هل نحن أهل للديمقراطية ؟

 منصف المرزوقي

 


                   1-   سؤال أم جزء من الحرب النفسية ؟

 

لو تأمّلنا  السؤال  سطحيا  لأربكتنا  نقطة الاستفهام التي تنتهي به الجملة  . وقد يوهمك صاحبه أنه يعاني من شك  وأنه في حيرة من أمره وانه ينتظر إجابة ما تقنعه وتشفي غليله ، والحال أننا أمام تغليف خبيث لردّ غير منطوق به لأننا  أمام ذلك النوع من الأسئلة التي لا تحتمل إلا جوابا واحدا وهو هنا أننا لسنا أهل للديمقراطية .

ومن البديهي أن ّ ''نحن'' الموجود في السؤال  يعود على العرب أو  الأفارقة '' المتخلفين'' وبصفة عامّة  الشعوب غير الغربية.

ويعني هذا أننا لسنا أمام سؤال حقيقي وإنما أمام موقف .فما خلفيته وكيف التعامل معه ؟

ومن أشهر مقولات الفيلسوف الفرنسي Althusser أن الصراعات النظرية هي صراعات سياسية في النظرية . فهل يكون السؤال الخبيث جزءا من هذه المعركة ؟ وهذه هي الفرضية التي ننطلق منها لأن المعركة ضدّ الديمقراطية ليست فقط قضية أجهزة بوليسية تتعقب الديمقراطيين في نظم الاستبداد وإنما هي أيضا منظومة فكرية تساهم في التغطية على أفعال البوليس وتبرّر خيارات الممسك به .

ومعنى هذا أننا أمام جزء من الحرب النفسية التي تشهر ضدّ الديمقراطيين وأننا علينا التعامل مع الموضوع من هذه الزاوية وأن لا نخطئ الفهم فنتصوّر أننا أمام إشكالية نظرية محايدة سياسيا ويجب البتّ فيها ''علميّا'' .

وفي الحرب النظرية كما في الحرب السياسية أو العسكرية هناك ستراتيجية الدفاع وستراتيجية الهجوم .

 ونحن سنلغي بجرة قلم الستراتيجية الأولى بما فيها من تمسكن وتظلم ودفاع عن النفس  لنتخذ الموقف الهجومي .

وهذا  الموقف  لا يكون  ينعم غاضبة متشنّجة وإنما بسؤال معاكس : هل ''هم '' أهل للديمقراطية وب ''هم '' هذه نحن نقصد كل من يلقي علينا السؤال-التهمة .

ويجب أن يكون واضحا للقارئ أننا لا نتكلّف  عناء الردّ إلا لأن الإشكالية  فرصة لمزيد التعمق في  علاقتنا بالديمقراطية  وأن مقولة ''هم '' ليست في آخر المطاف سوى تعلّة تسمح باستكشاف بعض خبايا الموضوع من زاوية نظر جدّ ثريّة .

و في البداية  لنتعرّف على من يعود عليهم ضمير'' هم '

    المركزية  الثقافية الغر بية  .

نادرا ما يستطيع الباحث في مشاكل الديمقراطية العثور على نظرية واضحة متماسكة تقرر بأن هناك شعوبا أو أفرادا  غير جديرين بالديمقراطية .

وإنما تطرح الفكرة في شكل بالغ المواراة وبالغ الخبث ولا بدّ أن تنقب على مصادرها في اللامقول واللاوعي ، وفي الهمس وفي القيل والقال لأنه ليس من السهل المجاهرة بأن هناك صنف من البشر يستأهل الحرية وصنف آخر لا يستأهل إلا أن يرسف في الأغلال .

يقول  Pascal Bruckner.''إن تبشير الغرب بالديمقراطية غير واضح المعالم  .ففي الوقت الذي تراه ينادي بعالميتها يتصرف كما لو كان يريد الاحتفاظ بها لنفسه كما لو كانت كنزا ثمينا يجب أن يغار عليه من طمع الأمم الفقيرة  ''

و تجد أحيانا  الموقف واضحا جليا في بعض المدارس السياسية المعاصرة التي لا تخشى من النطق بالمهموس وبالمحظور.

إن أحسن ممثل لهذه المدرسة هو المفكر السياسي الأمريكي Huntington الذي طلع علينا في الثمانينات بنظرية الحضارات الثمانية التي تتقاسم البشرية واستحالة التلاقح بينها لوجود اختلافات جوهرية في طبائع الشعوب .ومن هذا المنطلق فإن الديمقراطية خاصية حضارية غربية لا يمكن زرعها خارج التربة التي نشأت فيها  لأسباب تتجاوز إرادة البشر وتتعلّق بإرادة التاريخ والصيرورة التي اتخذها .

وعوض أن نواجه هذه الفكرة بما لا تستحق من النقد  فإننا سنعتمد سلاحا أمضى وهو السخرية وذلك بإعطاء لسياسيّ غربي مطلّع على دقائق الأمور   .

في صائفة 1989 دعيت لحضور مؤتمر حقوقي  في إيطاليا وكان مرافقي نائب إيطالي مخضرم أبلى البلاء الحسن في مقاومة الفاشية .

وكان الحديث اغلب الوقت عن مشاكل المشروع الديمقراطي وتعثره في تونس واغلب البلدان العربية . وانتهى بنا الكلام  إلى التبرير العنصري الذي نسمعه من بعض غلاة التفوق الغربي والقائل بأن شعوب العالم الثالث وبالأساس الشعوب العربية ، غير جديرة بالديمقراطية  وأحيانا عند تلطيف اللهجة وافتعال التأدّب بأنها لم ''تنضج بعد للديمقراطية'' .

وضحك يومها النائب الإيطالي مطوّلا  وروى لي  كيف أنه كان يسمع  نفس الخطاب في الثلاثينيات من بعض المنظرين السياسيين الإنجليز حول ''استحالة '' زرع الديمقراطية في بلدان مثل إيطاليا وأسبانيا والبرتغال لأسباب ثقافية ناجمة بالأساس عن كونها  بلدان  كاثوليكية .

وكان الرجل يقلّد الخطاب الوقور  لهؤلاء الجهابذة  وهم يتحسّرون على كون الديمقراطية لا تستطيع الانتشار خارج محيطها الطبيعي أي العالم الانجلو ساكسوني الذي اوكل له التاريخ وحده بالحفاظ على تاريخ الاغريق .

وهنا  يتّضح لنا  السبب الخفي الذي يسند موقف هنتجتون وأمثاله أي الاستعلاء الأرستقراطي  الذي قد يصل حدّ الاستعلاء داخل نفس العائلة الثقافية في إطار التمايز داخل التمايز داخل التمايز لننتهي إلى فوز شعب الله المختار بالكأس العالمية للتفوق الوهمي .

والحق أن هنتحتون ليس ظاهرة شاذة تمتاز بها الثقافة الغربية في جزئها العنصري المظلم ، ففي كل ثقافة تجد هذا النوع من المنظرّين لأن الحرب سجال بين إغراء التقوقع على الخصوصية وبين الانسياق إلى عالمية يحمّلها اللاوعي بكل  العيوب والأخطار .

 ولو نقّبنا في تاريخنا لوجدنا أكثر من هنتحتون عربي يضع الحواجز الفاصلة بين الثقافة العربية الإسلامية وما عداها من ثقافات رافضا التلاقح والتبادل  بينها .

فهذا يدلل على استحالة –أو لا جدوى -تصدير الديمقراطية إلى  الثقافة العربية الإسلامية لاختلاف الرؤى والقيم والأولويات والحاجيات وذاك يدلل على  استحالة –أو لا جدوى- استيراد الديمقراطية لنفس الأسباب .

وعبر قضية التصدير والاستيراد للديمقراطية تطرح العلاقة بين مختلف ثقافات البشرية .

وهذا موضوع لا يخضع لنقاش نظري يفرق بين الموقف الخاطئ –أي الخصوصي بالنسبة للعالميين و العالمي بالنسبة للخصوصيين – وإنما هو خيار سياسي وعقائدي يلتزم به المرء ويدافع عنه لإيمانه بأنه يتماشى مع مبادئ فوق الاعتبارات الرخيصة .

 ونحن قد اخترنا في منظومة حقوق الإنسان أن نعتبر الديمقراطية مثل الأنسولين والأحرف العربية وفلسفة كونفشيوس كنزا مشتركا تتبادله الثقافات في إطار التلاقح الخصب الذي طبع دوما التطور الحضاري للجميع .

ويستند هذا الموقف على مبادئ حركة حقوق الإنسان ومن أدبياتها وعلى رأسها 

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو اجمل ثمرة للتلاقح الثقافي و الأرضية التي استطاعت كل الثقافات الالتقاء على قاعدته الصلبة لتبني دعائم عالم اقل فضاعة . هذا العالم الفضيع كان ولا يزال  عالم الخصوصيات الثقافية أو بالأحرى عالم دول تبرر عدوانيتها واستبدادها بالتمايز الثقافي  لتمارس   الغطرسة والتجبّر والأقصى من العنف  .

ومن نافل القول أن المشرع العالمي صاحب هذا النص التشريعي العالمي وكاتب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يميز ثقافة على ثقافة أو بشرا عن بشر عندما جعل الديمقراطية حقا للجميع دون أدنى استثناء .

إن أهم عبارة  في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هي التي وردت ثلاثين مرة متتالية في النص التأسيسي لإنسانية القرن العشرين وما بعده أي لكل شخص الحق في كذا وكذا .

ثمّ هو جعل الديمقراطية واجبا على كل الدول المنضوية تحت راية البيت الأممي الواحد ، وذلك واضح في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المواد 19و21 و22 التي تضمن حرية العقيدة والرأي والتنظم .

ولم يقصر هذا الواجب على دولة دون أخرى بل هو قيّد جميع الدول بصفة واضحة في المادة 2 بقوله ''تتعهد كل دولة طرف باحترام الحقوق المعترف بها فيه (العهد)وبكفالة هذه الحقوق .

وحتى ولو كانت الديمقراطية غربية المصدر فإن ''تصديرها '' واجب وليس مزية حيث ينصّ إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي –نوفمبر 1966- حيث تنصّ المادة الخامسة على ما يلي :

''التعاون الثقافي حق لجميع الشعوب والأمم وواجب عليها ، وعليها أن تتقاسم ما لديها من علم ومعرفة

 وفي المادة الثامنة يقول '' ينبغي  أن يتوخّى التعاون الثقافي النفع التبادل لجميع الأمم التي تمارسه ، وان تنظّم المبادلات التي ينطوي عليها بروح السماحة والعطاء المتبادل .

إن  من يتصوّرون أن هناك بشرا ليسوا  أهلا للديمقراطية  ، كمن يتصوّرون  أن هناك شعوبا ليست جديرة بالسعادة أو بالخير أو بجمال الطبيعة .

ومن ثمة يمكن القول أن هؤلاء القوم ، وإن كانوا جديرين ككلّ البشر بالحقوق والحريات المضمونة في الإعلان  فإنهم  غير أهل بعظمتها لإصرارهم  على البقاء صغارا ، أو قل أن علاقتهم بها هي علاقة المجرم الذي يخرق ويتطاول على  القانون بينما يصرّ هذا الأخير على حماية الحقوق المشروعة حتى لمن خرقه وتطاول عليه .

 

الأنظمة الغربية  المهيمنة .

 

لقد أعطت  الأنظمة الغربية  اكثر من مثال على ازدواجيتها في الدعوة النظرية للديمقراطية وفي دعمها للدكتاتورية  إذا كانت يمينية .

فهذا رئيس جمهورية فرنسا جاك شيراك يتحوّل إلى افريقيا في بداية التسعينات ليقول أن احسن نظام لمثل هذه االبلدان هو الحزب الواحد وهذا رجل سياسي فرنسي كبير يأتي لتونس في اكتوبر 1999ليشيد بالتجربة الديمقراطية التونسية ويدين من يسخروا من نتيجة الانتخابات الرئأسية التي اعطت للدكتاتور نسبة 99% مذكّرا انه لا يوجد  نهج واحد للتطوّر نحو الديمقراطية . 

وثمّة تجربة تاريخية ضرب فيها نظام غربي الديمقراطية التي زرعها بنفسه عندما هدّدت مصالحه وربما أيضا غيرة على الكنز الذي لا يريد لشعب آخر أن يتمتع به .

وهذه التجربة بحجمها وضخامتها وامتدادها عبر الزمان ، تكاد تكون فريدة من نوعها ولا بد من تحليلها  بكثير من الدقة .

إنها عملية  دمقرطة اليابان بعد هزيمته في الحرب العالمية الثانية وانتصاب الاحتلال الأمريكي .

 ويمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل .

-بدأت العملية  بإملاء دستور سمّي  دستور السلام وكتب تحت إشراف الجنرال ''ماك ارثور'' و أصبح قانونا سنة 1947.

وقد منح هذا الدستور جملة من الحقوق والحريات لليابانيين الذين عاشوا طوال قرون تحت أنظمة فاشية دكتاتورية عسكرية قصمت ظهرهم . وقد استقبل الشعب الياباني هذه الإصلاحات الديمقراطية بكثير من البهجة بل واعتبرت الديمقراطية هدية ملكية إذ لا يوجد شعب يفضل العيش في ظل الإرهاب البوليسي على التمتع بالحرية .

-لم تلبث هذه المرحلة أن انتهت بعد اقل من ثلاث سنوات حيث أعادت الولايات المتحدة لسدّة الحكم السياسيين المحافظين الذين لعبوا دورا كبيرا في إشهار الحرب ومنهم مجرم حرب هو ''كيشي ''تسلّم الوزارة الأولى ليحافظ على مصالح أمريكا حتى  تبقى اليابان قاعدة عسكرية ضخمة حاملة الطائرات التي لا تغرق حسب تعبير شهير - في مواجهة الكتلة الاشتراكية .

 وإبان هذه الفترة أوقفت أمريكا الإصلاحات الديمقراطية التي استبشر بها الشعب الياباني .

-         انتقلت اليابان  إلى مرحلة دامت إلى السبعينيات تعيش تحت  حكم نخبة تحمي  مصالح أمريكا الديمقراطية  بديمقراطية مزيّفة .

وفي هذا يقول المؤرخ ''باتريك سميث ''

''وكيف حدث أن حفنة مغلقة على نفسها من السياسيين المحافظين الكارهين للأجانب الخانعين لأمريكا ، من لا يستثيرون حماسا بين جمهور الناخبين ، كيف حدث أن ظل هؤلاء يقبضون على ناصية الحكم حتى  1993 من دون منافسة ذات شأن ؟ هذا السؤال طرح كثيرا منذ الخمسينيات ولأن اليابان تحوز آليات ديمقراطية فلم تكن إجابة سهلة .ومسألة أنه لم يكن هناك بديل يعتد به للديمقراطيين الأحرار هي حقيقة لكن لماذا ؟بسبب الفساد ؟ لكن فساد من ؟ لماذا تحكم اليابان بنظام من المحاسيب تترأسه وتتوارثه زمرة من أعيان ريفيين دون المستوى وفرض حضورهم المنفر على المسرح الدولي .

تكمن إجابة في طبيعة القادة الذين جيء بهم من عصر ما قبل الحرب ليتولوا السلطة في 1948.

هؤلاء الذين وضع لهم اسم جديد هو الديمقراطيين الأحرار والذين أطالوا عمر الممارسات التقليدية –الولاء والاستخذاء أمام السلطة والهوية الريفية والشللية السياسية وشراء أصوات الناخبين وبعد انتهاء عمرها الافتراضي بوقت طويل وباختصار أطالت النخبة المحافظة عمرها بعرقلة وإحباط العادات والممارسات الديمقراطية .

إلى أي مدى ساهم الأمريكيون في هذا المسار ؟ليس هذا واضح تماما ولكنه اتضح وإن قليلا منذ 1994 عندما كشفت جريدة نيويورك تايمز أن وكالة المخابرات الأمريكية كانت تحوّل سرّا اعتمادات مالية للحزب الحاكم حتى سبعينيات القرن العشرين وبهذه الأموال كانت أمريكا تلعب في الانتخابات وتساند رؤساء الوزارات الذين تؤثرهم وتضعف المعارضة السياسية .''

وهكذا يتضح أن السؤال الحقيقي من وجهة نظر الديمقراطية ليس هل كان الشعب الياباني أهلا للديمقراطية ولكن هل كانت الحكومة الأمريكية أهلا لرعايتها ؟

إن   الرسالة الضمنية لكل الديمقراطيين هي توسيع رقعة الديمقراطية في العالم . لكن الحكام الأمريكيين خانوا هذه الرسالة إضافة إلى خيانة المبادئ التي أوصلتهم للسلطة وهذا ما يجعلنا نحكم عليهم بأنهم كانوا غير  أهل بتمثيل الديمقراطية وغير جديرين بالتحدث باسمها  .

الأنظمة الاستبدادية المحلّيّة .

سنة  1981 حصلت في تونس انتخابات تشريعية كانت لها خاصية جديدة هي تعددية القوى السياسية التي شاركت فيها . وتحمّس الشعب لها إذ أعطى الخيار لأول مرة بينما كانت الانتخابات منذ الاستقلال إجراءا شكليا يكون فيه الخيار بين نعم ونعم ،  تمارس فيه علنية الاقتراع وسرية الفرز  .

ويومها امتلأت ساحات المدارس بالبطاقات الحمراء  للحزب الحاكم ، يرميها المواطنون بتحدّ واستهزاء  حال خروجهم من الخلوة. وامتلأت صناديق الاقتراع بالبطاقات الخضراء للحزب المعارض وكان آنذاك  حركة الديمقراطيين الاشتراكيين

 ثم طلعت النتائج بانتصار ساحق للبطاقات الحمراء وهو ما يجعل هذه الانتخابات تعرف في التاريخ الطويل للتدليس الانتخابي في تونس بانتخابات الحنّة إشارة إلى طلي يد العروس بالحنة وهي خضراء لتنقلب حمراء على اليد بعد انتهاء العملية .

