الساق على الساق

في

انتظــــار العربي إســــحق

 

 

 

 

قبض أبو جعفر المنصور على موسى بن عبد الله بن الحسن فأمر بضربه خمسمئة سوط، فضرب وهو صابر غيرُ مكترث، وكان موسى رقيقاً مُنعّماً، فدهش المنصور وقال:

-         عذرت أهل الباطل، فما بال هذا الغلام الذي لم تره الشمس... ( يقصد بأهل الباطل الشطار من اللصوص وقطاع الطرق )

 

فعقّب موسى على قوله :

-          إذا صبر أهل الباطل على باطلهم فأهل الحق أولى !

 

وقال علي بن أبي طالب :

 

إن الحق لو جاء محضاً لما اختلف فيه ذوو الحجى، وإن الباطل لو جاء محضاً لما اختلف فيه ذوو الحجى، ولكن أخذ ضِغث من هذا وضِغث من هذا .

 

لم يأت الباطل محضاً في التاريخ إلا مرّة واحدة، ولم يأت الحق محضاً في التاريخ إلا مرّة واحدة، حدث ذلك في القرن العشرين عندما اغتصب الصهاينة أرض فلسطين وأقاموا دولة إسرائيل، وقد صبر أهل الباطل على باطلهم  فحققوا النجاح تلو النجاح، فلماذا لم يستطع أهل الحق الصبر على حقهم فتراجعوا وما زالوا يتراجعون ، وتنازلوا وما طفقوا يتنازلون، وهم في صبرهم على حقهم أولى ؟

 

ذلك أن باطل اليهود يرتدي، مذ أنشئت دولة إسرائيل، مُسوح الحق والعدل، وحق العرب يرتدي منذ خمسة عشر قرناً مسوحَ الباطل والظلم . باطل اليهود باطل مغلف بغلاف براق من الحضارة، وحق العرب حق تكسوه قشرة سميكة من التخلف وانعدام الديموقراطية.

 

ولأن ذلك كذلك، نحن بحاجة إلى إسحق  أو حاييم أو أرييل  عربي !

عندما يغادر رئيس وزراء إسرائيل إلى واشنطن أو أي بلد في العالم ، فهو يغادر دولة فيها أحزاب حقيقــية، وفيها برلمان حقيقي، فيها صحافة تتمتع بالحرية، فيها انتخابات غير مزورة . إنه لا يغادر دولة تحكمها أسرة أو قبيلة أو حزب واحد قائد . لهذا السبب ولغيره من الأسباب يستطيع أن يتمسك بباطله، ولهذا السبب لم يتمكن العرب من الدفاع عن حقهم أو الصبر عليه.

 

رئيس وزراء إسرائيل ذهب إلى مدريد وبعدها إلى واشنطن كرئيس حكومة فازت في الانتخابات بأغلبية زهيدة، تكتل الليكود فاز على حزب العمل بنسبة واحد وخمسين بالمئة فقط لا غير، أما العرب فقد جاؤوا وفي جعبة كل منهم فوز ساحق ماحق بنسبة تزيد على تسعة وتسعين بالمئة، فهل يستوي الأعمى والبصير؟

 

ليس لدى رئيس وزراء إسرائيل حسابات سرية خاصة في بنوك سويسرا، لا يملك أكثر من راتبه ومخصصاته، ليس لديه قصور في لندن أو واشنطن أو ماربيا، ليس لدى أقاربه ثروات بالمليارات يستثمرونها في أنحاء العالم . واردات الدولة العبرية من الصناعات أو من المواد الخام، جميعها تسجل في الميزانية، لو كان لدى إسرائيل نفط لدخلت قيمته في خزانة الدولة لا في حسابات القائد الرمز الخالد وأبنائه ، وعندما تستورد إسرائيل كمية من الأجبان أو الحديد أو الإسمنت، فان الدولة تدفع قيمة هذه المستوردات دون إضافة عمولة لمسؤول أو وزير  أو ضابط في المخابرات أو  الجيش ، ولو حصل أن مسؤولاً ارتشى ، فالويل له من الصحافة والقضاء ، وبالتأكيد فإن الصحف التي ستكتب عن الفضيــحة ، لن يكون مصيرها مصير جريدة الدومري !

 

ليس في سجون إسرائيل سجناء يهود أو فلسطينيون دون محاكمة، السجين يقف أمام محكمة، قد تكون متحيزة أو صورية، لكن من حقه توكيل محام للدفاع عنه، وهو يدخل السجن محكوماً يعرف سلفاً المدة  التي سيقضيها في السجن مهما تكن طويلة، لكن مئات الألوف من السجناء السياسيين قضوا ويقضون عشرات السنين في سجون الحكام العرب بين الخليج والمحيط دون محاكمة، لا يعرف ذووهم مكان احتجازهم.

