تـــأمــلات فـي الاســــتــبـداد والـطــغـيـان

دمشق...

1

يقوم الاستبداد على المنع، فهو "يكمّ الافواه" و"يُغل الايدي" ويراقب افعال الناس ويقمع المعارضة والرفض، لكنه يرتضي من الناس الصمت على الحال والانكفاء عن الشأن المشترك. في المقابل، الطغيان عدو الصمت، فهو يجبر الناس على الكلام ويكرههم على المشاركة في بناء صروحهم المادية والسياسية والمعنوية، ولا يتخيل وجود معارضة فيسحقها وينظف المجتمع منها. وبينما يسجن النظام الاستبدادي خصومه، او يدمرهم احيانا، فان همه الاول هو بقاؤه. اما نظام الطغيان فيقتل ويخرب ويدمر، وهدفه الاول افناء خصومه.

لسان حال المستبد المثالي يقول: اتركوني وشأني افعل ما اشاء، ولكم ان تفعلوا ما تشاؤون بعيدا عن منازعتي سلطاني. اما الطغيان فلا يترك اصلا للناس شأنا خاصا بهم. فهو مختص بشؤونهم جميعا يفعل ما يشاء، وعليهم ايضا ان يتقبلوا مشيئته قانونا لوجودهم، فلا يختصون بشأن من شؤونهم.

والفارق الجوهري ان الاستبداد لا يتخطى منع الناس من فعل ما يؤمنون به. فيما يكره الطغيان الناس على القيام بعكس ما يؤمنون به. وبينما قد يمنعك المستبد من مطابقة فعلك مع اعتقادك، فان الطاغية يجبرك على مطابقة فعلك مع عقيدته المفروضة. يحظّر المستبد فعل اي شيء يمكن ان يلحق به ضررا، فيما الطاغية يجبر الناس على فعل ما ينفعه فقط. ولا يتدخل الاستبداد عموما في شؤون العاطفة والوجدان، فللناس حرية الضحك والبكاء والحزن والفرح. اما الطغيان فيُكره الناس على الضحك في افراحه والبكاء في احزانه والرقص في اعياده والحداد في مآتمه. وفي حين لا يدمج الاستبداد الناس في آلته السياسية او يدمجهم ادماجا سطحيا، فان الآلة السياسية المعقدة للطغيان لا تترك شيئا خارجها. فالطغيان نظام تسييس شامل اضافة الى كونه برنامج احتفال دائم في الوقت نفسه. والفرح السياسي والبكاء السياسي والرقص السياسي هي وقائع مميزة لأنظمة الطغيان لا نجدها في غيرها. لذلك ليس هناك اي شيء حقيقي في ظل الطغيان: لا الفرح ولا الحزن، لا العمل ولا التمتع،  كل شيء احتفال، ومع هذا تعتبر التلقائية باباً للشر، كل شيء جدي ومع هذا لا يطيق الطغيان الجدية في العمل.

2

الاستبداد والطغيان هنا نموذجان مثاليان (بلغة ماكس فيبر) بالطبع. فهما حصيلتان لفاعلية عقلية تقوم على الفرز والتجريد والتضخيم المتعمد لجوانب محددة من الواقع بهدف رؤيتها بشكل افضل. والنماذج المثالية لا توجد حرة او نقية في الواقع، فنحن لا نجد دولة استبدادية صافية او دولة طغيانية نموذجية، لكننا نجد - في معظم الدول العربية - مزيجا بنسب متفاوتة من الاستبداد والطغيان.

ولعل الاردن ايام الملك حسين كان اقرب الدول العربية الى نموذج الدولة الاستبدادية، فيما كان كل من العراق وسوريا الاقرب الى نموذج نظام الطغيان، وبخاصة بدءا من النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين.

وقد يمكن تعريف النظام الاستبدادي بأنه انفراد بـ"الملك" او الحكم، او كما نقول اليوم، احتكار للسلطة، مع بقاء الرعية او المحكومين متميزين عن الحاكم، مستقلين عنه في شؤونهم غير السياسية. وبقدر ما تتكون السلطة من انفصال اول او تأسيسي بين الحاكمين والمحكومين، فان الاستبداد هو الشكل الاول او الاساسي لكل سلطة. في المقابل يفرض نظام الطغيان قولا وفعلا وحدة  حال ومآل بينه وبين "الجماهير"، كأنما لا بقاء لها من دونه. فالطغيان ليس احتكارا للسلطة بل تملك شامل وجذري للمجتمع، واختراق عميق لجميع جوانب الحياة الاجتماعية. وهنا يندرج احتكار السلطة كعنصر واحد ضمن اطار اوسع هو احتكار جميع منابع الفاعلية والانتظام الاجتماعي. ويترتب على هذا بالطبع  نتائج خاصة من وجهة نظر التغيير. فالطابع الاستنفادي او الشمولي لهذا النظام يغلق كل نوافذ الاختلاف والغيرية، ويبيد "الخارج الداخلي" - إن جاز التعبير - ابادة تامة، مما يجعل فرص التغيير الداخلي لهذه الانظمة اشبه بالمستحيل، ويرهن تغييرها بـ"الخارج الخارجي". ويقتضي تجنب هذا الافق تحرير فسحات اجتماعية وسياسية وفكرية "خارجية" داخل المجتمعات المحكومة. ففسحات الاختلاف و"الخارجية" هذه هي احتياطيات التغيير الذاتي، الداخلي.

