موجتان لنزع العقيدية في الثقافة السياسية السورية

يمكن تمييز موجتين لنزع العقيدية في تاريخ الحياة السياسية والثقافية السورية المعاصر. موجة أولى في سبعينيات القرن العشرين وانتهت في اواخرها، وموجة ثانية بعد عام 2000.
سارت الأولى بعكس المزاج العقيدي السائد بعد هزيمة حزيران ووعت ذاتها في مواجهته. إن أمثال ياسين الحافظ وإلياس مرقص وجورج طرابيشي في مرحلة ما قبل 1985 وميشيل كيلو وبرهان غليون هم المثقفون القوميون الماركسيون الذين مروا بمرحلة نزع العقيدية وكانوا أبطالها. وفي مجال السياسة كان حزب العمال الثوري العربي والحزب الشيوعي المكتب السياسي وجمال الأتاسي حوامل لهذه العملية ومتفاعلين معها بدرحات مهمة.
لم يشترك هؤلاء في فكر واحد او سياسة واحداة أو حساسية واحدة، لكنهم اشتركوا في نزع التمركز حول العقيدة وفي اكتشاف السياسة، وبدرجة أقل الثقافة. ولعل الاسم الأبرز بين الجميع، والذي يستحق ان يعتبر بطل نزع العقيدية هو ياسين الحافظ الذي توفي عام 1978. ومصدر اهمية الحافظ انه برز <<صوتا هرطوقيا ويتيما>> في وقت مبكر من ستينيات القرن العشرين، ولكونه ماركسيا قوميا عربيا في آن، ما اتاح له ان يُعمل مشرطه النقدي في كل من الوعي القومي العربي المصاب بالتقليدية والوعي الماركسي العربي المصاب بالسفيتة (نسبة الى الاتحاد السوفياتي) حسب تعابيره هو. سيسهم إلياس مرقص في نقد الماركسية السوفياتية والأحزاب الشيوعية العربية، وسيساجل النزعات الثوروية الملتهبة في أوساط فلسطينية ولبنانية وسورية، نزعات كانت تحلق فوق الواقع بأجنحة من شمع عقيدي سريع الذوبان.
يمكن إدارج سياسة الحزب الشيوعي المكتب السياسي في مناخ نزع العقيدية، وبالخصوص خروجه على المعتقدية الشيوعية بموقفه عام 1980 الذي حمل نظام الرئيس حافظ الأسد المسؤولية الأولى عن المواجهات العنيفة التي شهدتها البلاد وقتها. أما إعادته الاعتبار للديموقراطية على حساب الديموقراطية الشعبية بدءا من النصف الثاني من السبعينيات فالفضل فيها لياسين الحافظ وكتاباته السياسية السجالية في صحيفة حزبه، حزب العمال الثوري العربي. ولعل جمال الأتاسي المتفاعل الناصري الوحيد مع عملية نزع العقيدية.
كما هو ملاحظ جرت هذه الموجة في اوساط ماركسية التفكير، وتجلت في إعادة الاعتبار للشأن القومي العربي في فكر التنظيمات والأفراد، وغلب عليها الطابع السياسي أكثر من الثقافي. لا عجب في ذلك، ففي سوريا كانت الماركسية عربتنا الوحيدة للتعرف الى الحداثة الفكرية والسياسية، وقد دانت الهيمنة في اوساط الانتلجنسيا السورية في الستينيات والسبعينيات بالخصوص لشكل مبسط وعقيدي ومبتذل من الماركسية. وفي سوريا أيضا كانت العروبة حلا لا منافس له لمشكلات الكيان السياسي والاجتماع السياسي السوري العويصة، قبل أن تكون عقيدة نظام حزب واحد مقترنة بالواحدية والطغيان.
لكن ما المقصود بالعقيدية ونزع العقيدية؟ العقيدية موقف عقلي وعملي يقوم على مفهوم الكلية، ويعتبر أن السياسة والعلم والأخلاق والفن والسلوك تستجيب جميعا لمنطق باطن يجد مبادئه في هذا المذهب او ذاك: الماركسية، الإسلام، العروبة... إلخ. وبينما العقيدة مضامين اجتماعية وقيم أخلاقية وأهداف سياسية، فإن العقيدية موقف يصادر على وحدة عميقة لهذه المضامين والأهداف والقيم ويدعو إلى أن تؤخذ كلا وجميعا أو تُنبذ كلا وجميعا. ومن الطبيعي ان السياسة ليست مستقلة عن المذهب هنا، ولا الفكر طبعا، ولا الضمير الأخلاقي ولا الفن. إن العقيدي شخص يستنبط كل جوانب حياته من مذهب كلي الفتوى إن جاز التعبير. ويقوم هذا المذهب بدور ميثاق تماسك جماعة او حزب أو منظمة تسعى إلى احتكار تشكيل كل جوانب حياة اعضائها وإلغاء استقلالهم وفردياتهم. والالتزام الأخلاقي محصور بهذه الجماعة بينما كل شيء مباح ضد من هم خارجها. إن المكيافلية هي الوجه الآخر لكل أخلاقية عقيدية. وكان النموذج القياسي للعقيدي هو المناضل الشيوعي في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. أما اليوم فهو المجاهد الإسلامي. لكن البعثي والناصري لا يمثلان بحال خروجا على هذا النموذج.
