طبقات لذلك
تخاطب كل صنف
منهم بما
يتناسب مع
مداركه " وقد
تلطف الله
بعباده في
الأشياء التي
لا تعلم إلا
بإعمال العقل
فضرب لهم
أمثالا وأشباهها
ودعاهم إلى
التصديق بتلك
الأمثال بينما
خص الفلاسفة
وحدهم
باكتشاف تلك
المعاني التي
لا تنجلي إلا
لأهل البرهان
القادرين على استخراج
دلالة
الحقيقة إلى
الدلالة
المجازية " .
ويفسر
لنا ابن رشد
كيفية إلغاء التناقضات
والتخلص منها
بشيء من
الحيلة " فإن
كانت الشريعة
نطقت به فلا
يخلو ظاهر
النطق أن يكون
موافقا لما
أدى إليه
البرهان فيه
أو مخالفا فإن
كان موافقا
فلا قول هناك
وإن كان
مخالفا طلب
هنا تأويله " .
فالهدف
واضح ومحدد :
إيجاد توافق
كامل بين متطلبات
المنطق وبين
المواقف
الغيبية
برضاها إن
أمكن أو
بصهرها
وإرغامها بشيء
من البراعة البهلوانية
الكلامية على
الدخول في
بوتقة قالب
أعده لها خصيصا
. ولا يغفل ابن
رشد عما هذه
العملية من
مخاطر فيوصي
بوقفها على
الخاصة ويحرم
العامة منها
إذ يمكنها أن
تظل أو تكفر
إن هي أقحمت
في متاهات التأويلات
الرشدية .
ويقر
فيلسوفنا في
الأخير أن " كل
شريعة كانت بالوحي
فالعقل
يخلطها " .
وبأن " العلم
الملقى قبل
الوحي جاء
متمما لعلوم
العقل أعني أن
كل ما عجز عنه
العقل أفاده
الله تعالى
الإنسان من قبل
الوحي " ( نقطة 5 ) .
لقد لاقت
فلسفة ابن رشد
هذا استقبالا
حسنا على مر
العصور إذ رأى
فيها العقائديون
الأذكياء
مخرجا من مأزق
تناقضات
الحقيقة
المقدسة مع
قواعد المنطق
إذ تمكنهم من
التوفيق بين
معتقداتهم
وبين التفكير
المستقل وبين
الاستبداد
الفكر-سياسي
السائد
وتطلعاتهم
نحو التحرر .
لكن التوفيقية
لا تشكل حلا
حقيقيا , إذ
تتمرد ضدها
لأنها لا ترضى
في الواقع أي منهما
وذلك لسببين
بديهيين هما :
أولا :
تستند
العقيدة كما
قلنا على
الإيمان , وعلى
الإيمان وحده
حتى وإن تفضلت
بالتدليل على
بعض مفاهيمها
فمن باب بغية
الشرح لا من
باب الاهتمام
الزائد
بالعقل , وقد
عبر الصوفي الهروي عن
هذه الحقيقة
الأساسية
بجملة تنسف
المحاولة
الرشيدة
بأكملها يقول
:" إن من طلب
نور الحقيقة
على قدم
الاستدلال
كان كمن يطلب
الشمس من
السراج".
فالتفكير
التوفيقي
تفكير التطفل
دخيل على
العقيدة بل
ومتجاسر على
أهم ما فيها
إذ يشكل
إيحاءه بأن
الإيمان وحده
لا يكفي وأنه
مصدر اعتقادات
السذج
والعامة الذي
يمثل خطرا علة
تماسك
العقيدة
وقوتها . وقد
لخص مالك ابن
أنس في رده
على فهمه
للآلية
القرآنية "
واستوى على العرش
" , وما يتبع
ذلك من تشخيص
لله من مبادئ وتطلبات
العقيدة
بقوله "
الاستواء
معلوم والكيف
مجهول
والسؤال عنه
بدعة فعلى
المؤمن إذن
قبول الفرضية
وعدم
المبالاة بما
فيها من تناقضات
وتفادي الخوض
فيها وقد قال
النبي في
المعنى نفسه "
فما عرفتم
فأعلموا به
وما تشابه
عليكم فآمنوا
به " وحذر
الناس من مغبة
النقاش
والكلام في
هذه المواضيع
الحساسة قال "
ما ضل قوم بعد
هدى إلا آتوا
الجدل " .
وبالتالي
فإن موقف أبو
حامد الغزالي
أكثر منطقية ونزاهة
من موقف ابن
رشد فقد عرض
بصدق واخلاص
المشاكل التي
يواجهها
العقائدي
الذكي ووصف قلقه
وحيرته في نص
شهير يقول فيه
:
" فلما
خطرت لي هذه
الخواطر انقدحت
( أي ثبتت ) هذه
الخواطر
المشككة في
النفس فحولت
علاجا فلم يتيسر
إذ لم يمكن
دفعه ( أي الشك )
إلا بالدليل
ولم يمكن نصب
الدليل غلا تركيب
العلوم
الأزلية فإذا
لم تكن ( تلك
العلوم ) مسلمة
لم يمكن تركيب
الدليل وأعضل
هذا الداء
ودام قريبا من
شهرين أنا
فيهما على
مذهب السفسطة
بحكم المنطق
والمقال حتى
شفى الله
تعالى من ذلك
المرض وعادت
النفس إلى
الصحة
والاعتدال
ورجعت الضروريات
العقلية
مقبولة
موثوقا بها
على أمن ويقين
فلم يكن ذلك
بنظم وترتيب
كلام بل بنور
قذفه الله
تعالى في
الصدر وذلك
النور هو
مفتاح أكبر
المعارف ...
وبذلك فإن
طريق
الفلاسفة
فاسدة لا توصل
إلى يقين
والعلم
اليقيني هو
الذي ينكشف
فيه المعلوم
انكشافا لا
يبقى معه ولا
يقاربه امكانية
الغلط
والوهم " .
يلاحظ
القارئ أن
الغزالي لم
يحاول إنكار
وجود تناقضات
خطيرة بين خطر
العقل وسلامة
الإيمان , وأنه
عانى من الشك
والحيرة
والقلق وجرب
استعمال
الدليل , ولكن
بدون جدوى ,
وتعذر عليه
دفع الشك
بالمنطق
أدراك أنه لا
خيار له بين
التسليم بالحقيقة
الغيبية
والإيمان بها
وبين التمرد فارتضى
الحل الأول
ولكنه من موقع
النزاهة الفكرية
, إن لم يحاول
التخلص من التناقضات
بالربح
الخيالي على
الجبهتين
مفضلا المحافظة
على مكاسبه
بدل الدخول في
معركة فكر-سياسية
خاسرة مسبقا .
ثانيا :
يستحيل على
التفكير
العقلاني المحض
قبول نظرية
ومنهجية ابن
رشد إذ هناك
تناقض جذري
بين طبيعة
العقل ومهمة
المحاولة التوفيقية
.
فمن
طبيعة العقل
أي منهاج
التحرر
مواجهة الفرضية
بدون تحيز
مسبق يمكنه
إثباتها أو
نفيها بعد
تمحيص دقيق
لها . ولا قيمة لهذه
الفرضية
بالنسبة إليه
إلا في
تماشيها مع
الواقع وليس
لها أدنى فضل
في حد ذاتها
فيقبلها إن
قبلتها
التجربة أو
الممارسة أو
لفضها بسهولة
كلية
ليستبدلها
بفرضية أخرى
إن أظهر الواقع
نقصا أو عيبا
فيها . فللعقل
إذن قدرة القبول
وقدرة الرفض .
فهل
للتفكير التوفيقي
المتعقلن
قدرة رفض
نظرية كاملة
ومكتملة وكليانية
كما تجاهر
بذلك علنا ؟
قطعا لا
وذلك باعتراف
ابن رشد نفسه ,
فقوله أن "
التأويل أن لا
ينفي التأويل
( الغيبي ) وإلا
كاد جحد
الوجود كفرا "
واضح لا لبس
فيه , فعمليات
العقل مغشوشة
في البداية إذ
تتلخص في شل
الرفض أي نصف
إمكانيات
الفكر وفي
تسخير قدرات
النصف الآخر
للتلاعب بتأويلات
ظاهر الباطن
وباطن الظاهر
فالتفكير التوفيقي
إذن عاجز عن
إثبات ما
تنفيه
العقيدة أو
نفي ما تثبته ,
فتحامله على
العقيدة واضح
وتحامله على
العلم أوضح .
فمهمته إذن
تمجيد
التناقض القائم
بين شطري
الفكر : فكر
الاستبداد
وفكر التحرر ؟
فيلجم
العقل ويحدد
صلاحيته ,
وذلك حتى لا
يتهدم هذا
البناء
العقائدي
الشامخ .
لكن
العقل يتنطع
أمام هذه
الحالة حتى
وهو مهزوم بل
قل بوقاحة
المعري وهو
ينشد :
كذب الناس لا
إمام سوى
العقل
مشيرا في
صبحه والمساء
أيهــا
الغـــران
خصصــت بعقل
فأسألــه
فكــل عـقـل
نبــي
ومن ثمة
لا يبقى
للاتجاه
الأمني في
أولى مراحل
تطور الفكر
سوى محاولة
إسكات هذا
الصوت المشاغب كما يحاول
الإنسان
التخلص من ألم
مزعج في داخله
, فتنتهي
مرحلة
التوفيق
وتبدأ مرحلة
الصراع . وقد
عرفت كل
الحضارات
- ومن جملتها
حضارتنا –
حدّة هذا
الصراع بين الاتجاهين
, لكن أحسن
مثال تاريخي
نقدمه هو معركة
شقي الفكر في
الغرب إبان
عصور النهضة .
*
المــواجهــة
الحـتـميـة
كيف واجهت
العقيدة
الكاثوليكية
طيلة القرون
الثلاثة
الأخيرة
الحركة
المتمثلة في
تطور المعرفة
العلمية
واستقلالها
المتصاعد ؟
ومن المعروف
أنه كان لها " مونوبول "
الكلام عن
العالم ,
وأنها كانت
تطمح دائما لتنظيمه
سياسيا وقد
فرضت لعدة
قرون
بالإرهاب
تارة
وبالإقناع
تارة أخرى
تصورها
الغيبي الخاص
للعالم . وقد
صمد البنيان
العقائدي على
مر العقود
طالما بقي
البنيان مشعا
في الصدور
وطالما
أمكنها
مراقبة واحتواء
التفكير
العلمي إلى أن
بدأت دعامات
البناء
تتمايل
بميدان
الأرضية
الفكرية التي
بنت عليها
الكنيسة قناعاتها
. وقد كان قاليلي
أهم من أعمل
معوله في
دعامات
البناء
الشامخ وأهم
مفكر هدد متاتنتها
ولازلت آثار
تطاوله على
الحقيقة
الغيبية فعالة
إلى عصرنا هذا
.
ولابد من
التركيز هنا
على نقطة هامة
ألا وهي أن قاليلي
لم يتوخى أبدا
تهديم أسس
المسيحية ,
ولم يطمح إلى
خلق نظرية
بديلة . وإنما
اكتفى بوضع النظرية
الغيبية بين
قوسين , إذ لم
يجد في إيمانها
بأن الأرض
مركز الثقل في
الكون أو أنها
مسرح أحداث
خارقة وإن
الإنسان
خليقة إله
استوى على
العرش وإن
الحياة
الدنيا وآخرة
الآخرة خير
وأبقى من
الأولى الخ ...
ما يشفي غليله
ويصده عن
البحث
المستقل فترك
كل هذه الآراء
جانبا ( ومن
هذا الرفض
الضمني بدأت
الثورة ) واعتمد
على عقله في
محاولة فهم
أسرار
الطبيعة .
فلاحظ مع ''كوبرنيك'' و''جيوردانو برونو'' أن
الأرض جرم
عادي يخضع
ككافة
الأحكام
السماوية
الأخرى
المهولة
العدد إلى عدد
معين من
القوانين
الطبيعية ,
وأن اعتبارها
مسرحا لحوادث
خارقة أمر فيه
نظر . وقد أدرك
ما في كلامه
هذا من نقض
واضح للنظرة
العقائدية إذ
يستحيل
التوفيق بين
التصورين وإلا
وجب أن نرد
على مشاكل
عويصة من نوع
هل توجد حضارات
أخرى في الكون
؟ وما هي
علاقة الله
بها ؟ وأين
يوجد عرش الله
؟ إضافة على
أن مراجعة
القائم على الحقيقة
تؤدي آليا إلى
مراجعة باقي
سلطانه . لذلك
واجهت
الكنيسة
الخطر المحدق
بها بكثير من
العنف
والتشنج
فقامت بإحراق'' جيوردانو
برنو'' سنة 1604 وكان
أول من قال
بأن الأرض
كوكب عادي وشجبت
نظريات ''كوبرنيك''
رسميا سنة 1616
وحاكمت'' قاليلي'' بعد
شجب آراءه
وتفكيره سنة 1633
وألقت به في
غياهب السجن
وأجبرته على
التراجع عن
آراءه باستعمال
الإرهاب
والتعذيب .
كما يجب هنا
أن نذكّر
القارئ بأن'' قاليلي''
حارب على
جبهتين في
الوقت نفسه ,
فقد قاوم فكر العقائديين
المتعلمنين
أي فكر ورثة
أرسطو وحارب
الفكر الغيبي
الكلاسيكي
المتمثل في
الكاثوليكية .
وكان أول من
طالب باستقلال
العلم عن
العقيدة , وهو
أول من أكد
على أن دور
الحقيقة
الغيبية
يقتصر على
إرشاد
الإنسان إلى
طريق الخلاص
وهدايته إلى
الخير , وأنه
لا صلاحية لها
في الكلام عن
الظواهر
الطبيعية إلى
المطالبة بفك
كماشة
الاستبداد .
وقد حاربت
الكنيسة هذه
الحركة
العلمية ما استطاعت
. وحقدت على ''قاليلي'' وأمثاله
لتهديدهم
لسلطتها أو
إفراغهم
السماء من
شحنتها
العاطفية
ببعض
المعادلات
الحسابية
الجافة ,
واستبدالهم
بكثير من اللامبالاة
عالم لا يأبه
بتأمينات
الإنسان , ولا
يصيخ السمع
لتأوهاته
وتوسلاته ولا
يعنى بآثامه
أو بحسناته
ولا يهيئ له
مؤدي في حياة
مقبلة ومخرج
من الموت
والفناء .
وقد عبّر ''بسكال'' عن
آثار هذا
التغيير
الهائل في
علاقة الإنسان
بالسماء في
جملته
الشهيرة " إن
صمت الفضاء اللامتناهي
يخيفني " وعبّر ''ماكس
شيلر'' عن
الشعور نفسه
بوصفه لعالم ''نيوتن''
بأنه كقلب
فارغ من الحب.