3

ما كان يمكن الطغيان ان يتحول نظاما الا في العصر الحديث، رغم انه وجد على الدوام طغاة حكّموا القسوة و"الهوى" في رعاياهم وشؤون ممالكهم وانتهكوا  اي حصانة او استقلالية في مجتمعاتهم. ولا تعود حداثة نظام الطغيان الى حقيقة ان وسائل الاكراه والاستنفاد والعمومية والرقابة الشاملة اتيحت في هذا العصر فقط، ولكن لأنه برزت في هذا العصر وحده فكرة صدور السلطة عن الشعب او وحدة الشعب (صاحب السيادة) والسلطة السياسية. وعن هذه الوحدة تفرعت صورتان للاجتماع السياسي. اولاهما هي الحكم التمثيلي حيث السلطة تفويض موقت، وحيث رأس السلطة هو "المواطن الاول" او "الاول بين متساوين"، وحيث الحكم خدمة عامة. وفي هذه الصورة تحتل هيئات المجتمع المدني من احزاب ونقابات وصحافة وجامعات مستقلة وتنظيمات مدنية موقع الوسيط بين السلطة والشعب. والصورة الاخرى تقوم بالضبط على الغاء الوساطة، واحلال وحدة مباشرة و"حلولية" بين السلطة والشعب محلها. واذ تتمثل وظيفة الاجسام الوسيطة في منع السلطة من السقوط سقوطا حرا على رؤوس الناس، فان من البدهي ان الافتقار الى هذه الاجسام او المؤسسات يضع الناس تحت قصف مستمر من السلطة الحرة. ولهذا على كل حال فان ما سنسمّيها الطغيانية المحدثة هي في الواقع سيادة شعبية مقلوبة، اعني حالة عبودية سياسية معممة او مساواة في العبودية السياسية. وهي تترتب بصورة مباشرة على التوحيد المباشر وغير المتوسط للسلطة والشعب. فغياب التوسط، اي المؤسسات والتمثيل التي تقوم بدور مفاصل في الجسم السياسي، يسهل التحول من انحلال السلطة في الشعب الى انحلال الشعب في السلطة.

حتى اواخر تسعينات القرن العشرين مثلا كان في وسع المرء ان يقرأ في اللافتات التي ترفع في المناسبات "الوطنية والقومية" في سوريا تمجيدا لـ"الوحدة الوطنية الصوفية" التي يفترض ان الشعب السوري يعيش في ظلها. وفي لافتات اخرى كان تعريف الوحدة الوطنية انها "الوقوف صفا واحدا خلف القيادة  التاريخية الحكيمة الخ". وليس من باب المصادفة ان توصف الوحدة الوطنية بالصوفية (حيث ينحل الشعب او يفنى في ذات حاكمه العظيم والاستثنائي والفذ...) فليس خارج قاموس الصوفية يمكن ان نعثر على المنطق العميق للطغيانية المحدثة في كل مكان: رفض التمثيل والوساطة... لمصلحة "الوصال" او "الفناء" او "الحلول". واذ يشي "الوقوف صفا واحدا خلف..." بعسكرة الوطنية وطرد الاختلاف و"الخارجية" منها، فانه يتضمن ان الخروج عن الصف الواحد هو في الواقع خروج عن "الوحدة" الوطنية (وعن الوطنية ذاتها). والجزاء الطبيعي و"العادل" لذلك هو "الفناء".

