الظلمُ مرتعُه و بيلُ

 

 

                                             والظلمُ من طَبْعِ الجبانِ        فكلّ طاغيَةٍ جبانُ

 

                                                                                     بدوي الجبل

 

 

                        " أيها السجناء في كل مكان، ابعثوا لي بكل ما عندكم  من رعب وعويل  وضجر
                                إنني أعِــدّ ملفاً ضخماً عن العذاب البشري

                        لأرفعه إلى الله، فور توقيعه بشفاه الجائعين وأنات المحرومين

                        لكن جلّ ما أخشاه أن يكون الله أمياً !"

 

                                                                               (محمد الماغوط )

 

قبل أكثر من ربع قرن، كتبَ محمد الماغوط قصيدته التي اقتطفت منها في بداية هذا المقال، وكان الظلم العربي في بداياته الخجولة المتواضعة،  لم يكن قد تحوّل إلى مؤسسة حقوقية معترف بها في أكاديميات المخابرات أو في المدارس الفكرية لتجار المخدرات. كان الظلم في تلك الأيام يثير الاستنكار لدى الناس، كان من العسير على مخلوق يعمل في أجهزة القمع أن يجد فتاة تقبل به زوجاً ، أو أن يجد أباً يرضى لابنته هذا المصير المؤلم .

 

وصرنا إلى زمن تحوّل فيه الجلاد إلى فارس أحلام، صار الأب يفتخر أن صهره مسؤول في أحطّ وأحقر المؤسسات التي أنتجها الفكر البشري ، ألا وهي أجهـــزة الأمن والمخابرات !  ولا عجَب ، فهذا عصر الدفع عدّاً ونقداً، عصر لا تقبل فيه الشيكات ولو كانت مصدّقة، ذلك أن عناصر وضباط أجهزة القمع العربي لم يعودوا موظفين براتب لا يُسمن ولا يُغني من جوع، بل أصبحوا شركاء للتجار والمستوردين وجميع أصناف اللصوص، الحاكم أطلق أيديهم في السلب والنهب ، ليطلقوا يديه في الإستبداد حياً وميتاً ، هو لا يسألهم عن الثروات الأسطورية التي جمعوها من الفساد ، وهم لا يجرؤون على سؤاله عن أي شيء !

 أليسَ صحيحاً أن هناك موتى يجب قتلُهُم ؟

سيكتب التاريخ أن النصف الثاني من القرن العشرين كان العصر الذهبي للمافيا العربية التي تسلقت كراسي الحكم فأهلكت الحرث والنسل وجعلت من الناس خولاً ومن أموال الشعب دولًا، هزئت هذه المافيا بجميع القيم، أذلّت الجميع، وجعلت الخيار واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار : إمّا... وإمّا...

 

لم يعرف تاريخ النوع الإنساني منذ خروج الإنسان من الغابة قمعاً وإرهاباً كالذي عرفه في العقود الأخيرة من السنين في هذا الشريط الممتد بين الرباط وجبال كردستان، الجنرال فرانكو يعتبر تلميذاً مبتدئاً غبياً إذا قيس بأي جنرال عربي استولى على السلطة، تشاوشيسكو يعتبر من أئمة الديموقراطية والعدالة والنزاهة إذا قورن بأي حاكم عربي ، سواء كان من أهل اليمين أو من أهل اليسار، لذلك يحق لهذه الأمة أن تفتخر بهذا السبق على جميع الدكتاتوريين في العالم .

 

مئات الألوف من السجناء السياسيين قضوا ويقضون عشرات السنين في سجون الدول العربية دون محاكمة، ومئات الألوف من الذين اختاروا المنفى هرباً من سياط القمع والإذلال، والملايين من الناس على الأرض العربية تعيش كالأنعام، لا تعرف لون السماء لفرط ما انحنت منها الرقاب .  أطفال ولدوا في السجون وبقوا فيها مع أمهاتهم، وأطفال أصبحوا رجالاً قبل أن تتاح لهم فرصة رؤية آبائهم، فهذه بلاد المفقودين والمخطوفين والسبايا .

 

الديكتاتور العربي ، مهما كان الاسم الذي يطلقه على نفسه أو يطلقه عليه الناس، ديكتاتور متخلف أمي لا يقرأ، ولو قرأ هذا الديكتاتور التاريخ لتغير الأمر، فالظلم مرتعه وبيل، والسكرة بخمرة السلطة تعقبها ورطة، وعندما ينفجر غضب الشعوب فانه سيكنس جميع الطغاة فلا  يُبقي منهم ولا يذر، عندما يأتي اليوم، وهو آت لا ريب فيه، لن يجد أصحاب القصور قبراً على هذه الأرض، سيحاسبون عن كل ما جنته أيديهم، يومها لا ينفع مال ولا بنون، لن تحميهم يومها السيارات المصفحة ضد الرصاص ولا جيوش واشنطن، يومها سيكون الأمر كما قال الجواهري في قصيدته التي رثى فيها أخيه جعفر :

          سـيُحا سَبون فلا وراءٌ يحتوي              ذنباً ، ولا شُرَطٌ تحوم أمامُ              

سينكـس المتجبرّون رؤوسَـهم            حتى كأن رؤوسَــــهم أقدام

 

في مطلع العام الجديد يلتقى الديكتاتور العربي مع أولاده، يُحيي سهرة رأس السنة الجديدة مع زوجته وأصهاره، فهل يتذكر هذا الديكتاتور الأطفال الذين لم يروا آباءهم منذ زمن طويل ؟ وهل يُفكّر أن راس السنة القادمة قد لا يكون كرأس هذه السنة ؟

 

الطغاة العرب الذين يطمئنون إلى أجهزة مخابراتهم وشرطتهم وتنظيماتهم ينسون دروس التاريخ القريب، ينسون أن بضعة ملايين من الرومانيين كانت تحمي نظام نيقولاي تشاوشيسكو وأن هذه الملايين من السيكيوريتات وأعضاء الحزب ذابت كفص ملح عندما وقعت الواقعة، ينسون أن عدد أعضاء الحزب الشيوعي السوفياتي كان عشرين مليوناً . إنهم مصابون بفقدان الذاكرة ، فهم لا يتذكرون كيف أن جهاز السافاك لم يستطع حماية شاه إيران، وأن صدام حسين لم يجد مخبأ إلا في وَكرٍ  كَوكْر الضب ، لم يُدافع عنه حتى الحرس الجمهوري الذي كان يدخره للملمات .

 

ملف الطغاة من الحكام العرب وأعوانهم وأقاربهم سيفتح إن عاجلا ً وإن آجلاً، حساباتهم السرية والعلينة في مصارف سويسرا والولايات المتحدة ستوضع تحت تصرف الشعوب، الأموال القذرة التي جمعوها وغسلوها ستعاد إلى أصحاب الحق، لكننا نقول لهم بكل صدق : رفقا بأبنائكم وأحفادكم، فهؤلاء سيتجرعون من الكأس التي جرعتموها للآخرين، فلا تظنوا أن حصونكم ما نعتكم من الله أو من غضب الشعب، لأنكم ستؤتون من حيث لم تحتسبوا، فأنتم تخربون بيوتكم بأيديكم، فاتعظوا يا أولي الألباب.

 

 

مصباح الغفري