لا
تنجح حركة
الكنيسة
المضادة في
إيقاف مسيرة
العلم وتهدّم نظرية
داروين ما
تبقى من
التصور الغيبي
للعالم مساهمة بدورها
في انحسار
المسيحية
كديانة فعالة
في الغرب إذ
أرجعت
الإنسان إلى
حجمه تجعل منه
حيوانا طبيعيا (
عاقلا مع
الأسف كما
تقول
السريالية أو
حيوانا يأكل
بلا جوع ويشرب
بلا عطش
ويمارس الجنس
في أي وقت حسب
تعريف ظريف
آخر )
لقد
حاولت
الكنيسة التعرض
لداروين
ومحاربة
أفكاره
ولكنها فشلت
فشلا ذريعا
في محاولاتها
هذه كما فشلت
في خنق صوت
الشهيد قاليلي
.
نستنج
إذن أن الفكر
يخلق فرضيات
غيبية ويتشبث
بها زمنا
طويلا ويدافع
عنها بعنف لأنها
ترضى حاجة
ماسة إلى
الدعة
والسكون , لكن
الفكر لا
يستطيع أن
يمنع نفسه عن
التفكير مثلما
لا تستطيع
العين أن تمنع
نفسها عن
الرؤية . ومن
ثمة نلاحظ أنه
يعود يوما ما
إلى مراجعة
مقاييسه
وموازينه
ومفاهيمه , لكن
الهدف قار لا
يتغير : إيجاد
تطابق كلي بين
نظرته للكون
وطبيعة هذا
الأخير ,
واثبات دعائم هذا
التصور على
قاعدة أصلب من
العنف الذي
يسلطه على
نفسه, وتحرير
الإنسان من كل
استبداد .
والآن كيف
أعيد طرح
المشكل من
أساسه بظهور
الحضارة
الثالثة في
الغرب ,
وانتهاء سيطرت
المسيحية
كتنظيم
لحضارة
زراعية في طور
الاختفاء
وتجدد شكل
المشروع
التحرري عبر
ظهور نزاع البروليتاريا
والرأسمالية
الصناعية .
الفكــر
العقـائـدي المتعـلمـن
هو
خلافا لما
أشاعه أتباعه
ليس حالة خاصة
من العلم
وإنما حالة
خاصة للعقيدة
.
لقد بقيت
التقنية
العقلية
مقصورة زمنا
طويلا على
معالجة بعض
المسائل
الطبيعية
المحددة لكن
الفكر لم يلبث
أن اكتشف
إمكانية
استغلال المنهجية
ونتائجها في
معالجة
القضايا العامة
التي طرحها
منذ بدأ يبحث ,
أي قضية فهم
الكون ,
والتنظيم
الإنساني
العادل
والفعال . ومن
ثمة طرح مشروع
خلق العقائد
العلمانية ومشروع
باشره
الفكر مرارا
عديدة عبر
التاريخ في
إطار بعض التجارب
( كالبيثاغورية
التي مثلها بيتاغور Pythagore
وأتباعه ستة
قرون قبل
ولادة المسيح
والتي أجهضها
التفكير
الغيبي لغياب
الجو
التكنولوجي
الملائم معتقدا
أن
النجاح سيكتب
له هذه المرة
نظرا لوجود
مناخ صالح لم
يتوفر من قبل
ونظرا للآمال
العريضة التي
كان يعلقها
على العلم ) .
وقد
يتبادر إلى
الذهن أن
نتساءل عن
خصائص هذه التقنية
العقلية التي
اكتشف الفكر
فعاليتها
والتي حول أن
يتجاوز بها
ورطته
الغيبية .
علينا
قبل الشروع في
الرد فهم
كيفية عمل "
النموذج " أي العلم
نفسه
باعتباره
الشكل
المتحرر
للكفر العقلاني
الذي تخلص
نهائيا من "
العقدة
الأمنية " التي
رأيناه قوام
ودعامة شكله
الغيبي .
يرمي
العلم كما هو
معروف إلى
اكتشاف
الخصائص الموضوعية
للظواهر
الطبيعية
وربطها ببعضها
البعض ,
ومعرفة
العلاقات
الحقيقية
التي تحكم وجودها
وتصرفاتها ,
وأهدافه في
البداية دائما
متواضعة أي
أنه لا يطمح
إلى أكثر من
التعمق في
ميدان معين من
الميادين
الطبيعية ولا
ينمو بتاتا
تكوين صورة
مكتملة شاملة
عن عالم الطبيعة
من أول وهلة.
وتبدأ
المحاولة
بقبول الفوضى
في الأشياء
للاعتراف
بالجهل
المطبق أي بالتخلي
عن المعرفة
المخيلة
الغيبية .
فيلاحظ "
العالم " بدقة
متناهية وفي
ميدان محدد
بعض خصائص
الظواهر
ويحاول فهمها
بخلق تفسير
مؤقت يسميه
الفرضية ثم
ينتقل في وقت
ثان إلى الواقع
ليقدر متانة
هذا التفسير ,
فإن قبلته التجربة
كانت النتيجة
وإن رفضته
تعاد
المحاولة من
جديد إلى أن
يتوصل الباحث
إلى هدفه .
لنتوقف
عند أهم
الخصائص التي
تجعل من العلم
أداة تحرر
فكري لا يتحجر
, ويؤدي
انعدامها إلى الاستبداد
في العقيدة.
·
ليست
للفرضية أدنى
قدسية ولا
أولوية لها
على الواقع
فهي ذات أهمية
قصوى إذ
تستحيل العمل بدونها ,
ولكنها كلا
شيء في نفس
الوقت . إذ
يسهل على الباحث
إسقاطها
والاستغناء
عنها إذ ثبت
فيها عيب أو
نقص , فهو لا
يسخر قدراته
لإثباتها
وفرضها على
الواقع بأي
ثمن , بل يرمي
إلى اكتشاف
صلاحيتها في
تماشيها
وتطابقها معه
فالأولوية المطلقة
منذ البداية
للواقع
والتجربة لما
رأيناه من خاصية
العقل الأولى
أي التقييم
الدائم ولم
كان تقديم
التقديم .
لذلك ترى
الفرضيات
العلمية تتغير
بسرعة كبيرة
دون أن تهدد
هذه الحركة
دعائم العلم ,
فلا يؤدي نفي
فرضية معينة
سادت لمدة ما
إلى تصدع في
بنائه , بل
يؤدي على
العكس إلى
تطوير
المفاهيم
وتصعد
الفعالية .
وهذا بالطبع
ما يجري في
العقيدة
الغيبية التي
تحاول فرض
الفرضية على
الواقع
وإدخاله قسرا
في إطاره
الجامد الذي
لا يتبدل .
·
تشكل
المنهجية
العلمية جملة
العمليات
التي تسمح
بالتيقن من
جدية الفرضية
. وحسابها لها
دقيق عسير إذ
لا تكن لها
احتراما
زائدا .
وتتطور هذه
المنهجية هي
الأخرى بتطور
المعرفة سواء
بتحسين آلتها
وأجهزتها
التي تمكنها
من التوغل في
مسالك ميدان
البحث أو
بتحديث
مفاهيمه
النظرية أي
اكتشاف أحسن
الوسائل للبت
في مشاكل
معينة . و الأهم
من هذا أن
المنهجية
تسمح
بالاكتشاف و
لكنها لا توحي
به , فهي
مستقلة نسبيا
عن الفرضية والاستنتاج
. معنى هذا أنك
لن تستطيع
تكوين صورة
مكتملة عن
ميدان معين في
علم الأحياء
مثلا بمجرد
معرفتك
للمنهجية
التجريبية
وبامتلاكك لمجهر
معقد , فهذا لا
يكفي إذ
سيرتبط مدى
تحصيلك
العلمي
بإمكانيات
المجهر لا
محالة وإجادة
استعمالك له
وخاصة
بموهبتك في
البحث والتمحيص
وبالصدفة
وبقوة مخيلتك
في اختلاق فرضيات
تربط الأجزاء
المفككة في
تشكيلة نظرية
متناسقة ,
وبمحاكمتك
الصارمة لها,
وبالتقدم في
علوم مجاورة
...الخ .ولهذه النقطة
أهمية كبرى ,
إذ يكمن هنا
الاختلاف
الأساسي بين
المنهجية
العلمية
والمنهجية المتعلمنة
التي توحي
عادة ( وتحدد
بكيفية واضحة
أو مبهمة )
وبكل ما يمكن
أن يقال في
الموضوع .
الجدلية مثلا
هي المنهجية
والنظرية في
آن واحد , فهي
كيفية
التعامل مع
الظواهر
المتحركة
المتضاربة
والإقرار بأن
الظواهر
متحركة
ومتضاربة لزوميا
إذ لا وجود
لظواهر ثابتة
أزلية تجهل
الحركة
والتضارب .
ترسم إذا
المنهجية المتعلمنة
حدودا واضحة
للمعرفة "
العلمية " أي
أنها حبلى
بإمكانيات
متعددة ,
ولكنها
محدودة , وفي
هذا يكمن
الاختلاف
الجذري مع
المنهجية
العلمية التي
تستند هي
الأخرى على
خلفية نظرية
معينة مؤقتة ,
التي تستطيع
التحرك في
ميدان أوسع ,
إذ لا تحد هذه
النظرية من
حريتها
فيسعها القول
اليوم بالسببية
وإنكارها في
الغد مما يؤدي
إلى تجاوز فرضيات
ومواقف
متنافرة ولا
متجانسة ,
وإلى غليان
فكري لا يهدأ ,
وهو غليان
مقبول ومرغوب
فيه وشرعي
بينما ترى
التشكيلة المتعلمنة
إما جامدة على
مواقف النبي
ومتشنجة في
محاولة الحفاظ
على مكاسبه و
"
إنجازاته
العلمية "
وغما في حالة
حرب وتمزق نظرا
لتكفير
العقائديين
بعضهم البعض .
·
ليست
للنتيجة
العلمية أدنى
قدسية شأنها
في هذا شأن
الفرضية التي
مهدت لها
الطريق .
ويجهل عادة المتعلمنون
هذه الخاصية الهامة
فيعتقدون أن
نتاج العلم
مكتمل شامل أزلي
لا ضعف ولا
وهن فيه كنتاج
العقيدة ,
بينما يكذب
الواقع هذا
التصور
الساذج .
فالمعرفة العلمية
في تطور وتحسن
مستمر وقد
تصبح حقائق اليوم
أباطيل الغد
أو على الأقل
تصورا جزئيا
وهامشيا
للمشكلة
المطروحة ,
فهناك لا
محالة بعض
النتائج
الثابتة
ولكنها نتائج
تطفو على بحر
متموج من
الحقائق
المؤقتة
والمتضاربة وقد
كذب التاريخ
خطأ أعظم
العباقرة
بدون أن ينقص
هذا التكذيب
الجزئي من
قيمتهم
ومكانتهم فلكل
حقيقة علمية
تاريخ وحاضر
ومستقبل .
فقد تغير
مثلا مفهوم
الفيزياء
للضوء تغيرا كبيرا
طيلة القرنين
الأخيرين ,
فقد نجحت
المعادلات
الهندسية
الكلاسيكية
في تفسير كثير
من خصائصه باعتباره
إشعاعا أفقيا
إلى أن أثبتت
تجارب 'اكسوال
خطأ هذا
التطور ,
وأظهرت أنه
إشعاع متموج .
فساد هذا
الاعتقاد
أمدا طويلا
إلى أن أثبتت
تجارب أنشتاين
حول تفاعل
الضوء
والمادة قصور
هذه " الحقيقة
" في تفسير بعض
الظواهر , فاستبدل
التصور
القديم
بالتصور
المعاصر
وربما المؤقت
أي أن الضوء
موجات ووحدات
مادة تعرف ب''الفوتون'' .
هذا
ويعرف كبار
العلماء أن
تراكم
النتائج
الجزئية
وتضارب الآراء
وتعدد
النظريات كما
يعرفون طوال
حياتهم العلمية
تزعزع أقوى المعتقدات
وميدان
جل البديهيات
وانتساب كل
الاكتشافات
والتطور
المستمر
والمتصاعد
السرعة لأغلب
الفرضيات
التعليمية .
ولا ترحم هذه
الحركة
الدائبة
المجنونة
أقدس
المقدسات
العلمية ولا
تهادن ولا
تتوقف خاشعة
عند أي حقيقة
مهما حازت من
سمعه
وبالتالي فإن
علاقة العلم
بالسلطوية
موقوفة , لأنه
لا وجود لنبي
في العلم يمجد
الحركة كما
يجهل المتعلمنون
أن من طبيعة
التساؤل
العلمي أن
يطرح من المشاكل
أكثر مما يحل
فترى العلم
ينتقل من
البسيط إلى
المعقد , أي أن
حركته معاكسة
تماما للحركة العقائدية
التي ترمي إلى
رفض تعقيد
الواقع وتبسيطه
بشتى الحيل .
فالعلم
مغامرة
مجهولة العواقب
ومتعددة
المسالك فلا
يبدأ الباحث
في البت في
مشكلة إلا
وتبرز مشاكل .
ولا يتخلص من معضلة
إلا وتعترض
مسيرته عقبات
كأداء ومهولة
العدد , فما أن
ينفتح بابا
يظن السر
ورائه إلا
ويفاجئ
بعشرات
الأبواب
الموصدة في
وجهه . ويقدر
العلماء دون
غيرهم من
الناس هذه
الحقيقة
المنعشة
والمخيفة في
نفس الوقت .
وقد قال أحد
البحاثة في
وصف هذه
الحالة
النفسانية
التي تعتريهم
وهم يواجهون
الأبواب
الموصدة إن ما
يسمى اليوم
بانفجار
المعرف وهو في
الواقع انفجار
الجهل في
وجوهنا .
والطريف أن
العلماء لا
يستعملون
أبدا هذا
الاصطلاح
للكلام عن أنفسهم
, فالتواضع
فضيلة لا
محالة ولكنه
تواضع مفروض .
فهم واعون بما
في معرفتهم
للعالم من نقص
ومدركون
لضآلة
مداركهم
بالقياس إلى
خضم الواقع
المريع . وقد
عبر نيوتن عن
هذا الشعور بقوله
أنه كصبي يلعب
على شاطئ بحر
زاخر بالكنوز
ولكنه مقتنع
وسعيد
بالتقاط بعض
الحصى الجميلة
التي يلفطها
هذا البحر .
فالعالم إذن
هو الباحث
الواعي بعمق
جهله , والذي
لا يصل إلى
هذه النتيجة
غالبا إلا بعد
سنين طويلة من
البحث
والتنقيب
والانتصارات
الكبيرة
والصغيرة .
وكثيرا
ما تشكل جملة
سقراط
الشهيرة " إنني
أعلم أنني لا
أعلم شيء "
القناعة
الأخيرة لهذا
العالم
الحقيقي
الواعي بما في
اصطلاح العالم
الذي يطلقه
عليه المتعلمنون
من سخرية غير
مقصودة .
