يتيمة الدهر

 في مثالب أهل العصر

 

                     ومِنَ العداوةِ ما ينالُكَ نفعُه

                               ومن الصــداقة ما يُضّر ويُؤلم!

المتنبي


توقفّت سيارة الشرطة العسكرية أمام قبو في منطقة الطلياني في دمشق، محمّلة بعدد من الموقوفين الشيوعيين، جيء بهم من سجن المزّة لإقناعهم بالتوقيع على وثيقة انسحاب من الحزب، فمفرزة سامي جمعة في منطقة الطلياني، فيها جميع "الوسائل الحضـــارية " لإقناع أي إنسان، بفضائل الغربان ، فقد كنا، ولا زلنا في الزمن الذي قال عنه سيد الشـــعراء المتنبي :

                 زمـانٌ تَعيش البـومُ فيــه رغيــدَةً

                                        ويشـقى هــزارُ الأيــكِ بالكــَدحِ والجَـــدّ
                فيا لــكِ دُنيــا تُنكِــحُ العـــبدَ حـُرّةً

                                        وتـتـخـذُ الأحــرارَ مِمســحةَ القــــــــرد!

ونزل المعتقلون إلى القبو الذي كان يشرف عليه سامي جمعة، ولم يكن في سورية من لا يرتجف رعباً عند سماع هذا الاسم، فهذا الشخص قضى زهرة شبابه في مختلف أسلحة " البصاصين " ، بدأ عمله في الأمن السياسي منذ عهد الشيخ تاج الدين الحسيني، وبقي مخلصاً لأي نظام حكم يأتي، الرجل ولد يحمل في يده سوطاً يُقنع به المعتقلين بأن السلطة، أي ســلطة، على صواب دائماً!

لكن سامي جمعة الذي نكّل على مدى نصف قرن بالمواطنين، يتمتع بظُرف وهو صاحب نكتة، ولن تُصدّق إذا جلست إليه أنه شارك يوماً في تذويب جثة فرج الله الحلو بالآسيد، ومثله مثل جميع رجال المخابرات، يتصرّف في الحياة العامة كالدكتور جايكل، ويتحوّل في قبو المفرزة إلى مستر هايد .

كان بين المعتقلين الذين جيء بهم إلى المفرزة، شيوعي من بلدة " دير عطية " ، مناضلٌ صلبٌ وشريف لا يلين، مؤمنٌ بقضيته، لم تفلح سياطُ سامي جمعة ولا خيزراناته في إقناعه بالتخلي عـن آرائه، لكن هذا المناضل الصلب كان ثقيل الدم بشكل لا يوصف، وأذكر أنني كنت معه في غرفة واحدة ومعنا الشهيد عز الدين قلق، قال لي عز الدين ذات يوم :
- إذا بقي هذا الرجل معنا، فإنني سأوقع على أية وثيقة تطلب مني وسأعترف بأنني خائن وعميل!

سأل سامي جمعة هذا المناضل عما إذا كان موافقاً على التوقيع على وثيقة انسحاب من الحزب ليتم الإفراج عنه، فأجاب الرجل بالنفي، عندها قال له سامي جمعة :
- هل تظن أننا سنفرج عنك إذا وقعت على الانسحاب؟ كلا وآلف كلا... وجودُك في السجن خدمة لنا لا تقدر بثمن، فالسجناء سيوقعون هرباً منك !

وبقي الرجل صامداً، وأفرج عنه بعد الانفصال عن مصر، لكن جميع الذين صمدوا معه، وعاشوا قربه في الزنزانات حتى النهاية، لا زالوا يعانون من حالات الاكتئاب حتى اليوم، فمنهم من قضى نحبَـــه، ومنهم من ينتظــر !

في تلك الأيام، وفي الخمسينيات بالتحديد، كان العداء على أشدّه بين الشيوعيين والسوريين القوميين، يومها جاءني شخص من صنف هذا المناضل الصلب، سمج إلى حد لا يطاق، يطلب الإنتساب إلى الحزب الشيوعي، قلت له على الفور :
- أنصحك بالانتساب إلى الحزب السوري القومي...