هل تعلمون أن أقدم السجناء السياسيين في العالم هم السجناء العرب ؟

نيلسون  مانديلا سُجن 27 عاماً ، بينما قضى خليل بريز في سجون الرفيق المناضل ، ثلاثين عاماً ، وقضى مثلها اللواء أحمد السويداني ، وخرج صلاح جديد إلى القبر مباشرة !

 

يذهب رئيس وزراء إسرائيل إلى واشنطن للحصول على " خوّات " ومساعدات وضمانات قروض لإسرائيل، وعندما يجمع الأموال فإنها تصبح جزءاً من ميزانية الدولة لا جزءاً من ثروته الخاصة أو ثروات أقاربه وأعوانه وأصهاره.

 

يعقد صفقات لشراء السلاح، يجادل في السعر كأي تاجر أو مرابٍ يهودي في العالم، وخزانة الدولة تدفع قيمة السلاح صافية دون إضافة أية عمولة له أو لمن يلوذ به من ذوي القربى .

 

أي صحيفة أو مجلة تصدر في إسرائيل أو في الأرض المحتلة، تستطيع انتقاد أي مسؤول إسرائيلي وانتقاد سياسة الحكومة، وحتى الصحف التي يصدرها العرب باللغة العربية تتمتّع بحرية لا تتمتع بها أي مطبوعة عربية في الوطن أو في المهجر . جريدة " الاتحاد "  لسان حال حزب راكاح، وهو الحزب الشيوعي الاسرائيلي، تقول في الحكومة الإسرائيلية وأقطابها وسياستها ما لم يقله مالك في الخمر، ومع ذلك فإنها لا تمنع من الصدور ولا تصادر ولا يعتقل محرروها .

 

النواب اليهود أو العرب في الكنيست يناقشون الحكومة، يهاجمون سياستها في الاستيطان وإبعاد الفلسطينيين، ومع ذلك فانهم ينامون مساء في بيوتهم لا في السجن .

 

لو كان الكاتب الفلسطيني أميل حبيبي يعيش في بلد عربي، لما استطاع أن يقول واحداً بالمئة مما قاله في الكنيست الإسرائيلي، ولو كان النائب الفلسطيني أحمد الطيبي  يعيش في أي دولة عربية تقدمية أو رجعية ، وهاجم سياسة حكومتها بمثل ما يفعل وهو في الكنيست،  لرُفعت عنه الحصانة في اليوم التالي مباشرة ، ولقضى بقية عمره في السجن دون محاكمة ، إلى جانب مأمون الحمصي ورياض سيف !

 

باطل اليهود يستند إلى خرافات توراتية أكل الدهر عليها وشرب، خرافات وأساطير كتبت منذ أربعة آلاف من السنين، لم يعش اليهود في فلسطين أكثر من سبعين عاماً، ومع ذلك أصروا على هذا الباطل وصبروا في سبيله وصابروا . لكن العرب الذين عاشوا في فلسطين قبل الفتح الإسلامي، وعاشوا فيها بعد الفتح خمسة عشر قرناً لا يستطيعون الدفاع عن حقهم الواضح كالشمس، لماذا ؟  لأن هذا الحق مكسوّ بباطل القمع والإرهاب والفساد والرشوات والعمولات وتزوير الانتخابات ، مكسوٌّ بالأحكام العرفية وانعدام الديموقراطية .

 

نحن بحاجة إلى إسحق عربي واحد يقول بصوت مرتفع : لا ... لباطل إسرائيل .

 

ولكي يوجد هذا الإسحاق العربي يجب أن يتمتع العربي بحقوق الإنسان، فلا أحد في العالم يدافع عن جلاده .

 

تصوروا معي لو أن في الوطن العربي أنظمة ديموقراطية واحترام للإنسان وحقوقه ، لو أن المواطن على الأقل ، يُسأل عن التهمة المنسوبة إليه قبل أن توضع رجلاه في الفلق ، أو قبل أن يُدعى إلى الجلوس على  الكرسي الألماني أو بساط الريح ، لو أن لدينا صحافة حرة تفتح ملفات الفساد إبتداء من  نائب الرئيس لشؤون النفايات النووية ، وانتهاء بأبناء الأعمام وأبناء الأخوال من متعهدي تهريب السجائر والمناطق الحرة والهاتف النقال ، هل كان لإسرائيل أن تستفردنا في العالم ؟

 

أفتوني وأجركم على الله !

 

 

 

مصباح الغـفـري