وانتخابات الحنّة هذه خاصية من خصائص المتشدقين بعدم أهليتنا أو نضجنا للديمقراطية .

وهؤلاء الناس الذين يستمدون شرعيتهم من التزييف والكذب والاستيلاء على ما ليس لهم الحق في الاستيلاء عليه أي سيادة الشعب وكرامة المواطن ، آخر من تؤهلهم أخلاقهم وأساليبهم للحكم على أهليتنا أو نضجنا .

والردّ على السؤال هل هم أهل للديمقراطية يكون مجدّدا بالنفي .

وان أخف عقاب لمن يزيفون إرادة الشعب ويكذبون ويدلسون هو حرمانهم من ممارسة الحقوق المدنية والسياسية لفترة تحددها محاكم تبتّ في اكبر جريمة في حق الشعب هي مصادرة سيادته وتزييف إرادته والسخرية من ذكائه  .

                                         *

وثمة خيط رفيع يجمع بين مثقفي الحلقات العنصرية في الغرب مثل نادي الساعة le club de lhorloge والسياسيين المكيافيليين في أمريكا وأنصار الحزب الواحد إلى الأبد في تونس أو في أي نظام عربي أو إفريقي متخلّف .

نحن نجد هذا العنصر الموحّد في كتابات  اكبر مفكّري الديمقراطية في القرن التاسع العشر الفرنسي Alexis de Tocqueville وخاصة كتابه الشهير ''الديمقراطية في أمريكا '' الصادر سنة 1835.

وكما صرخ ماركس في منتصف القرن التاسع  عشر هناك شبح يؤرّق أوروبا الرأسمالية  اسمه الشيوعية ، فإن توكفيل كان يصرخ هو الآخر بأن هناك شبح اخطر يهدّد أوروبا الاستبدادية  : الديمقراطية

وقد حمل Tocqueville لممثلّي الفكر الرجعي والخيارات السياسية الاستبدادية خبرين بالغي السوء.

وأولهما  أن الديمقراطية  تيّار عات لا يستطيع إيقافه أحد.

يقول  متحدثا عن الغازي الجديد  :

''إنه حدث هائل وله كل خصائص هذا النوع من الأحداث. فهو عالمي ومجعول للدوام وهو غير خاضع  للإرادة الإنسانية . وكلّ الأحداث مثل كل البشر في خدمته . فهل من المعقول أن يتصور أحد أنه بمقدور قوة جيل إيقاف حركة اجتماعية آتية من مثل هذا العمق التاريخي .

 وهل يظنّ أحد أن الديمقراطية ستتوقف أمام البرجوازيين والأغنياء بعد أن دمّرت الإقطاع وهزمت الملوك .

وهل ستتوقف الآن وهي بمثل هذه القوّة وأعدائها بمثل هذا الضعف ''.

إن الأرستقراطية في نظر Tocquevilleليست طبقة من البشر حكم عليها التاريخ بأن تكون صاحبة مهمة خاصة وهي بلورة  قيم الفروسية  وممارسة الفعل النبيل  والعيش وفق قوانين الذوق السليم ، كل هذا بالمقارنة مع طريقة عيش الرعاع والسوقة بقيمهم المنحطة وأعمالهم السوقية وذوقهم المريض .

إنها عبر العصور وفي كل المجتمعات وتحت كل الأقنعة والتسميات  ،  أجيال من الأحفاد تعيش من إعجاب من تدّعي احتقاره مبذّرة  سرقات أجداد استعملوا كل الممكن من الفضاعة لكسر وروح التمرّد عند من افتكت منهم الأرزاق وسلبت منهم الحرية وصودر منهم حق الاعتبار .

أما الخبر الثاني المضمن في الخبر الأول والمستقل عنه فهو أن محرك التاريخ هو توسيع رقعة المساواة وليست الديمقراطية سوى  الشكل الفكري السياسي الذي تتخذه ظاهرة يستحيل التصدّي لها . ويعنى هذا  انتهاء عصر الأرستقراطية أيا كان الشكل الذي تتخّذ .

ولا بدّ من التذكير أن من يعلن عن صدور  حكم تاريخي بالإعدام على الأرستقراطية هو أرستقراطي من خيرة سلالة النبلاء  الفرنسيين  لا يضيره أن  الثورة  الفرنسية قد التهمت البعض من أقاربه .وهل يجدي البكاء على ما يقرره القدر . وكان Tocqueville لا يرى فيها إلا مرحلة من مراحل تطور الحدث الديمقراطي حتى وإن تعثّر مؤقتا .

 وما من شكّ أن جزءا  كبيرا من بغض فلول الأرستقراطيين للرجل  نابع من ''خيانته '' هذه لطبقته والتحاقه بمدمريها .

ومما لا شكّ أن التاريخ قد أظهر كم كان الرجل  على حقّ .

 ففي أقل من قرنين بسطت الديمقراطية ظلها على القارات الخمس  وهي لا تزال إلى اليوم تتقدّم لتغزو ما بقي من مناطق الظل الاستبدادي القديم .

إلا أن Tocqueville قد يكون أخطأ في الاعتقاد بنهاية الأرستقراطية سريعا  ومن الأحسن أن لا نظلم الرجل فنقول انه لم يقدر حق قدرها قوة المقاومة وتغيّر أشكالها ولو دققنا النظر في مصادر السؤال الثلاثة لرأينا أنها عينات مختلفة ومتباعدة زمانا ومكانا لأرستقراطية لا تريد أن تموت .

ففي منظومة المفكرين الغربيين مثل ''هنتنجتون'' تتشكل الثقافة الغربية كثقافة أرستقراطية تتميز بين الثقافات البشرية  وداخلها يتشكّل الرافد الأنجلو ساكسوني كأرستقراطية الارستقراطية .

ومثلما لا يستطيع الرعاع والسوقة،  حتى ولو ربحوا الأموال الطائلة في تجارة المواشي ، أن يرقوا للعراقة الأرستقراطية،  فإنه لا يمكن للثقافات غير الغربية  أن ترقى لمصاف الثقافة الغربية الوريثة للحضارة الإغريقية الرومانية . ومن ثمة فإنّ الديمقراطية في هذه المنظومة خاصية ثقافية وليست الحدث العالمي الذي وصفه Tocqueville.

وفي مستوى الإدارة ''الديمقراطية ''  الأمريكية تتضح جذور نفس الفكرة في إخراج جديد .

 فأمريكا هي الدولة الأرستقراطية التي يمكنها التمتع وحدها بالديمقراطية مع بعض الدول الشبيهة أما هذا الشعب الأصفر المهزوم فإنه يستطيع أن يقنع بشبه ديمقراطية تخدم مصالح الأرستقراطية الفعلية .

ولا يختلف الأمر جذريا في  مستوى أحزابنا الحاكمة .

فالحزب الحاكم هو الصورة العصرية للأرستقراطية ،والزعيم هو الملك السوقي الذي لن يتجاسر على البوح بهويته الملكية وبالطبيعة الأرستقراطية للمحيطين به والمتشدقين بالشعب والاشتراكية والعدالة الاجتماعية .

إلا أن قانون غلبة الطبع على التطبع لا يلبث أن يظهر مفعوله وذلك عندما يطالب ''رئيس الجمهورية '' بحق الملوك في الحكم مدى الحياة وتوريث الجمهورية لابنه مثلما حدث في سوريا وقد يحدث غدا في اكثر من قطر عربي لم ينضج للديمقراطية حسب التعبير الشهير .

ومن البديهي أن كل هذه الأرستقراطيات المتخفية -حتى داخل الثوب الديمقراطي مثلما هو الحال بالنسبة للسياسيين المكيافيليين الأمريكيين –تواصل النضال بشتى الأسلحة ومنها السؤال الخبيث كجزء من الحرب النفسية ،  لتأخير المدّ الديمقراطي ولم لا لتحويل وجهته إن استطاعت للأمر سبيلا  .

ولو دقّقنا النظر حتى داخل المجتمعات والدول الديمقراطية لوجدنا جيوب عدّة واوجه كثيرة  للأرستقراطيات المخفية التي تواصل نضالها من اجل التميّز الفردي  والتمييز الاجتماعي.

إن الأرستقراطية لم تختف في بلد Tocqueville وإنما هي اليوم من طبيعة أخرى لا تعرّف بالألقاب الموروثة وإنما بالألقاب المكتسبة مثل خريج المدرسة الوطنية للإدارة أو المدرسة الوطنية للمدرسين ومدرسة ''البوليتكنيك'' الخ . وثمة مصدر ثاني هو المكانة الاقتصادية حيث يلبس  كبار مديري الشركات الضخمة جزءا من الثياب القديمة .ومن سخرية الأقدار أن النظام الديمقراطي يستطيع هو نفسه إفراز أرستقراطية ديمقراطية . إن الذين ينتخبون مثلا في مجلس الشيوخ ويسمون sénateurs  ليسوا إلا الشكل الأرستقراطي لمجلس اللوردات البريطاني .

 ومن ثمّة فإنه  من السذاجة الوهم بأنها مسالة وقت وتدمر الديمقراطية  جيوب الأرستقراطيات المخفية .

ومن الأحسن أن نفترض أنها ستبقى  جزءا لا يتجزأ من الصراع  السياسي الاجتماعي الأزلي  .

  وليس للديمقراطيين من خيار سوى وضع كل الستراتجيات الضرورية من ''فلكلرة '' الأرستقراطية على طريقة الديمقراطية البريطانية إلى الاستعداد لمواجهتها بالقوّة عندما تتخّذ صبغة انقلابية أو حتى إجرامية مثلما هو الحال في .المافيا هذه الأرستقراطية السوقية  .

إن إغراء  الأرستقراطية هي الكابوس المتجدّد للشعوب والثقافات وهي الخطر الذي إن لم ننتبه له سيتجدّد تحت ألف قناع والطموح واحد والآليات هي نفس الآليات . وستبقى الحرب سجال بين الغطرسة الأرستقراطية ووهمها العقيم بالتميز وبين الديمقراطية بما هي إرادة المساواة في الحقوق والواجبات .

                                           *

 

 ولا بدّ من التعرّض أخيرا لمصدر رابع للسؤال ينبع من عمق الذات العربية ولا يمكن أن يصنّف تحت ما سبق من أسباب وتعلات .

لقد عرفت   أجزاء متعددة من الوطن العربي كل أشكال التمويه والتزييف  إرساء النظام الديمقراطي .لكن عملية التزييف لم تبلغ ذروتها  إلا  في النظام البوليسي الذي استتبّ في تونس ابتداء من سنة 1987.

لقد  استشرس هذا النظام  طوال التسعينيات في ضرب حرية الرأي والتعبير والتنظيم والتظاهر وبثّ الرعب في صفوف الناس  ونظّم العديد من المواسم التهريجية تحت اسم  انتخابات ، كل هذا باسم الديمقراطية وتحت شعارات من نوع ترسيخ  المسار الديمقراطي وتجذير المشروع الديمقراطي الذي لا رجعة فيه الخ .

وليس  المرء بحاجة لفطنة كبيرة لاكتشاف ما في الخطاب  من زيف مفضوح  فعملية التزييف الواسعة النطاق التي تم بها استيراد واستعمال آليات الديمقراطية كانت فجّة بدائية ساذجة .

وبقدر ما كانت السلطة تتوسع في هذه السياسة بقدر ما كان  شعور العار والعجز   يتعمّق في الوعي الجماعي.

وهكذا كان قدر  الناس أن  يروا  المنكر ولا يستطيعون  تغييره ، أن يعايشوا  التزييف ولا يستطيعون  محاكمة أصحابه ، أن يعاينوا كم    تستخفّ السلطة بذكائهم وبكرامتهم ولا يستطيعون أن يفرضوا عليهم الحدّ الأدنى من احترام هذا الذكاء .

وفي هذه الحالة نرى أن السؤال المطروح هو: هل نحن أهل لشيء عظيم جاء لينصرنا فخذلناه ؟

 ومعنى هذا أن السؤال الذي رأيناه في فم ''هنتحنتون '' تحقيرا ضمنيا للشعوب غير الغربية هو الآن تحقير ضمني من الشعب لنفسه لا لقلة جدارته بها في الأصل ولكن لقلة جدارته بها لأنه لم يدافع عنها .

 وفي هذا المستوى من الإشكالية سنصف السؤال مجدّدا بأنّه خبيث كما نقول عن السرطان أنه مرض خبيث أي أننا أمام فكرة زرعت في أذهان الناس لتتصرّف كسرطان نفسي مهمّتها إضعاف الإرادة وشلّ الطاقات وإشاعة الإحباط حتى تستطيع الأرستقراطيات المخفية التمتع بامتيازاتها .

 وآلية التدمير النفسي هي إقناع من  عجز عن الدفاع عن شرفه أنه بلا شرف والحال  أن الشرف كالحياة والكرامة خاصية قارة ثابتة لا تزيد فيها الألقاب الأرستقراطية ولا  تنقصها مراحل ضعف وعجز  يقع تجاوزها فيعود ما  انخرم إلى التوازن المنشود  .

وهذا بالضبط ما نحن بصدد تحقيقه بوعي وبدون وعي لأن Tocqueville   على حق ّ في قوله أن موجة الديمقراطية لا زالت تزمجر هادرة وان لا شيء يقف في طريقها حتى ولو كان الشكّ المرحلي للشعب في ذاته .

                                   ***

 

                     


                    2-إجابات تثبيط العزائم .

 

أما وقد استطعنا فضح خلفيات التساؤل الخبيث  فإنه بوسعنا الانتقال إلى مرحلة أخرى من التفكير وذلك بلعب دور من يفتعل التصديق  أنه ليس من وراءه  أي خلفية مشبوهة وأننا فعلا أمام إشكالية ''موضوعية '' تتطلّب جوابا ''علميا'' .

السؤال مجدّدا  : هل نحن أهل للديمقراطية ؟ ونحن دوما يعود على الشعوب  غير الغربية المقموعة من طرف أنظمتها الاستبدادية ،  وتحديدا نحن العرب بما أننا الأمة الكبرى في هذا العالم مع الأمة الصينية التي لا زالت خارج نسق التاريخ الذي وصفه Tocqueville .

وحيث قلنا من البداية أننا سنستعمل السؤال كمجرّد أداة لتعميق فهمنا لعلاقتنا بالديمقراطية فإننا سنستعرض في البداية بعض الإجابات الممكنة .

نحن  أهل للديمقراطية بشروط .

ثمة طريقة اكثر خبثا في إنكار جدارتنا بالديمقراطية  وهي القول بأنها  لا تتحقق من أول وهلة وان علينا التدرّج البطيء نحوها أحيانا .

تأتيك أقوال القصور في هذا الصدد ومنها أنّ الديمقراطية ليست كقهوة ''النسكافيه'' أي القهوة الفورية التي تتحصل عليها بمجرد وضعها في الماء الساخن .

ويعني هذا أن الأرستقراطيات المخفية قبلت على مضض فكرة حتمية الديمقراطية  ولكنها  تحاول ربح كل الوقت الممكن . ومن ثمة المقولة أننا جديرون بالديمقراطية لكن بعد فترة طويلة من التدرب والتدرج الحذر .

ومن نافل القول أن الأرستقراطيات المخفيّة هي التي ستتحكم في تحديد سرعة ما تسميه ''المسار الديمقراطي '' وعدد مراحل الاستراحة التي يمكن أن توقف فيه هذا المسار لالتقاط الأنفاس إبان حالات الطوارئ التي تعلنها كلما هدّد ''المسار'' مصالحها .

لنأخذ حرية الانتخاب لمتابعة الحيلة البائسة في آخر أوكار الجهل وسوء النيّة .

 من أين لعامة الناس القدرة على حسن الاختيار إبان الانتخابات الحرّة النزيهة

و فهم الإشكاليات السياسية والاقتصادية التي يتخبط فيها المجتمع  ؟ ومن أين لشعب من أنصاف الأميين  مثل أي شعب عربي أن يحسن الاختيار عندما يحق له  الخيار ؟

 وفي هذا الموضع من اللجاج يسوق لك أصحاب هذا المنطق قائمة من الشعوب التي أظهر التاريخ فشلها في الامتحان الصعب  سواء تعلّق الأمر بالشعب الألماني في الثلاثينيات أو الشعب الجزائري في بداية التسعينات .

وكل ما يسع المرء قوله في هذا المضمار أنه لم يعرف يوم عن الأرستقراطيات المخفية أنها أظهرت جدارة تقنية في قيادة الشعوب .فالعادة أن الجهل  والتخبط واللاكفاءة المطلقة من أبرز خصائص النظام الاستبدادي .وهو لا ينهار في آخر المطاف إلا لكثرة الأخطاء التي يرتكبها في قيادة المجتمع وعجزه عن إصلاح الأخطاء التي تنهشه من الداخل كما تنهش خلايا السرطان جسما مريضا .

إن  القوة الفجة والتزييف المستمر وتدنيس الوعي هم وسائل حكم الاستبداد وليس أيّ جدارة تقنية هو بعيد كل البعد عنها لأن همّ الأرستقراطيات المخفية ليس الحكم الناجح في خدمة الناس وإنما الحكم الناجح في ضمان مصالحها التي تتعارض مع  ابسط حاجيات الناس  وحقوقهم .

أما بخصوص الأخطاء الفادحة التي ترتكبها'' السوقة '' التي لا تحسن الاختيار فإنه يفوت أصحاب هذه النظرية العصماء أن عمر  الشعوب ليس عمر الأنظمة  وهو بدوره غير عمر الأفراد . فالشعب الألماني اليوم من أحرص الشعوب على الديمقراطية لأن تجربته مع النازية حصّنته لمد طويل ضدّ إغراءات الأيدلوجيا ويمكن القول نفس الشيء عن الشعب الروسي .