فوجئ الرجل بإجابتي، كيف أدعوه للانتساب إلى الحزب المعادي لنا على خط مستقيم، سألني عن السبب فقلت له :
- ذلك أن وجودك في صفوف خصومنا هو ثروة لنا لا تعادلها ثروة، إذا انتسبت إلى الحزب السوري القومي فلن يبقى فيه أحد بعد شهر، سيهرب الجميع لا من الحزب فقط، بل ربما غادروا البلاد نهائياً وطلبوا الحصول على جنسيات أخرى...

يروي مايلز كوبلاند صاحب كتاب " لعبة الأمم " ، وهو رجل المخابرات الأميركية المعروف، أن جهاز السي آي ايه لا يعتمد على العملاء المباشرين الذين يقبضون رواتبهم ومخصصاتهم منه فقط، يقول أن هذا الجهاز يعتمد بشكل رئيسي على صنف يطلق عليه اسم " الأعداء الحمقى " فالعدو الأحمق أكثر فائدة من الصديق في كثير من الحالات، من ذلك ما رواه أيضاً لي الأستاذ أحمد عسة صاحب جريدة الرأي العام الدمشقية، قال أنه التقى بعد مغادرته سورية عام 1963 إلى لبنان، التقى في منزل الشاعر سعيد عقل بأحد كبار رجال الخارجية الأميركية، ويومها أكّد له هذا الرجل أن سياسة الولايات المتحدة تقوم على دعم الأنظمة اليسارية في المنطقة، فخبراء السياسة في الولايات المتحدة، أدركوا بدراساتهم أن اليساريين في المنطقة مفيدين لواشنطن بحماقاتهم، أكثر من أي عميل مأجور! وقد برهنت تجربة العقود الأخيرة من السنين مدى صحة هذه المقولة عن فوائد الحمقى .

لم يكن في مقدور أي حاكم من طراز نوري السعيد أن يفعل بالعراق ما فعله صدام حسين، ما كان لجورج بوش أن يعربد في الخليج ويدمر العراق ويحتل منابع النفط لولا أن قيض الله له حاكماً من هذا الطراز من الحمقى المـــفيدين جداً للذئب الأميركي .

وعلى الطرف الآخر من الخنادق، فإن الذين " سمسروا " للولايات المتحدة، وشاركوا في تدمير العراق من الحكام العرب، هم أيضاً من هذا الصنف من الحمقى المفيدين، حماقتهم تختلف عن حماقة حاكم بغداد، ذلك أحمق جلف، وهؤلاء حمقى " ناعمون " لكنهم ناعمون على اليهود، خشنون على رعاياهم، حسب تعبير بدوي الجبل .

هل غادر الشعراء من متردّم ؟

هذا ســؤال قديم، لم يترك الشعراء والكتاب موضع عضة لبعوضة في ثياب الحاكمين وأنظمة القهر، لم يكشفوا الستر عنها وعن عورات الأنظمة العربية القمعية الحمقاء، أصبحت حماقات هذه الأنظمة وقياداتها" الحكيمة طبعاً" مكشوفة لا تغطيها حتى ورقة التين، والبلاد كما يقول الجواهري، لم يبق فيها شبر لم تنله معرّة، والجميع لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون أو يخافون من الفهم، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم بالحاح ما بعده الحاح، هو السؤال الذي طرحه لينين عام 1905 وجعله عنواناً لكتاب هام :
- ما العمـــــل ؟

هذا السؤال نفسه، طرحه فهد الشاعر في محادثات الوحدة مع مصر عام 1963، تساءل :
- والآن ... ما العمل ؟

أجابه جمال عبد الناصر بتوريةٍ، ذاكراً اسم كتاب آخر كتبه لينين :
- خطوة إلى الأمام... خطوتان إلى الوراء !

إذا بقيت هذه الأنظمة تتمتع بالهدوء والاستقرار مباركة من واشنطن، آمنة من شعوبها الخانعة، فليس أمامنا غير تغيير عنوان كتاب لينين ليصبح السؤال :
- ما العمل ؟
- خطوة إلى الوراء ... خطوتان إلى أقصى الوراء !

ولا حـــول ولا قـــوة إلا بالله!

 

 

مصباح الغـفـري