بهذا المعنى نزع العقيدية عملية علمنة للوعي والسلوك، واكتشاف لاستقلال السياسة والأخلاق. وفي اساسهما معا اكتشاف للذاتية.
وتظاهرت موجة نزع العقيدية الأولى بدرجة مميزة من النقدية التي استهدفت الأشكال الأيديولوجية البالية للفكر والسياسة الشيوعية في سوريا. وكانت عملية صراعية ضد البكداشية و<<الماركسية المسفيتة>> وتشكلاتها الأيديولوجية والتنظيمية والعقيدية. وقد تخلت عن العقائد وليس عن الأهداف: الاشتراكية والديموقراطية والوحدة والتحرر. قد يمكن القول إنها تخلت عن العقائد كي تحتفظ بالأهداف. كانت في الجوهر اقترابا من السياسة، من المحسوس، من الواقع (في الثمانينيات اصدر حزب العمال الثوري مجلة في بيروت اسمها <<الواقع>>) بقدر ما هي ابتعاد عن العقيدة التي فقدت روحها التغييرية ومضمونها العقلاني.
تلاشت هذه الموجة الأولى عام 1980 مع ما شهدته الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية من دمار في سوريا. ومع تلاشيها لم يعد يمكن العثور على منطق ناظم للتطور الفكري والسياسي في بلاد كفت عن التطور والتفكير، علما بأن الثقافة نمت على الدوام في كنف السياسة في سوريا. وقد نشط المثقفون الذين شاركوا في عملية نزع العقيدية كل في اتجاه بعد الفصل القسري للثقافي عن السياسي، ولهما معا عن المجتمع والحياة العامة. مات ياسين الحافظ وحطم الحزب الشيوعي المكتب السياسي وانشغل إلياس مرقص بالترجمة وهاجر جورج طرابيشي وتغيرت إشكاليات وحساسيات الثقافة العربية في عقدي الثمانينيات والتعسينيات: هوية، تراث، ثقافة.
ليس غرضنا التأريخ للوعي السياسي الثقافي السوري. نهتم بما سميناه نزع العقيدية كعملية علمنة ونقد وانفتاح للعقل على موارد فكرية متعددة.
مضى العقدان الأخيران من القرن العشرين دون حياة سياسية في سوريا ومع حياة ثقافية منكفئة ومجتمع محطم. تغير العالم خلال ذينك العقدين. انتهت الشيوعية كنموذج اجتماعي وكعقيدة وكقوة دولية مساندة للعرب. وبتأثير إخفاقات وهزائم جديدة انهار المشروع القومي العربي سياسيا وفكريا ومعنويا. لم يعد تحديث وعقلنة الفكر القومي العربي ونزع برانية الماركسية وتوطينها المدخل المناسب للسياسة والثقافة في بلادنا. وموجة نزع العقيدية الأولى لم تعد تفي بالحاجات الفكرية والسياسية في بداية القرن الحادي والعشرين التي وافقت تغيرا سياسيا فوقيا في سوريا وحراكا ثقافيا وسياسيا معقولا بالمقاييس السورية. الإصرار عليها بعد انزياح أرضيتها الواقعية التاريخية بات ينتج عقيدة جديدة وموقفا عقيديا مضادا للسياسة والتجدد الفكري. وبالفعل يمكن التحدث في بعض الحالات عن عملية تثبيت للعقيدية شهدها أفراد وأحزاب، الاتحاد الاشتراكي العربي بعد وفاة جمال الأتاسي بالخصوص. أما الحزب الشيوعي المكتب السياسي وحزب العمال الثوري فلم يخضعا للتثبيت، لكن بالمقابل لم يفتحا افقا جديدا لتحرير السياسة وتنشيط الثقافة. الواقع ان حزب ياسين الحافظ جعل من فكره أقرب ما يكون إلى عقيدة حزبية. كذلك كان دور المثقفين السوريين محدودا من جهة هذا الاعتبار. الفكر والثقافة لم يواكبا تغيرات السياسة والمجتمع.