 إن الشعوب لا تتعلم مثل الأفراد إلا من تجاربها الناجحة والفاشلة وأضمن وسيلة لتعلم حسن القرار هو الشروع في التعلم باكرا .

وثمة  مدخل آخر لإثبات هراء وخواء هذا الموقف بالعودة إلى مقومات الديمقراطية ليتضح لنا أنها كل متكامل ولا يمكن أن توجد بالتقسيط .

فكثيرا ما نسمع في الخطاب العام جملا من نوع ''نناضل من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان وكأن الديمقراطية شيء وحقوق الإنسان شيء  آخر .

وهذا خطأ بالطبع لأن الديمقراطية هي الجزء السياسي من حقوق الإنسان هي تحديدا المواد 10، 18، 19، 20، 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أي الموادّ التي تتعلق بحق كل إنسان ''أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة نظرا منصفا وعلنيا ، للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أيّ تهمة جزائية توجه إليه '' والحق في ''حرية الفكر والوجدان والدين ''  والحق في ''حرية الرأي والتعبير ويشمل حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأيّ وسيلة ودون  اعتبار للحدود  والحق في '' الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية '' والحق في '' المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلاده  -اعتبارا أن- سيادة الشعب هي مناط سلطة الحكم ويجب أن تتجلّى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجري دوريا بالاقتراع العام على قدم المساواة بين الناخبين بالتصويت السري أو بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرية التصويت .

وباستعراض هذه الحقوق الخمسة التي تشكل جوهر الديمقراطية يتضح لنا خواء فكرة التدرج  .

فما معنى أن نتدرّج خطوة خطوة في التمتع بالحق في محاكمة عادلة  .

 هل يمكن مثلا أن نقبل بأن يكون ربع القضاة مستقلون نزهاء في العشرية الأولى ''للمسار الديمقراطي '' ثم نرفع النسبة إلى النصف بعد كم من السنوات لننتهي بقضاء مستقل  تماما في نهاية المسار بعد كم وكم من السنين وربما من العقود .

إن قبول التدرّج في الحق في قضاء عادل مستقل لا يعني شيء آخر غير تواصل الظلم بالقانون .

فإلى متى يقف  الديمقراطيون أمام مثل  محاكم  الاستبداد وكأنهم في مسرحية محبوكة التفاصيل يرافع فيها المحامون أحسن المرافعات ويثبتون التعذيب وخلو التهمة من أي سند مادي ويستمع إليهم القاضي بكل صبر بانتظار إصدار الحكم الجاهز من البداية والذي أملته عليه السلطة السياسية .

وفي حالة إذا ما تساءل أحد: هل هؤلاء الناس الذين ينظّرون  لتزييف العدل ويبرّرون  الظلم جديرون بالعدل الذي يرفضونه للآخرين فالردّ بدون أدنى تردّد هو نعم ،  لأن الإعلان العالمي لم يستثن من الحق في العدل حتى أعداء العدل ما داموا بشرا ولدوا بالعقل الذي رفضوا استعماله وبالضمير الذي جلسوا عليه .

 وفي نفس السياق ما معنى التدرّج في حق الرأي ؟ هل تتفق القوى الديمقراطية مع الاستبداد على جملة من المقدسات والمحظورات لا تطرح لكذا وكذا من السنوات مثل الفساد والرئاسة مدى الحياة والتعذيب على أن نمارس حرية الرأي في بقية المواضيع مثل ارتفاع حرارة الأرض وانتهاكات حقوق الإنسان في الباراغواي ؟

وما معنى التدرّج في حق التنظم ؟

هل نقبل مثلا بأنه يكون الحق في نسبة  من الجمعيات المستقلة لا تفوت عشرة في المائة في بداية المسار على عدد الجمعيات الحكومية على أن ترتفع هذه النسبة إلى سبعين في المائة بعد كم من عقد نتفاوض على عددها بشراسة  وما معنى التدرّج في حرية الانتخاب ؟

هل يعني أن نقبل بأنّ للسلطة الحقّ في شيء من التزييف فيكون لها الأغلبية المطلقة في البرلمان أيا كان رأي الشعب  ثم نوسّع شيئا فشيئا تمثيلية المعارضة الديمقراطية ؟

إن خواء هذا المنطق بديهي فالعدالة تكون مستقلة أو غير مستقلة وحرية الرأي هي حرية الرأي في المحظورات وإلا لما كان لها وجود والانتخابات نزيهة أو مزيفة  ولا مجال لعدالة نصف مستقلة وانتخابات نصف نزيهة وحرية رأي نصف كاملة .

إن الديمقراطية نظام système يوجد ككل أو لا يوجد . فلا يمكن تصور نظام فيه شيء من استقلال القضاء وحرية مطلقة للرأي لأن هذه الحرية ستطالب باستقلال القضاء كاملا .كما لا يمكن أن يوجد التنظم الحر ولا توجد معه الانتخابات الحرة لارتباطهما الوثيق .

 ومعنى هذا أننا لا نستطيع التعامل مع الحقوق الخمس كلّ على حدة ، نطوّره وفق السرعة  التي تحدّدها الأرستقراطيات المخفيّة خاصة وذلك لأنه ليس للأرستقراطية أي حق في هذا من جهة ومن جهة أخرى   لترابط كل الحقوق  .

نحن أهل  لما أحسن من الديمقراطية .

إنه مدخل طريف للتعمق في فهمنا للإشكاليات المتعددة التي يطرحها  زرع الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية . فالرافض لأهليتنا للديمقراطية هذه المرّة  ليس العنصري الغربي أو المستبد العربي وإنما جزء من ضحايا العنصرية الثقافية والاستبداد المحلي  أي  جزء من الحركة الإسلامية التي تشكل اليوم على امتداد أرجاء الوطن العربي  مع الديمقراطية البديل الآخر للاستبداد .

وليس موضوعنا هنا دراسة العلاقة بين الديمقراطية والحركة الإسلامية على اختلاف مشاربها وتعقيد طيفها  وتحوّل مواقفها ،  وإنما القصد التعرّض لموقف معيّن  يشكّل بالنسبة لنا فرصة أخرى للتعمق في إشكاليتا .

ويمكن أن نأخذ الشيخ عبد السلام ياسين مثالا على نوع من المفكرين الإسلاميين الرافضين  الديمقراطية لا لأننا لسنا أهلا لها ولكن لأننا لسنا أهلها .

وفي كتابه حوار مع الفضلاء الديمقراطيين يغلّف الشيخ السمّ بالدسم  .

'' إنه نظام الاستقرار على علاته . هو اقل الأنظمة شرا كما يقول الزعيم الإنجليزي تشرشل . وعلل الديمقراطية في بلاد الديمقراطية الأصيلة أمراض شيخوخة لا أمراض طفولة . تتعايش هناك تلك العجوز مع الرشوة والكذب وإعلان الشيء ونقيضه وتعيش في كنف راس المال وتحت جناحه وفي كفالته . عللها فاشية عميقة لكن مجموع مؤسساتها وما تعطيه من موازنة السلطة بالسلطة ومقارعة النقيض ومنازلة الخصم للخصم يؤمن سير تلك القافلة متأرجحة نازلة طالعة ، لها من المرونة رغم شيخوختها ما يقويها على تجاوز الأزمات السياسية وقلب الصفحة واستبدال الوجوه كلما استفحلت الأزمة الاقتصادية أو افتضح حاكم ثلجته الصحافة الحرة  إلى الاستقالة ، أو تجاوزت حكومة برمّتها حدود الستر والمسؤولية فيفزع الناس إلى صناديق الاقتراع .

 يفزع الناس ؟ كلا فالديمقراطية الشيخة العليلة في بلادها فقدت مصداقيتها فالناس نفضوا أيديهم من الطبقة السياسية لا يثقون بها أو هم في كرنفالات انتخابية دورية تعودوها وأنشئوا على عادة الاختلاف الدوري إلى مخادع التصويت . ثم عن الديمقراطية الحديثة زحمة إعلامية عمادها الصورة والقدرة على مخاطبة الناخبين بما يهواه الناخبون . أموال ضخمة تنفق وخبراء في اختيار لون ياقة المرشح وحركته ومشيته وطراز بذلته ونبرة كلامه . الديمقراطية الحديثة مسرح وتمثيل وبهرجة ومن وراء المسرح مصالح وراس مال ومساومات وبيع وشراء ''.

وثمة إشكالية كبيرة أخرى في العجوز العليلة خاصة هذه المرّة باستيطانها وطننا :

''أن تختار النخبة طريق الديمقراطية عن وعي وسابق نظر ثم تدلس هذه البضاعة المستوردة على أنها الجنة في الدنيا ساكتة عن لازمتها العميقة التي هي بمثابة الروح من الجسد فهذه خيانة عظمى .

لو قالوا للناس أن الديمقراطية جسم روحه الائيكية أي الانفصال عن الدين وعزل الدين عن الساحة العامة لكانوا هم النزهاء الجديرين بما يستحق النز هاء من الاحترام .

ثم لن تكون الديمقراطية الحرة النزيهة الائيكية طبعا وصنعا ولزوما إلا محوا تدريجيا لتاريخنا وهويتنا وخصوصية كينونتنا وشرف وجودنا الذي هو أننا حملة رسالة للإنسان ، حملة رسالة من رب العالمين إلى العالمين ''.

وهنا لابدّ من تسجيل ما يقع فيه الشيخ من غلط ومغالطة  عندما  يوهم قارئه بان الديمقراطية تعني آليا الائيكية ورفض الدين .

فهو  يأخذ من الديمقراطية شكلها الفرنسي جاهلا أو متجاهلا أنه ليس أمام الشكل الأوحد أو الأكمل للديمقراطية وإنما أمام واحد من أشكالها التاريخية .

إن  الديمقراطية بنيت في فرنسا على الفصل التام بين الدين والدولة لأسباب تاريخية تتعلق بضلوع الكنيسة مع الأرستقراطية قبل الثورة  وحلفهما المتين لتأصيل الاستبداد . فجاءت ردّة الفعل لا كرفض للدين بقدر ما كانت رفضا للأرستقراطية الدينية كجزء من الأرستقراطية المستبدة .

 وهكذا جاءت الثورة الفرنسية معادية للكهنوت خلافا للثورة الروسية التي كانت معادية للدين إلى درجة أنها  حاولت اقتلاعه من جذوره  والقضاء عليه وليس فقط إبعاده عن السلطة .

وكل ما فعلته الائيكية لأنها لائيكية ديمقراطية وليس ملحدة ، أنها أعطت للدولة استقلالها عن الدين وفي نفس الوقت منحت   الدين  استقلاله عن الدولة لتمنع تكوّن أرستقراطية سياسية-دينية مثلما كان الحال عندما كان الكردينال ''روشيليا'' أو الكاردينال ''مازاران ''يحكم فرنسا الإبنة الكبرى للكنيسة الكاثوليكية  .

و ينسى الشيخ ياسين التجارب الأخرى  التى تتعايش فيها الديمقراطية مع دولة ليس فيها مثل هذا الفصل . ففي بريطانيا  تكون الملكة أو الملك رئيس الدولة ورئيس الكنيسة . وفي الولايات المتحدة الأمريكية ثمّة تمازج وتقارب بين الدين المسيحي والدولة .ويكتسي الأمر صبغة أمتن في إيطاليا حيث حكم البلد قرابة نصف قرن حزب ديمقراطي مسيحي .

إن  علاقة الديمقراطية بالدين ،  ممثلا في كهنوت أو طقوس وقيم ،  محدّدة في كل بلد بتاريخ الصراع بينها وبين الأرستقراطية .

ففي بريطانيا تم نوع من الوفاق الذي بموجبه أعطت الأرستقراطية للديمقراطية حق الحكم مقابل المحافظة على بعض التنازلات منها عدم الفصل بين الدين والدولة .

 كذلك بقيت  العلاقة جدّ وثيقة في الولايات المتحدة لسبب سياسي هو وجود الدين والدولة في نفس الخندق لمواجهة خطر مشترك  هو  الاتحاد السوفيتي الذي كان يجمع الاستبداد والإلحاد .

 فثمة إذا جملة من الحلول الممكنة والمتباينة في علاقة الدولة بالدين ، والنموذج الفرنسي ليس إلا أحدها .

إنّ الديمقراطية لا تعادي الدين أبدا ،  فلم يعرف في بلد ديمقراطي انه وقعت حملات لاستئصاله لأن هذه  خاصية الأنظمة الاستبدادية الأيدلوجية  وحدها مثل الشيوعية  والنازية  وذلك لسبب بسيط أن من أهمّ مبادئ الديمقراطية حرية العقيدة والضمير وإن حصل تجبرّ من طرف فإنه تجبّر الدين (أي الكهنوت بما هو ارستقراطية ) على الديمقراطية وليس تجبّر الديمقراطية على الدين  .

وما دامت الدولة تحترم حق المعتقد أي المعتقد المخالف للدين الرسمي للدولة وما دام   رجال الدين لا  يطمحون للتصرّف كأرستقراطية لها حقوق تفوق حقوق المواطنين أو تخرقها ، فإنه لا يبرز خلاف جوهري لأنّ الديمقراطية ليست دينا بديلا وإنما تقنيات للحكم تهدف لمنع الاستبداد ولا يوجد التناقض إلا إذا تغلف الاستبداد بثوب الدين  وآنذاك يصبح الصراع بينهما سياسيا وليس عقائديا .

يبقى الآن أن نبتّ في بقية موقف الشيخ ياسين وهو أننا بغير حاجة للمستورد بما أنه لنا اكتفاء ذاتي  في ميدان الحقوق والحريات بفضل  أسلوب حكم نابع من تراثنا  وليس فيه  أي من عيوب العجوز المريضة  : الشورى .

إلاّ أنّه ثمّة إشكالية في تعريف  هذا النظام المثالي  وهنا يقول الشيخ   ياسين :

''روح الشورى تتجلى أوّل ما تتجلّى في تطلع المؤمنين إلى ما عند الله . المؤمنون في الدنيا لهم معنى واتجاه ومقاصد . هنا لا يصح لهم معنى ولا يستقيم اتجاه إلا إذا طابقت مقاصدهم مقاصد القرآن الكريم ''

يبقى أن نحدّد الآليات التي تستطيع ترجمة الروح إلى فعل يحقق للإنسان حاجياته . وهنا يواجهنا الشيخ بضبابية في الرؤية لا تبشر بخير حيث يقول

''أما الشكل والمساحة والإجراء والتنظيم فأيما وجه كان أجدى كان أولى ''

وبالطبع نحن لن نعلم من يحدد الوجه الأجدى والأولى ووفق أي قواعد ويترك  الشيخ الأمور مفتوحة قائلا ''على محك الأعمال نرى إن شاء الله أي شكل يخدش في مثلنا الأعلى ويهدد وجه الشورى بالتسويد''.

وهكذا نواجه بعرض سخي ولكنه فارغ من كل مضمون . فتحت الكلمات الرنانة للإيمان  والمقاصد والمؤمنين الخ ، لا نجد سوى إشارة غامضة إلى تجربة تاريخية لم تعمّر طويلا ولا نعرف عنها ما نعرف من  حال العجوز العليلة التي جربتها شعوب من مختلف الأديان والثقافات على امتداد العالم .

وينسى الشيخ بطبيعة الحال أن يفسر لنا لماذا لم ينجح المسلمون في تطبيق هذه الشورى على امتداد خمسة عشر قرنا من التجريب التاريخي بل اثبتوا وفي ظل المفاهيم التي يريد تسويقها لنا قدرتهم على التفنن في كل أنواع الاستبداد ،  ولماذا لا نرى لها أثرا في اكثر الأنظمة تشدّدا في أمور الدين مثل  أفغانستان أو السعودية أو السودان ، ولماذا لم تبدأ مؤشرات الخروج من الظلمات الاستبدادية إلا على ضوء هذا الفانوس المستورد .

وعلى كل حال فإننا  سنتعامل مع  الموضوع بمنطق المثل الفرنسي'' عصفور في اليد ولا عصفورين فوق الشجرة'' والعصفور الذي في اليد هو التجريب التاريخي والعالمي لأكثر الأنظمة السياسية قدرة على محاربة الاستبداد والحفاظ على الحدّ الأدنى من الأخلاق والقيم في ممارسة الشأن العام .

إن الشيخ ياسين لا يمثل لحسن الحظّ إلا جزءا من طيف الإسلام السياسي حيث يرى الشيخ راشد الغنوشي مثلا أن آليات الديمقراطية الحديثة أقرب صور التطبيق الحديث لقيم  الشورى .

                                              ** *


                            3-إجابة  التحدّي والنضال  .

 

ومن عيوب  الديمقراطيين في العالم الثالث والعربي خاصة  انهم يتعاملون مع الديمقراطية  بنفس العقلية التي تعاملوا بها مع الاشتراكية في الستينيات .

فأيّا كانت ''العقيدة '' التي نختارها ترانا نسارع للإيمان بأنها الوصفة الجاهزة المكتملة الأوصاف والحال أن الديمقراطية  مثل الاشتراكية  أو الليبرالية أشكال حية تولد وتتطور وتمرض وتهرم وتموت وتولد في شكل جديد جد مختلف أحيانا عن شكلها القديم  وهي ككل الأعمال البشرية تخطئ وتصيب  ولها حدود ومضاعفات سلبية .

 ومن هذا المنطلق لا بد للديمقراطيين العرب إن أرادوا أن يثبتوا جدارتهم بالديمقراطية أن يتعاملوا معها لا كوصفة جاهزة وإنما كمنظومة تاريخية بصدد التجريب عليهم  أن يشاركوا في تطويرها  .

يقول  الشاعر :

 وعين الرضى عن كل عيب كليلة      وعين السخط تبدي المساوئ .

و يكون من النافع أن نستعير عين السخط من أعدائنا دوريّا ،  لتبدو لنا المساوئ التي لا تراها عيننا لأنها عين الرضى .

