زيارة الأسد إلى موسكو ومابعدها

فايز سارة (كاتب سوري) – الوطن العمانية 27/1/2005

هل تعيد زيارة الرئيس بشار الاسد الحرارة الى علاقات دمشق - موسكو؟ . هو سؤال مركزي يحيط بأول زيارة يقوم بها رئيس سوري الى موسكو بعد تغييرات كثيرة ومتبادلة جرت في كل من سوريا وروسيا في خلال الخمس سنوات الماضية الفاصلة بين زيارة الاسد وآخر قمة سورية - روسية عقدت عام 1999 بين الرئيسين السابقين السوري حافظ الاسد والروسي بوريس يلتسين.

وميزة الزيارة، انها تأتي بعد حدوث تغييرات مهمة في موقع الرئاسة في البلدين وتبدل في محتويات النظامين، حيث تتحول سوريا الى اقتصاد السوق، وترسخ روسيا خيارها فيه، كما تأتي الزيارة بعد هدوء نسبي استمر سنوات في العلاقات السورية - الروسية. هدوء ارتبط في جانب منه ببعض ارث العلاقات التقليدية والقوية، التي ربطت دمشق وموسكو قبل سقوط الاتحاد السوفيتي، كما ارتبط الهدوء في جزء آخر من اسبابه بالتفات كل من دمشق وموسكو الى الداخل لمعالجة اوضاعها الداخلية، واقتصار اهتمامها بالخارج على معالجة القضايا الساخنة وبخاصة تلك التي لها ارتباطات بالموضوعات الداخلية في ظل حقيقة ان البلدين - ولو بسويات مختلفة - يواجهان تحديات داخلية متماثلة منها الاصلاح ومواجهة الفساد والنهوض بأعباء التنمية.

وبطبيعة الحال، فان الظروف الداخلية للبلدين، لايمكن عزلها عن الظروف الاقليمية والدولية المحيطة في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة الى تكريس هيمنتها على العالم وخاصة على الشرق الاوسط الذي وان كان موضع اهتمام روسي، فان سوريا بين دوله الرئيسة، وكلاهما عرضة للتأثر بالهزات العنيفة، التي تضرب خريطته السياسية وخاصة في العراق وفلسطين في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة للانتقال بالشرق الاوسط من حالة الهيمنة الى وضع اليد، وتحاول اوروبا بدورها الوصول الى شراكة مع جزء من دول الشرق الاوسط دون ان تتصادم مع الولايات المتحدة، وهو ما يتعارض مع رغبات سوريا ودول المنطقة في الحفاظ على استقلاليتها، وطموح روسيا التي كانت ولاتزال راغبة في منفذ الى المياه الدافئة في جنوب غرب آسيا، وتأمين مصالحها الاقتصادية في بلدان المنطقة.

واذا كانت زيارة الرئيس الاسد الى موسكو محكومة بطموحات ومصالح الطرفين واحتياجاتهما، فانها محكومة من جهة ثانية بارث العلاقات القديم بين سوريا والاتحاد السوفيتي السابق الذي ورثت موسكو بعض ارثه وخاصة فيما يتعلق بموضوع الديون وجزء منها ثمن المعدات العسكرية التي كانت تستوردها سوريا من الاتحاد السوفيتي، الامر الذي يتطلب تفاهماً سورياً روسياً يمد ظلاله من معالجة ترسبات الماضي الى متطلبات الواقع، وصولاً الى طموحات المستقبل.

وبسبب ما يحيط بالزيارة من اهمية، فقد صنفتها موسكو باعتبارها زيارة دولة، وهي أرفع أنواع الزيارات الرسمية لدى الروس، وتضمن برنامجها اضافة الى لقاء القمة بين الأسد وبوتين لقاءات سياسية واقتصادية مع كبار المسؤولين والفعاليات الروسية، وتم استباقها بزيارتين لاثنين من كبار المسؤولين السوريين، عبد الله دردري وزير التخطيط، ومحمد الحسين وزير المالية لمعالجة بعض ملفات الزيارة ومنها موضوع ديون الاتحاد السوفيتي السابق على سوريا والبالغة نحو 12 مليار دولار.