وأخيرا
يستحيل تحجر
العلم نظرا لتضافر
ثلاثة عوامل
أخرى هي عامل
الصدفة وعامل
الحاجة وعامل
الحرية .
·
عامل الصدفة
: لكثير من
الدول برامج
علمية تلعب
دورا لا ينكر
في تقدم العلم
. ولكنها
عاجزة في
الواقع عن توليد
فرضية
العبقرية
والنتائج
العظيمة . ولم
يكن تطور
المعرفة أبدا
محكوما
بتخطيط مسبق
وإرادة موجهة
, ولم تكن
الخطط
الخماسية
أبدا وراء جل
الاكتشافات
العلمية التي
قلبت العالم رأسا
على عقب إذ
كانت هذه
الانتصارات
نتيجة محاولات
فردية كونت
منعطفا في
تاريخ الفكر .
كغرق علم
الأحياء مثلا
طيلة القرون
الماضية في مهاترات
عقيمة حول
مشكلة تكوين
الجنين , فمن
قائل بأنه
موجود بصفة
مصغرة في
الحيوان
المنوي , ومن
قائل أنه على
العكس موجود
في البيضة فقط
. ولم تتبخر
هذه النظريات
ولم يحسم النقاش
إلا عندما
أبصر دوخراف
سنة1875 عملية
الإخصاب تحت
عدسة مجهره .
·
عامل الحاجة
: لقد تتالت
الانتصارات
العلمية والتكنولوجية
في غرب أوروبا
أواخر القرن
التاسع عشر
لوجود مناخ
اقتصادي فكري
. ومن ثمة عجزت
العقيدة
الغيبية عن
التعرض لهذه
الحركة
وإجهاضها
نظرا لحاجة البورجوازية
الماسة لما
يقدمه العلم
من خدمات في
محاولتها
الرامية
للسيطرة على
العالم . ولا
زالت المجتمعات
المتطورة
وحدها قادرة
على هضم نتاجات
العالم وترتباته
النظرية
لحاجتها إليه
سواء على
الصعيد الاقتصادي
أو الثقافي أو
العسكري . فهي
تحث الحركة
العلمية على
مزيد من
الإنتاج لا
حبا في العلم
بل حبا في
إمكانيات
الفعالية
والسيطرة
والقوة التي
يوفرها , كما
تجد كافة
قطاعات
المجتمع
مصلحتها في
تطوره المطرد
إذ يسعى
السياسيون
باستخدامه في
تكريس سيطرته
وتفوق بلدانه
ونظمهم , ويجد
العسكر
اكتشافاته ما
يسمح لهم
بتطوير لعبهم
الرهيبة ,
ويكتسب منه
الباحثون
الشهرة
والاحترام ,
ويرى بقية
الناس فيه
وسيلة لتحسين
مستوى معيشتهم
والتغلب على
الأمراض . فمن
البديهي أن لا
تصمد قناعات
مقدسة أمام
تكاتف
المصالح
الهائلة هذه
وطغيان
الحركة
ودعامتها إذ
يعني الجمود اللافاعلية
بينما
المجتمع في
حالة نهم دائم
إلى الإنجازات
والمكاسب في
عالم الواقع
لا في عالم
الخيال .
·
عامل الحرية
: مما لاشك فيه
أن الحرية
المطلقة هي
أولى شروط
ومتطلبات
الحركة
العلمية .
فالنقد بصفة
خاصة شرط من
شروطها
الأساسية .
وهو نقد حاد
لا يرحم ولا يمارئ ولا
يقف خاشعا
أمام اسم أو
نظرية , ولا
يبالي التحرش
بالمقدسات
العلمية أو
العقائدية ,
ولا يحترم إلا
صمود النظرية
أمام التجربة
. وهو نقد بناء
لا يهدف إلى
التحطيم بقدر
ما يهدف إلى التيقن
من صلابة
النظرية وهو
غير معرض إذ
لا يسعى إلى
خدمة مصلحة
إنسان أو فريق
وهو نقد مشروع
وشرعي فلن
يسوق
الباحثون الحقيقيون
رفيقا لهم
معرض إلى
المشنقة
لقوله بغير ما
يقولون , ولن
يعذبونهم حتى ينكر ما
أقر به سلفا ,
ولن يفرضوا
عليه اعتناق
نظرية معينة
جاهر بكذبها
لا لأن
العلماء
ملائكة من غير
طينة
البشر (
فالعالم
الجامعي ككل
المؤسسات
الإنسانية
يعج بالمؤامرات
والحسد
والأحقاد
والضغائن
والطموحات
الشخصية ) بل
لأن طبيعة
العلم تمج هذه
التصرفات ولا
تطيقها , ولا
يمكن أن تشكل
بديل حجة أو
برهان أضف إلى
هذا أنه ليس
نبي في العلم (
فلان أو علان
) أهمية كبرى
في تطور العلم
. وقد يلعب دور
مصيري في فتح
آفاق المعرفة
بعد أن طال
الضياع في
السراديب
التي لا تؤدي
إلى شيء , ولكن
فضله مهما عظم
محدود , لذلك
يذكره
التاريخ
ويجله أشد
الإجلال ولكنه
لا يعطيه أبدا
مونوبول
التشريع في
عالم الطبيعة
, ولا يجعل من
كلامه تراثا
مقدسا
يتوارثه
الأبناء عن
الآباء بكثير
من الخشوع
والخضوع
فيعامله (
الأبناء )
بمزيج من الاحترام
والوقاحة أي
أنه يحاكمون
نتائجه بالأسلوب
نفسه الذي
يحاكمون به أي
نظرية علمية
أخرى ,
فيقبلون
طالما أثبت
الواقع
صلاحيتها ولا
يتوانون ولا
يتوارون عن
تحويرها وعن تنسيبها
وتنقيحها
وتشذيبها
وإسقاط بعض
المقاطع منها أو
إضافة بعض التحسينات
إليها إذ هي
نقطة
الانطلاق لا
نهاية الحركة
العلمية ,
والعالم
العبقري ليس
من يغلق
النقاش بل من
يفتح آفاقا
واسعة له . هذا ,
والمغامرة العلمية
كما هو معروف
مغامرة
جماعية
تتفاوت حسب
الأهمية
وعبقرية
المشاركين
فيها , فتطفوا
أسماء البعض
منهم على سطح
النسيان ولكن
لكل واحد من
آلاف الباحثين
دورا فعالا
مهما بلغ من
التواضع فلا
غرابة أن لا
نجد إذن نبيا
في الفيزياء
وفي الكيمياء
الخ ... ولهذه
النقطة أهمية
بديهية إذ لا
تكون الحركة
العلمية ولا
يكتب لها
النجاح إلا
بالتغيير
الجذري في
العلاقة التي
تربط أعضاء
المجتمع
العلمي إذا ما
قارناها
بالعلاقة
السائدة في
الوسط الغيبي
. فلو فرضت هذه
العلاقة
الغيبية داخل
العلم بوجود
سلطة مطلقة لنبي
واحد وتعيش
آلاف من
الأتباع على
آراءه لأصيبت
الحركة
بالشلل ولما
كانت علما
إنما عقيدة .
هذه هي
إذن أهم خصائص
العلم وأسباب
استحالة
جموده
والإجماع على
قبولها
والتسليم بها
موجود , لذلك
يسعنا
اتخاذها
مقياس لأي
حركة فكرية
تدعى
العلمانية ,
فإما أنها
توفي بهذه الشروط
وإن لها هذه
الخصائص فهي
علمانية وإما لا
, عندئذ يجوز
منطقيا رفض الادعاء
واعتباره غير
مشروع .
*
التقــليــد
وحــدوده
هل
للعقيدة
الماركسية
نموذج
العقائد
المتعلمة ( في
الواقع لا في
النظرية ) مثل
هذه الخصائص ؟
أي هل تثبت
هذه الممارسة
في المجتمعات
التي تدين أو
دانت
بالماركسية
تشابه
العقيدة بالعلم
؟ بعبارة أخرى
هل استطاع
الفكر التغلب
حقّا على
نزعته
الأمنية الاستبدادية
في إطار هذه
العقيدة , أم
انه وقع من
جديد في مأزق
التحجر والتمذهب
مفضلا السكون
على الحركة
واليقين
والبحث .
لنركز
على فكرة هامة
جدا قبل
الشروع في
الرد على
السؤال ألا
وهي اختلاف
ميادين عمل
العقل والعقيدة
, فهدف هذه
الأخيرة كما
رأينا سياسي .
الأول يطمح
إلى تغيير
ميزان القوى
لصالح المقموعين
وإن أمكن
إلغاء علاقة
القوة بين
الناس الطبقات
والشعوب ,
يضاف على هذا
أهدافنا
أخلاقية تمس
الفرد مباشرة
والثاني
ميتافيزيقية
كإزالة
الرهبة من
الموت أو ربط
علاقات ودية
مع الكون الخ ...
ومن البديهي
أن تحقيق هذه
الأهداف مرتبط
بوسائل منها
العقلانية
ومنها
الرمزية . أما العقل
فيهدف أساسا
إلى ربط
الظواهر
المتفرقة في
علاقات
منطقية تجعل
الكون قابلا
للوصف والفهم
مع اعتماد
التقييم
الدائم
لمواقفه . ونرى
هنا المأزق
الذي يمكن
للعقيدة أن
تقع فيه عندما
تحاول تدجين
وسيلة لها
أسلوبها وميدانها
وطرق عملها
الخاصة التي
يمكن أن تشكل
في بعض
الأحيان خطرا
على المحاولة
العقائدية نفسها
.
نحن نجد
أول محاولة
جدية لتلقيح
المشروع العقائدي
بالتقنية
العقلية في
الغرب في
القرن التاسع
عشر , في شكل
نظرية
الفلسفة الوضعية
التي بشر بها
الفيلسوف
الفرنسي
أوجست كونت ,
وذلك في
الإطار
الواسع لظهور
الحضارة الثالثة
وتكنولوجيتها
المميزة . وقد
أوضح الرجل
أهدافه منذ
البداية :
تحقيق
القطيعة مع
المرحلة
الغيبية
للفكر مع
الحفاظ على
البرنامج
العقائدي لكن
بتأقلمه وتطويره
وتطعيمه
بنتائج ومنهجية
العلم . فهو
يقرر أن
البشرية دخلت
في طور الفكر
الموضوعي بعد
أن تجاوزت
مرحلتي التفكير
اللاهوتي
الغيبي
والتفكير
الميتافيزيقي
, معتبرا أن
الانتقال من من مرحلة
التفكير
اللاهوتي إلى
مرحلة
التفكير الميتافيزيقي
ثم الوضعي
قانونا علميا
, وليس مجرد
نظرية فلسفية
. أما علم
الاجتماع
الذي اخترعه
كونت فهو مكمل
سائر العلوم
وسيدها إذ
يستمد
مفاهيمه من ترتيبه
لسائر
المعارف
العلمية
الأخرى ( الحسابيات
– الفلك –
الفيزياء –
الكيمياء –
علم الأحياء )
ويشكل هذا
العلم الجديد
بالنسبة إليه
فيزياء المجتمع
وبالتالي
فلقوانينه
صدق وقيمة
قوانين
الفيزياء
والكيمياء .
تقول
النظرية أنه
وجب اكتشاف
هذه القوانين
واستعمالها
للتحكم
الفعال في قوى
المجتمع وتوجيهها
لصالح
الإنسان .
وبهذا تكون
الفلسفة قد
حاولت
استيعاب شتى
المنجزات
العلمية واستعمالها
لخلق دين جديد
مبنى على
استبدال الله القديم
بإله جديد هو
الإنسانية .
ولم تلاق
هذه الديانة
الجديدة كما
هو معروف نجاحا
كبيرا رغم
محاولات
تلامذة كونت
إذ لم تكن أي
من القوى
الاجتماعية
بحاجة إليها فطالها
النسيان ولم
تؤثر في شيء
على مجرى
الأحداث , على
عكس
الماركسية
التي عرفت
الانتشار
الهائل
والسريع الذي
جعل منها
مقياس كل
عقائد الماضي
والحاضر . وقد
عرف أنجلز
( الذي ركز
كثيرا على هذه
النقطة )
ماركس بأنه داروين
التاريخ ,
وعرف'' بيبل''
الماركسية
بأنها علم
مختلف
الظواهر
الإنسانية ,
كما يؤكد
الماركسيين
على علمانية
العقيدة
ويستمدون من
هذه القناعة
ثقة مطلقة
بحتمية تحقيق
التاريخ
لغاياتهم
وأهدافهم ,
ولا غرابة في أن
يولوا هذا الادعاء
الكثير من
اهتمامهم إذ
لو نحينا عن
العقيدة صفة
العلمانية
لجاز
اعتبارها
عقيدة علمانية
تتنازع مع
عقائد عادية
أخرى ولا يمكن
للماركسية أن
تقبل بطبيعة
الحال بمثل
هذه الوضعية ,
فهي ترفض
شأنها شأن كل
العقائد , أن
تكون نسبية أو
مقاسة
بغيرها أما
إذا صح أنها
نتاج الحركة
العلمية التي
أحرزت
الانتصارات
المذهلة في
ميادين العلوم
الطبيعية ,
وأنها تطبيق
المنهجية
نفسها في
ميادين
التاريخ
والاقتصاد
والسياسة وإن
لتطبيقاتها
في هذه
الميادين
فعالية
تطبيقات
العلم في الميادين
الطبيعية
فستتغير
النظرة إليها
تغيرا جذريا .