وفي إطار هذه المنهجية نكتشف أن الرجل  لم يجانب الصواب ولم يتجنّى على الديمقراطية وهو يصف الكرنفال الانتخابي وسيطرة المال عليه وتقنيات الإشهار في تلفيق الشخصيات والبرامج البراقة التي تحاول خداع الشعب

ولولا هذه العيوب الحقيقية  لما وجدنا تفسيرا مقنعا لعزوف ثلث الناخبين اليوم في الغرب عن الذهاب لصندوق الاقتراع وما من شكّ اليوم أن الانتخابات أصبحت تخضع لتقنيات التسويق والإشهار وربما غدا لمعاملات البورصة كتحديد أسعار أصوات الناخبين .

فثمّة اليوم في أغلب البلدان الديمقراطية كمّ هائل  من الأموال المستعملة للتأثير على الرأي العام.

وهذه الأموال التي تصرفها  الأرستقراطيات الجديدة ، لأنها وحدها القادرة على ضخّ مثل هذه الموارد ،  أصبحت تعيد لسدة الحكم  ما  جاهدت الديمقراطية للتخلّص منه .

وهكذا أصبحنا نرى الانتخاب يحمل لسدة الحكم مليونيرا في تايلندا ومليونيرا في لبنان ومليونيرا في إيطاليا ناهيك على ما يحدث في أمريكا حيث تظهر الإحصائيات أن نسبة أصحاب الملايين في مجلس الشيوخ تفوق بخمسين مرّة النسبة العادية في أي مؤسسة عادية .

وفي هذا الصدد تقول جريدة لوموند 16 ماي 2001-

''الفساد  ، التهرب الجبائي ، استغلال الأموال العامة ، سلفيو برلسكوني هو رجل الملفات القضائية الثقيلة . ومع هذا فإن  انتصاره سيسمح لأغنى رجل في إيطاليا بأن يكون للمرة الثانية رئيس الحكومة ''

وفي نفس السياق كتبت مجلة ''الايكونومست'' لشهر ماي 2001 بخصوص شهرة رجل أعمال فاسد فرنسي هو برنارد تابي : ''إن الجمهور سواء تعلق الأمر بأنصار أندية كرة القدم أو الناخبين يبدو قليل التأثر بقضايا الفساد . ثم إن ليونال جوسبان الرجل النظيف  ليس ضامنا لنجاحه  في الانتخابات الرئاسية المقبلة رغم أنه جوهر الاستقامة ،  في حين أن جاك شيراك الذي اتهم في العديد من قضايا الفساد ليس  بعيدا عن النجاح فيها لأنه يعرف كيف يتصل بالناس '' .

فهل  قدر نضالنا وتضحياتنا  أن نحقّق مثل هذا النظام الذي تبدو فيه الجماهير منقسمة إلى خادعين ومخدوعين ، إلى ناخبين يعاملون كمستهلكي بضاعة اسمها الانتخابات  لا تفعل في آخر المطاف سوى إعادة الأرستقراطيات المخفية إلى السلطة بل وبتفويض من الشعب  وهذه قمة سخرية الأقدار .

هنا  يواجه الديمقراطي بأمتحان صعب لفناعاته  .

 كيف يمكن  تبرير أمر كهذا ؟ وإن لم نستطع تبريره فما العمل ؟ هل ننكر وجود الظاهرة ؟ هل نقلّل من أهميتها ؟ وإن قبلنا بها فهل نتخلّى عن الديمقراطية ؟ لكن لصالح ماذا ؟ أنعود للاستبداد مفضلين ''حسناته'' على عيوب الديمقراطية ؟ أم نحاول بلورة أشكال جديدة من الديمقراطية ؟

لنذكّر في البداية أن  الديمقراطية  آليات   في خدمة أهداف   تنبثق من قيم . فلنتثبت من صلابة كل هذه المكونات ومن تناسقها بينها حتى لا يأتي البناء الذي نريد بناءه لحمايتنا من الاستبداد عمارة مغشوشة تنهار على رؤوسنا في يوم ما .

 

 

القيم  الديمقراطية .

 

راينا إن  ما يحرّك  المدّ الديمقراطي حسب Tocqueville هو مطلب المساواة . فثمة شعور فطري داخل كل إنسان بكرامته وبأن له حقوق وليس فقط واجبات وأنه ندّ لأي إنسان آخر ما دام مثله يولد ويموت .

 لكن هناك  مطلب لا يقل عنه عمقا هو التمايز والامتياز وهو الذي يولّد باستمرار كل أشكال الأرستقراطية . وهذا المطلب  له جذور بيولوجية حيث كانت ظروف الصراع من أجل بقاء المجموعة تفرز الأقوى وتعطيه امتيازات ''طبيعية '' . ويعني هذا أن  مطلب التميز من بقايا عهد الطبيعة لم تنجح الحضارة في إزالته وربما لن تنجح في استئصاله إما لعمقه في التكوين البيولوجي للإنسان أو لأنه ما زال صالحا لبقاء وتطوير الجنس البشري.

ونحن نرفض المطلب الأرستقراطي لأنه يتصدّى لحاجة  المساواة وخاصّة  لتكلفته  من عنف وظلم ضروريان لإرساء اللامساواة الارستقراطية .

لنلاحظ عرضا أن من ترتبات القبول بالمساواة  القبول بالتعددية .

فالتعددية هي  النتيجة الطبيعية للإيمان بالمساواة ليس فقط بين الأشخاص لكن أيضا  بين ما يبنونه من أفكار ومؤسّسات .

إن إحدى أهم أسباب الخصام المنهك لقوى الوطن هو رفض السلطة الاستبدادية الدائم للتعددية الفكرية السياسية الاجتماعية للشعب وإصرارها العنيد على ''التوحيد'' و''الوحدة'' و''الرأي الموحّد'' أي الانصهار في البوتقة الأكثر تماشيا مع مصالحها.

لكن رفض التعددية ، ومن بين مظاهره  التعصب الديني والعرقي  والجهوي ،  ليس خاصية النظام فحسب. إنه متغلغل في أعماق النفوس ولربما هو ألعن تركة ورثناها من الماضي.

وفي مثل هذه المجتمعات تتميز العلاقة بين الناس بالتتابع على الإقصاء والوصاية . فثمة دوما جزء من المجتمع يرفض باسم قيم مصالحه ومصالح قيمه لجزء آخر الحق في الوجود ، وهو ما يتطلب تجنيد جهاز قمعي دائم العمل لفرض الأحادية السياسية والفكرية والعقائدية على مجتمع فيه دوما وبصفة طبيعية ،  مكونات مختلفة  ومصالح متناقضة .

والقيمة الثانية في سلم القيم الديمقراطية هي العدالة ويمكن القول أنها قيمة وثيقة الارتباط بالمساواة أو أنها من ترتباتها المنطقية .

وفي هذا المضمار يجب الاعتراف بأن آليات الديمقراطية أبدت عجزها الفاضح عن تحقيق هذه القيمة ففي بلدين عريقين في الديمقراطية مثل بريطانيا والولايات المتحدة  تجد فوارق طبقية فادحة .

فربما يكون هذا لفعل القيمة الثالثة الحرية أو بالأحرى للآثار الجانبية لها حيث تسمح للأقوى بأن يتحرّك بأقصى الفعالية وأن يغتنم كل الفرص لإعادة التمايز .

و تتميز الديمقراطية عن كثير من المنظومات القيمية الفكرية التي تعاقبت على مرّ العصور لحلّ مشاكل الإنسان  بالتركيز على هذه القيمة الأساسية رغم خطرها الواضح على المساواة والعدالة .

فالحرية جزء أساسي ومكوّن من سلم القيم الديمقراطية  لأنها أسمى تعبير في الواقع والممارسة عن المطلب الأساسي الذي يشكّل  دعامة كل سلم قيمي في أي منظومات فكرية-سياسية :  الكرامة .

 فلا كرامة للإنسان بدون حرية ولا حرية للإنسان إن لم يكن الاعتراف بكرامته سابقا لها ومهيّأ لتبلورها .

 وثمة قيمة أخيرة  يغفل عنه الكثيرون وهي السلم .

فالديمقراطية منظومة أخلاقية اختارت السلم  على  الحرب حتى ولو فرض الاستبداد عليها  الحرب .

ويكتشف  المتأمل بعمق في آليات الديمقراطية كيف تتعامل بكثير من الذكاء مع المخزون العنفي الموروث من عهد الطبيعة .

 فهي لا تنفيه أو تحاول التخلص منه بالطريقة السحريّة التي نرها في المسيحية أو حتى عند غاندي وإنما هي تحوّل مجراه كما تحول مجاري الوديان الصاخبة للتحكّم في زخمها تولّد منها الطاقة الكهربائية بدل تركها تغرق الحقول وتتسبّب في المجاعة .

وتقع عملية التحويل هذه  بنقل العنف من المستوى لمادي إلى المستوى الرمزي .

فالديمقراطية  حرب   متواصلة إذ هي  صدام بين ''قبائل'' سياسية تسمّى الأحزاب و تستعمل معاركها  في  أسلحة لفظية  (هي الأخرى تجرح الخصم وتروم القضاء عليه ) وثمة دوما معركة فاصلة بين الجيوش المتحاربة هي الانتخابات حيث ''يعدم '' قائد و''يتوّج ''آخر. ويتحصل جيش على نصر مبين في حين تلحق هزيمة نكراء بجيش آخر . كل هذا دون أن تسيل قطرة واحدة من الدم في حين تسيل انهار من العرق واللعاب .

 ويبقى اللعب مفتوحا حتى لا تتوجّه بعض الأطراف للعنف الدموي .

لكن كل العملية غير ممكنة من الأساس إن لم يقع الاعتراف من البداية أن الآخر هذا التوأم المخالف هو ظاهرة قارة ولا ينفع وهم في محاولة اجتثاثها.

 وهكذا يكون القبول بالشبيه المختلف قاعدة الحرب السلمية حيث نقبل به ولكن في حدود تواصل صراع غير دموي أي إن الديمقراطية  ليست تعايش  أخيار تطهروا من كل ضغينة ووصلوا إلى قمم المحبة والأخوّة الإنسانية وإنما تعايش خصوم قبلوا لتنقيص خطر القتل الذي يتعرّض إليه كل طرف بقواعد حرب اقلّ دموية .

ويتطلب هذا أن تنظم الديمقراطية التعايش الصراعي بين خصوم حقيقيين ومن ثمة سخافة تزييف الديمقراطية بتنظيم شبه حرب بين نفس المجموعة وإقصاء خصم حقيقي من دائرة الصراع أي إجباره في الواقع على العودة إلى الحرب الدموية .

ومعنى هذا أن الديمقراطية كالشطرنج أو كرة القدم تصعيد وتحويل لغريزة العنف المتأصلة فينا بيولوجيا لضرورة البقاء والتي يمكن أن تصبح هي نفسها عن لم يقع ترويضها عنصرا خطيرا يهدّد الهدف الأصلي الذي  وجدت من اجله .

الأهداف الديمقراطية

إن الديمقراطية مشروع سياسي يروم تجسيم المساواة والعدالة والحرية والكرامة والسلم  التي يريدها سائدة في المجتمع  متحكّمة في نواصيه ،  وليس فقط مدرسة أخلاقية تريد نشر قيمها بالدعوة على شاكلة بعض الأديان أو المدارس الفلسفية .

و يتطلب  الأمر تحقيق جملة من الأهداف السياسية الثانوية مثل وصول المؤمنين بهذه القيم إلى مراكز القرار ووضع  آليات لتسيير الدولة والمجتمع  وإنضاج تجربة تاريخية تركب الموجة التي وصفها Tocqueville وتقودها في اتجاه صحيح لأن هذه الموجة نفسها معرضة للانحراف .

 وفي هذا يقول :

''لا توجد على الأرض سلطة مهما كانت محترمة أو تفترض القداسة في نفسها،  يقبل بأن تتصرف  دون مراقبة والحكم  بدون حواجز .

 فإذا  ترك الحبل على الغارب لأي قوة مهما كانت سميتها الشعب أو الملك أو الديمقراطية أو الأرستقراطية  في ملكية أو جمهورية فإنني أقول : هذه بذور الاستبداد ''.

وهنا يتضّح الهدف الأول الذي تتجنّد من أجل تحقيقه الأهداف الثانوية للديمقراطية  أي منع  عودة الاستبداد القاتل للمساواة والعدالة والحرية والكرامة والسلم ،  ولو كان استبداد الشعب أو استبداد الديمقراطية .

وهنا يبرز السؤال الضخم  : كيف يمكن للشعب أن يستبدّ بالشعب  وهل من الممكن أن تستبدّ الديمقراطية  بالديمقراطية ؟

 يفترض الأرستقراطي خادم الديمقراطية الكبير أن الأمر ممكن الحدوث أي أن المشروع العظيم للديمقراطية قابل للانهيار ليس فقط من جرّاء الحرب الشرسة التي يمكن أن تشنّها عليه من الخارج الأرستقراطيات المتجدّدة ولكن من جرّاء عيوب هيكلية تنخرها من الداخل ويسميها بذور الاستبداد .

إن المتأمل في تاريخ الأنظمة الفكرية السياسية والعقائدية الكبرى التي تتعاقب على مرّ العصور مكتشف لخاصية تكاد تكون قانونا أن تكلّس وتحجّر هذه الأنظمة ثم تدهورها وانهيارها هو نتيجة عيوب هيكلية انبنت عليها و آليات وضعت لخدمة الأهداف الكبرى فأصبحت تعمل ضدّها .

 واقرب مثال لدينا هو انهيار النظام الشيوعي الذي خربت  آلياته مثل ''المركزية الديمقراطية ''قيمه وأهدافه .

فهل يمكن أن تموت  بنفس الكيفية قيم وأهداف الديمقراطية بآليات الديمقراطية ؟

وفي البداية لا بدّ من استعراض هذه الآليات الواحدة تلو الأخرى من منظار قدرتها على تسهيل عودة ما تحاربه : استبداد الأرستقراطيات المخفية وسيادة ممارساتها  من لامساواة وظلم وعبودية وعنف .

-الآليات الديمقراطية .

إنها بالأساس أربعة : الانتخابات التي تنظم الحرب السلمية وتحرس بالتالي السلم الاجتماعي وحرية الرأي والتنظم ومهمتهما بلورة قيمة الحرية وممارستها فرديا وجماعيا  وأخيرا استقلال القضاء الذي يراد به حماية قيمة العدالة .

 ونحن نكتشف بسهولة في هذه الآليات الهاجس الأول للديمقراطية فحرية الرأي تعني بالأساس حرية فضح عودة أي شكل من أشكال الاستبداد وحرية التنظم تضمن قدرة الشعب على التكتل المستقل عن أي شكل تنظيم جماعي تريد الأرستقراطيات المخفية التحكم فيه كالحزب الواحد مثلا . أما استقلال القضاء فالمراد به استقلاله عن أصحاب القرار السياسي الذي يمكن لهم تغليف الظلم برداء العدل .

والإشكالية الآن استعراض فعالية هذه الآليات في التعرّض لعودة الاستبداد أو حتى كما أسلفنا دورها في تسهيل عودته .

1-الانتخابات :

 إن تركيز الشيخ ياسين عليها  للهجوم على الديمقراطية ليس من باب الصدفة وإنما من باب التكتيك الحربي فأنت لا تهاجم قلعة تريد الاستحواذ عليها إلا من أضعف تحصيناتها.

وينسى الشيخ أو يتناسى بالطبع   أنها ليست كلّ  الديمقراطية وإنما ركنا  من أركان أربعة تحاشى الهجوم على بقيتها لأنه ليس من السهل إبراز عيوب هيكلية في ممارسة حرية الرأي والتنظم واستقلالية القضاء بخطورة العيوب التي يعاني منها الركن المريض للديمقراطية .

 وفي هذا المستوى من النقاش ندخل مستوى قلما ما يطرقه الديمقراطيون هو عيوب وحدود الديمقراطية .

فإذا كانت الانتخابات التاسعة والتسعينية هي كاريكاتور النظام الاستبدادي تجسّم ما فيه من زيف وخديعة وقلة حياء ، فإن الانتخابات الاشهارية هي كاريكاتور الديمقراطية تبلور ما فيها من  فلسفة السوق وممارسته حيث تكون الأفكار والأشخاص بديل للسلعة التي تباع للمستهلك في إطار التنافس على الفوز بالصفقة 

وبصرف النظر عن طريقة تنظيم الانتخابات  وقدرتها على أن تحمل لموضع القرار من نجح التسويق في تسويقهم دون أن يعني هذا أن لهم  الكفاءة المطلوبة ، فإن هذه الانتخابات  لا تعكس إرادة الشعب وإنما في احسن الحالات  إرادة القوائم  الانتخابية .

وإذا تذكّرنا أن نسبة المنتخبين المرسمين لا تتجاوز الثلث مثلا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية فإننا نعي بقلة تمثيليتها لإرادة الشعب .

ومن خيبة أمل إلى بروز الاحتقار للطبقة السياسية إلى هجر صناديق الاقتراع ترى المؤسسة الديمقراطية تذبل كالزهرة المجتثّة من عروقها .

 إن أمراض الركن الرابع قادرة على تقويض الصرح بأكمله لأنه ليس جليا للجميع أن  القضاء المستقل والصحافة الحرة والنقابات والجمعيات  المستقلة هي أيضا الديمقراطية . وهكذا يتجدّد الحلم بالمستبد العادل القادر على تخليص الشعب من هؤلاء السياسيين المحترفين الذين يتعلم استهجانهم والشكّ فيهم وهو يراهم ينفقون الأموال الطائلة ويخطبون ودّه كذبا وتزلّفا  ويغدقون الوعود الذي يعلم انهم عاجزون  من الوفاء بها .