يمكننا تمييز موجة جديدة من نزع العقيدية في السنوات الأخيرة. الموجة الحالية تعي ذاتها كليبرالية سياسيا واجتماعيا وفكريا. وهي عدائية كثيرا او كثيرا جدا للفكر القومي العربي الذي يشكل، مبدئيا، العقيدة الرسمية للنظام البعثي السوري. وهي عدائية ايضا للإسلامية المعاصرة بكل أشكالها. ويتراوح موقفها من الشيوعية السورية، بما فيها الشيوعية المعارضة، بين اللامبالاة والعداء.
لم تبرز أسماء مهمة في موجة نقد العقيدية الراهنة التي يمكن وصفها بعبارة ادق بانها رافضة لعقائد معينة اكثر مما هي نازعة للعقيدية. لذلك تبدو هي بالذات عقيدة مكتفية بذاتها، إن في نبرتها الانتصارية او في إقصائيتها للغير أو في غفلتها التامة عن التاريخ. هنا في الواقع استمرار لنقطة ضعف الموجة الأولى التي كانت أكفأ سياسيا منها معرفيا. كان نقد العقيدية من وجهة نظر المعرفة محدودا.
الأمر نفسه ينطبق على الموجة الحالية، لكن مستوى هذه أفقر فكريا وسياسيا. وينبغي ألا يكون هذا الفقر غريبا. فمن اين يأتي نزع الانغلاق العقيدي؟ من الخائفين أم من المهاجرين؟ كان كل شيء يناهض المغامرة والجسارة النقدية ويغذي الطلب على عقائد توحد وتعصم من الزلل. لا ننسى كذلك ان التيارات العقيدية، البكداشية والمسفيتة والقومية التقليدية، اعتبرت نفسها منتصرة عام 1980، واستمرت في تشكيل وعي عدد من المثقفين والادباء.
يتشكل لاعقائديو اليوم في الغالب من عقائديين لم يمروا بالموجة الأولى او لم يعرفوا عنها شيئا. لقد كانوا عقائديين حتى وقت قريب، ورفضهم للمعتقدية مرتبط بانتهاء الحرب الباردة و11 ايلول وسقوط بغداد. لذلك وعيهم ضحية مفارقة تاريخية: متأخر عن موسم نزع العقيدية ثلاثة عقود، ولعله لذلك ميال للإفراط والمبالغة وتوهم قول شيء مبتكر فيما هو الجهل الفخور يقوم بعمله. بكل بساطة لا تعرف الموجة الحالية شيئا عن نقاشات خصبة جرت في السبعينيات في إطار الموجة الأولى. لذلك أيضا ثمة كثير من الدوغمائية في الرفض الراهن للدوغمائية. للأسف ياسين الحافظ منسيّ وإلياس مرقص غير معروف وجورج طرابيشي بعيد ومبتعد وبرهان غليون مزعج. تحرُّر ليبراليي اليوم من الأوهام كسول خلافا لتحرر ديموقراطيي الأمس (ومع هذا قد يستمد تسويغه التاريخي يوما من إعادة الاعتبار لليبرالية وإثارة الاهتمام الفكري والسياسي بها).
غير أن ثمة شيئا مشتركا بين الموجتين: يخضع نزع العقيدية لاعتبارات السياسة لا الثقافة ولا المعرفة. ومن جهة أخرى هو منفصل عن الحركية الاجتماعية التي تدفع نحو الانكفاء لا نحو الانفتاح، ونحو العقيدية لا نحو نزعها. لقد ضاعت بذرة الموجة الأولى من نزع العقيدية بسبب هذا الانفصال المزدوج: عن المعرفة وعن المجتمع. وضياعها هو الذي جعل الموجة الراهنة تأخذ طابعا عدائيا لا يقبل التعميم ولا ينشغل به. تبدو الموجة الحالية التي تتوهم البدء من الصفر مزيجا من العدمية ومن انقطاع مزدوج عن الثقافة العربية الحديثة والغربية الحديثة في آن معا.
الثقافة والسياسة في سوريا في حاجة بالفعل إلى موجة حقيقية وعميقة من نزع العقيدية. وستكون فرصة نجاح وشمول هذه الموجة أكبر بقدر ما تندرج ضمن سياق استعادة تاريخ سوريا وتكونها الاجتماعي والسياسي والجيوسياسي. وبقدر كذلك ما تندرج هذه الاستعادة ذاتها في سياق إعادة بناء الوطنية السورية على اسس ديموقراطية تقر بالتعدد السوري المكبوت.
اكتشفت الموجة الأولى عروبة محررة من النسيان الماركسي ومن الإطلاق العروبوي. لعل الموجة الثانية ستكتشف سوريا محررة بدروها من النسيان العروبي المطلق (العروبوي) ومن الإطلاق الليبرالوي.