وقد أسهب
المفكر
الماركسي التوسار
في شرح وإثبات
هذه الادعاء
وساق حججا
متعددة وأهمه
ما يلي :
q
الماركسية
هي علم
الظواهر
الاجتماعية
وتشكل ككل
العلوم
انقلابا على
المفاهيم
العقائدية
السابقة
ونقضا لها .
q
يقصر
هذا العلم
الثوري
اهتمامه على
الظواهر
المادية الملموسة
كوضعية
الإنسان
الحقيقية في
عالم حقيقي
محكوم
بقوانين
موضوعية فلا
يتخيل هذه الظواهر
ولا يضيف
إليها شيئا من
عنده ولا يعبأ
بمفاهيم
مثالية سطحية
مضللة .
q
يوجد
انفصام كلي
بين منهجية
ومشاكل هذا
العلم وبين
منهجية ومشاكل
التفكير
العقائدي
الغيبي .
q
يعمل
هذا العلم في
ميادينه
الخاصة أي
ميادين العلوم
الاجتماعية
بأسلوب
الكيمياء أو
الفيزياء
التي تطورت هي
الأخرى بمجرد
قطع الصلة بينها
وبين ما سبقها
من تفاسير
ومفاهيم خرافية
.
q
لا
يشبه هذا
العلم في شيء
العلوم البورجوازية
الدخيلة
والمصطنعة
كعلم النفس أو
علم الاجتماع
التي تدعي
العلمانية
بينما هي مجرد
تنظير لمواقف
عقائدية بورجوازية
.
q
العقيدة
البروليتارية
هي من ترتبات
هذا العلم
ونتاجه وليست
متقدمة عليه ,
فهي تعتمد على
اكتشافاته
الناتجة عن
معالجته الموضوعية
للواقع
للتوصل إلى
أهداف موضوعية
ستتحقق حتما
لأن الأحداث
حبلى بها.
q
يكتشف
هذا العلم
القوانين
التي تسير
المجتمع
فيمكن الطبقة
العاملة من
التحكم في
الأحداث
وتوجيهها .
q
تكتسب
الممارسة
أهمية قصوى
في تطور هذا
العلم الحديث
. وهناك أخذ
ورد دائم بين
النظرية
والممارسة :
تصحح النظرية
الممارسة وتصحح
الممارسة
النظرية ,
وبالتالي
يستحيل تحجر
هذا العلم
خاصة وأن
المنهجية
الجدلية لا تعترف
بالحقائق
القارة
الأزلية ولا
تتعامل إلا مع
الحقائق
المتضاربة
المتغيرة
المتناقضة
لتكشف المغزى
العميق
للتناقض
والتضارب فيها
.
q
حقائق
هذا العلم
فعالة رغم
تباين الزمان
والمكان
ككافة
القوانين
الطبيعية
الأخرى
فقانون صراع
الطبقات حتمي
كقانون
الجاذبية ولا
يضيف إلى
وجوده تبتل
المؤمن شيئا
كما لا ينقص
منه شكل "
الملحد " شيئا
.
يرى التوسار
لكل هذه الأسباب أن
العقيدة البروليتارية
هي أول عقيدة
علمية في
التاريخ ,
وإنها تفسر
علميا سائر
العقائد
الأخرى غير مضللة
وأن ماركس قد
أزال الحواجز
القائمة قبله
بين العلم
والعقيدة .
وقد أدرك
القارئ من
وصفها لهذه
العقائد العقلانية
بأنها متعلمنة
أننا لا نشاطر
التوسار
في قناعته كما
يذكر , إذ قلنا
أن كيفية
العمل بالنبي
في هذه العقائد
لا يختلف في
شيء عن كيفية
عمل العقيدة
الغيبية به .
ولكن كيف يمكن
التدليل على
أن الماركسية
تتعلمن وتدعي
ما ليس فيها
بدون السقوط
في فخ النقد
العقائدي ؟
ولا نعني
بهذا كيف يمكن
تفادي
التنفيذ
والشجب
العقائدي إذ
لا مفر منه
ولكن ترى إلى
أي محك موضوعي
يجب الاحتكام
لنحكم على صحة
أو عقائدية
هذا الادعاء ولنا
الخيار بين
موقفين إذا
ابتغينا الرد
بكامل
الموضوعية .
أولا : يمكننا
الدخول في
مناقشة نظرية
فنأخذ في
المقارنة بين
مواقف نظرية
في العقيدة
ومواقف نظرية
في العلم .
وسيثبت
الماركسيون
بسهولة تواجد
توافق كلي في
النظرية بين
المحاولتين .
ولا غرابة في
هذا فقد كان العلم
نموذج
العقيدة
فتشبهت به ما
استطاعت ونقلت
كثيرا من
مفاهيمه ومصطلحاته
كمفاهيم
القوة
والقانون
والحتمية
والصراع الخ...
لكن ترى هل
سيجد باحث
يرضى بدراسة
المشكلة في
ماركسية
القرن
العشرين
مفاهيم علم
هذا القرن
واثبات
مواكبتها
لتطوره .
ومن البديهي
أن قيمة هذا
النقاش
محدودة لأننا
لا نناقش في
كون النظرية
الماركسية
تحبذ العلم
وتحاول
التشبه به .
ثانيا :
يمكننا
مقارنة كيفية
عمل النظرية
العلمية
وكيفية عمل
النظرية
العقائدية .
فإن وجدنا
تطابقا في
الواقع لا في
النظرية فقط بين
التجربتين
قلنا أن
الماركسية
حقا علم وليس
مجرد شهوة علم
وأن وجدنا
اختلافا
كبيرا قلنا أن
الماركسية
عقيدة متعلمنة
قابلة هي
الأخرى
للتحجر والتمذهب
.
وأرى أن هذا
الموقف سليم
منهجيا حتى من
وجهة نظر
الماركسية
القائلة بأنه
لا يجوز أن
نحكم على كائن
ما ( هنا الماركسية
نفسها بدءا من
النظرة التي
ينظر بها هذا
الكائن إلى
نفسه)
فالاحتكام
إلى الممارسة والتجربة
التاريخية
موقف نزيه
وأكثر غنى من النقاش
في عالم
النظرية
البحتة
فالواقع والواقع
وحده ( لن نقسو
عليه أو نرغمه
على التفوه بما
لا يطيقه ) هو
الذي سيقرر هل
التوسار
على حق أم أنه
يخلط هو الآخر
بين مرتجى
الوجود وواجب
الوجود؟
*
تقـييـم
المـمـارســة
اعتبرت العقيدة
الرسمية السوفياتية دوما أن
الماركسية
جزء لا يتجزأ
من العلم , إذ
تأخذ
بمنهجيته
وتطبقها في
ميدان العلوم
التاريخية
والاقتصادية
والسياسية
وتوجد نتائجه
المبعثرة
والمفككة في نظرة
شاملة
ومكتملة
للعالم
وشؤونه . فلا
تناقض ممكن بينهما إذ
يشكلان شيئا
واحدا في
الواقع وقد
عبر أحد العلماء
الروس عن هاته
النظرة بقوله
: " إن
الماركسية هي
العلم الأوحد والداروينية
جزء من هذا
العالم وقد
أتى ماركس وانجلز
ولنين
بالنظرية
العلمية
الصحيحة
الوحيدة
لمعرفة العالم
" .
المهم أن
الواقع تمخض
عن تجربة
مغايرة , إذ تغلبت
من جديد
النزعة
الاستبدادية .
فدخل البعد العملي
للنظرية في
صراع سريع مع
العلم زهاء ثلاثين
سنة وحاربه
بصرامة وعنفوانية
. تعصبت
الكاثوليكية
في حربها ضد قاليلي وكوبرنيك وجيوردانو
برونو . ويتضح
هذا في موقف
المذهب السوفياتي
تجاه العلوم
بصفة عام وعلم
الأحياء بصفة
خاصة . وسنركز
على علاقته
بهذا العلم
الذي خالف العقيدة
في كثير من
تصوراته وكان
سببا مباشرا في
تفجير
التناقض
المتكرر بين
التفكير
العقائدي المتعلمن
والتفكير
العلمي
الصحيح .
وستمكننا
دراسة سياسة
المذهب
ومواقفه من
هذا النشاز من
استخلاص بعض
الاستنتاجات
الهامة حول
وقوع الفكر من
جديد في نفس
المأزق
الاستبدادي
الذي رأيناه تخبط
فيه مرارا في
شكله الغيبي .
يعد علم
الأحياء من
العلوم
الرائدة في
هذا القرن .
وقد أحدثت اكتشافاته
ومنجزاته
ثورة هائلة
على الصعيد العلمي
في ميادين
متعددة كالطب
البيطري وعلو م
البيئة
والزراعة .
أدى هذا إلى
تغير جذري في تصورنا
لمشكلة
الحياة . وقد
ضاع الفكر في
شكل هذا العلم
وتخبط قرونا
طويلة في
متاهات التفكير
الميتافيزيقي
إلى أن ثبت
خطاه بفضل المنهج
التجريبي ,
وعامل السلطة
وعبقريته وجسارة
بعض الفطاحل
من الباحثين
فتتالت
الاكتشافات
في شتى
الميادين
بسرعة
متصاعدة . ولا
زلنا نعايش
هذه الحركة
ونتعيش على
منجزاتها وقد لعب
علماء من
الطراز الأول
في نهاية
القرن الأخير
وبداية هذا
القرن دورا
مرموقا في
تطوير وتعميق
مفاهيم العلم
أذكر منهم مندل
ومورغان وفايسمان ودوفريس.
وقد عمت
تجاربهم
مفاهيم , وغدت
الآن مبدئية
منها أن تأثير
البيئة على
تطور الأحياء
نسبي , وإن
الطبيعة تصفي
غير القابلين
للحياة , وأن
البقاء في
عالم الطبيعة
هو للأفضل
والأقوى ,
وأنه يمكن
الانتقال من طور
آخر بكيفية
مفاجئة وغير
متوقعة , أي
بكيفية لا
جدلية , وأن
بعض
التشكيلات كتركيب
الكلوروفيل
تجهل التغير
وأنها قارة
ثابتة , وأن
الوراثة
محكومة
بقوانين
موضوعية هي
قوانين مندل
, وأن الخصائص
التي يكتسبها
الفرد بالتجربة
لا تورث , وأن
خللا في التركبات
المادية التي
نسميها بالكروموزومات
هي سبب
الأمراض الوراثية
الخ ...
وقد لاحظ العقائديون
الماركسيون
بسرعة تنافي
هذه الأفكار
الجديدة مع
التصورات
العقائدية
التي وردت في
كتب ماركس
وخاصة في كتاب
انجلز "
ضد دوهرنغ
" فتصدوا لها
بمنتهى
الصرامة
وحاربوها
بنفس عقلية
الكنيسة الكاثوليكية
في صراعها ضد
فيزياء عصرها
. ومما لاشك
فيها أن في
كثير من
مفاهيم علم
الأحياء هذا ,
تكذيب قطعي أو
ضمني لبعض
المفاهيم
الماركسية
الأساسية
ودحض لفكرة
وعلمانية
وأفضلية
المنهجية
الجدلية , أضف
إلى هذا أن
الماركسية
ككل النظريات
العقائدية
متفائلة
وتؤمن بأن
خلاص الإنسان
مسألة ممكنة
وتقنية بحتة ,
بينما يرى على
الأحياء على
العكس أن قدرة
الإنسان
محدودة ,
فيجوز أن يشقى
المرء طوال
حياته لا لأنه
مستغل
اقتصاديا بل
لأنه مصاب
بعيب وراثي
يجعله ناقصا بيولوجيا
كذلك يرى أن
قدرة البشرية
محدودة
بقوانين
البيئة
وتقلبات الطبيعة
, فمن الممكن
أن تطرأ
تغيرات جذرية
على التركيبة
الوراثية
للإنسان بصفة
مفاجئة ولا
متوقعة , ( مثلا
تحت تأثير
الإشعاعات
النووية )
فتضمحل
الإنسانية وتتلاشى
وتختفي مثلما
اختفت أجناس
وأصناف أخرى
متعددة من
الحيوانات التي
سيطرت مدة من
الوقت على
العالم
وانقرضت هي الأخرى
بنفس السرعة
التي نشأت بها
. ويمكن إعادة
صياغة
الإنسان
بالغدد البيولوجية
, لذلك يصنع
الإنسان حقا
تاريخه ولكن
إلى مدى معين .
وقد لاحظ الشق
العقائدي
للفكر من جهة
أخرى ما في
نظرية البقاء
للأقوى من ترتبات
عقائدية خطرة
, ومن ذريعة
للعنصريين إذ
تمكنهم من القول
بأن سيادة
الإمبريالية
والاستعمارية
والفاشية
مسألة طبيعية
بحتة , إذ حكم
على الأمم
والشعوب
القوية أن
تسيطر وأن
تستبعد الأمم الصغيرة
. وأخيرا وليس
آخرا لاحظ ما
في نظرية دوفريس
من تصغير
للمنهجية
الجدلية
ودليل على
أنها ليست
بمفتاح شتى
المعارف في
شتى الميادين
الطبيعية
والإنسانية .
كيف ووجه هذا
التناقض ؟ فقد
تنطع الفكر
بكافة المفاهيم
ورفض تجاربه
وحقائقه ,
واخترع علم أحياء
خاص لتتماشى
مفاهيمه مع
المفاهيم
العقائدية
الاستبدادية
وأفرز " علما
فذا " وهو ليسنكو
عهد إليه بمهمة
مقارعة
الحقائق
العلمية
بمفاهيم أكثر إرثوذكسية
ليرضي حاجته
الأمنية . وقد
دعمت الدولة السوفياتية
هذا العالم
العجيب
بمنتهى القوة
. فأنكر
( باسم العلم
طبعا لا باسم
العقيدة ) جل
حقائق عصره ,
وقال بأولوية
البيئة ورفض
وجود الكروموزومات
والأمراض الوراثية
وقرر استحالة
الانتقال من
طور إلى طور
آخر بكيفية
مفاجئة الخ …
وهكذا أصبح
الاتحاد السوفياتي
طيلة فترة
سيادة هذا
الشخص على
العلم من سنة 1936 علم
رسمي على غرار
الدين الرسمي
في المجتمعات
العقائدية
الغيبية .
وقد فرض
الفكر هذا
العلم الرسمي
وسخر طاقات هائلة
للدفاع عن
وجوده وإضفاء
شرعية علمية
عليه , وجاهد لإحلال وفرض
مفاهيمه
الغيبية بدل
مفاهيم علم الأحياء
الحقيقي ,
باستعمال شتى
الوسائل على رأسها
القمع الجسدي
والفكري .
وهكذا استطاع
شق من التفكير
التنكيل
بتوأمة أو
نصفه الآخر مسببا
لنفسه آلاما
مبرحة .
فلنتبع بعض
فصول هذه
المأساة .
كتب بريزينت
سنة 1939 وهو أحد
العقائديين المتعلمنين
في الدفاع عن
هذا الموقف
مقالة معبرة ,
منها هذا
المقتطف نقلا
عن العالم
الروسي روى مدفدف .
" على
علمائنا
الذين
يحاولون
الدفاع عن هذه
الحقائق المندلية
المورغانية
أن يتذكروا أن
أسس هذه
النظريات المشبوهة
التي
يدعمونها
موجودة كلها
في الفلسفة
المشبوهة
للعنصري درونج
, وأن إنجلز
قد أثبت غلطها
. وعلى أتباع مورغان أن
يتساءلوا عن
الأسباب
الطبقية التي
حدت بوكول
ستوف وسربروفسكي
وغيرهم
للدعوة إلى
علم التناسل
البشري الفاشي
… ويعتقد
العمال
العلميون
المتعلقون
بالميتافيزيقا
المندلية
المورغانية
أن القول
الفصل سيبقى
في الأخير "
للعلم" بينما
لا نرى أي
جديد يذكر في
هذه الفلسفة
فلكلها آراء درونج
العنصري الذي
حطم إنجلز
نظرياته في
كتابه الشهير
ضد درونج .