 كيف نجعل الشعب ممثلا ومشاركا في صنع القرار؟ كيف نعطي للعملية هيبتها الضرورية ؟ كيف نقنع اكبر عدد ممكن من الناس بالمساهمة في واجبهم المدني ؟ كيف نتفادى  اللجوء إلى التهريج الرخيص بما يصحبه من تبذير أموال طائلة وحملات اشهارية يسوّق فيها المرشّح كما تسوّق أنواع العطور أو معجون الأسنان ؟ كيف نتأكد من اختيار احسن ممثل  وكيف نضع الشخص المناسب في المكان المناسب ؟

إنها تحديات نظرية مستقاة من تجارب على امتداد العالم بأسره تستفزّ  فينا المخيلة وقدرة الابتكار.

وفي كتابي الاستقلال الثاني طرحت للنقاش  جملة من الأفكار منها الترشيح  والتصعيد والتأهيل  للخلاص من الانتخابات الإشهارية التي تمولها الأرستقراطيات المخفية للعودة من الشباك بعد طردها من الباب .

وفي تصوري يقع التركيز في بناء الديمقراطية  انطلاقا من القاعدة أي  المؤسسات القريبة من الناس  مثل لجان المتساكنين ، ونسيج الجمعيات المدنية على الصعيد المحلي والجهوي والوطني .

وفي هذه الحلقات الضيقة يستطيع الناس أن يعرفوا بعضهم بعضا وأنّ يختاروا من يرونه صالحا لإدارة الجمعية وفق تداول سريع على المسؤولية .ويقع الأمر في إطار انتخاب سري لمهمة  لا يتقدم إليها الشخص وإنما يقدّم إليها فإن لم يقبلها قدّم آخر

 ولا يعني الترشيح تعيينا سريا يخضع لأهواء المقترعين وربما لحملة ترشيح سرية يقوم بها مرشحون لا يفصحون عن طموحاتهم وينصب جل وقتهم في خطب ود من ينتظر منهم الترشيح .فالترشيح عملية متأنية يجب وضع قواعدها بمنتهى الدقة لتفادي كل العيوب الممكنة التي يمكن أن تتمخض عنها ولو انه يستحيل إيجاد  آلية ليس لها عيوب .

والتصعيد هو أن تعيّن  الهيئات المدنية بنفس  الكيفية ممثلّيها في مستوى أعلى كأن تفرز الجمعيات الكبرى في مدينة ما مجلسها البلدي الذي يفرز بنفس الكيفية المجلس الجهوي  وهذه المجالس الجهوية تفرز البرلمان الذي يفرز بدوره رئيس الجمهورية .

والتأهيل هو أن لا يرشّح أحد لمسؤولية إلا إذا توفرت فيه شروط فهل يعقل أن نسلم البلديات والبرلمان ورئاسة الجمعيات وحتى رئاسة الدولة لأناس لا يتوفرون على القدر الأدنى من الضمانات والحال أننا نطالب بها عندما يتعلق الأمر بتسيير مؤسّسات ''بسيطة '' مثل مطار أو مستشفى أو مدرسة مهندسين .

فلا بد من توفّر شروط  من يقع ترشيحهم مثل الخبرة والأخلاق وقد يكون من المستحسن أن يرشّح اكثر من واحد للمسؤولية وان يطلب منهم شرح تصوراتهم وبرامجهم في إطار تقني بالغ الاختصاص وبعدها يتم الاختيار على قواعد قد لا تكون مثالية ولكنها تبقى في كل الأحوال احسن ألف مرة من الدمغجة والأكاذيب والإشهار والوعود التي يتقدم بها مجهول لمجموعة غامضة من الناس تختار من يمثلها كمن يرمي بزجاجة في البحر .

وعيب مثل هذا التنظيم أنه يترك العنفوانية بدون متنفّس والحال إن إحدى أهداف الديمقراطية كما رأينا ترويض العنف بنقله من الفعل الجسدي إلى الفعل الرمزي .

 والحق أن الصبغة الحربية للانتخابات الإشهارية تضعف في مثل هذا التنظيم ولكنها لا تختفي . فالتجنّد في شكل التنظيمات المتصارعة وحرية الرأي  تساهم في تفريغ مخزون الضغائن المتولد عن تواصل جيوب تصغر أو تكبر من اللامساواة ومن الظلم وحتّى من الاستبداد المقنّع .

 ثمّ إن عمليّة الترشيح يمكن أن تكون عمليّة صراعيّة وكذلك الفرز بين مختلف الأشخاص الذين وقع ترشيحهم .

إن هذه الأفكار ليست لغلق النقاش وإنما لفتح أبوابه على مصراعيه لاكتشاف سبل أذكى وأنجع لتمثيل الشعب من الانتخابات الإشهارية الديماغوجية .

والحل إن وجد لا يمكن أن يخرج إلا عن تفكير جماعي يشخّص بدقة أمراض النظام الانتخابي الغربي ويقترح حلولا تجرب لفترة ما لتتمّ  مراجعتها إن أظهرت قصورا ما  حتى تبقى الآليات دوما في خدمة الأهداف ولا تنقلب الأهداف إلى غطاء لعمل آليات لا تعمل إلا لمصلحتها إي لمصلحة من نجح في الاستحواذ عليها لتفويضها لأخسّ المآرب باسم أنبل القيم .

2-حرّية الرأي

 لنتصوّر كيف يمكن لعين السخط أن ترى عيوب بقية الآليات لنبرز ما فيها من ثغرات  قد ينفذ منها العدوّ .

 ولا أسهل من وضع الإصبع على عيوب حرية الرأي لما توفّره من فرص لتسويق العنصرية والتعصب والجنس والشعوذة والهجوم على الأعراض خاصة وأن الصحافة في كل مكان لا تعيش إلا بما هو مثير .

 والحق أن هذه الحجة ضعيفة ومردودة على أصحابها لا لعدم وجود الظاهرة وإنما لأنها  من السلبيات التي هي ثمن الإيجابيات .

إن  ما ننساه عادة  أنه لا توجد خيارات  في أي ميدان من ميادين الحياة  إلا وكان لها إيجابيات وسلبيات وردود فعل على هذه الأخيرة  .

وهذا قانون يسري على الخيارات في ميدان الحياة الخاصة مثلما يسري على خيارات شركة في انتهاج طريقة لتسويق بضاعتها مثلما يسري على اختيار الدولة لسياسة معينة في ميدان الصحة أو الاقتصاد الخ .

إن من يحلم بخيارات ليس فيها سوى الإيجابيات كمن يحلم بجسم لا يموت أو بطاقة لا تنضب أو بحركة ميكانيكية لا تولّد الحرارة .

ومن نافل القول أننا نختار دوما ما نختار بحثا عن أقل الحلول ضررا لأننا ندرك في أعماقنا قوّة هذا القانون واستحالة الهروب من قبضته .

ويبقى أنّه يمكن التقليل من هذا الذي يسميه العسكريون ''الآثار الجانبية '' ففي ميدان حرية الصحافة تستطيع المهنة تنظيم نفسها وفق ميثاق شرف مهني تسهر على تطبيقه هيئة  مثل عمادة  الأطباء والمحامون  لها حق التتبع والجزاء . وهناك بالطبع القانون المكلف بحماية الحياة الخاصة والسمع ومنع التحريض على العنف والعنصرية الخ .

 إلا أنه من السذاجة تصوّر القضاء على ''الآثار الجانبية '' لحرية الرأي أو الحلم برقابة ديمقراطية  فهذه السلبيات كانت وستبقى إلى الأبد جزءا  لا يتجزّأ من حرية الرأي .

والحقّ أن الخطر الكبير لا يأتي من التجاوزات بقدر ما يأتي مرّة أخرى من استحواذ السلطات المخفيّة على هذه الآلية وذلك عبر ما تتطلبه وسائل الإعلام الحديثة من أموال طائلة لا تقدر عليها إلا الدولة أو الأرستقراطيات المالية .

 وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يجب أن تواجهه الديمقراطية قبل أن تسقط جلّ وسائل الإعلام الكبرى في قبضة حفنة من الأشخاص يمكنهم محاولة التصرف في الرأي العام .

 إن دور الدولة الديمقراطية كبير في حرب المواقع هذه وذلك بتحصين المواطنين بثقافة إعلامية تمكنهم من فرز السمين من الغثّ ، وفرض حق الردّ على الأجهزة المستقرّة بأرضها ، ووضع أجهزة إعلام رفيعة المستوى والنزاهة والمصداقية ليقبل عليها مواطنون معرّضون بحكم تكاثر الفضائيات إلى كلّ أنواع الدعاية والتضليل.وفي الواقع فإن الدرع الحقيقي ليس أي حل تقني يمكن للأرستقراطيات المخفية أن تلتف حوله وحتى أن تستولي عليه بقدر ما هو توسيع رقعة المواطنة الحقيقية .

3-حرية التنظّم :

 إن العيب الهيكلي الذي يتضمنه هذا الحق هو تمكين الأرستقراطيات الجنينية من التشكل في رحم الديمقراطية للقضاء عليها وفق السيناريو النازي المعروف . فالديمقراطية هي التي سمحت لهتلر بالتنظم ثم بالفوز بالانتخابات سنة 1933 لتنتهي معه الديمقراطية في ألمانيا وتعود الحرب وباقي قيم الأرستقراطية من لا مساواة واستبداد .

ونحن هنا مجددا أمام الآثار الجانبية لكل خيار مهما كان صائبا ولا أصوب من خيار حرية التنظم للجميع .

 ومعنى هذا أننا مطالبون بتصور حلول تقنية تخفف من ثمن الآثار الجانبية وترك وهم التخلص الكلي منها .

وقد سبق أن اقترحت في كتاب الاستقلال الثاني أن يكون حق التنظم مشروطا بوجود الديمقراطية داخل التنظيم المرخّص له مبدئيا . فإن ثبت مثلا أنه لا يعرف التداول داخله على المسؤولية الأولى ويرفض حق الاختلاف ناهيك عن رفضه لأهداف الديمقراطية وقيمها فإنه يمكن حلّ مثل هذا التنظيم ومواجهته بالقوّة إن تطلّب الأمر لأن الديمقراطية ليست نعجة للذئاب وإنما فيل نباتي مسالم لكن له من الحجم والقوّة ما يجعله قادر على إرهاب الكواسر والحدّ من غطرستها .

ومن نافل القول أن القضاء المستقل هو وحده المخوّل بحلّ التنظيمات المعادية ، وهذا ما يجرنا للحديث عن ثغرات هذا الركن .

4-القضاء المستقل .

لقد  طرحت مثل هذه الإشكالية عندما بدأ القضاة في إيطاليا وفرنسا في نهاية سبعينات القرن الماضي  يتابعون رجال السياسة في قضايا الفساد فضجّوا بالشكوى من ''الاستبداد بالقضاء '' وهو مفهوم مضحك  لكن ثمة فعلا إشكالية حقيقية هي قضية من يحاسب القضاء بما انه مستقل عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ويمكن أن يحمي نفسه حتى من سلطة الصحافة ؟

ففي نظام ديمقراطي تشكّل المسؤولية جزءا لا يتجزّأ من الحقوق والواجبات ، فرجل السياسة مسؤول أمام الشعب  ومسؤول أمام القضاء ناهيك عن مسئوليته أمام حركته السياسية أو عن مسئوليته تجاه ضميره .

كذلك ترى رجل الإعلام مسؤولا أمام هيئته المهنية والقضاء في حالة التجاوزات .

 فمن يضمن أن القضاء المستقل لا يرتكب هو نفسه أخطاء وتجاوزات هي من صميم طبيعة البشر والتعقيد المتصاعد لمشاكلهم ؟

إن الخوف من قضاء لا رقابة عليه لأنه هو الرقيب على كل شيء ، مشروع حيث لا يوجد بشر معصوم من الخطأ ولا توجد مؤسسة لا تميل إلى الطغيان إن لم تجد قوّة مضادّة تحدّ من شططها .

وثمة بالطبع آليات التنظيم الداخلي لكل مهنة ومؤسسة فيترك للقضاء حق التتبع والجزاء لكن من الضروري أن تكون هناك عين خارجية تقيّم فعالية القضاء وحياده واستقلاليته ونزاهته وتنشر تقريرا وتتقدم بتوصيات للقطاع وللجهاز التشريعي الذي لا ننسى أنه مصدر القوانين التي يسهر القضاة على تطبيقها .

 ويمكن لهذه الهيئة أن تتألف من طيف المجتمع المدني ومن مختصين لضمان الأقصى من الموضوعية والنزاهة .

*

وفي آخر المطاف فإن أيّ آلية مراقبة نضعها لا يمكن إلا أن تخضع هي الأخرى لقاعدة لا إيجابيات بدون سلبيات .ومهما حاولنا الخلق والابتكار فلا بد أن تجد قيم الأرستقراطية وممارساتها منفذا ومهما بنينا من دعامات صلبة مثلما لا  بدّ أن تحدث أشياء وتطورات لم نقرا لها حسابا ، ولا بدّ للزمن أن يفعل فعله في ما نظنه أزليا .

وقد يكون من الأضمن أن نبني مؤسساتنا الديمقراطية انطلاقا من هذه الخصائص المهيكلة التي لا يمكن أن نقفز عليها أي أن نبنيها ونحن نعلم أنها ستبلى وتهرم وستتكلّس وسيدبّ فيها الموت ، وستصبح جزءا لا يتجزّا من نظام استبدادي جديد .

 والسؤال كيف نخرج من هذه المفارقة ؟

 إن الردّ هو ما تقدمه لنا الطبيعة فهي تراهن على التجدّد وليس على البقاء الأزلي لأيّ  شكل من الأشكال التي تخلقها . يجب إذن أن نحفظ ديمقراطيتنا بشحنها بقوّة التجدّد التي تمكنها من إعادة الانطلاق في ثوب آخر كلما استهلك الزمن شكلا قديما لها  أو كلما استطاعت الأرستقراطيات المخفية الاستيلاء على مفاتيح القلعة المحاصرة باستمرار من الخارج والتي تسرب لداخلها اكثر من عميل .

ولا يوجد ضمان للتجدّد وينبوع لا ينضب له  قدر المجتمع الديمقراطي الذي إن لم ننجح في إيجاده كنا كمن يبني مؤسسات الدولة الديمقراطية  على  دعامات من طين

المجتمع الديمقراطي

هو المجتمع الذي يتعايش فيه أشخاص أحرار ومسؤولون .

 وهم أحرار لأنهم يختارون مواقفهم لا تحت الضغط والإكراه وإنما عن قناعة نابعة من داخلهم بأن هذا الرأي أفضل من ذلك وهذه السياسة اضمن لمصالحهم من تلك وهذا الشخص أقدر من شخص ثاني على الدفاع عنها

 وهم مسؤولون لأنهم يدركون أن حريتهم تتوقف أين تبدأ حرية الآخر وان حقوقه هي واجباتهم بنفس الصفة التي يريدون أن تكون حقوقهم واجبات الآخرين .

إن من ينظم الحرية المسؤولة أو المسؤولية الحرّة في مثل هذا المجتمع هو القانون الذي يحدّ من الحرية للحفاظ عليها ويوزّع المسؤولية على الجميع بكيفية عادلة تعلق الأمر بصبغتها الإيجابية أو بصبغتها الجزائية .

ولا شيء يعكس بعد مجتمعاتنا العربية عن مجتمع الأحرار المسؤولين قدر طبية القانون الذي يحكمنا وعلاقتنا به . 

فنحن ، نخشاه ولا نهابه ،  نخضع له ولا نحترمه ، نستسلم له ولا نسلّم به ،  نتحايل عليه ونخرقه كلما سنحت الفرصة ، لا نؤمن به  وإنما بالواسطة ، نتعامل معه مثل ما نتعامل مع شرّ لا بدّ منه .

وهذه  اسواط متعدّدة لمن يحب جلد الذات وكلمات تستخرج من سياقها لمن يريد التدليل على عدم أهليتنا بالديمقراطية .

إلا أننا سنظهر خور الموقفين لأن هذه العلاقة بالقانون ليست معطى ثقافي ناجم عن طبيعتنا الشرسة المتخلفة وإنما هي ردة الفعل الطبيعية  والسوية للمجتمع تجاه  غطرسة الأرستقراطيات الحاكمة وتغليفها لاستبدادها بالشرع والقانون .

إن مفهوم دولة القانون الذي أطلق في تونس في بداية الثمانيات كبديل لدولة الاستبداد قد عرف مصيرا لم يتوقعه أحد حيث تحققت فعلا دولة القانون ولكن أي قانون . فقد أدين الديمقراطيون بموجب قانون الصحافة وقانون الأحزاب والجمعيات ونظمت مهرجانات انتخابية بائسة باسم قانون الانتخابات واستصدرت السلطة الاستبدادية كما هائلا من التشريعات التي صادرت باسم القانون ابسط الفضاءات الباقية للحرية مثل قانون المطبوعات وقانون الإعلام المسبق بالاجتماعات الأكاديمية وبفحوى الأوراق المقدمة وقائمة المشاركين الخ .

وهكذا اتضح للحركة الديمقراطية عمق الشرك التي وقعت فيه عندما ظنت أن القانون لا يكون إلا الاسم الآخر للعدل والحق والحال أن النظام العنصري في جنوب أفريقيا إبّن زمن الفصل العنصري  حكم بالقانون وأن الاستعمار انتصب في بلداننا مستندا إلى معاهدات أعدها جهابذة من رجال قانونه .

إن الملاحظة البسيطة لواقعنا العربي تظهر بما لا يدع مجالا للشكّ أن للقانون في المجتمع المحكوم من قبل دولة استبدادية  سبع خصائص رئيسية .

 

1- هو موضوع من قبل  من ليس لهم الحق في وضعه  .

 

إن  القوانين  التي تحكم المجتمعات المعاصرة  غيبت  المصدر القديم للقانون الذي هو الإرادة الإلهية

واستبدلت المصدر القديم بما يمكن تسميته العقل أو الضمير الجماعي ممثلا في الشعب وهذا الشعب لا يمكن أن يسنّ كل القوانين التي تنظم حياته ومن ثمة فإنه يعهد بالعملية لممثليه ليترجموا رؤيته وخياراته عبر سياسة معينة تخدمها قوانين تسنّ باسمه .