وتصفية ملف الديون الذي احيط برغبة سورية روسية لاغلاقه من شأنه فتح افاق جديدة في علاقات الطرفين ولاسيما في الجوانب الاقتصادية، التي تشمل المبادلات التجارية وخاصة توريد الآلات والمعدات الروسية الى سوريا، التي اعتمد جزء من قطاعاتها المدنية والعسكرية على روسيا لاكثر من اربعين عاماً، اضافة الى التعاون في مجالات النفط والغاز، وتطوير العلاقات في ميدان البحث العلمي والتعليم العالي ولها جميعاً ارث كبير في تاريخ العلاقات بين البلدين، يضاف اليها التعاون في مجال الاستثمارات التي يسعى البلدان لزيادتها وتعدد مجالاتها، وهو ما اكدته المباحثات السورية - الروسية.

وتطوير العلاقات السياسية بين دمشق وموسكو بين البديهيات الرئيسية لزيارة الرئيس بشار الاسد. اذ هو تتويج لما تكرس من توافقات سياسية اساسية، كانت قد ظهرت وتكرست في سياسة البلدين في خلال السنوات الماضية في الموقف من القضايا الاقليمية والدولية، كان الابرز فيها توافق في موضوع الحرب على الارهاب وفي المساعي الدولية لحل النزاعات بصورة سلمية، والسعي لايجاد توازن في العلاقات الدولية يتجاوز هيمنة القطب الاميركي، اما في القضايا الاقليمية، فقد كانت التوافقات كثيرة، كما في معارضة سوريا وروسيا للحرب على العراق، وفي توجههما المشترك لايجاد حلول للاوضاع القائمة في العراق وفلسطين، وتجسدت تلك التوافقات ليس في اطار المباحثات المشتركة للطرفين التي تمت في السنوات الماضية، انما ايضاً في مواقف مشتركة تم اعلانها في الامم المتحدة وداخل مجلس الامن الدولي.

لقد بدت المواقف السياسية لكل من الطرف السوري والروسي مرضية للطرف الآخر في السنوات الاخيرة، لكن ثمة رغبة مشتركة لتوافقات وتقاربات أكثر في المواقف التفصيلية، ولدى السوريين رغبة في تعزيز الدور الروسي في الملفات الساخنة في الشرق الاوسط ولاسيما في الموضوعين الفلسطيني والعراقي وفي الملف السوري - الاسرائيلي من اجل معالجة متوازنة في قضايا تكاد تنفرد بمعالجتها والتأثير عليها كل من الولايات المتحدة واسرائيل، كما ان لدى روسيا رغبة قوية في العودة الى الشرق الاوسط بما يمثله من اهمية سياسية واقتصادية واستراتيجية يجري التنازع عليها من جانب القوى الكبرى، وتعتبر موسكو ان دمشق بين البوابات الرئيسية لعودتها الى المنطقة، التي ترى اغلب بلدانها العربية والاسلامية، انها بحاجة الى شريك دولي له مواقف متوازنة من قضايا المنطقة، وليس منغمساً في حمام الدم العربي في العراق، ولايدعم بصورة قوية وفاضحة سياسة اسرائيل ضد الفلسطينيين، ولايؤيد سياسة اسرائيل ضد بقية الدول العربية.

والنتائج الاولية لزيارة الاسد الى موسكو، رسمت في مجرياتها ملامح تجديد وتطوير العلاقات السورية - الروسية في جوانبها المختلفة، لكن الاهم منها هو انخراط الطرفين عملياً من اجل تجسيد التطور الايجابي لهذه العلاقات خاصة في ظل الهجمات الاسرائيلية - الاميركية على البلدين التي سبقت زيارة الاسد لموسكو، والتي وان كان عنوانها موضوع صفقة اسلحة روسية الى سوريا، لكنها كانت في حقيقتها سعي اسرائيلي - اميركي لمنع تجديد العلاقات السورية - الروسية في أي ميدان كان.