أفلا يتعلمون
من تشابه
مواقف مورغان
وأتباع درونج
؟ إن الكفاح
ضد المخلفات البورجوازية
في العلم
والتصدي لهذا
العلم
المشبوه ( علم
الأحياء )
وللانحرافات
المثالية
الميتافيزيقية
لهو واجب كل
باحث علمي في
بلدنا . وعلى
العلماء كشف
الصلة الخفية
التي تربط بين
النظرية
الميتافيزيقية
لثبات التركيبات
الوراثية
طيلة مئات
الألوف من
السنين وبين
التجارب
المشبوهة
الرامية إلى
توجيه النسل
البشري " وفي
نفس المعنى
كتب بوشنسكي
سنة 1948 ( نقلا عن
المصدر الآنف
الذكر ) : " لقد
أحرز تعليم لسينكو
نصرا باهرا
واستطاع دحر
النظريات اللاعلمية
الفيسمانية
. المندلية
المورغانية
في ميدان علم
الأحياء ,
فتحقق بذلك مرة
أخرى انتصار
الاشتراكية
والشيوعية
على الرأسمالية
. ويشكل هذا
الانتصار على
العلماء الذين
ينادون في
بلادنا
بمخلفات
العقائد البورجوازية
انتصارا على البورجوازية
الدولية إذ
يفضح علم
الأحياء السوفياتي
المنبثق من
النظام السوفياتي
الاتجاهات
المعادية للبورجوازية
الفايسمانية
المندلية
المورغانية
لبعض علمائنا
" .
ولابد من
التوقف عند هاته
الآراء التي
شكلت خلاصة القناعات
التي تحكمت
طيلة ثلاثين
سنة في مختلف
الميادين
العلمية في
الاتحاد السوفياتي
إذ نستشف منها
بأتم
الوضوح أهم
معالم خصائص
الفكر
الاستبدادي وهو
في حالة تشنج
ضد الواقع .
أولا : علينا
اعتبار
النظريات
العلمية التي
تتنافى مع
النزعة
الأمنية
نظريات بورجوازية
مشبوهة فلا
وجود للعلم المحض إلا
ماركسيا .
لذلك يشكل
التغلب عليها
انتصارا
للاشتراكية
على البورجوازية
والرأسمالية .
ثانيا : تصبح
النظريات
العلمية
المدعومة بمئات
التجارب
والمنجزات
فلسفة
وميتافيزيقيا
إذ لم تتماشى
مع العقيدة ,
أي أن بقدرة
النزعة الاستبدادية
إلغاءها
بكيفية سحرية
وباعتبارها
فلسفة فايسمانية
مورغانية
مندلية ,
ويعني وصفها بهاته
الكيفية
بالنسبة
إليها إلحاق
وصمة العار لها
, إذ تحمل هاته
الاصطلاحات
كل معاني
الاحتقار
الاشمئزاز
كما تفعل
عندما تصف نزعة
سياسية بأنها تروتسكية بوخارينية
رجعية بورجوازية
صغيرة . أضف
إلى هذا أنها
تدعو إلى
اعتبار معتنق هاته
الآراء خائنا
أو مشبوها .
ثالثا : يكفي
أن أنجلز
قال بخطأ كلام
يشبه كلام هذا
العلم لكي يقع
هذا الأخير
بكيفية أوتوماتيكية
تحت طائلة
التكذيب
فمعيار صحة
العلم ليس تماشيه
مع الواقع بل
تماشيه مع
كلام النبي
العقائدي .
رابعا : ترفض
النزعة
الاستبدادية
أدنى استقلال
للعلم , فهو
بالنسبة
إليها رديف
للعقيدة وسندها
, وتقتصر
مهمتها على
القيام بهذا
الدور . فإن
حصل التنافر
يكون ذلك لأن
العلم ليس
علما بالمعنى
الصحيح أي
العقائدي
للكلمة . لهذا
تؤمن بوجود
علم بروليتاري
صحيح وعلم بورجوازي
مضلل ولا
علماني .
فاستعمال
النازيين
لمفاهيم علم
الوراثة أي
سنهم لقوانين
تقضي بإعدام المعتوهين
والمصابين
بعدد معين من
الأمراض الوراثية
ليس دليلا على
ضياع الفكر
وكثرة
التفاسير
والاستعمالات
العقائدية
الممكنة
للعلم . بل على
نازية علم
الأحياء .
خامسا : تلعب الشهوة العقائدية
دورا رئيسيا
في التنطع لعدد
معين من
الحقائق
المزعجة التي
لا تدخل في الإطار
المخصص لها , فينكرها
ويستنكرها
بمنتهى العنف
.
لكل هذه
الأسباب تبنت
الدولة مواقف ليسنكو
وحثت الناس
على الأخذ بها
فتصدت كافة
أجهزتها لقمع
أي نظرية
منبثقة عن بحث
مستقل , ونكلت
" بالعلماء
الخونة " .
ويمكن هنا
عقد مقارنة
غير مجحفة بين
نكبة العالم السوفياتي
فافيلوف
ونكبة قاليلي
, وهما مرة
أخرى حملة
وضحايا
وخدّام نفس
الفكر
المتحرر .
كان فافيلوف
عالما فذا في
ميدان علم
الأحياء ,
وكان شجاعا . فواجه
الموج
العقائدي
الغيبي
ورفضها العنيد
والسخيف
لتجارب "
الميتافيزيقيا
الفيسمانية
المندلية
المورقانية
المفحمة
بكثير من
الصلابة . وقد
لخص الخلاف القائم
بينه كعالم
وبين
العقائديين المتعلمنين
من أتباع ليسنكو
قائلا بأن "
سبب اختلافنا
معهم هو أننا
نرفض الرجوع
إلى آراء
الجزء الأول
من القرن
التاسع عشر
وهي آراء
تجاوزها
اليوم العلم "
. وقد شكل هذا
الرأي "
إلحادا "
وخيانة تغتفر
, إذ لا يعقل
تجاوز أفكار
ومفاهيم
العقيدة
المقدسة .
ولهذا واجه فافيلوف
نفس مصير قاليلي
فألقى عليه
القبض سنة 1941 .
ولفقت ضده
اتهامات كالانتماء
لحزب العمل
الفلاحة
وتدبير المؤامرات
والتجسس
لصالح
بريطانيا
والتخريب الزراعي
والاتصال
بالروس البيض
الخ … وحكم
عليه بالإعدام
ثم استبدل هذا
الحكم نظرا
لمكانة الرجل
العلمية
الأشغال
الشاقة
المؤبدة .
وقضى العالم
الكبير نحبه
في معتقلة سنة
1943 . وقد نقضت
المحكمة
العليا
للاتحاد السوفياتي
هذا الحكم سنة
1955 وأعادت
الاعتبار إلى فافيلوف
ولكن بعد فوات
الأوان مثلما
فعلت الكنيسة
الكاثوليكية
مع قاليلي
.
ويلاحظ
القارئ تشابه
المصيرين ,
فقد واجه فافيلوف
كما واجه قاليلي
محاولة وضع
الحقيقة في
إطار معين
بكثير من اللامبالاة
والاستقلال
الفكري . ورفض
هو الآخر تغير
ما يراه في
سماء الطبيعة
حتى لا يتغير
شيئا من جمل انجلز , كما
يلاحظ تشابه
ردّة فعل "
الكنيسة " السوفياتية
مع ردّة فعل
الكنيسة
الكاثوليكية .
فلا مكان
للخارجين عن
العقيدة , إذ
هم أعداء
التقدم أو أعداء
الله لذلك
يجوز تصفيتهم
إذ هم يدخلون
الشغب على
عقول الناس
ويتصدون للشهوة العقائدية
وبالتالي
للمهمة
العقائدية
التي تتطلب
الإسلام
والإيمان
والإجماع الفكري
والسياسي أي
سيادة
الاستبداد .
ولم يكن فافيلوف
الضحية
الوحيدة , فقد
سيطر ليسنكو
على مقدرات
علم الأحياء
ومقدراته في
ميادين الزراعة
وتربية
الحيوانات
وبقية العلوم
الأخرى .
وحاربت
الدولة
معارضيه
بمنتهى
الصرامة . وقد
بلغت موجة
القمع ذروتها
سنة 1948 إذ عقدت
في غضونها
أكاديمية لنين
للعلوم دورة
تاريخية قررت
خلالها أن على
العلماء قبول
نظرية ليسنكو
أو الالتحاق
بركب أعداء
التقدم
والاشتراكية.
وخطت سياسة
قمعية لا مثيل
لها طبقها
وزير التعليم
العالي كافطانوف
الذي نكل
بكافة
العلماء
المشبوهين
وأغلق مختبرات
ومعاهد عديدة
كانت تقاوم
بطريقة أو بأخرى
نظرية ليسنكو
تمّ بعدها طرد
عدد كبير من
أساتذة جامعة
موسكو وسائر
جامعات البلاد
الأخرى . كما
تم انتزاع
الكتب
المشبوهة من
المكتبات
وإحراقها (
على عادة
القرون الوسطى
) وأصدرت
وزارة الصحة
قرارات تحرم
الإيمان بوجود
أمراض وراثية
ودراستها ,
كما طولب
الأساتذة
بتدريس علم
الأعضاء وعلم
الخلايا والأنسجة
وأمراض النفس
بالاعتماد
على النظريات
الرسمية
السلمية
وحدها دون
شريك .
لم تكن حركة ليسنكو
معزولة إذ
حاولت
العقيدة فرض
سلطانها في
شتى الميادين
العلمية
الأخرى يقول مدفدف في
مكان أخر من
كتابه عن ليسنكو
:
" بدأت
النظرية الخاطئة
القائلة
بوجود علمين ,
علم رجعي وعلم
تقدمي تنتشر
في سائر
الميادين العلمية
. فقامت
محاولات
مشابهة في
الطب والجيولوجيا
والكيمياء
الخ …
كما قررت
الحكومة أن كل
من يتصدر
لآراء وليامز
( أحد تلامذة ليسنكو ) هو
رجعي وعدو
للنظام . كذلك
اعتبرت علم السيبرنيتية
علما رجعيا
ولهذا بقيت
أبحاثه شبه
سرية إلى سنة 1955 .
كما حرمت سائر
الأبحاث حول
الأمراض الوراثية
, وأصبح
الإيمان بعد
دورة أغسطس 1948
لأكاديمية لينين
ببعض الحقائق العلمية
أمرا خطيرا
لمجرد أنها
اكتشفت في أمريكا
. ولم تسلم
الفيزياء
نفسها من موجة
الجهل المظلم هاته ولكن
لفترة قصيرة
لحسن الحظ , إذ
أخذ بعضهم في
التشدق
برجعية نظرية
النسبية واسموها
بالانتشتاينية الرجعية
وهاجموا
نظريات بوهاروباولنج
وتصدوا لكثير
من المفاهيم
العلمية
العصرية التي
تستعملها
الفيزياء
الحديثة
يوميا . وقد جربت هذه الأساليب
الإرهابية في
ميدان
الكيمياء ما سبب
تأخرا ملحوظا
للكيمياء السوفياتية
وبقية العلوم
الأخرى .
يلاحظ
القارئ إذن أن
النزعة
الاستبدادية
لم تترك
ميدانا غلا
وأرادت
إخضاعه
لمفاهيمه , فكيف
نفسر نجاح
العلم
للاتحاد السوفياتي
وهو نجاح لا
يمكن لأي
إنسان إنكاره
أو التقليل من
أهميته ؟
إن نجاح
الفيزياء السوفياتية
في التخلص من
قبضة العقيدة المتعلمنة
لا يعود إلى
حسن الحظ كما
يقول مدفدف
, بل إلى حاجة السوفيات
الماسة إلى
علم فعال . فقد
لا يضر
الكنيسة الكاثوليكية
التصدي لقاليلي
إذ لا نفع
يرتجى من علمه
, ولكن النظام السوفياتي
على العكس
بحاجة إلى
منجزات هذا
العلم والتكنولوجيا
التي لا تكون
إلا بتبني
النظريات
الصحيحة سواء
تماشت مع
المقدسات أم
لم تتماشى .
أضف إلى هذا أننا
في عصر لا
يرضى
للفاعلية
بديلا , ومن
البديهي أن هاته
الفعالية لا
تأبه بمقدسات
هذا أو ذاك في
عصر يشبه
سباقا رهيبا
بين قوى
سياسية جبارة
تتنازع لإثبات
أولويتها
وقوتها وأن
الواقع لا
يرحم
المتخلفين عن
الركب . فإما الانصياع إلى
الطبيعة
والتحكم فيها
بإطاعة
قوانينها . وإما
الاقتناع
بتحكم خيالي
ولا فعال في هذه القوى باسم
مقدسات يصعب
الاستغناء
عنها فالواقع
هو الذي فرض
انتصارات
العلم لا
العقيدة . وقد
اعترف النظام السوفياتي
بهزيمة ليسنكو
بعد أن جاهد
طيلة ثلاثين
سنة ولم
يتراجع إلا عندما
أظهرت
التجربة فشل
التطبيقات
العلمية لهذا
" العلم " . ولا
زالت الزراعة السوفياتية
تعاني إلى
اليوم من
مخلفات اليسنكو
ووليامز
وغيرهم من
مدعي العلم .
ومن الملاحظ
أيضا أن العلوم
التي يحتاجها
النظام كالفيزياء
لصنع قنابله
الذرية
وصواريخه أو
الكيمياء
لصنع القذائف
والمحروقات
استطاعت التوقي
من تدخلات
العقيدة
بسرعة
وفعالية أكبر
من علوم
الأحياء , إذ
قد يقبل
النظام السوفياتي
التخلف في
ميدان
الزراعة
والطب للحفاظ
عن المقدسات
في ميدان
الزراعة
والطب ولكن لا
يسعه التخلف
في ميدان
الأسلحة
والصناعة .
فمما لا شك
فيه إذن أن
تراجع النزعة
الاستبدادية
لم يكن نتيجة
قناعة بخطأ في
سياستها بل كان
نتيجة ضغط
خارجي عنيف .
إذ يستحيل
التعرض جديا
في عصرنا هذا
للعلم لا حبا
فيه بل
الاحتياج
الكلي
لمنجزاته فقد
أصبح بفضل
انتصاراته أول
أسباب القوة .
ومجمل القول
أن مدفدف
على حق في
قوله " إن تقدم
العلم في
الاتحاد السوفياتي
حصل بالرغم من
المذهب لا
بفضله" وإنه
لولا العراقيل
التي أثاره في
سبيله لما
عانت العلوم البيولوجية
من التأخر
الملحوظ الذي
تعرفه إلى حد
الآن .
ولابد لنا في
سياق الحديث
عن علاقة
العقيدة
بالعلوم بصفة
عامة من
التوقف عند موقفها
من العلوم
الإنسانية
بصفة خاصة .
فقد لاحظنا
صلف النزعة
الاستبدادية
في تعرضها للعلوم
الطبيعية
التي تملك
كافة مقومات
الموضوعية
والتي تستطيع
بالتالي
إرغام
العقيدة على
إفساح المجال
لهل للكلام
بمطلق الحرية
عن مواضيعها
الخاصة فكيف
تتصرف علوم
أخرى
كالتاريخ والاقتصاد
والسياسة علم
النفس
والاجتماع وكلها
علوم تفتقر
إلى محك
موضوعي
وتتطلب الكثير
من حرية الرأي
أن النقاش
المستديم
والنقد البناء
وتعدد وجهات
النظر .
