تحديات صعبة واجهت الشيخ

بقلم : فايز سارة

تتشابه المعطيات الاولى لحياة الشيخ احمد ياسين مع معطيات كثيرة احاطت بحياة الفلسطينيين الذين ولدوا مع ولادته في ثلاثينات القرن العشرين، وشهدوا النزوح ودمار الحياة الفلسطينية وهم في عقدهم الثاني او نحوه، ثم عاشوا بؤس الحياة الجديدة في المخيمات والمنافي، وتعرّض بعضهم لظروف استثنائية جعلت من حياتهم اصعب من المعتاد بالمستويين الشخصي والاجتماعي.
وينتمي الشيخ ياسين الى هذا النفر الاخير من الفلسطينيين خاصة بعد تعرضه للاعاقة في الثانية عشرة من عمره نتيجة حادث، وهو الطفل الذي نزح وعائلته من قرية صارت في عداد الاراضي التي قامت عليها اسرائيل عام 1948، وبفعل امكانياته وبمساعدة محيطه، تغلّب ياسين على ظروفه، فتلقى في قطاع غزة ومصر من التعليم والمعرفة، ما يكفي لممارسة التعليم في المدارس، وان يصير خطيباً في مساجد غزة، كما حصل على افق ومعرفة سياسيين، أكتسبهما من صلته بجماعة الاخوان المسلمين المصرية، التي كانت أنشط الجماعات السياسية في مصر حتى بداية الستينات.
ووسط تلك الصورة، وفي ظل تلك الامكانات، عاش ياسين في مواجهة تحديات متواصلة، لا تتعلق بالشخص ومحيطه الاجتماعي، بل تتجاوزه الى الابعد في المستوى الوطني، وربما كان ابرز هذه التحديات في الستينات، مساهمة الرجل باعادة بناء جماعة الاخوان المسلمين، التي كان النظام المصري قد دمّرها في القطاع اواسط الستينات، وفي عقد السبعينات، كانت الجماعة استعادت حضورها، فانتقل ياسين الى مرحلة أخرى، في تعزيز الدور الثقافي للجماعة الاسلامية في القطاع، وهو امر كان في صلب مشروع المجمع الاسلامي في غزة الذي كان احد صنّاعه.
لقد واجه الشيخ ياسين تحدي تهميش الحركة الاسلامية ودورها في القطاع في الستينات والسبعينات، ثم دخل في مواجهة تحدّي دور الحركة الاسلامية في مواجهة الاحتلال في الثمانينات، بعد ان تعرّضت الحركة الوطنية الفلسطينية وتنظيماتها لضربات متلاحقة في المحيط الاقليمي ولاسيما في الاردن، ولبنان لاحقاً، وهكذا اتجه الشيخ الى تكوين تنظيم مسلّح بداية الثمانينات، حيث اعتقل عام 1983 بتهمة <<حيازة اسلحة وتشكيل تنظيم عسكري والتحريض على ازالة اسرائيل>>، وكررها ثانية بعد خروجه من الاعتقال الاسرائيلي، عندما انطلق مع بداية الانتفاضة عام 1987 مولّداً من عمق جماعة الاخوان المسلمين تنظيماً جهاديا واطارا جماهيريا باسم حركة المقاومة الاسلامية <<حماس>> وجناحه العسكري <<كتائب القسام>>.
واذا كان من معنى لخطوة الشيخ ياسين في تشكيل جماعة اسلامية فلسطينية مسلحة، فقد كانت تعني إعادة وضع الجماعة الاسلامية امام مهمة مقاتلة اسرائيل، وهي مهمة غابت عن الجماعة بعد ما اصاب الاخوان المصريين وفلسطيني القطاع على ايدى النظام المصري بعد العام 1949. وبخطوة الشيخ ياسين، تم وصل الإرث الكفاحي للاسلاميين في مقاتلة الصهيونية من محطته عند عز الدين القسام الى الشيخ حسن البنا الى الوقت الحاضر.
وبين التحديات التي واجهت الشيخ ياسين، موضوع الوحدة الوطنية الفلسطينية، وهو موضوع شديد الحساسية والتعقيد، ليس فقط بسبب انقسام الفلسطينيين الى جماعات سياسية ومسلحة متناقضة الايدلوجيات والسياسات، بل بفعل انقسامهم الى سلطة ومعارضة منذ العام 1993 الذي يؤرخ لاتفاقات اوسلو بين منظمة التحرير واسرائيل، والتي لم تكن <<حماس>> طرفاً فيها، ولم يكن تحدي الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية عند ياسين، يقتصر على الإبقاء على علاقات وثيقة وقوية مع الجماعات الفلسطينية الاخرى، رغم عوامل التفجير المختلفة، بل تجاوزه الحفاظ على مستوى يضمن ذلك في العلاقة مع السلطة الفلسطينية، وتجاوز الشيخ ياسين في ذلك حالتين من فرض الإقامة الجبرية فرضتهما السلطة الفلسطينية عليه في عامي 2001و2002، كما تجاوز مرات عمليات إطلاق نار على انصاره من جانب أجهزة الامن الفلسطينية.
ولا شك في ان بين اهم التحديات التي واجهت الشيخ ياسين، استمراره في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، فالرجل المقعد والعجوز والمريض والمهدد بالاغتيال، لم يقف ابداً موقف المتراخي في مواجهة الاحتلال، وخلال العشرين عاماً الماضية، اعتقل الشيخ مرتين، اولها عام 1983، والثانية عام 1989، قضى فيهما سنوات في السجن، وتعرّض لتعذيب فاقم مشاكله الصحية، ثم كانت محاولة اغتياله مع اسماعيل ابو شنب احد قيادي الحركة في ايلول الماضي، والتي لم تحدث تبدّلاً في موقفه من الاحتلال الذي يبدو ان الاسرائيليين كانوا شديدي الاقتناع بانه لن يتبدّل، فاختاروا اغتياله على أعلى المستويات.
الشيخ احمد ياسين مؤسس وقائد حركة <<حماس>>، كان حجر التوازن داخلها بين اتجاهين، ولأكثر من خمسة عشر عاماً حافلة بالتطورات، حافظ ياسين على وحدة الحركة وعلى موقعها في الحياة الفلسطينية، وربما كان هذا بين أهم التحديات التي واجهت الرجل صاحب الإمكانيات والقدرات المحدودة في ظاهرها.