إن أول شرط لشرعية القانون الذي يسنّه ممثلو الشعب أن يكونوا هم أنفسهم شرعيين أي أن تفرزهم انتخابات حرة ونزيهة  وأن يتمتّعوا طيلة نيابتهم بثقة الناس واحترامهم .

لكن الانتخابات في  الأنظمة  الاستبدادية مجرد غطاء عصري لإرادة الفرد وذلك وفق طقوس مهمتها إضفاء شرعية زائفة على من ليس له شرعية نظاما وأشخاصا .

وإنها لمفارقة غريبة أن هؤلاء الناس الذين انتحلوا صفة هي صفة ممثلي الشعب سيصدرون القوانين التي تعاقب جرائم التزييف وانتحال صفة الطبيب أو المحامي بكذا وكذا سنة سجن .

إن  اعمق الطبقات الحاملة للبرلمان العربي هي صفقة  بين القوة والانتهازية . فمن جهة هناك قوة الاستبداد المتمثلة في الجهاز القمعي من جيش وبوليس وإدارة ومال تخدم مصلحة المستبدّ الظالم وبطانته ،  ومن جهة أخرى هناك ''كومبارس '' يقبلون في مقابل جزء من الجاه  بالقيام بدور التغطية وانتخابهم هو عادة نوع من الرشوة السياسية التي يشتري بها المستبدّ سكوتهم على الاستبداد والمشاركة في أرباحه .

وهكذا يبنى من الأساس القانون على اللاقانون  وتنطلق الشرعية من اللاشرعية ونحن أمام حالة تشبه بناء عمارة شاهقة على دعامات من الإسمنت المغشوش .

2-هو قانون خارج على القانون الدولي وروح العصر

إن اغلب القوانين التي تنظم حياتنا السياسية منافية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومنافية للعهود والمواثيق الدولية

وذلك بالأساس في موضوع الحريات الفردية والعامة ولكن حتى في مجالات أخرى مثل إلغاء عقوبة الإعدام .فالحق في الحياة مضمون بالمادة الثالثة للإعلان العالمي والمادة الأولى للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .ويقول المشرع العالمي في المادة السادسة : ليس في هذه المادة أي حكم يجوز التذرّع به لتأخير أو منع إلغاء عقوبة الإعدام من قبل أي دولة طرف في هذا العهد . ورغم هذا الإقرار الواضح والصريح بضرورة إلغاء عقوبة الإعدام أو التعجيل بإلغائها فإن القانون في كل أقطار الأمّة لا زال يعمل بهذه العقوبة البشعة .  

3- هو تشريع وتطبيع  للاستبداد الفردي  .

يفضح القانون الأول الذي نسميه أيضا الدستور  طبيعة الصفقة بين الراشي أي السلطة التنفيذية والمرتشي أي ''نائب الشعب ''  .

 فهذا الدستور في تونس مثلا يضع كل السلطات في يدي رئيس الجمهورية  وربما لا يوجد في أي بلد في العالم رئيس جمهورية   يتمتع بسلطات  رئيس جمهورية تونس فهو حسب الفصول49و50و51 و55و 59 و63 و 66  رئيس السلطة التنفيذية ورئيس السلطة التشريعية ورئيس السلطة القضائية . إضافة  لهذا لا يوجد فصل واحد مثلما هو الحال في كل  دساتير العالم وحتى في بلد مثل مصر أدنى إشارة لمسؤولية الرئيس جزائيا أو سياسيا . وإذا أضفنا لهذا قضية الرئاسة مدى الحياة في الدستور  السابق وإمكانية تجددها عبر استفتاءات متتالية في الدستور الحالي   لنيابات أخرى،  فإننا نجد أن  هذا الدستور  جعل من رئيس الجمهورية كائنا له العصمة البابوية .

4-هو مجعول للتضييق على الحقوق والحريات .

إن مهمة القانون في بلداننا العربية ليست إيصال الحقوق والحريات الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإنما التضييق عليها بكل الوسائل والتعلات .

إن المتأمل في القوانين التي تنظم حق الرأي وحق التنظم وحق التظاهر وحق الانتخاب مواجه بظاهرة التقييد والتحجيم والعرقلة والمنع .

فالفصل الثامن للدستور التونسي مثلا  يقول بصريح العبارة '' حرية الفكر والتعبير والصحافة والنشر والاجتماع وتأسيس الجمعيات مضمونة لكنه يضيف '' وتمارس حسب ما يضبطه القانون ''.

ومن نافل القول أن القانون الذي سينظم هذه الحريات سيتدبر أمره ليجعل ممارسة هذه الحقوق شبه مستحيلة نظرا لكثرة القيود والموانع

إن أحرار تونس  يوجهون  منذ ثلاثين سنة نفس التهم المبتذلة حول  ''الاحتفاظ بجمعية غير مرخص فيها وثلب النظام العام وترويج أخبار زائفة من شانها تعكير صفو الجوّ العام '' وهي الأسماء التي تطلقها السلطة على محاولة ممارسة حق التنظم وحق الرأي المخالف .

ومنذ ثلاثة عقود والمحامون يلاحظون وكذلك المتهمون أن هذه التهم  منافية لروح الدستور  وأنها ظالمة ومجحفة ومخافة لأخلاق العصر ومبادئ المجتمع الدولي وقوانينه التي تكتسب الأولوية بما هي العقد الأكبر للإنسانية. فلا تنفع مثل هذه الملاحظات ويضيّع المحامون وقتهم ويدان المتهمون ظلما وإجحافا وينتصر تفسير دولة غير مقيدة بمحكمة دستورية لها القول الفصل عندما ينشب الخلاف حول تأويل النص 

ولو  كان الدستور  واضحا كل الوضوح في كيفية ممارسة الشعب لسيادته لوضعت السلطة  أمام خيار صعب   أي تطبيقه أو الخروج عن الشرعية بصفة فجّة  لكن هذا الغموض هو الذي سمح لنظام يذل الشعب ، بالتواصل خمسين سنة مستظلا بالدستور لا وبل مسميا نفسه باسمه.

وقد انتبه المشرع الهندي عند إقرار العقد الأساسي لمثل هذا الخطر  ففصّل ووضّح بكثير من التدقيق كيفية ممارسة الحريات ليقطع خطّ الرجعة على كل سلطة استبدادية تريد استرداد ما يمنحه  الدستور .

5-هو  مطبوع بعقلية الزجر والترهيب :

يواجه  المتأمل في القانون الجزائي الذي ينظم العلاقات بين الأفراد بالصبغة الإرهابية للقانون فابسط المخالفات تعاقب بالسجن وثمة شطط واضح في العقوبة بالقياس للمخالفة  وهذا الأمر هو من الأسباب الرئيسية المؤدية إلى اكتظاظ السجون .

ممّا يجعل منها  بؤر الفساد وأكاديميات الجريمة التي أصبحت اليوم في كل البلدان التي تعيش في ظل الاستبداد .

ولا غرابة في هذا لأن من يسنّ القانون في خدمة أقلية تخشى على مصالحها وهي تستعمل القانون كسلاح للترويع لا كأداة لفرض التوازن داخل المجتمع وهو توازن لا يكون إلا بالعدل . ومن نافل القول أن القانون يستعمل كسلاح لفض أو للتغطية على المشاكل الاقتصادية والاجتماعية كأن يكون السجن العقاب الآلي للسرقة  أو البغاء دون الاهتمام لحظة بأسباب السرقة أو البغاء .

 والقاعدة أنه بقدر ما يكون النظام استبداديا بقدر ما يكون القانون قمعيا لشل كل بوادر التمرّد الممكنة وقتلها وهي في بدايتها .

6-هو  يطبق  بمكيالين وعلى اضعف جزء من   المجتمع .

إن الطموح السياسي للقانون أن  يعلو ولا يعلى عليه أي أن يبسط سلطانه على كل فرد وكل مؤسسة وان يتساوى أمامه كل الناس وكل المؤسسات إلا إنه من البديهي أن القانون في أرض الاستبداد بعيد كل البعد عن هذه الصورة فثمة جيوب كاملة من المجتمع تسحب من سيطرته النظرية وهي بالأساس أصحاب السلطة وأعوانهم من رجال الأمن والقضاء والثروات الطائلة .

 إن من يقتل نفسا بشرية عمدا يدان بأقصى العقوبات في أي بلد وخاصة في العراق  ولكن إذا كان القاتل ابن صدام حسين فإنه سيفلت من العقاب بعد ''تدخل الجماهير'' . وفي مثل هذا النظام لا رقابة ولا محاسبة لأجهزة الأمن على عدد القتلى تحت التعذيب لأنه لقوات البوليس السياسي حصانة مطلقة .

وفي نفس السياق فإن سارق البيضة سيواجه بالصبغة الزجرية المفرطة للقانون في حين يبقى سارق المليارات صاحب النفوذ في البرلمان الذي يسن قوانين عقاب سرقة البيض .

وتعكس هذه  الجيوب التي تعيش داخل المجتمع وفق قوانين خاصة مأساة ومهزلة القانون في ظل الاستبداد فهو لا يطبق إلا على القطاعات الاجتماعية التي ليس لديها وسيلة ضغط كافية للإفلات منه . وهكذا  يتزايد تعفن العلاقة التي تربط الفرد والمجموعة بقانون يعرف الكل إنه يعبر عن إرادة ومصلحة الأقلية المستبدّة  .

7-هو موكول في تنفيذه إلى سلط فاقدة المصداقية  والاستقلالية .

 إذا كانت السلطة التشريعية فاقدة المصداقية والهيبة نظرا لزيف تمثيليتيها وتبعيتها للسلطة التنفيذية فإن الوضع ليس احسن في خصوص من يسهر على حماية وتطبيق القانون . فأعوان الإدارة المكلفين بإنفاذ القوانين يعرفون استشراء المحسوبية والفساد . أما السلطة القضائية فهي مثل السلطة التنفيذية جزء تابع للجهاز التنفيذي ومن ثمة هي  فاقدة الاستقلالية  والهيبة والمصداقية ، بل هي اليوم إحدى ركائز الظلم بالقانون .

ولو جمعنا الآن كل هذه الخصائص لاتضح لنا أنها ليست سوى الأوصاف الكبرى لأوّل قانون هو قانون الغاب المتمثل في إملاء القويّ إرادته على الضعيف وإنما نحن هنا أمام قانون غاب وضعت على وجهه المساحيق حتى لا تبان نواجذ الذئب .

 إلا أنك تلمس بكل وضوح  وجود العنف  الفجّ في كل مواصفاته .

فإن أنت واجهت قانون الصحافة والأحزاب بمحاولة الاصداع بالرأي  المخالف أو التنظم المستقل عن السلطة مثلا يردّ النظام الاستبدادي  بالعنف المباشر المتمثل في استعمال كل وسائل القمع المعروفة من سجن وتعذيب وحتى الاغتيال . فلا مكان هنا لآلية تحكيم سلمية مثل المحكمة الدستورية التي يمكنها  الفصل بين تفسير السلطة للقانون وتفسير المواطن له  لأن النظام الاستبدادي هو الخصم والحكم .

كما تتضح الصبغة العنيفة لهذا القانون لأن تجربة التاريخ تثبت أنه لا مجال للإصلاح داخل هذه المنظومات السياسية المبنية على العنف وأن الشعوب تصل في آخر المطاف إلى الالتجاء للثورة حتى يمكنها التخلص من قانون الغاب ومحاولة بناء صرح قانوني جديد .

                                                 *

إن تغيير السلوك المناهض للقانون الذي يظهر من خلاله المجتمع رفضه للاستبداد ليس أمرا بسيطا ولكنه ممكن جدا وهو لن يتزحزح قيد أنملة بالوعظ والإرشاد ولن يتغير في العمق مهما سلط من عنف .

إن بداية زعزعة جبل المواقف والتصرفات السلبية لن تحدث إلا بتغيير هيكلي عميق في طبيعة القانون الجديد وآليات سنه ومراقبته وتطبيقه .

وهذه مهمة موكول بها للنخبة الديمقراطية المؤمنة بأنها لا تأخذ السلطة لصالحها وإنما لصالح توسيع رقعة المواطنة ورفع عدد المواطنين وبناء المجتمع الديمقراطي .

إن خصائص القانون الديمقراطي التي تستطيع توليد حركة عميقة داخل المجتمع تغير بصفة جذرية علاقتهم ببعضهم البعض وبمؤسساتهم والمجتمع بصفة عامة هي عكس ما رأينا أي يجب أن تكون له الخصائص التالية

1-قانون يسنه من لهم الحق في سنّه .

إن الانتخابات الحرة والنزيهة هي الشرط  الأول لكي يكتسب المشرع الحق في التشريع  إلا أن هذه النقطة على أهميتها لا يجب أن تخفي عنّا بقية الإشكاليات الضخمة الأخرى

فثمّة  عمل تشريعي جبار ينتظر النظام الديمقراطي أينما انتصب فوق أي قطعة من الوطن العربي حيث لا تكفي مراجعة القوانين التي تنظم الحريات السياسية وإنما يجب مراجعة جذرية للمجلة الجزائية التي تعكس الفلسفة القمعية الإرهابية الزجرية للنظام الاستبدادي وللمجلة الجبائية التي تعكس توجهات الاستبداد في استعمال الجباية كسلاح سلطوي لا كتنظيم عادل للمشاركة في تمويل الجهد الجماعي وتوزيع خيراته .

 وثمة أيضا قانون الأحوال الشخصية الذي يعكس في اغلب الأقطار العربية الاستبداد الذكوري الأبوي والذي لا مجال في ظله لمجتمع ديمقراطي .

إن قوّة القانون في اعتبار  الشعب له أنه يعبّر  عن إرادته ويدافع  عن مصالحه . لكن تركيبة البرلمان الديمقراطي وفق اكثر الانتخابات نزاهة وشفافية لا تعكس بالضرورة الشعب ككل فالتمثيل الأغلبي قد  يقصي من موقع القرار جزءا   يصل إلى 49 في المائة من المجتمع أما التمثيل النسبي فهو يعطي للأقليات وزنا رهيبا يفوق وزنها في المجتمع وذلك عندما تجد هذه الأقلية نفسها في موقع الحكم الذي يستطيع تغليب الكفة في صالح مجموعة غير قادرة لوحدها على الحكم . وهكذا ينشا القانون كتعبير عن مصالح أغلبية عددية تتغير طول الوقت بحكم التداول على السلطة أو كتعبير عن صفقات مشبوهة أبرمت في ظهر المواطنين .

وثمة خطر آخر قلما ننتبه إليه هو أن المبادرة التشريعية حتى في النظم الديمقراطية  تكاد تكون من اختصاص الجهاز التنفيذي وحده والفرق الأساسي بين البرلمان الصوري والبرلمان الديمقراطي أن هذا الأخير يستطيع أن يرفض وان ينقح . والسبب في ذلك أن من يباشر المشاكل هو الذي يعرف أين توجد نقط الفراغ أو نقط الضعف أو نقط الخطأ في التشريعات السائدة . وقلما يكون هذه المعرفة في متناول نوّاب وقع اختيارهم لأسباب سياسية بحتة .

 وهكذا نعود إلى إشكالية شرعية المشرعين لكن من باب آخر .

إن النظام الديمقراطي لا يحلّ إلا جزءا من إشكالية شرعية المشرع أو بالأحرى أن الانتخاب الحر النزيه هو شرط ضروري لكنه غير كاف .يبقى أن نتصوّر هذا الشرط الكافي وهو ليس بالضرورة تصور خصائص أخرى للنائب المشرع لأنها لا تلغي العيوب الهيكلية التي أشرنا إليها . وقد يكمن الحلّ في تصوّر جهاز موازي يكون برلمان كبرى منظمات المجتمع المدني يكون لها الحق في اقتراح مشاريع القوانين ومراقبة تلك التي تتقدم بها السلطة .

2-قانون في سياق القانون الدولي :

من تركيبة  القانون الأساسية  وجود سلّم  يعطي اليد العليا للقانون  الدولي على  فالدستور  ولهذا الأخير اليد العليا على القانون الإجرائي. فلا بدّ من مراجعة كل قوانيننا لتكون في انسجام تامّ مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق والمعاهدات الدولية وخاصة العهد الخاص بالحقوق السياسية والمدنية والعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية .

ولقائل أن يقول أن في هذا الأمر تخلي عن استقلالنا وخصوصيتنا وربط عجلة تشريعنا بالأجنبي الخ .

ولا بدّ من رفض مثل هذه التعلات جملة وتفصيلا لسببين رئيسين .

-الاستقلال بالمفهوم القديم أمر أنهاه  التلوث والإنترنت والفضائيات والمعاهدات الإقليمية والدولية والعوامة الاقتصادية والثقافية والتكنولوجية  ولا يوجد اليوم بلد مستقل واحد أي سيد قراره مائة في المائة حتى ولو كان الولايات المتحدة وإنما هناك شبكة علاقات تستعصي على الحل تعرف نوعين من البلدان تلك التي تستطيع أن تؤثّر بقدر ما تتأثر وهذا حال القوى العظمى وبلدان تتأثر كثيرا ولا تؤثر في شيء .

-القانون العالمي  مرفوض بالأساس من القوى العظمى الذي ترى فيه حدّا لجبروتها ولا أدل على ذلك من رفض الولايات المتحدة الأمريكية التصديق على اغلب المعاهدات العالمية منها المعاهدة الدولية لحقوق الطفل .

وهو مرفوض عادة لصبغته ''التقدمية '' ووقوفه بجانب العدل لا القوّة .