لقد ركزت
العقيدة على هذه العلوم
لاقترابها من
مشاغلها
الملحة ولضعف
دعائمها
وصيغتها
العقائدية أو
المبهمة ,
فكانت في ظل
الأنظمة
الماركسية ,
ولا تزال مجرد
ترديد ببغائي
لمفاهيم
العقيدة وحشو
حولها فتراها
لا تتباعد في
شيء عن
الحقائق
المقدسة ولا
تجرؤ على
إدخال الجديد
أو الخروج من
دائرة الإطار
المهيأ لها ,
فتقصر همها
على تحليل
كافة الظواهر
الاجتماعية
والفردية علة
ضوء نظرية
صراع الطبقات
واكتشاف هذا
الصراع في كل
حدث وفي كل
زمان ومكان ,
وهذا لا يعني
بالطبع أن
صراع الطبقات
ليس واقعا
تاريخيا أو أن
الماركسية لا
تفسر بدقة
كثيرا من
المشاكل الاجتماعية
التاريخية
والمعاصرة ,
ولكن العمل بهذه النظرية
استبدادي .
فلو كانت
الماركسية
بحق علم مختلف
الظواهر
الاجتماعية
كما يقول بابل
لما ضرها في
شيء اعتبار
بروز التجربة
التاريخية
وإدخال بعض
التحويرات
على النظرية .
والقول بأن
الرخاء
الاقتصادي في
السويد يجمد
أو يلغي الامكانيات الثورية
للطبقة
العاملة وتساهم
في ظروف معينة
( الاستعمار )
مع بورجوازية
بلدانها في
استعباد أمم
العالم
الثالث , وأن دورها
الثوري
بالقياس إلى
دور الفلاحين
قليل في
البلدان
المتأخرة
صناعيا , وهو
الأمر الذي
أثبتته
الثورة
الصينية (
وليتصور
القارئ مآل هذه الثورة لو
اقتنع ماوتسي
تونج في الثلاثينات
للتحليلات "
العلمية "
للحزب الشيوعي
الصيني الذي
كان يرى آنذاك
وفقا للتعاليم
المقدسة
إعطاء
الأولوية للبروليتاريا
واعتبار طبقة
الفلاحين
مجرد رديف
للثورة لا رأس
حربتها ) ولو
كانت
الماركسية
علما حقيقيا لم
توانت عن
مراجعة
تحليلات
ماركس حول رأس
المال ونظرية
التاريخ
والدين لتقوم
بعض آراءه وتتعمق
في بعض الآراء
الأخرى ولا
وصفت شتى
تطابقه
وتماشيه مع
كلام النبي .
ولا يجوز
مرجعة الفرضيات
والاستنتاجات
( بينما نعرف
أن هذه العملية هي
سبب تطور
العلم ) .
وأخيرا تفرض هذه الحقائق
العلمية بقوة
, فتقرر
الدولة أنها موضوعية
دون سواها
وتحرق الكتب
المشبوهة وتعتقل
العلماء
وتنكل بهم الخ
...
1- إن الخصائص
العلمية التي
يضفيها
المفكر إلتوسر
على
الماركسية ,
والتي ذكرت
أهمها في
الواقع هي في
الواقع مجرد
كتالوج
للمزايا
والمحاسن التي
يظن ويود أنها
فيها وتعديده
لهاته
المزايا كتعديد
العقائدي
الغيبي
لمحاسن الله
أو الدين . أي أنه
موقف نظري لا
يعبا بتجربة
التاريخ ولا
يعطيها أدنى
أهمية
وبالتالي فهو
موقف سحري
مثالي لا يعبر
عن الواقع
بقدر ما يعبر
عن شهوة جارفة
تتخطى خصائص
الأشياء وتثب
من مرتجى
الوجود إلى
واجب الوجود .
2- عن العوامل
الحقيقية
التي تحدد
مستوى العلم
فأي مجتمع
عقائدي غيبي
أو متعلمن
هي ديناميكية
العلم وحاجة
المجتمع إليه
. فالماركسية
تحاول
كالليبرالية
التحكم فيه
وتوجيهه
ولكنها عاجزة
عن هضمه ودمجه
.
3- يجب تفسير
تعلمن
الماركسية
بحاجتها
الماسة إلى
سند صلب يدعم
ادعاءاتها .
وقد اختارت
العلم لأنه
يلعب في عصرنا
هذا دور
السماء سابقا
, فهو مصدر
الحقيقة
وطريق الخلاص
وبالتالي
فوظيفته
كوظيفة الله
في العقيدة
الغيبية .
فحقائق
الماركسية
عقائدية
الصبغة غذ
تتطلب نفس
الإيمان
وتعهد إلى نفس
المواقف
المتعصبة
لمواجهة
تعقيد الواقع
أما فهم
الماركسي السني
للعلم فهو فهم
غيبي خالص رغم
أنه يكثر كما
هو معروف من
استعمال
اصطلاحات
الحتمية والموضوعية
والتحليل
العلمي الخ ...
وهو في كل هذا
ضحية تصور
غيبي للعلم إذ
يعتبره
بطريقة واعية
أو لا شعورية
الكمال
المطلق والخير
المطلق جاهلا الصراعات
التي تعصف
بالمجتمعات
المتباينة أي
التي حددت
واكتشفت
خصائص صراع
الأمم وصراع
العقائد
وصراع
الأفراد
والجنسية وطبيعة
التناقضات
داخل
المجتمعات
الاشتراكية
وله صفة
طبيعية . كل هذه الصراعات
وترابطها أو
استقلالها
النسبي أي لما
رفضت الاعتراف
بوجود صراعات
مستقلة ولم
حاولت
إدخالها قسرا
في إطار صراع
الطبقات فمن
البديهي أن
هناك تناقض بين
المستعبدين
والمستعبدين
داخل مجتمع
معين . ولكن
التاريخ
القديم
والمعاصر
يثبت بكيفية
لا جدال فيها
أن الانتماء
إلى عقيدة
واحدة لا يلغي
التناقضات
العرقية
والشعوبية ,
وأن الصراعات
الفردية تلعب
دورا هاما في
التاريخ تارة
كتعبير عن
طموحات وتارة
كتعبير عن
طموح الفرد
نفسه . كما لا
جدال في وجود صراعات
معقدة داخل
المجتمعات
الاشتراكية
بين الحكام
والمحكومين
الخ .
ومجمل القول
أن الفكر في
إطار العقيدة المتعلمنة
كالعقيدة
الغيبية لا
يعرف مراجعة
ولا يقبل التحوير
والتغيير في
مفاهيمه أو
التخلص من بعض
المواقف التي
تثبت التجربة
التاريخية
نقصا أو عيبا
فيها . فمجرد
التساؤل حول
صحة بعض
الفرضيات كفر
, فإنه يدل على
موقف سياسي
مشبوه
وانتماء طبقي
معين . كذلك لا
يجوز بتاتا تنسيب
كلام وتجاوز
تحليل
ومراجعة رأي ,
إذ يشكل هذا في
نظر
العقائديين
تمييعا
وتحريفا
وتزييفا
للكلام
المقدس .
فالعلمانية الحقة هي
في التمسك
بحرفية
النصوص
وإرغام
الواقع على
الدخول في
إطار النظرية
. لذلك يؤدي
تنطع هذا
الواقع إلى
مزايدات
واتهامات
وانقسامات وشيع
تدعي كل واحدة
منها أنها
تفسر علميا
علم المعلم
الأول
والأخير .
ونستنتج من
هذا ما يلي :
تظهر كيفية
معاملة
العقيدة
الماركسية
للواقع " أي
الممارسة "
وهو ما يهمنا
بعدها عن العلم
. فلفرضياتها
قدسية ينكرها
ويستمدها
البحث العلمي
البسيط .
ولمنهجيتها أولوية
مطلقة على
الأمور , إذ
تحدد منذ
البداية
طبيعتها
ومكانتها
وتوحي بكل ما
يمكن أن يقال
عنها وهو أمر
غير مألوف في
العلم .
ولاستنتاجاتها
كذلك قدسية
مطلقة إذ ترفض
التجربة باسم
النظرية كما
تكمن صحة أي
كلام في ميدا
النتائج
العلمية
وتضارب
الفرضيات
وسرعة التغيرات
وحدّة النقاشات
المحتدمة
طيلة الوقت
وظنا أن العلم
هو تراصف
حقائق أزلية
تستطيع رسم صورة
نهائية لحالة
العالم
وإعانة
الإنسان على
تحقيق خلاصه
فيه . كما
يتناسى أن
العلم ليس
الخير المطلق
إذ هو في نفس
الوقت البنيسلين
والنبالم
.
وللكهرباء
استعمالات
شتى كإضاءة
الطرق وتعذيب
المساجين
السياسيين أو
التلفزيون
نعمة لأنه
ينشر المعرفة
ونقمة إذ يعطي
للغباء
والبلادة
أبعادا واسعة
وانتشارا
مخيفا الخ الخ
.
وبالتالي
فتصوره للعلم
مشابه لتصور
نظيره الغيبي
للسماء
وموقفه هو نفس
الموقف
الغيبي إذ
ينتظر من
العلم ما
ينتظره
المؤمن من
السماء لذلك
تراه يواجه
الخارجين عن
الحقيقة
المقدسة بنفس
الكيفية
وموضوع
العبادة في
كلتا
الحالتين
واحد وهو لا
وجود له إلا
في شهوة
العقائديين
. وخلاصة
القول أن
الفكر في شكل
العقيدة المتعلمنة
أثر مثلما أثر
في شكل
العقيدة
الغيبية
تفضيل اليقين
على الشك ,
والسكون على
الحركة ,
والإيمان على
البحث ,
والتشبث بقناعات
وتشكيلات
وتنظيمات
إيديولوجية
سياسية
اقتصادية
تحاول حصر
كافة مظاهر
الواقع المتحرك
الفياض في
إطار قار لا
يتغيب ,
والحال أن كل
ما في الوجود
حركة فياضة لا
تستقر على حال
, ومن ثمة نفهم
الفخ الذي
سيقع فيه
الفكر في إطار
هذه التجربة
لفرض تماشي
الواقع مع
الرغبة :
العنف المادي
والمعنوي .
ّ****
الفصل
الثالث
مـن الفكــر
الشمـولي
إلـى
الممارسـة الكلانيـة
المذهــب
وتغـطيــة
الاسـتـبـداد
يفسر العقائديون
ظاهرة التحجر
وتباعد
الممارسة عن
التعاليم
بالانحراف
والتحريف ز ويلقون
بتبعة هذا
التباعد عن خط
المشروع التحرري
الأصلي على
الأشخاص ( وهم
أعداءهم
السياسيون ) ,
أو على جملة
الناس الذين
يرونهم غير
جديرين
بالرسالة ,
وهو ما نستشفه
من محمد عبده
في مقولته
المشهورة " ما
أجمل الإسلام
وما أقبح المسلمين
" .
إلا أن هذا
التفسير المبتذل
لا يصمد أمام
النقد
لبديهيات طال
التعتيم
عليها ومن
أهمها :
- أن
فشل المشروع
التحرري
ظاهرة عامة لا
تختص بها
عقيدة دون
أخرى
والتحريف مرض
. ومن ثمة يفترض
فيه أن يكون
شاذا , وبما
أنه القاعدة
فإن التفسير
مرفوض .
- أن رفض نظرية "
الحادث
العرضي " الذي
يلم بعقيدة
كاملة
ومكتملة ,
يؤدي بنا إلى
البحث عن أسباب
التحجر لا
خارج العقيدة
وإنما داخلها
أو على الأصح
في علاقتها مع
الآخر . مع
العلم بأن هذه
العلاقة
محكومة
بخصائصها
الذاتية .
- أن جذور
التحجر كامنة
في أعماق
العقيدة وذلك
منذ البداية
لاعتمادها
طرق وأساليب
تفكير كلياني , تستمد منها
قوتها في نشر
الثورة (
الإيمان ... ) ولكنها
تصبح حجرة
عثرة فيما بعد
. فمن البديهي
أن تقدم
المشروع
التحرري
مرتبط
بالتقييم الدائم
للتقدم
الحاصل فيه .
والتقييم لا
يكون إلا
باعتماد
أداته أي
العقل وذلك في
إطار الحرية
الفكرية .
وبما أن مصدر
القوة عند
انطلاق
الثورة وهو
الإيمان ليس
العقل, فإننا
نفهم كيف
تتمجد
العقيدة وكيف
تصبح ذريعة
الاستبداد في
شكلها
المذهبي . إذ
يكفي أن يفتك
السادة
خصائصها الكليانية من
المتمردين
لقمعهم بها . في
إطار تربيتنا
العقائدية (
وهي جزء من
دوام العقيدة
نفسها )
تعلمنا وعلمنا
أن لا نسأل
وأن لا نقيم .
ولا ربما آن
الأوان في
إطار دفع جديد
للمشروع
التحرري أن
نتعلم تقنيات
التقييم
فنسأل بدورنا
الناس والمؤسسات
والمدارس
الفكرية أين
أنت من
المشروع التحرري
؟ ماذا قدمت؟ ماذا
أنجزت, هل أخلفت
بوعودك
ولماذا ؟ وربما
كان ممكنا
لو
كنا متشبعين
بهذه
المنهجية
التي هي جزء
من العقلية العلمية
والمتحررة أن
نقف في أي
مقطع من مقاطع
التاريخ
لنقيم درجة
تحرر الإنسان
أو درجة استعباده
في ظل هذه
العقيدة أو
تلك , ولا شك
أننا سنكتشف
اختلافات في الجزئيات
وتفاوت في
الحدة , لكن
دوام وثبات
الأصل : الاستبداد
بشتى مظاهره
وأولها
وأهمها يحدده
عبر هذا الشكل
أو ذاك لنستمع
إلى Medvedev يصف
انتقال
الفلاح
الروسي من
استبداد إلى
آخر . لقد خلفت
عصور السيطرة التترية
عند الفلاحين تقاليدا
عميقة من
المذلة
والخضوع
وجاءت الثورة
فزعزعت هذه
التقاليد
وانتزعت
هؤلاء
الفلاحين من
أوكارهم
وعركتهم
لتجعل منهم جماهيرا .
ففقدت قطاعات
كاملة من
الشعب
معتقداتها
القديمة مع
عدم استيعاب
كاف لمعطيات
العقيدة الجديدة
إذ لم تكن
الجماهير
بحاجة لمزيد
من الحرية أو
تعزيزها
لأنها كانت
تجهل معنى
حرية الفرد بل
كانت بحاجة
إلى سيد ونظام
قوي . وهكذا أوكلت
إلى ستالين
بمهمة
استبدال
الديانة
المهزومة بديانة
جديدة . كان
الفلاح يؤمن
بالله
وبالتماثيل
وبعذراء قازان
وكان يجد في
كل هذا مواضيع
حب وعبادة
لكنهم قالوا
إن الله غير
موجود وتركوا
مشاعره الدينية
على حالتها
فلا عجب أن
إله ستالين إذ
لا يمكن لأحد
إنكار وجوده
فقد كان موجود
حقا في
الكرملين بل
وكان يظهر في
المناسبات
ليلوح بيده
للشعب .
