ليس صحيحاً أن الإنسان
حيوان ناطق ، قد ينطبق ذلك على
الإنسان الذي لم يكرمه الله فيخلقه عربياً ، الإنسان وخصوصاً الإنسان العربي هو
" حيوان مربوط " ولذلك ازدهرت في السنوات الأخيرة مكاتب وعيادات الطب
الروحاني المتخصصة في فك المربوط وجلب الغائب .
يولد العربي مربوطاً
بحبل السرة إلى رحم أمه , وفي المدرسة تربط رجلاه في الفلقة , وما أن يكبر ويطر
شاربه حتى يربط بعقد الزواج , ثم يرتبط بعقد عمل , ناهيك عن ارتباطه بالقضية
وبالمنجزات التاريخية وبأجهزة الأمن , الإنسان العربي يحب الربط بين ما تقوله
القيادات التاريخية وحزب القائد والظروف التي تمر بها الأمة , وهو مرتبط بمواعيد
الاستفتاءات الشعبية ، ومواعيد الغرام ومواعيد النضال لتحرير فلسطين ومواعيد
العودة إلى اللواء السليب وإلى الأندلس وإلى الصحراء الغربية .
كلكم مربوط وكلكم
مسؤول عن روابطه وارتباطاته , ولذلك رأيت أنا العبد الفقير إليه تعالى ، أن أعمل
في مهنة القرن الحادي والعشرين : مهنة فك المربوط , فتحت مكتباً لفك الارتباط عند
الكيلو متر 101 قرب حبال الخيمة التي نصبها الرئيس المؤمن محمد أنور السادات بعد
حرب التحريك الشهيرة , تزودت بالبخور الجاوي واللبان ومخ الضبع وجميع الوسائل
العلمية لفك الارتباط وفك المربوطين , كان الشاعر الفلسطيني معين بسيسو أول زبائني
, جاء يحمل قصيدة عنوانها :
"محاولة
لفك الارتباط بين الفاعل والمفعول به في اللغة العربية"
لاحظت أنه يترنح من
السكر وهو ينشد :
ماذا يفصل بين الفاعل
والمفعول به في اللغة العربية ؟
فاصلة أم نقطة أم قوات
دولية ؟
ماذا يفصل بين الجندي
العربي والجندي الاسرائيلي الآن , فاصلة أم نقطة أم قوات دولية ؟
كم أكره أول من علمني
الدرس الأول في التاريخ .
كردياً كان صلاح الدين
, وانتصر فأصبح عربياً …
ماذا لوهزم صلاح الدين
؟
أصبح جاسوساً كردياً !
رجوت شاعر غزة هاشم
الكبير ، أن يسكت لئلا يقطع رزقي , قلت له مهمتنا هنا هي فك الارتباط بين الفاعل
والمفعول به ، وبين الفاعل والمفعول فيه وبين الفاعل وجميع المفعول بهم بشكل مطلق
، فإذا جئت أنت لتحرضنا على عدم فك الارتباط وإبقاء المربوطين على ارتباطاتهم ،
فمن أين نأتي بالمال لشراء الدش والفيديو والاشتراك في القنوات الفضائية ؟
صاح بي معين بسيسو
مقلداً لهجة علي بن محمد قائد ثورة الزنج :
يا أهل البصرة , كل
يتحسس رأسه !
قلت لصديقي الشاعر :
ـ على رسلك يا أخا
العرب , أما أنا فإنني بلغت من الكبر عتيا , هل تذكر صاحبك الدكتور صاحب أكبر
شاربين في الشرق الأوسط ؟ جاءني ذات يوم يطلب مني كتابة مقال لينشره باسمه في إحدى
الصحف , الأتعاب كانت بضعة كؤوس من البيرة , بدأت أحتسي البيرة على مهل وأنا أكتب
الفكرة التي يريد التعبير عنها , كان ينظر إلي بطرف عينيه وأنا أكتب , وفجأة صرخ
بي:
ـ ماهذا يا أبا يسار ؟ إنك تكتب عن الديموقراطية والحريات ,
وتريد أن تخرب بيتي ! لو كان هناك أنظمة ديموقراطية لما استطعت أن أدفع عنك ثمن ما
تحتسيه من بيرة الآن , نحن حريصون على بقاء جميع الأنظمة الديكتاتورية والتنظير
لحكمتها وما تتمتع به من ضبط نفس ومن رؤية للمستجدات , هذه الأنظمة هي التي تدفع
لي لكي أدفع عنك ثمن المشروب !
فهمت وقمت بحذف كل
الفقرات المتعلقة بالديموقراطية . وأنت تأتيني اليوم بقصائد ضد فك الارتباط , فمن
أين أدفع عنك ثمن الويسكي إذن ؟
غادرني شاعر فلسطين
وهو يؤكد أنني متخاذل , لكنني لم أيأس , جاءني رئيس تحرير مجلة تصدر بالألوان
وتعدد دائماً فضائل النفط وأهله وقبائله وعشائره , قال أنه ليس بحاجة إلى خدماتي
لأنه فك ارتباطه بقضايا الحرية والديموقراطية قبل أن يرتد إليه طرفه ، وأنه عندما
يدور مئة وثمانين درجة لايشعر بالدوخة إطلاقاً ، بل إنه يشعر بالحبور .
رأيت أن الزبون الوحيد
لمكتبي المتواضع المتخصص بفك المربوط هو أنا لاغير ! كيف السبيل إلى فك الارتباط
بيني وبين وزارات الإعلام وأصحاب الجرانيل والمواقع الإلكترونية ؟ أفتوني وأجركم
على الخالق الذي يرزق من يشاء بغير حساب ويرزقنا بحساب شديد جداً .
مصـــباح الغفـــري