وقد يستغرب المرء أن يصدر قانون عادل من نقابة دول اغلبها استبدادية مثل الأمم المتحدة . إلا أن العجب يبطل بمعرفة السبب وهو أن  القانون الدولي  وفاق بين ممثلي خصوصيات ثقافية ومصالح اقتصادية ورؤى أيدلوجية متباينة ومتصارعة يتمّ على أرضية المبادئ  والقيم التي لا يمكن لأي طرف أن يفرط فيها .

هكذا جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جامعا لحسنات النظام السياسي الديمقراطي الغربي والمشاريع النبيلة للكتلة الاشتراكية سابقا والقيم الدينية الأزلية . وهكذا يأتي  القانون الدولي  متقدما بأشواط بعيدة في ميدان الدفاع عن القيم الإنسانية على كل القوانين الوطنية .

ومن ثمة فإن تعديل قوانيننا على القانون الدولي ليس تخلي عن كرامتنا الوطنية وإنما تأكيد لها لأننا نعدّل ساعتنا على ساعة العصر المتقدّمة .

ومن البديهي أننا نستطيع أن نمارس خصوصيتنا بالمضي شوطا أبعد في ابتكار قوانين اكثر تقدما وعدلا أما أن تستعمل الخصوصية لكي نبرّر الوضع  الدوني للمرأة والطفل والمعاق والسجين السياسي وسجين الحق العام والعامل والأجنبي والمتقاضي والمعارض السياسي فهذا ما يجب أن نرفضه بكل قوّة لأنه لا يعني شيئا آخر غير تواصل أو   تغليف بقايا الاستبداد برداء الخصوصية .

3-قانون يضمن عدم رجوع استبداد الفرد .

إذا اعتبرنا أن الدكتاتورية مرض اجتماعي يبدأ بإصابة الجهاز السياسي الذي تنتقل منه العدوى إلى بقية الجسم وإذا اعتبرنا أن القانون الديمقراطي هو الدواء فإن علينا إحكام التصرف في مثل هذا الدواء حتى لا تتجدد الإصابة كلما شاء سوء طالع المجتمع أن يرتطم بشخصية مرضية أو بأزمات اجتماعية تسهل ظهور هذا النوع من المرضى .

إن التفريق بين السلطات وتوازنها أمر جدّ ضروري للحدّ من خطر تجدّد الاستبداد ، لكن هل يكفي  الحد من سلطات رئيس الجمهورية بسحب السلطة القضائية من مشمولاته وجعل البرلمان في وضع يسمح له بسن القوانين التي يقترحها ورفضها ؟

إن هناك اكثر من تجربة تظهر أن مركز الثقل في الاستبداد يمكن أن يمرّ من رئيس الدولة إلى رئيس الحكومة مثلما وقع ذلك في  إيطاليا العشرينيات وألمانيا الثلاثينيات  وحتى في النظام البرلماني الديمقراطي كما  وقع ذلك في هند السبعينيات عندما استطاعت '' انديرا غاندي '' أن تفرض على البلاد ولفترة وجيزة حكما شموليا .

إنّ  التفريق بين السلطات وتوازنها شرط ضروري وليس شرطا كافيا ومن ثمة ضرورة مواصلة التفكير على ضوء كل التجارب لاكتشاف تنظيم يجعل الشطحات الاستبدادية داخل النظام الديمقراطية بالغة الصعوبة ولا نقول مستحيلة لأن قدر الديمقراطية طال الزمن أو قصر أن تلد الاستبداد مثلما هو محكوم على الاستبداد طال الزمان أو قصر أن يتمخّض عن نظام ديمقراطي .

وقد يكون هذا الشرط الإضافي الذي يجب للقانون أن ينظمه هو في ''إعارة '' أجهزة الدولة لكبار المسؤولين لا إعطائها لهم كما هو الحال حتى في النظم الديمقراطية .

إن طبيعة الأجهزة التي تشكل الدولة وخصوصا الجهاز العسكري والأمني هي الانضباط. وهذا الانضباط أمر ضروري وإلا أصبحت الأجهزة ، خاصة  المسلحة ،  خطر على الدولة والمجتمع. لكن هذا الانضباط يصبح لعنة عندما يتسلّل إلى موقع القرار مريض بالنرجسية والعنف فهو يحكم قبضته على جهاز مطيع يجعل منه لفترة طويلة أداة القمع ولا  تخرج  الأجهزة عن طاعة الدكتاتور  إلا إذا فاض الكأس وعادة بعد خراب البصرة.

 ولسنا هنا أمام خيار أيدلوجي من قبل الأجهزة وإنما أمام خاصية هيكلية هي طبيعة الطاعة فيها وعادة تنفيذ الأوامر دون تفكير ومواصلة الطاعة حتى في الحالات التي يتضح فيها ''جنون '' المنقذ أو الثمن الباهظ لسياسته لعدم وجود الآليات السلمية القانونية لرفع واجب الطاعة .

ومن ثمة الفكرة انه لا يجب في الديمقراطيات خاصة حديثة العهد تسليم الأجهزة التنفيذية لرئيس الدولة أو رئيس الحكومة وإنما إعارتها له لمدة ولايته وفي إطار الدستور .

وتكون الإعارة بخلق المحكمة الدستورية وتوسيع صلاحياتها حيث تؤدي الأجهزة خاصة العسكرية والأمنية قسم الطاعة أمامها لا أمام الرئيس . وفي حالة الانحراف يمكن للمحكمة الدستورية أن تحل الأجهزة من واجب الطاعة وان تأمر بإحالة  سياسي اتضح فساده أو استبداده أمامها أو أمام  محاكم الحق العام .

إن جعل  استبداد الفرد بالقرار في أعلى مراكز القرار أمر على قدر كبير من الخطورة لتكوين العلاقة الجديدة التي نريدها بين الإنسان العربي والقانون ، لأن ما ننساه دوما أن كل الهياكل في المجتمع تعيد إنتاج نفس العلاقة الاستبدادية في كل مراكز القرار .

 ففي أقسام المستشفيات وفي الإدارات العمومية وفي دور الصحف وفي المصانع ، تنظم السلطة كما تنظم في قصر الجمهورية ، أي ينتصب دكتاتور صغير يعيد تصرفات الدكتاتور الأكبر من الاستبداد بالقرار ورفض تقييم أعماله ومطالبة منظوريه  بالولاء والخنوع وتوزيع فتات السلطة والمصلحة حسب هواه الخ  .

والناس دوما على دين ملوكهم ومن ثمة فإن إخضاع رئيس الدولة للقانون وجعل هذا الأخير غير مشخص وربط تطبيقه بهيئة مستقلة ذات مصداقية من الضروريات الكبرى لإطلاق سراح ملايين الناس المكبلين في سائر التشكيلات الاجتماعية بعلاقة مهينة ومرضية مع قانون القوّة .

4-قانون يوصل الحقوق والحريات لأصحابها .

يفرغ  المشرع العربي من كل مضمون ، الحريات والحقوق التي يضمنها الدستور مطلقا يد السلطة التنفيذية في تنظيم الحقوق  بكيفية تجعله يتصرف بكل حرية في حقوق غير قابلة للتصرف .

 فالحق غير قابل للتصرف بطبيعته  أي انه لا يجوز منع حق الكرامة عن أحد أو تحديده أو إطلاقه في ظرف ومنعه في ظرف آخر إذ ليس لأحد  مهما علا شأنه أن يتصرف بحرية في حقوق أقرها المشرع العالمي وهي مضمونة للجميع طول الوقت وعلى امتداد العالم .

وثمة من يصرخ في هذا الموضع من النصّ أن هذا يعني الفوضى والفردية المطلقة وضياع  حقوق المجموعة .

 وكل هذا الكلام كما تعوّدنا ، ترّهات تهدف إلى الحدّ  من  حقوق الأفراد والمجموعات على حدّ السواء.

ومن البديهي  أنه لا توجد حرية في المطلق وحقوق في المطلق .لكن من يحد من الحرية لا يكون شخص أو نظام له الحرية في التصرف في الحرية .فثمة ضمانات داخلية  للحد من الشطط في استعمال الحرية يضمن عدم  التصادم المفتعل بين الفرد والمجموعة ، بين الحرية الفردية والسلامة الجماعية .

فلو نظرنا للحقوق الإنسانية كما وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لاكتشفنا أنها تحدّ بعضها بعضا بصفة طبيعية . فحقي في الرأي المضمون في الفصل 19،  ليس حقا مطلقا لأن الفصل 12 يقول بصريح العبارة : ''لا يجوز تعريض أحد لحملات تمس سمعته وشرفه ولكل شخص الحق في أن يحميه القانون من مثل هذه التدخلات أو تلك الحملات ''.

ومعنى هذا أنني لا أستطيع تحت غطاء حرية الرأي أن أمس من شرف غيري لأن حقي ينتهي أين  يبدأ حق الآخر

وهناك مستوى ثاني للحق في الرأي تكتشفه القراءة المرآتية للإعلان فالقول بحقي في الرأي يعني أنه يتعين على  الفرد الآخر والسلطة والمجتمع أن لا تتعرضوا لحقي هذا  أي أن حقي هو واجبهم وبنفس الكيفية فإنه من واجبي أن أحترم حق الآخر في الرأي وهكذا يمكن القول أن المواجهة بين الحق والواجب عملية مصطنعة هدفها التصرف في الحق باسم الواجب والحال أنهما وجهي نفس العملة .

ومعنى هذا أنه لا يوجد من وسيلة احسن لضمان الحقوق الجماعية قدر ضمان الحقوق الفردية لا لشيء إلا لأن المجموعة مكونة من أفراد ولأن كل حق يحيل على  واجب وكل واجب يحيل على حقّ  .

ولا يمكن للعلاقة الجديدة أن تنشأ طالما لم يتغلغل الاعتقاد بين الناس أن مهمة القانون تمكين الناس من حقوقهم وليس التضييق عليها بشتى الحيل كالصالح العام والطوارئ وضمان حقوق الدولة .

ولا مجال لتغيير الاتجاه العام للقانون غير التركيز على أن الحقوق غير قابلة للتصرّف وان لا يترك لوزير الداخلية حق تفسير الدستور بما يتماشى مع مصالح الدولة ولو كانت الدولة الديمقراطية .

 ويعني هذا أن على الدستور أن يفصل ويدقق ويدخل في كل  التفاصيل حول كيفية إيصال الحقوق لأصحابها على غرار الدستور الهندي حتى ننتهي مع العطاء باليد اليمنى والسحب باليد اليسرى .

5-قانون غير مطبوع بروح الانتقام  .

إن الصبغة الإرهابية المبالغ فيها للقوانين وانتهاء الأغلبية الساحقة لفصولها بعقوبات بدنية ، جزء من سياسة الترويع التي تريد بها الأرستقراطية المخفية من جهة الانتقام من كل من يعارضها ومن جهة أخرى بث روح الخوف والخنوع والاستكانة في المجتمع .

 ولا بدّ للقانون الذي نريده ركيزة للمجتمع الديمقراطي أن يخرج من هذه العقلية التي ملأت السجون دون أن تقضي على الجريمة في الوقت الذي  غطى فيه التشدّد المفرط مع أبسط المخالفات على استفحال الجرائم الاقتصادية الكبرى.

إن العدل ليس الاسم الآخر للانتقام وإنما التعويض وإعادة التوازن لما اختلّ والعقاب واحد من مقومات التعويض والتوازن وليس العامل الوحيد ولا حتى أهمّها .

وبقدر ما يستبطن الناس أن القانون لا يعاملهم كقصّر وككائنات خطرة يجب ردعها بمنتهى الفضاضة والانتقام منها بأشد ما يكون الانتقام لاستتباب ''الأمن '' ، بقدر ما تتحقق شروط العدل الحقيقية .

إن عقلية المشرع العربي هي عقلية إرهابية تعتقد أن التخويف والتشدد يضمنان الوقاية من الجريمة وعدم الرجوع إليها والحال أن كل الإحصائيات والتجارب الدولية تثبت سذاجة هذه النظرة .

فالبلدان التي تطبق فيها عقوبة الإعدام بشدة متناهية مثل الصين والسعودية لم تشهد تراجعا في نسبة الجرائم التي يحكم فيها بالإعدام وإنما العكس .

 وبالمقابل فإن بلدانا كثيرة ألغت عقوبة الإعدام ولم يؤدّي هذا إلى ''اغتنام ''الفرصة من قبل المجرمين لقتل الناس ففي مثل هذه البلدان نرى تراجعا مدهشا للجريمة  وعلى رأسها الجرائم التي يحكم فيها عادة بالإعدام .

ولا غرابة  في ذلك لأن الجريمة لا تتراجع  لوجود قانون ترويعي وإنما لوجود ظروف موضوعية كارتفاع التعليم وانحسار البطالة والتمتع بالحرية الخ .

وفي غياب هذه المقومات فإن الترويع بالقانون لا يلعب إلا دورا هامشيا في التعامل مع ظاهرة الجريمة بل يكون عاملا من عوامل استفحالها عبر اكتظاظ السجون هذه الأكاديميات المجانية لتعلمها ونشرها .

ويعني هذا أن القانون الذي يجب أن  يسند المجتمع الديمقراطي هو قانون مطبوع  بعقلية الإصلاح والتعويض  ، وذلك في سياق سياسة عامة،  تحارب الظروف الموضوعية الكبرى للجريمة مثل الفقر والجهل والتهميش.

 فلا بدّ من  الحدّ بصفة جذرية من العقوبات البدنية لاستبدالها بعقوبات أخرى مثلا الغرامة المالية والجبر على العمل للمصلحة العامة و الجبر على الاعتذار العلني والتوبيخ العام وإيقاف الترقية

أما السجن فيجب أن لا يحكم به إلا عندما تشكل حرية التحرّك للمذنب خطرا حقيقيا وفعليا على الآخرين مثل الاغتصاب أو القتل أو الجريمة الاقتصادية الكبيرة التي تمس قوت الشعب .

وفي مثل هذه الحالة يصبح القانون في ذهن مواطني المجتمع الديمقراطي الصديق وليس العدو ، الحامي وليس المهدّد، عامل تقويم الاعوجاج وليس عامل زيادة الطين بلّة .

5-يطبّق على الجميع وفق مكيال واحد .

إن الفساد والخطأ  وقلة الكفاءة  هم  في أي مجتمع   كالأعشاب الضارة  التي تنبت باستمرار. فحيث توجد السلطة والمال والطبيعة البشرية تنتج مفاعلات بالغة التعقيد ومتباينة النتائج ومن بينها دوما قدر أو آخر من الفساد .

ومعنى هذا أن علينا أن ننتظر وان نتوقع أن يوجد في المجتمع الديمقراطي إنتاج دائم ومتواصل للفساد والخطأ وقلة الكفاءة .

كلّ ما يجب أن تكون لنا  آلة حصاد جاهزة وفعّالة  لاقتلاع  الأعشاب الضارة وهي تنمو حتى لا تأتي على الأخضر واليابس . والإشكالية طبعا أن من ينتج الجزء الكبر والخطير من الفساد يوجد في أعلى قمة الهرم وينتمي إلى ما أسميناه بالأرستقراطيات المخفية  وهي عادة من تتدبر أمرها لتبقى هي ومن يخدمها فوق وخارج القانون .

لا شيء يعطي للقانون مصداقيته قدر شعور الناس بالمساواة المطلقة أمامه ولاشيء يعطيه المهابة والجدية قدر إيمانهم العميق  بأنه الفيصل الذي يعلو ولا يعلى عليه .

 وبالتالي تكون أولويّة  الدولة الديمقراطية وضع  الأرستقراطيات المخفية تحت الأضواء  . فلا يفلت منه لا رئيس دولة فاسد ولا قاضي كبير ولا سياسي هام  ولا مليونير يشغّل آلاف الناس ولا رئيس جهاز مخابرات أطلقت يده في حقوق الناس بحجة الدفاع عن  المصالح العليا للدولة والحال أنها  المصالح العليا للأرستقراطيات المخفية فيختفي من المجتمع مثل ''حاميها حراميها'' .

إن الضامن الأكبر لإعمال هذا المبدأ هو  الممارسة الفعلية لحق الرأي فالصحافة الحرة وحدها قادرة على فضح تطبيق القانون بمكيالين وتسليط الأضواء على  المناطق المظلمة .

إلا أن  حتى هذا الضمان لا يكفي فلا بدّ للمواطنين أن يحرسوا حقهم في المساواة وذلك فرادى وعبر مؤسساتهم .

لقد طالبت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان على امتداد ربع قرن بالحق في التقاضي أي برفع الدعاوى أمام القضاء بخصوص تجاوزات أجهزة الأمن والضلوع الثابت لها في قضايا التعذيب . وبالطبع أصرت السلطة دوما على رفض هذا الحق  الذي يجب أن تتمتع به كل الجمعيات في المجتمع الديمقراطي .

7- قانون موكول بتنفيذه  إلى قضاء  مستقلّ .

إن  معركة  الانتقال من استغلال القضاء إلى استقلال القضاء  هي من أشرس المعارك التي تخوضها الحركة الديمقراطية العربية  وذلك منذ انتصاب دولة الاستقلال الأول .

فهذا القضاء المستغل كان ولا يزال أداة الظلم بالقانون  ليس فقط في القضايا السياسية وإنما في كل القضايا التي تمس مصالح الأرستقراطيات المخفية .

إن رئاسة المجالس القضائية من قبل رئيس الدولة وجعل مصير القضاة في أيدي وزير العدل من أسباب الكارثة التي أصابت القانون ككل والقضاء بصفة خاصة أوصلته إلى الحضيض الذي وصل إليه كأداة للانتقام السياسي والترويع الاجتماعي .

وقد استشرت القناعة اليوم داخل المجتمع أن الجهاز القضائي بحاجة إلى إصلاحات جذرية منها الإجراءات الجزائية فهؤلاء القضاة الذين حكموا على امتداد عهود بالسجن والإعدام على أبرياء أحيانا بدون نص أو بتجاهل اتصال القضاء أو برفض ملاحظة آثار التعذيب الواضحة ، هم معرّة العدالة والقضاء والمجتمع . ولا بدّ من مسائلتهم بالقانون الذي خرقوه كلما تمكنت من دواليب السلطة القوى الديمقراطية .