السؤال :
كيف تتواصل هذه الحالة
التي نعرفها
عامة قارة ؟
بالعنف المادي
وحده ؟ طبعا
لا , وإنما
بسلاح أخطر
وأهم بكثير هو
السلاح
العقائدي
نفسه الذي
أشهر يوما في
وجه الظلم
والاستغلال ,
لكن هل هو حقا
نفس السلاح ؟
والرد يكون
مزدوجا .
فشكلا هو
العقيدة
ومشروعها
التحرري
وباطنا هو كائن
آخر تبخرت من
ثورته
العقيدة
وترسبت فيه كل
نواقصها , ومن
أهمها
الاستكانة
إلى السلطة
وتحييد القوة التقييمية
للعقل , وتكون
النتيجة
التفكير الدوغمائي
والمذهبي .
*
لماذا
تكتسب
الشعارات
المذهبية
سلطانا واسعا
على قلوب الناس
وأفكارهم ؟
ولماذا لا
تسود ولا
تسيطر بفضل
خصائصها
الذاتية
وحدها بل لا
يفرضها من قبل
أجهزة السلطة
حال تمكن
المذهب من
مقاليد الأمور
وأحداثه
تشكيلات
وأجهزة فكرية
وسياسية
مهمتها نشر
الشعارات
وتعميمها
وحمايتها من كل
تحرك للجانب
الثوري في
الفكر
والسياسة .
وتشكل
الشعارات أو
الإشهار
المذهبية
أولا وقبل كل
شيء قناعات
السادة أي
حملة النزعة
الأمنية
الاستبدادية
ومواقفهم .
ولذلك فماركس
محق قوله إن
الأفكار
السائدة هي
دائما وأبدا
أفكار الطبقة
السائدة . لكن
تشكيلة طبقة
السادة أكثر
تعقيدا مما
ظنه ماركس .
فحصر الخلاف
والصراع بين
الطبقة الطبقة
المستغلة
والطبقة
المستغـلـّـة
أمر غيبه الواقع
والتاريخ . فالبروليتاري
مستعبد كعامل
, وسيّد كرجل
في المجتمع
تحكمه قيم
الرجال مثلما
هو الحال في
المجتمعات
الإسلامية
على الخصوص .
والعربي سيّد
كرجل أو كبورجوازي
ولكنه مستعبد
كمستهلك
حضاري يتعيش
فكريا على
تراث حضاري
متحجر .
وعلميا على
تراث غربي ينكره
ويستنكره ولا
يساهم فيه
بشيء , والمرأة
مستعبدة
كامرأة وكبروليتارية
في حالة
انتمائها إلى
الطبقة
المستغلة .
معنى هذا أن
وضعية
الإنسان داخل
نظام تتناحر
الأضداد فيه
هي وضعية
معقّدة . فقد
تتلاقى
مصالحه كليّا
مع مصالح
النظام فيكون
سيفه المشهور
في وجه
الخارجين على
سلطانه
وإرادته وهذا
نادر جدا .
والأغلب أن
يرتبط جزئيا
بالنظام نظرا لتماشي
بعض من مصالحه
معه بينما
تتنافى في الواقع
أكثرها مع
مشيئة النظام
.
فنطاق
عمل القانون
الماركسي
أوسع بكثير
مما تتوقعه النظرية
أي أن الأفكار
المذهبية هي
تنظيم وتبرير
مواقف الرجل
ومصالحه
الجنسية ,
وتشريع وتبرير
مواقف ومصلح
الطبقة
المستغلة ,
وتبرير مواقف
ومصالح
البيروقراطية
الحزبية
الحاكمة في
بلد شيوعي ,
وتبري مواقف
ومصالح
الحضارة المهيمنة
أي أنها
بالأول أفكار
كل من تتلاقى
مصالحه
الفعلية أو
الخيالية مع
تنظيم معين
لمجتمع معين .
ويقتصر دور المذهــب
وتغـطيــة
الاسـتـبـداد
الأفكار
السائدة على
شرح وتبرير
وفرض هذا التنظيم
بالإقناع
والترغيب إذ
لا يمكن إجبار
الناس على
الخضوع
لمفاهيم
المذهب بالقوة
الفظّة وحدها
. وبالتالي
فالمذهب بديل
لين للعنف أو
أنه نوع وشكل
من أشكال هذا
العنف . إذ يرمي
إلى نفس غاية
القوة أي فرض
النظام وشل كل
عوامل الرفض
التي يواجهها
مع فارق هام
هو أنه يطلب
من الضحية
نفسها
المساهمة في
ممارسة القمع
الذي تتعرض
إليه . فإن رفض
مظهر المذهب
على حقيقته
يستعمل كل
فنون العنف
الهمجية
ليجبره على
الدخول في
إطار لا يجوز
الخروج منه .
يبقى بعد هذا
أن أهم سؤال
يطرحه وجود المذهب
هو كيف يتمكن
السادة من
الاستحواذ
على العقيدة
واستعمالها
لتحقيق
مآربهم
الخاصة بينما
هي كل مشاع
للجميع وليست
وقفا لفريق على
آخر .
قلنا أن
القوة لا تكفي
وحدها لفرض
التنظيم المجحف
للمجتمع
وخاصة لدوامه
. فللدولة
بطبيعة الحال
أجهزة معقدة
تستعملها
لقمع
الخارجين على
القانون ,
ولكن عامل
الردع الذاتي
المتمثل في
القبول
والتعلق
بالنظام خير
وأبقى وأكثر
فعالية لذلك ,
تسعى الطبقة
المسيطرة على
امتلاك هذا
السلاح
الرهيب التي
تشكله العقيدة
وتخص به نفسها
وتستعمله كما
تستعمل بقية
أجهزة القمع
الأخرى
للحفاظ على
مكاسبها و
إسكات
المحتجين . و
يتم
الاستحواذ
على العقيدة
حال انتصارها
على قمعي جامد
و حال تمكنها
من مقاليد
الحكم إذ يفرز
النظام
الجديد بسرعة
الفريقين
الأزليين :
فريق الحكام و
فريق المحكومين
, فيتمكن
الحكام من
العقيدة أي
يأتون لها
بتفسير محدد .
وقد قلنا في
ما سبق أن
المذهب هو
تفسير الأقوى
للعقيدة ,و
يفرضون هذا
التفسير دون
سواه , و
يسخرونه
لخدمة أهداف
معينة كالتعتيم
على المصالح
الشخصية و
التشريع
لنظام ظالم
يطمح للدوام
,وتبرير
اختيارات سياسية
والتشهير
بأعداء
البارحة من
مخالفين من
الملة وأعداء
اليوم والغد
من خصوم ومنافسين
عقائديين
,والسيطرة على
مقدرات الناس
وعقولهم.
كيف يتم
كل هذا ؟ تعزل
العقيدة
النظرية عن
الواقع وتوضع
في مصاف
المقدسات
وبعيدا عن هجمات
التفكير الحر
سواء كان
عقائديا أم لا
ويحد من حرية
التفكير بصفة
عامة ذلك أن
السلاح العقلاني
الذي سيهاجم
العقيدة هو
نفسه الذي سيهاجم
المذهب .
ويحاول
السادة عزل
الأفكار
المناوئة
لمصالحهم
بمناهضة
العقائد
المخالفة ,
وخاصة بمحاربة
المتعلقين
بالحلم
العقائدي
التحرري الذي
خانه المذهب
إذ يشكل هؤلاء
أعداء النظام
وخطرهم أكبر
بكثير من خطر
المخالفين في
الملة , لذلك
يصبح تحييدهم
شرطا أساسي كي
تخلى الساحة
للسادة
يصولون فيها
بدون منازع
ورقيب ,
متمكنين من
أهم سلاح يسمح
بالسيطرة على
بقية الأسلحة
الأخرى
كالسلطة
والجاه والمال
الخ ... ألا وهو
العقيمة
المعقمة ز أما
التقنيات
فتبدأ بإظهار
محاسن ومزايا
وضعية المستعبدين
فهم مثلا " خير
أمة أخرجت
للناس " أو " بناة
المجتمع
الاشتراكي
المثالي " أو
مواطني "
المجتمع
الليبرالي
المتقدم " .
ويجاهدون لتحويل
نقمة
المستعبدين
الواعية أو
المكبوتة نحو
الأعداء
الخياليين من
مخالفين في الملة
والخارجين عن
النظام. فتناط"
بالشيوعيين
الملحدين " و
"الإرهابيين
المخربين "
و"الرجعيين
العملاء "
مهمة تفسير أخطاء
المذهب
وتجاوزته
وتحمل وزرها .
وتتلخص سياسة
المذهب في
نقطتين
أساسيتين هما
الدفاع عن حق
السادة في تحقيق
مكاسب عملية ,
وحق
المستعبدين
في تحقيق مكاسب
خيالية ومنع
من لهم مصلحة
في التفكير الحر
من ممارسة هذا
الحق ,
والسماح لمن
لا مصلحة لهم
في التمتع بهذه
الإمكانية .
وقد يتساءل
القارئ إن كان
المذهب مجرد
خديعة ؟
فإن كان
كذلك فكيف
نفسر دوام هذه
الخديعة عبر
القرون
وتأثيرها
الخارق ؟ أو
ليس في هذا
الرأي تطاول
على الواقع
والتاريخ .
والقارئ محق
في تساؤله
واعتراضه
صائب ,
فالمذهب أكثر
من مجرد خديعة
و إلا لما دام .
فالأمر
بالنسبة
للسادة مثلا أكثر
تعقيدا من
نفاق واع أو مكيافيلية
مغالية في
المكر
والدهاء , فهم
يؤمنون بما
يقولون
وتعلقهم
بالعقيدة أمر
غير مشكوك فيه
ولكن تعلقهم
هذا مرتبط
بتماشي
إيمانهم مع مصالحهم
بل ويجدون في
هذا التماشي
أهم أسباب تعلقهم
بالعقيدة
الممجدة
ودفاعهم عنها
.
ولابد من
التركيز على
نقطة هامة ألا
وهي أن بمقدرة
المذهب
التعتيم على
النوايا
والدوافع الحقيقية
للسادة بنفس
النجاح الذي
يلعب دوره في
تخدير
المستعبدين .
فالمستعمر
يؤمن بصدق
نية( تظهر
فعالية
المذهب في عمق
هذا الصدق) أن
الاستعمار
قدره , وأن
المشيئة
الإلهية
أناطت به مهمة
تحضير الأمم
المتخلفة ,
وأن
المناهضين
للاستعمار
مجرد ثوار
هدفهم
الإرهاب
والتخريب .
ويعتقد أن
طبيعة النظام
في العالم
تقتضي من كل
إنسان أن يلزم
مكانه المحدد
له , فيكون هو أحسن
المستعمرين
ويكونوا
الآخرون أحسن
المستعمرين ,
وتسير الأمور
إذّاك وفق
مجراها الطبيعي
ويسود المنطق
وتحكم
الأخلاق
ويقيه عمق إيمانه
بالتبريرات
المذهبية خطر
الشك في منطقية
وأخلاقية
تصرفاته ومن
ثمة , تكتسب
الممارسة
الاستعمارية
فعاليتها
المؤقتة .
وقد لعبت
التبريرات
المذهبية
بصفة عامة دورا
كبيرا في
التعتيم على
الدوافع
الحقيقية للتصرفات
الإنسانية
وإضفاء شرعية
هي بأمس الحاجة
إليها تكتسب
بها قوة لا
يستهان بها ,
تمكنها من
التأثير على
مجرى الأحداث
. والتاريخ
غني بمثل هذه
التبريرات .
فالحروب
الصليبية
مقدسة إذ يهدف
إلى تخليص قبر
المسيح من
أيدي الكفار
لا حربا تبتغي
منها تحقيق
مطامع
اقتصادية
سياسية . وغزواتنا
العربية
بالطبع جهاد
في سبيل الله
لا فرض سلطان
العرب ,
وغزوات الغرب
الاستعمارية
" نشر
الحضارات " لا
نهب المواد
الأولية والاستحواذ
على أسواق
هائلة لتصريف
السلع الخ ...
فالإشكالية
إذن هي تجاوز
فشل المشروع
التحرري , فهو
فشل يتجاوز
الجميع لأن
أسبابه
موضوعية
وذاتية خارج
نطاق السادة
والمستعبدين
والتجاوز ,
ولا يكون هذا
إلا
بالاقتسام
الغير عادل
للقرار ولم
يتبعه من امتيازات
على أن تترك
للجماهير
التي لم تنتفع
أصلا بالثورة
العقائدية امتيازات
خيالية
كانتمائها
إلى خير أمة
أخرجت للناس أو
إلى الطبقة
الثورية التي
تقود قطار
التاريخ الخ ...
ومن
البديل أن
تنظيما كهذا
لا يفرض نفسه
وإنما تفرضه
ذهنية يجب أن
تنمى وأجهزة
يجب أن تصقل ,
لتدوم هذه الحالة
أطول فترة
ممكنة
بانتظار تجدد
المشروع الثوري
للعقيدة كان
ذلك (أي صبغة
شيعة داخل نفس
العقيدة )
تعيد
المطالبة
بالتحرر أو
خارج هذه
العقيدة في
إطار دعوة
ظاهرها
الاختلاف وباطنها
حلم التحرر
الذي يشنه
طائر القنيكس
الأسطوري
المتجدد دوما
عبر كل أصناف
الموت الذي
تلحق به.
أما محور
الصراع
الفكري –
السياسي بين
المذهب والعقيدة
فسيكون
بالطبع هذه
الجماهير
التي تلتهب من
حين إلى آخر
لتصبح جذوة
نار ونور لتنطفئ
عقودا طويلا
ويصبح رمادا
يكسو بعض
الجمرات تجتر
مرارة خيبتها وامتيازاتها
الوهمية .
لنتوقف
عند الآليات
الفكرية التي
ستسمح بدوام
حالة
الاستبداد
أطول وقت ممكن
بانتظار الانفجار
الثوري
العقائدي
الحتمي .
المــذهب
والحــريــة
إذا كانت
المعارك
النظرية هي
معارك سياسية
في النظرية
كما يقول التو
سار فإلغاء
الحرية السياسية
يمر إجباريا
بإلغائها في
دنيا الفكر .
وبما أن
المذهب هو فكر
وممارسة ,
فالمطلوب منا
الآن متابعة
طرق المذهب
للإلغاء
العقل في
أدائه
لوظيفته التقييم
والمقارنة ,
وهي وظيفة لا
تؤدي إلا في
إطار مبدأ
الإقرار
بالحرية
المطلقة في
التعامل مع
الواقع .