4

واذا ابرزنا واقعة غياب الاجسام الوسيطة في انظمة الطغيان، الواقعة التي يبرزها محللو الانظمة الشمولية، فلأننا نريد ان نقول ان ما يسمّى الشمولية احقّ بأن يسمّى الطغيانية المحدثة. وهذا ينطبق ربما بصورة ادق على النموذج الشرق اوسطي من الشمولية اكثر من النموذج الاوروبي الشرقي. فقد جرى هنا "تحوير في وظائف النظام الشمولي الكلاسيكي كي يلبي الحاجة الطارئة الى التمكين لنخبة عديمة النفوذ في الدولة والادارة ومساعدتها في ارساء اسس قوية وثابتة، مادية واجتماعية لسلطتها المتنامية. وهذا ما اضفى على هذا النظام طابعا عشائريا وفلاحيا ميّزه عن تلك النظم البيروقراطية الشمولية القانونية التي عرفتها الدول الشيوعية"، وفقا لما يقوله برهان غليون متحدثا عن سوريا الستينات. والنقطة الاساسية في تحليل غليون "ان الالتقاء بين نظام شمولي بيروقراطي يقوم على التركيز الشامل للسلطة من جهة ونظام العصبية العشائرية او الزبائنية من جهة اخرى يضاعف من تراكم القوة ويشكل محركا انفجاريا جبارا لتشريع النقل الخاص للسلطة والثروة" (من محاضرة بعنوان "مستقبل الاصلاح والتغيير في سوريا: نحو عقد وطني جديد"، القاها الكاتب السوري في "منتدى الحوار الوطني" في 5 ايلول 2001).

ولعله هنا يوازَن تأثير العصبيات الذي يحد من الطابع الاستنفادي او الشمولي للشمولية بشخصنة السلطة وجعل عبادة الزعيم ديناً مرجعيا جامعا لهذه العصبيات. فالتسوية المميزة للشمولية الشرق اوسطية تقوم على مقايضة تنازل اجتماعي من النظام للعصبيات بتنازل سياسي منها للنظام عبر الولاء لمرجعية عليا مشخصنة. والاقتران التاريخي ثابت بين التخلي عن اي افكار تغييرية و"ثورية" في كل من سوريا والعراق وبين تصاعد خارق لشخصنة السلطة بدءا من اواسط السبعينات.

وعلى كل حال، عنصر الشخصنة هو الذي يقرّب الشمولية الشرق اوسطية من نظام طغيان محدث يتفجر عنفا وحشيا واعتباطا وهوجا في مواجهة اية تحديات داخلية يواجهها. وهو الذي يجعل النسخ السورية او العراقية او القذافية من الشمولية اقرب الى المفهوم القديم للطغيان الذي يقوم على الفردية والقسوة والهوى والتعسف، وخصوصا في اوقات الازمات. وفي المقابل لم يعد يمكن الطغيان ان يوجد من دون عناصر اعتدنا على ان نقرنها بالشمولية، كالحزب الواحد والعقيدة الرسولية و"السياسة المبدئية" والاقتصاد المدوّل. بل ان الطغيان لا يوجد في عصرنا الا وهو يضع على وجهه قناع السيادة الشعبية الحقيقية، المتعالية وغير القابلة للقسمة او التفويض.

5

نظام الطغيان حديث كما اشرنا، ويشكل مرحلة تالية للنظام الاستبدادي التقليدي. ولم يعد في وسع الدولة الاستبدادية ان تستمر في عصرنا الا في دول صغيرة وشروط استثنائية اهمها في المنطقة العربية فوائض ريعية مهمة كما في بعض دول الخليج الصغيرة والاردن ("ريع وظيفي" في الحالة الاخيرة). ومصير الدولة الاستبدادية اما الاقتراب من دولة سيادة شعبية حقيقية، والارتقاء باستقلال الناس في شؤونهم غير السياسية الى اكتساب الحرية والمساواة السياسية، وإما ان تنحطّ الى دولة طغيانية او دولة سيادية شعبية مقلوبة: من السلطة شأناً  اجتماعياً الى الاجتماع شأناً سلطوياً.

يبقى ان اي دولة عربية لم تضع نفسها جديا فوق احتمال انهيار الدولة والمجتمع والغرق في مرحلة فوضى دموية. ويبقى  الاهم ان معظم الدول العربية تعيش في بيئة سياسية صنعية اسمها الشرق الاوسط، وهي بيئة مدوّلة تدويلا عميقا ولا يخضع التغيير فيها لجدليات داخلية، او في الاصح لا تتحكم الجدليات الداخلية في احداث التغيير وتحديد وجهته. وهكذا فان الجدليات الداخلية الغائبة ممنوعة فوق ذلك من الانفتاح على افق التغيير. هذا الحصار المزدوج، الداخلي والخارجي، هو البيئة الشرق اوسطية. وهذه البيئة لا تمكّن الدول والمجتمعات من التعافي والنهوض، وتمنعها في المقابل من الانهيار، وهي لذلك تعرض مشهدا سياسيا واجتماعيا وانسانيا واقتصاديا وعسكريا يجمع بين التداعي والسقوط وبين انتصاب رسوم الدولة جميعا.