فضل الكلاب

على كثير من الصحفيين والكتاب

 

 

     إذا كان الانسان حيوانًاً ناطقًاً , فإن الكلب هو إنسان نابح . وينبني على ذلك أن من حق الكلاب ، عدا الأكل والشرب والنوم ، الشمشمة والإنحراف عن الطريق الصحيح والنباح والعض، ورفع الساق للتبول على آبار النفط أوعلى  الصحف والكتب التي تصدر بهذه الأموال، أو حتى على القيادات التاريخية الرشيدة والحكيمة، كما أن من حقها اللعب المخبول، وقدرٌ لا بأس به من التخريب للمنجزات التاريخية لقرارات الشرعية الدولية!

     هذه الحقوق مضمونة لأي كلب  ـ  غير بوليسي ـ بموجب الإعلان العالمي لحقوق الكلاب غير البوليسية ، وهو الإعلان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية , وتم تعديله من قبلي أنا الموقع أدناه أبو يسار الدمشقي، بما يتناسب مع المستجدات على الساحتين الدولية والشرق أوسطية . وقد سبق لي أن نشرت هذا الإعلان قبل بضع سنوات , وما دعاني إلى إعادة الحديث عنه، أنني عثرت على مخطوطة نادرة لأبي عثمان عمرو بن بحر الملقب بالجاحظ عنوانها : فضل الكلاب على كثير من الصحفيين والوزراء والكتاب .

     قال الجاحظ في هذه الوثيقة التاريخية :

إعلم ســدد الله خطاك ,  أن الباري عز وجل، حدد عُمرَ كل مخلوق من المخلوقات بثلاثين سنة ،  فاعترض الحمار المكنى بأبي صابر , قائلا ً:

   _  يا رب , إن ثلاثين سنة أعيشها في حمل الناس والأثقال، عمر طويل ، أنا زاهد فيه , فهل لي أن أتبرع لأخي الإنسان بنصف هذا العمر ؟

     وجاء الكلب لاهثاً معترضاً وهو يهرول:

   _  هل من المعقول يا رب أن أعيش ثلاثين عاماً تحت حكم البشر ؟ أنتظر منهم التفضل علي بالعظام وبقايا الطعام , إنني أتفضل فأمنح الإنسان نصف عمري .

     وهُرع القرد ليقف أمام الخالق معترضاً أيضاً على هذه الثلاثين عاماً يقضيها في الرقص في الشوارع ، متبرعاً لابن آدم بنصف عمره .

     زعموا أن الإنسان ، غير الشرق أوسطي ، يعيش الثلاثين عاماً الأولى من حياته كإنسان , ثم يتزوج فيقضي الأعوام الخمسة عشر التي تبرّعَ له بها أبو صابر، حامـلاً كل يوم الطعام لصغاره كالحمار, وينقضي العمر الذي منحه له الحمار ، ويأتي عمر الكلب , يكبُر الأولاد ويبلغون سن المراهقة، فيروح ينبح وراءهم على غير طائل ، وفي الستين يبدأ الخرف الشيخي وعُمر السعدان ، يضع الأولادُ والدهم في زاوية في البيت ويسخرون من آرائه التي أصبحت بالية ،  وكأنهم يسخرون من قرد !

     ولأن ذلك كذلك , فقد عاش الإنسان جزءاً من عمره بفضل الكلاب , وهذا يقودنا إلى البحث والتنقيب عن فضل الكلاب على كثير من الصحفيين والكتاب , فالكلاب تعيش حياة طبيعية جداً خالية من الكذب والنفاق , وقد أحصى الكسائي الفضائل التي فطرت عليها الكلاب غير البوليسية فبلغت ستاً وثمانين فضيلة , وقيل أنه مات وفي نفسه شيء منها ومن حتى !

     على أنني أكتفي بذكر ما اتفق عليه علماء المستحاثات عن فضائل الكلاب , وهي سبع فضائل إليك تفصيلها :

·              الكلب صديق لصاحبه لا عميل له ، والفرق بين الصديق والعميل كبير ، لم نسمع عن كلب ترك صاحبه الفقير، وجرى وراء شيخ نفطي أو أمير ، في حين نرى ونسمع كل يوم عن كتاب وصحفيين تركوا مبادئهم وعقائدهم وماضيهم،وتحولوا إلى عملاء لمن يدفع أكثر .

·              لا يخفي الكلب عواطفه ، إنه يبصبص بذنبه فرحاً وشكراً لأي بادرة من صاحبه , في حين يخفي الكاتب عواطفه الحقيقية ليمسح أقفية المسؤولين وأحذيتهم ويقبل أياديهم وأقدامهم إذا اقتضى الأمر .

·      لا توجد صحافة في مجتمع الكلاب ولا قنوات فضائية ولا وسائل إعلام , ولذلك لا يحتاج الكلب إلى ابتلاع أقراص منومة، بل هو ينام ملء جفونه بدون نرفزة ولا قلق .

·              أكرم الله الكلاب فلم يخلق لهم أجهزة أمنية تتجسس عليهم وتحصي أنفاسهم , لا شرطة عند الكلاب ولا مخابرات , والكلب ينام غير خائف من الاعتقال , بل إنه يتمتع بحق النباح والعض ورفع الســاق للتبول دون خوف ولا وجل .

·              لا يوجد شعراء حداثة عند الكلاب وهذا فضل من الله ونعمة على رؤوسهم لا يراها إلا الذين ابتلوا بالشعر الحديث من أبناء آدم .

·              لم نسمع عن كلب صنف كتاباً في مديح قاتل أو لص أو قاطع طريق , بل إن الكلب مستعد لعض أي لص يتجرأ على اقتحام منزل صاحبه , ولا يؤلف الكلاب كتباً لتشويه التاريخ وتزويره كما يفعل ذلك  كثير من الصحفيين والكتاب .

·              أخيراً وليس آخراً , لا توجد وزارات إعلام ولا حكومات لدى الكلاب، ولا قيادات تاريخية مزمنة، ولا برلمانات تعدل الدستور في خمس دقائق لتفصيله على مقاس فلذة كبد الدكتاتور الراحل ،  الكلب يرفض ويرفع ساقه ليبول على أي قرار لا يعجبه، دون خوف من قطع رزقه , فالرزق على الله !

تنبأ الجاحظ، أن جريدة ستظهر في النصف الثاني من القرن العشرين يكون اسمها جريدة الكلب وستكون صادقة ووفية , وأن صاحبها هو أول من يعيد إلى الكلب اعتباره المفقود، وقد صدرت هذه الجريدة بالفعل، وكان صاحبها الكاتب الكبير الراحل صدقي إسماعيل، وكان شــعارها :

 

" ذَنّبُ الكلــــب دائمــــاً معـــووجُ        أفضـــلُ القارئين مَن لا يَضـــــوجُ

 

 

وشكراً للقراء الكرام الذين لم " يضوجوا" حتى اليوم!

 

 

مصــــباح الغفري