 وفي هذا الصدد فإن تقرير المجلس الوطني للحريات بتونس عن فساد القضاء ونشره قائمة بأسماء قضاة الظلم أمر على بالغ الأهمية ليشعر القضاة أنهم لم يعودوا جزءا من الأرستقراطيات المخفية التي تفلت من المساءلة والعقاب لمجرد صفتها .

لكن الأهمّ من هذا ردّ الاعتبار للقضاء والقضاة بجملة من التدابير التي تحسن وضعيتهم المادية ولا تتركهم عرضة للحاجة ومن ثمة لخطر الفساد . فقضية بالغة الخطورة مثل التمتع بالعدل لها ثمن ويجب أن يقبل المجتمع بدفعه فلا يمكن في أيّ مجتمع التمتع بخدمات من مستوى رفيع بأبخس الثمن .

 وإلى جانب هذا الحافز المادي الذي لا فائدة في إنكار أهميته فإن التدابير الكبرى هي سياسية وتشريعية وتتمثل في سحب القضاء من تحت إشراف الجهاز التنفيذي وذلك بجعل الانتداب والتسمية والترقية والعقاب من مشمولات مجلس أعلى للقضاء منتخب من طرف القضاة أنفسهم وليس للسلطة التنفيذية أي موقع قدم فيه .

إن إعطاء القانون هذه الخصائص السبع بفضل الإرادة السياسية ووضع الآليات الكفيلة ببلورتها وحمايتها وتطويرها ومن شانه أن يخرجنا من قانون الغاب المقنع ليدخلنا قانون الحق  .

إلا أن الضامن الحقيقي لاستتباب قانون الحق وتواصله وعدم تمييعه والتحايل عليه من قبل المكلفين بإعماله هو وعي المواطن ممثلا في شخصه أو في مؤسسات المجتمع المدني وتجنده للدفاع عن هيكل سياسي معرض للعطب والزيغ عن أهدافه ويبقى  دوما صيدا سمينا يركض ورائه كل الطامعين في تجديد الأرستقراطيات المخفية .

ها نحن في لب إشكالية بالغة الأهمية وهي التي تحدّد في آخرة المطاف جدارتنا الفعلية والفاعلة في إرساء النظام الديمقراطي والتمتّع به  .

إشكالية المواطنة :

إن اكبر  ضامن لاستتباب النظام الديمقراطي وتجدده في مراحل هرمه وبعثه بعد انهياره هو المواطن الديمقراطي .

فلا مستقبل للديمقراطية إن لم تخلق  هذا المواطن أي المواطنة الديمقراطية المبنية على علاقة لخصناها في شعار : أحرار ومسؤولون .

صحيح أن القانون الديمقراطي كما وصفناه يخلق هذا المواطن لكن المواطن الديمقراطي ضروري لخلق هذا القانون .

 وهذه ليست حلقة مفرغة فلسفية وإنما حقيقة تاريخية .

 لا بدّ لنخب وضعت أنفسها في خدمة  عامّة الناس أن تضع دعامات الدولة الديمقراطية وهنا ينتهي دورها .

فإمّا يدخل عامة الناس حلبة الحرية والمسؤولية ليصبحوا مواطنين وإما يبقى الهيكل التشريعي الديمقراطي معلقا في الفضاء ينتظر أول عاصفة لينهار برمته .

يبقى أن نعرّف الآن ما هو المواطن الديمقراطي وما هي هذه المواطنة الديمقراطية التي تشكل الدعامات الصلبة التي تحمل المؤسسات الديمقراطية وتضمن بقاءها أطول وقت ممكن .

 وحتّى نقدّر بعد الهدف الذي نروم الوصول إليه ، لا بدّ أن ننطلق من وضعية المواطنة داخل النظام الاستبدادي الذي نعيش تحت سيطرته والذي يشكّل هذا النصّ جزءا من المعركة المتواصلة والمتعدّدة الأوجه  ضدّه .

وثمة كذب متواصل  منذ نصف في لغتنا السياسية حيث تسمّي السلطة رعاياها مواطنين في إطار سياسة التمويه والتدجيل وخلط الأوراق كأن تسمي جمهورية دولة محكومة برئيس مدى الحياة له صلاحيات إمبراطور العصور الأولى للتاريخ ويترك البلاد وشعبها إرثا لابنه مثلما حدث ي سوريا ومثلما يستعدّ له اكثر من ''رئيس جمهورية '' عربي .

وحتى نفهم الهوة التي تفصل بين المصطلحات ومعناها الحقيقي لا بدّ من العودة إلى المعنى الأصلي للكلمة

فالمواطن مفهوم إغريقي نشأ وترعرع في ظلّ الممارسة الديمقراطية الأثينية واحسن من عرفه القائد الأثيني الكبير Pericles  في القرن الخامس قبل الميلاد حيث يقول : 

''نحن الأثينين الشعب الوحيد في العالم الذي يعتبر أن من لا يهتمّ بالشان السياسي ليس مواطنا صالحا وإنما مواطنا عديم الجدوى ''

إن تعريف المواطنة  بهذا الشكل أمر بالغ الأهمّية لأنها تصبح فعلا وليست صفة . فلا يكفي أن يكون المرء من سكّان أثينا ليكون مواطنا حتى وإن كان الانتماء إلى أثينا شرطا ضروريا ، إذ لا بدّ من تحقيق شرط إضافي هو الفعل الحرّ الذي يصبح بموجبه ساكن المدينة مواطنا . هذا الفعل الحرّ هو  المشاركة في صنع القرار بحيث لا يترك المرء  مصيره ومصير عائلته بلده بين أيدي مجهولة تعيد صياغة ماضيه  و تتحكّم في حاضره وترسم ملامح  مستقبله .

وهنا يبرز نقاش ثانوي : هل من الضروري أن يكون هذا الفعل الحرّ الذي يدشّن المواطنة هو الانخراط في  السياسة ؟

وهذا ما يقودنا إلى طريق متفرّع هو تعريف السياسة . وحتى لا نضيع في متاهات تبعدنا عن جوهر الموضوع فسنكتفي بالقول أن السياسة في مفهومها العام هي كل ما يهمّ المصير الجماعي وليست محدودة في لعبة الاستيلاء على السلطة وتصريفها والمحافظة عليها وهو المفهوم الضيّق الذي اصبح شائعا في أذهان الناس.

 ومن هذا المنطلق يمكن فهم مقولة Periclés بأن الشخص  عديم الجدوى ليس من لا يدخل في لعبة الصراع على السلطة وإنما من لا يشارك في الشان العامّ منكفئا على الشأن الخاصّ  جاهلا أو متجاهلا العلاقة الوثيقة بين الشأنين .

وبالطبع فإن أعلى صيغة للمشاركة في الشأن العام هي المشاركة في السلطة  التي تحدد مصير الفرد والمجموعة ككل .

لكن للسلطة أكثر من وجه ومن مستوى خاصة في عصرنا هذا الذي يشهد يوما بعد يوم توزّعها على اكثر من مركز قرار : الصحافة ، المنظمات غير الحكومية ، القضاء المستقلّ  الهيئات الدولية ، رأس المال العالمي الخ .

فليكن تعريفنا للمواطن إذن أنه كل شخص يخرج من الدائرة الضيّقة للشان الخاص للانخراط بصفة حرّة وواعية في الشأن العامّ عبر أي مدخل وفي أي مستوى من مستويات هذا الشأن العام وذلك بغية المشاركة في جزء من الجهد الجماعي لنحت معالم المستقبل .

يبقى الآن أن نحدّد الظروف التي تخلق هذا المواطن. فالقول مثلا أن المواطنة في مجتمعنا اليوم كالكرامة حق مبدئي مجرّد سحاب لفطي يريد إخفاء الحقيقة وهي الشروط التي تتحقق عبرها  والتي بدونها تبقى حقا افتراضيا يوهم الناس بتمتعهم به وهم بعيدون عنه بعد الماشي عن الأفق .

لنذكّر مثلا  بشروط التمتع بوضعية المواطن في أثينا وكانت بالغة الصرامة منها أساسا أن  تكون أثينيا ذكرا كهلا وحرّا 

ولا بدّ من الانتباه لظاهرة تاريخية بالغة الأهمية لأنها تستطيع أن تتواصل في شكل جديد وهو أن المواطنين الأثينين الذين وضعوا أسس الديمقراطية الأثينية وعلى رأسهم Periclèsكانوا طبقة  أرستقراطية بأتمّ معنى الكلمة . فالحقوق التي كانوا يمنحونها لأنفسهم لم تكن تمسّ إلا عشرة في المائة من سكّان أثنيا لتشكّل  النساء والعبيد والأجانب وهم الأغلبية الساحقة الطبقة الدنيا .

وإنها لمفارقة لغوية  وتاريخية  غريبة أن مواطني أثينا في عصر Periclès شكلوا أول أرستقراطية ديمقراطية في التاريخ وان هذا النموذج لا زال حيّا يفعل فعله في المخيال الغربي وقد لا نستطيع نحن بدورنا تجنبه عندما نبني ديمقراطيتنا .

والسؤال الآن : ما هي الشروط الموضوعية العصرية للتمتع بالمواطنة بما هي  إذن قدرة الخروج من فلك الشان الخاص وفهم ارتباطه الوثيق بالشان العامّ .

وما من شكّ أنه لا بدّ من حدّ أدنى من الموارد المالية حتى لا يستحوذ الشان الخاص على كل مشاغل  المرء . فالفقر المدقع الذي  يحبر الناس على الجري وراء لقمة العيش  يتماشى دوما مع الجهل والاغتراب .وفي مثل هذه الظروف فإن التدخل الوحيد في الشان العام هو ذلك  الذي يقع إبان عمليات التمرّد الانفجاري  في شكل مظاهرات المطالبة بالخبز والتي تقمعها الأرستقراطيات المخفية بسهولة .

ومن نافل القول أن التدخل السلمي المتواصل هو ما نطلبه لتتحقق صفة المواطن وهذا يتطلب شروطا إضافية أخرى منها الحد الأدنى من  حرية تبادل  الأخبار الأفكار  لبلورة البدائل والدفاع عنها والحد الأدنى من حرية التنظم وحرية التظاهر وحرية الترشح و الانتخاب .

وعلى ضوء هذه الشروط التي تخلق المواطنة الحقيقية يمكننا الآن أن نسلّط الضوء على المجتمع العائش في ظلّ الاستبداد لنسأله كم فيك من مواطنين ؟

 وآنذاك سنكتشف أربع طبقات يوجد فيها المواطنون  بنسب تتصاعد من الصفر في المائة إلى وحدات بسيطة .

1- الطبقة الدنيا  وهي التي نجد  فيها أناس  حرمهم   الفقر والجهل من كل كرامة ومساواة وأقصتهم قسوة الحرمان  الذي يتخبطون فيه عن   كل اهتمام بالشان العام . وهم يحيون في ظل المهانة والإذلال يقودهم العمدة لاستقبال الضيف القادم من العاصمة  والتصفيق الحاد له عند الإشارة ، ويقودهم المعتمد يوم التصويت كالسائمة ، ليختاروا بين نعم ونعم ، يصوتوا لمجهول لا يهمه من مصيرهم شيء .

2- الطبقة الوسطى التي  لها من  الظروف المادية والتربوية ما يسمح بالتمتع بالحد الأدنى من الكرامة والمشاركة في الشان العام  ،  لكن القمع و الخوف واستحواذ الحزب الحاكم  على الفضاء العام ، أبعدها  عنه فانغلقت على مشاكلها الشخصية أو على مشاكل تافهة ككرة القدم التي ضخمت عن قصد لتلهي الناس .

3- طبقة انتهازية  تستعمل الشان العام  ، في إطار حزب السلطة ، لتحقيق مصالح الشأن الخاصّ والحال أن  عطاء بالأساس وليس بحثا عن جزء من لحم الوطن يمكن

غرس الأسنان  فيه . ومن البديهي أن كل من تجنّدهم السلطة الاستبدادية لاحتلال المواقع في أحزابها ومنظماتها ليسوا مواطنين حتى وإن اهتمّوا بالشأن العام لأن فعلهم

ليس حرّا وإنما هم خدم وحشم للأرستقراطيات المخفيّة .

4-طبقة مسيّسة قليلة العدد تحاول المشاركة في الشأن العام عبر الانخراط في الأحزاب السياسية او منظمات المجتمع المدني من موقع الاستقلالية  والمعارضة ، فإذا بها تدفّع  ثمنا باهظا كعقاب لها وكتحذير لبقية الطبقات . 

وهكذا  لا نجد مواطنين إلا على مستوى هذه الشريحة الاجتماعية القليلة العدد .

أمّا الأغلبية الساحقة من السكان فهم رعايا غير واعين بأنهم تحت حراسة الارستقراطيات المخفية مثلما تكون  قطعان الماشية تحت حراسة الذئاب .

أذا كانت هذه هي التركيبة الفعلية للمجتمع الاستبدادي فإن هشاشة فترة التحول الديمقراطي تبدو جلية واضحة للعيون .

 فالانتقال يقع عادة لا بضربة ساحر تغّير جلّ السكان إلى مواطنين بالمفهوم الذي حدّدناه وإنما يقع بفعل نخبة مناضلة تفرض قواعد اللعبة الجديدة لكنها تواجه بمجتمع نحتته قرون من الاستبداد .

 ومن البديهي ان دور الديمقراطيين الرواد هو ''خلق '' أكبر عدد ممكن من المواطنين القادرين وحدهم على حماية النظام الجديد من عودة الارستقراطيات المخفية .

إن نجاحهم ونجاج الديمقراطية رهن بقدرتهم على قيادة هذه العملية بفتح باب المشاركة في الشان العام على أوسع ابوابه بوتشجيع التفكير الجماعي والتنظم ناهيك عن المسارعة لتحسين وضعية الأغلبية المهمّشة .

وهنا نعود من جديد إلى وطيفة الديمقراطية المنسية إي العدل وبالأساس العدل الاجتماعي .

 لفد فرضت الديمقراطيات الغربية صورة مجزّأة للنظام الديمقراطي حيث ركّزت دوما على وظيفة الحرية ناسية ومتناسية انه لا معنى للحرية بالنسبة لمن قيّدهم البؤس إلى وتد الشقاء وان المواطنة تستحيل في ظلّ الفقر المدقع والحال أنها  الركيزة الأولى والضامن الكبير لدوام  الحرية  . فضمان الحرية هة العدل وضمان العدل هو الحرية ومن ثمة لا يجب ان يغيب ابدا عن اذهاننا أن الديمقراطية الاجتماعية والسياسية وحدة صمّاء تستعصي على الفصل .

وثمة اشكالية اخيرة هي مفارقة بناء الديمقراطية بغير الديمقراطيين .

 ففي مرحلة البناء الديمقراطي ترى الأحزاب والمنظمات الديمقراطية 

 


 

وختاما

 طرحنا على أنفسنا  سؤالا مفتعلا وافتعلنا الردّ عليه لأن السائل كان سيئ النية والمجيب واع بعملية النصب ومقر العزم على أن يكيل الصاع صاعين .

وربما هناك شطط في مثل هذا الموقف فلو عاد ضمير نحن على كل البشر لا يستثني قوما من الشك لأصبحنا أمام إشكالية فلسفية سبق أن طرحها Rousseau  عندما قال أن الديمقراطية هي في الواقع نظام للملائكة .

 والاستنتاج المنطقي،  أنّ البشر بما هم أبعد ما يكون عن الملائكة ، غير أهل للديمقراطية أو بالأحرى  غير قادرون على إعطائها شكلا ثابتا. فما هي إلا مراحل تاريخية عابرة من التوازن النسبي بين مقومات المجتمع ثم يقع الانخرام متجدّدا ليعود التمايز والتمييز إي لتعود اللامساواة وما يتبعها من استبداد وظلم .

وربما يعود الأمر إلى أن الظلم غريزة  متأصلة في البشر وإننا نحلم كلنا لا بالقضاء على الأرستقراطية وإنما بلبس جبّتها . وهو ما عبّر عنه  المتنبي في بيته  الشهير :

 والظلم في شيم النفوس فإن تجد                ذا عفّة فلعلّة لا يظلم .

لكننا نعرف بالتجربة التاريخية أيضا 

أن العدل في شيم النفوس فإن تجد             ذا زلّة فلعّلة لا يعدل .

فالذات البشرية ليست ظالمة بصفة  مسترسلة   وإلا استحال العيش وليست عدلا ينبع من عين رقراقة  وإلا لما احتجنا للقانون وللديمقراطية بالأساس،  للحدّ من الظلم ودموية حروبنا الدائمة حول توزيع الخيرات والاعتبار .

 وقد يكون المخرج من هذه التناقضات أن نقول أن الديمقراطية بما هي إرادة سلم ومساواة وحرية مسؤولة ، كالسعادة والصحة من مستلزمات حياة إنسانية جديرة بان تعاش.

كما يمكن القول  أنها كالصحة حق مشروع للجميع وخاصة لمن حرموا منها .

لكن التمتع بالصحة ليس واجب القوّة الغيبية التي تسهر على شؤون الكون فحسب وإنما هو واجب كل واحد منا .فجدارتنا بها  أو بالسعادة أو النجاح رهن لما نبذله من جهد في الوصول لهذه الحالة والحفاظ عليها وتطويرها .

إن النجاح حق لكل الناس ولكنه بالأساس حق لمن يكافح ومن يثابر ومن يصبر  ومن ثمة نستطيع القول  خارج الحرب النفسية التي تشهرها ضدنا قوى الاستبداد أننا جديرون مثل كل البشر بنظام مجعول للملائكة إذا نجحنا في عملية التقليم الدوري لأظافر الشيطان الذي يسكن في كل واحد منّا .

                                ****

سوسة في 8/1/2001