القدس تحت الاحتلال التزوير والتحريف

                                                                                                                                                                                       

فايز سارة - كاتب سوري

مقدمة

في حزيران عام 2001، يكون قد مر على احتلال القدس خمس وثلاثون عاماً، حافلة بالمتغيرات العاصفة، التي أصابت المدينة من جانب المحتلين الاسرائيليين، وهي متغيرات لم تصب سكان المدينة فقط، بل انسحبت على معالمها التاريخية والحضارية، وبالتالي على الطابع العام للمدينة وحياتها الراهنة تحت الاحتلال.

 

ويكشف الكاتب والمعماري العراقي محمد مكية في شهادته عن واقع مدينة القدس اثر زيارة قام بها مؤخراً للمدينة بعض ما أصاب المدينة من متغيرات تحت الاحتلال، فيقول ان "التراث العمراني والبيئي للقدس القديمة في حال تدهور وخراب، وليس هناك اهتمام بما تبقى من البنية العامة للمدينة"، ويعزو سبب ذلك الى "ان الادارة الاسرائيلية للقدس لا تكترث لما يصيب المدينة، فكثرة الخرائب وتحويلها أماكن لرمي القمامة والتخلف في التخطيط، أصبحت واقعاً يومياً، مع غياب ادارة فلسطينية، وأي دور للأوقاف الاسلامية".

هذه الشهادة في اختصارها الشديد، تكشف بعضاً مما صارت اليه المدينة في ظل الاحتلال الاسرائيلي الذي اثقل صدرها منذ صيف العام 1967، ورتب تغييرات كثيرة على واقع القدس الديموغرافي والجغرافي والسياسي، كان من نتيجته الاتجاه بالمدينة نحو التهويد والأسرلة، وهو ما تسعى اليه، وتتابعه سلطات الاحتلال الاسرائيلي مع جماعات صهيونية عديدة خلافاً لمحتويات القانون الدولي، وإرادة المجتمع الدولي، وكلتاهما ما زالت تؤكد منذ احتلال "اسرائيل" للقدس في العام 1967 عدم شرعية اجراءات الاحتلال التي تستهدف تغيير الطابع العربي ـ الاسلامي للمدينة من خلال تغييرات ديموغرافية وجغرافية، تؤدي الى تبدل البنية السكانية من جهة، وتغيير المعالم الجغرافية للمدينة.

والقول، ان ما تقوم به سلطات الاحتلال الاسرائيلي والمستوطنون اليهود في القدس، يندرج في إطار مخالفة القانون الدولي، يفرض المطالبة بمعاقبة القائمين بهذه الجرائم، ما يرتب على المجتمع الدولي التوجه للقيام بالخطوات المطلوبة في هذا الاتجاه.

ويقدم الباحث في الشؤون الاسرائيلية نواف الزرو في كتابه "جرائم الاحتلال ضد مدينة القدس" كشفاً عاماً لما قام به الاسرائيليون من جرائم في القدس منذ احتلالها، مستندة الى "منطلقات فكرية وإيدلوجية" تمثل الاساس الذي تقوم عليه الممارسة الاسرائيلية حيال القدس، وخلاصته في مقتطف يورده الكاتب من أقوال بن غوريون الأب المؤسس لإسرائيل، وفيه يقول "لا قيمة لاسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل" وهو قول عبرت عنه نزعة التدمير اليهودية عندما طلب غورن كبير حاخامات "اسرائيل" من الجنرال نركيس قائد المنطقة الوسطى عند احتلال القدس عام 1967 تدمير المسجد الأقصى.

وقدم الباحث الزرو عرضاً لأهم الانتهاكات والاعتداءات والجرائم التي ارتكبت ضد القدس وسكانها وبينها ما تم القيام به ضد الأماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية ومنها محاولات تدمير الأقصى والاعتداء عليه، التي زادت عن مئة وعشر محاولات بين عامي 67 و98 منها ثلاث مذابح في الأقصى 1981 و1991 و2000.

وترافقت هذه الجرائم الاسرائيلية مع اخرى ارتكبت ضد الأماكن المقدسة المسيحية، بينها هدم كنائس واحتلال اخرى، وحرق مراكز مسيحية، والاستيلاء على املاك كنائس، وفرض ضرائب على كنائس القدس، وهو ما ترافق مع تدخلات في أنشطة رجال الدين المسيحي، وأقرانهم من المسلمين الى حد منعهم من القيام بمهامهم الدينية.

ولا تقل الاعمال التي يقوم بها المستوطنون اليهود في القدس خطورة واجراماً عما ما تقوم به سلطات الاحتلال، ويورد الكاتب معلومات أساسية عن عدد من التنظيمات، التي تتخذ العنف والارهاب طريقاً لها من أجل تهويد القدس، مشيراً الى ان هناك أكثر من 125 جماعة يهودية موزعة في العالم تجعل هدفها تدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل اليهودي مكانه.

ورغم أهمية وخطورة الجرائم التي يقوم بها الاسرائيليون ضد المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس، فإن ذلك لا يمثل سوى بعض من جرائمهم هناك، والتي أساسها اعلان ضم القدس الى "اسرائيل" بما يعنيه ذلك من تطبيق للأنظمة والقوانين الاسرائيلية على المدينة وسكانها، التي كثفت التدخل الاسرائيلي المتعدد الابعاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وعمرانياً لخلق صعوبات مستمرة في حياة الفلسطينيين من أجل نزع هويتهم المقدسية، أو لدفعهم لمغادرة القدس سواء الى بقية الأرض الفلسطينية، أو الى خارج فلسطين.

ويورد تقرير صدر مؤخراً عن الوضع السكاني في القدس، وتم تعميمه على دول وهيئات دولية، ان الفلسطينيين المسيحيين ـ كما اقرانهم من المسلمين ـ من سكان المدينة التي تضم المقدسات المسيحية، يجبرون على مغادرتها الى انحاء متفرقة من الضفة الغربية والخارج، ما ادى الى تناقص عددهم نتيجة الاجراءات التي تقوم بها السلطات الاسرائيلية ضد سكان القدس من مسلمين ومسيحيين وخاصة في اعقاب اندلاع انتفاضة الاقصى الحالية.

وتبين المعلومات الاحصائية، ان عدد المسيحيين من سكان القدس الذين كان عددهم 25 ألفاً عام 1967 صار نحو أربعة آلاف شخص حالياً رغم الزيادات السكانية التي حدثت في نحو أربعين عاماً من سنوات الاحتلال.

لقد أغرق الاحتلال القدس بالاحياء اليهودية من خلال آلاف الوحدات السكنية، وجهد من أجل زيادة اعداد اليهود فيها، وعملت سلطاته ومستوطنوه من أجل احداث تبدل جوهري في واقع المدينة وتحويلها الى مدينة يهودية، غير ان سكان القدس وعموم الفلسطينيين جهدوا وما زالوا من أجل الابقاء على القدس مدينة عربية إسلامية، منتظرين صحوة الضمير الانساني وتقدمه للوقوف ضد الجرائم والانتهاكات التي يقوم بها الاحتلال ضد القدس وسكانها، بل ضد كل الفلسطينيين وأراضيهم المحتلة.