إن مهمة
المذهب إسكات
كل فكر مناوئ
أي كل تقييم
للعقل يأتي من
خارج الإطار العقائدي
أو من داخله
ومن ثمة فهو
نقيض الحرية
وعدوها
اللدود .
لنوفي في
البداية
التفكير
المذهبي حقه
أي أن تعترف
له بدوره في
المحافظة على
شكل العقيدة بفضل
خصائصه التي
تعرضنا إليها
.
يقول ابن
خلدون في وصف
حالة التحجر
الديني التي
وصل إليه
معاصروه من
المسلمين :
" سد
الناس باب
الخلاف وطرقه
لما كثر تشعب
الاصطلاحات
في العلوم
ولما عاق عن
الوصول إلى مرتبة
الاجتهاد و
ولما خشي من
إسناد ذلك إلى
غير أهله ومن
لا يوثق برأيه
ولا بدينه .
فصرحوا بالعجز
وردوا الناس
إلى تقليد
هؤلاء (
الأئمة
الأربعة ) كل
ما اختص به من
المقلدين ومدعي
الاجتهاد
لهذا فالعقد
مردود على
عقبه مهجور
تقليده " .
من
الواضح أن
التقليد
الأعمى
والتصريح
بالعجز ورد
المجتهد على
عقبه أمر يؤسف
له , إذ ما قسناه
بمقياس حرية
الفكر و ولكن
هل مضرته أكثر
من منفعته
عقائديا , أي هل
خطر التقليد
أكبر من خطر
الاجتهاد على
مصير العقيدة
؟ ويسهل الرد
بالنفي على
هذا السؤال
لأن ترك باب
الاجتهاد
مفتوحا على
مصراعيه أمر
قد لا تحمد
عقباه , إذ
يسهل تفجير التناقضات
العقائدية
الخطيرة التي
تبدأ كتناقضات
فكرية مجردة
وتتطور من
مناقشات
أكاديمية في مواضيع
قانونية
محددة على
تساؤلات حول
طبيعة هذه
القوانين
ومصدرها
وأسبابها
وشرعية
استحواذ
أصحابها على
السلطة .
ويتصور
القارئ أن
المذهب يسمح
بفتح عنفات
حرية الفكر أي
الشرعية التقييمية
للعقل في
المجتمعات
العقائدية .
وأنه يسع لأي
إنسان الخوض
في كل
المواضيع
العقائدية
بمنتهى
الحرية وبدون
ضغط أو إكراه
من الجماعة .
ولنفترض أن
هذا المجتمع
المثالي لا
يرهب النقاش
المسئول ولا
يعترف للواقع
بأولوية كل
المقدسات تاركا
للعقل حرية
التعامل مع
الواقع
بمنتهى الحرية
, فيكون له حق
إدخال
تحويرات
جذرية على التشكيلة
العقائدية
ونشر الوعي في
مختلف قطاعات
المجتمع . ومن
البديهي أن هذا
المجتمع لن
يكون عقائديا
بالمعنى
المعروف , إذ
ستنفجر
العقيدة
عاجلا أو آجلا
نظرا لتباين
التفاسير
وكثرتها
الناتجة عن
تنافر قطاعات
المجتمع ,
واستعمالها
المغاير
للتغطية السياسية
. كما ستؤدي
حرية العقل
حتما إلى إظهار
سذاجة
التصورات
العقائدية
للعالم ,
وبعدها عن
الشمول
والكمال
فتزيل عنها
أهم خصائصها أي
القدسية كما
يؤدي
الاعتراف
بأولوية
الواقع إلى
التخلي
تدريجيا عن
الاعتماد على
تشكيلة تبين
عيوبها
ونواقصها
يوما بعد يوم ,
فيسقط حقها في
الادعاء
بالتأثير
الفعلي على
الأحداث ودور
المذهب سلبي
إذا ما قسناه
بمقياس حرية الفكر
وإيجابي إذا
ما قسناه
بمقياس
العقيدة وبقاؤها
. فسد باب
الخلاف وطرقه
والاكتفاء
بقدر محدود من
الاجتهاد
والتنكر
للواقع
والاحتماء
بدرع الحكومة
التي تستطيع
إخراس أصوات التشكيك
والاحتجاج من
شروط وأسباب
بقاء ودوام العقيدة
.
نفهم إذن
أن دور
التفكير
المذهبي هو
التنطع لسائر
مظاهر الحرية
وعلى رأسها
الثقافة كأرقى
شكل من أشكال
الحرية في
عالم الفكر .
فالثقافة
نقيض المذهب
وتكذيبه
الصارخ , إذ تبدأ
من أين تنتهي .
فهي ليست
معرفة بقدر ما هي وعي
بمدى الجهل
الذي يتخبط
فيه الإنسان
إذ تدرك أن
تراكم
المعلومات في
شتى الميادين لا
يؤدي أبدا إلى
تكوين فكرة
ثابتة
ومكتملة عن
العالم بل
يؤدي على
العكس إلى
تفجير كافة الإطارات
الفكرية
المعهودة
وإلى ميدان
الأرضية
الفكرية التي
نبني عليها
كثيرا من قناعاتنا
. ويشهد هذا
العصر بالذات
تزايد تصارع
وتضارب
الحركات
الفكرية
ويعايش ظاهرة
تسارع ولادة
وتطور
واختفاء
مفاهيم
متعددة , وقد
بلغت سرعة هذه
الحركة حدا
مخيفا فالعلم
يبني ويهدم
ويتجاوز
نتائجه
باستمرار كما
تعصف
التيارات
المتضاربة
بميادين
الأدب والفن
والفلسفة مما
يؤدي إلى تمخض
عالم الثقافة
عن تشكيلات
فكرية مؤقتة
ونسبية
تتجاوز في
فوضى مهولة
ولا يجمع بينها
أدنى قاسم
مشترك سواء الجرى
وراء حقيقة
مطلقة هي
والسراب على
حد السواء .
لهذا
تعرف الثقافة
على عكس
المذهب تفكك
المذهب وتدرك
ضحالة وقلة
ونسبية
معرفته وتتفق
مع الشاعر في
قوله :
يا من
تدعي في العلم
معرفة
علمت شيئا
وغابت عنك
أشياء
كما تقدر
استعصاء ربط
المعلومات في
تشكيلة واحدة
متناسقة
الأجزاء
واستحالة فرض
الحلول والتفاسير
النهائية إذ
تدرك انعدام
المحك الموضوعي
الذي قد يمكن
من إفراز هذه
المعلومات
المتضاربة
فكل حكم
عقائدي أي
منحاز ومتعصب
وتفكيره ذو
بعد واحد
ولكنها ترضى
بالفوضى وترى
فيها دليلا
على حرية التفكير
وحيويته وثمن
هذه الحرية
فلا تهاب تعدد
" الأنبياء "
ولا تعترف لهم
بقدسية زائفة
عن اللزوم
وتحافظ على حق
النقد
والتفكير
المستقل ومن
الواضح أن
الإنسان
العقائدي
العادي عاجز
عن قبول
الفوضى وأنه
لا يستسيغ
ميدانا دائما
في أرضيته
الفكرية وأنه
لا يجد مصلحة
له في تخليه
عن تصور شامل
ومكتمل
للعالم
والضياع في
زحمة الظواهر
المتغيرة
بينما يمكنه
التفكير
المذهبي , من
تذوق الدعة
النفسانية
التي توفرها
له قناعاته
القليلة الصلبة
بإنكار تعقيد
الواقع
والتغلب عليه
سحريا . ومع
هذا تنجح المعرفة
دائما من
التسرب إلى
العالم
الفكري المتحجر
عاجلا أو آجلا
فتشكل خطرا
داهما على توازن
وتماسك عالم
هذا الإنسان .
وليقدر
القارئ
العربي عمق
التغييرات
الفكرية التي
أدخلتها
الثقافة علة
تفكير
الإنسان الغربي
المعاصر أي
بقدر عمق
التغييرات
التي يستطيع
الفكر إدخالها
على المفاهيم
.
- دمر كوبرنيك وقاليلي
التصور
المذهبي
المسيحي
للعالم
المستبد وأظهر
نسبية الأرض
أي صغرها و"
تفاهتها "
فشاع عن بعدها
التصور
المعاصر
للأرض أي
اعتبارها حبة
رمل مجهولة
المصير في كون
مترامي
الأطراف.
- دمر فرويد
كثيرا من
التصورات
الساذجة
المثالية
السائدة منذ
قديم الزمان
حول طبيعة
الإنسان
وأظهر تأصل
غريزتي الجنس
والعنف وفضح
ما وراء الدين
والأخلاق من
محاولات ترمي
لتخطي وتصعيد
مخاوف وشهوات وترويض
لغرائز خطيرة
, وأزال عن
الطفولة هالة
البراءة التي
تعودت كل
الحضارات
إصباغها
عليها .
- ضرب ماركس
عرض الحائط
بالأفكار
المثالية الطوباوية
حول طبيعة
العلاقات
التي تربط
أفراد
المجتمع
وأظهر دور قوى
الإنتاج
والاقتصاد في هذه العلاقة
وقرر حقيقة
نادى بها مكيافال
من قبله ألا
وهي أن تغير
آراء ومواقف
الإنسان
رهينة بتغير
مصالحه . وقد
أدت هذه المواقف إلى
تغير جذري في
علاقة
الإنسان الغربي
بنفسه بمحيطه
نظرا لتشبعه
وتشبع المجتمع
ككل بهذه الأفكار "
الهدامة " ( أي
التي تهدم
الصرح المذهبي
) رغم رفض
المذهب
المسيحي ثم
الستار الليبرالي
المتشنج لها .
فقد جاهدت
النزعة
الاستبدادية
ما استطاعت
لإسقاطها
وإجهاضها
واعتمدت كل
الوسائل
القمعية
محاولة على
الأقل مراقبة
واحتواء هذه الحركة
الفكرية
المستقلة عن
سلطانها ولكن
عبثا إذ لا
يمكن حجب وجه
الشمس
بالغربال كما
يقول المثل
العامي أو على
الأصح لا يمكن
للفكر أن يمنع
نفسه عن
التفكير
مثلما لا
تستطيع العين
أن لا ترى
طالما لم
يصبها مرض لا
شفاء منه .
ويستهجن
الإنسان
المذهبي
بطبيعة الحال هذه الهجمات
الشرسة على
معالم استكان
لها وتعود عليها
, فتراه إما
يرفض كليا
الأفكار
ويحاربها
حربا لا هوادة
فيها أو يسارع
على العكس إلى
التعلق
بعقيدة جديدة
ومذهبتها أي
تجريدها من
بعدها الثوري اليوطوبي ,
والاحتفاظ
ببعض
المفاهيم
والمراسيم
واستبدال قناعات
مقدسة لأخرى
تعمل بنفس
الكيفية ,
وتوفر عليه عناء
الثقافة
ومغبتها . وهو
يدل على تأصل
الحاجة
الأمنية في
نفس الإنسان
وقابليته
للتعلق ببعض
الشعارات
والمواقف
البسيطة كي
تعرفه وتميزه
وتعده بالغد
الأفضل الذي
وعدته به
الثورة العقائدية
. وقد لاحظ
مثلا المفكر
الماركسي الكبير
قرامشي
ظاهرة
استشراء
إيمان عميق
عند معاصريه
من الشيوعيين
بأن تحقيق
الاشتراكية رهين
عوامل جبرية
ميكانيكية
تدفع
بالمجتمع
قدما إلى طور
الاشتراكية
بالرغم من كل
الحواجز والعقبات
وليس رهين
إرادة
الإنسان . وفي
هذا الاعتقاد
بالطبع تبسيط
كاريكاتوري
للنظرية
الماركسية .
وقد حاول قرامشي
تبرير
الظاهرة بأن
الإيمان
بالسببية
الميكانيكية
رغم صبغته
الدينية
المبهمة عامل
إيجابي , إذ
يمكن
المناضلين من
الصمود في وجه
القوى
الرجعية
المتفوقة عليهم
في فترة معينة
من الصراع ,
وبهذا يكون قد
لعب دورا في
الانتصار
الحتمي
للاشتراكية والحال
أن الموقف يدل
في الواقع على
أهمية وأزلية
الحاجة
العقائدية
الأمنية
ودوامها عبر مختلف
التشكيلات
غيبية كانت أم
متعلمنة .
إن نتاج هذه
الحركة
الفكرية
المذهبية
التي ستتخذها
السلطة
السياسية "
مثقفوها "
سيكون علما قوامه
سيادة النمو
الفكري
الواحد الذي
تعكس سيادة
النمط
السياسي
الواحد
وبالتالي ,
سيؤدي إلى فكر
ضحل , فقير ,
مبني على رفض
التقدمية والتعقيد
والحركة في
العالم ومن
ثمة إنتاجه لعالم
خيالي يتسم
بالبساطة
والسذاجة .
في التنافر
بين إمكانيات
الفكر
ومتطلبات
الواقع يقول
أحد حملة
الفكر الكبار
في عصرنا سيجموند
فرويد : "
هناك تنافر
كبير بين
طبيعة
التفكير
ونظام العالم
الذي نحاول
فهمه إذ تكتفي
حاجتنا الملحة
للسببية وحيد
يمكنها من ربط
المظاهر ببعضها
البعض وهو
الأمر الذي قل
ما يوجد في
الواقع إذ نرى
على العكس أن
كل حادث هو
نتيجة تضافر
عوامل متعددة
وننتصر مع هذا
دائما في دراستنا
للأمور
لأسباب ونغفل
أسباب أخرى
لأن التعقيد
المذهل لها
يخيفنا فنخلق
صلات غير موجودة
نأتي بها
لإنكار صلات
أوسع وأكثر
تعقيدا .
تتبلور إذا النزعة أكثر ما تتبلور في التفكير المذهبي الذي يلغي تعدد وتشعب الصلات بين المظاهر الطبيعية أو البشرية: فالصلات بالنسبة إليه قليلة واضحة وحقائقها مؤسسة لا برهان عليها ولكنها برهان على كل شيء ملغيا سائر التجارب التي لا تدخل ضمن إطاره التفسيري , ولا يتوانى عن استعمال العنف لفرض مواقفه ورفض ما عداها . ولا يرى أدنى ضيم في العمليات فالحرية في نظره فوضى وخطر داهم لأن العالم شفاف تسهل معرفته والتحكم فيه لو لا تآمر الأعداء فالتعقيد هو نتيجة التشويش الذي يحدثونه عمدا لا من خصائص الأمور . فالإنسان مثلا خيّر لا يريد إلا الخيّر , والتنظيم السيء للمجتمع هو سبب انحرافه عن جادة الصواب , والرجل قوام على المرأة . والبروليتاريا ثورية بطبيعتها إلى آخر البديهيات التي لا يجوز الخوض ف