القرار 1559 وإشكالات العلاقات السورية الفرنسية *

 

 

فايز سارة

يكاد يتفق متابعو سياسة سوريا الخارجية على قول، ان علاقات دمشق باريس دخلت في مرحلة تصادم بعد الدور الفرنسي في قرار مجلس الامن الدولي رقم 1559 الخاص بلبنان وعلاقته مع سوريا، حيث تضمن القرار تدويل العلاقات السورية اللبنانية بنقلها من طابع العلاقات الثنائية، وجعلها تحت يد مجلس الامن الدولي، فيما اكد القرار في فقراته التوجه إلى تصفية الوجود السوري في لبنان (دون نص صريح) من خلال الدعوة إلى "الاحترام التام لسيادة لبنان وسلامته الاقليمية ووحدته واستقلاله السياسي تحت سلطة حكومة لبنان وحدها من دون منازع على كامل اراضي لبنان"، ومطالبة "جميع القوات الاجنبية المتبقية بالانسحاب من لبنان"، والدعوة إلى "حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها"، وتأييده "بسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الأراضي اللبنانية"، وتأييده "عملية انتخابية حرة ونزيهة في الانتخابات الرئاسية المقبلة تجري وفقا لقواعد الدستور اللبناني الموضوعة من غير تدخل أو نفوذ اجنبي".

وكما هو واضح في محتوى القرار 1559، فإنه موجه ضد الوجود السوري في لبنان، وان هدفه تقليص وجود وفاعلية سوريا وانصارها فيه، بل انه فتح الباب امام تصعيدات سياسية وربما عسكرية ضد سوريا من خلال آلية المتابعة التي نص عليها القرار والمتضمنة تقريراً يرفعه الامين العام للامم المتحدة إلى مجلس الامن خلال ثلاثين يوماً، ومن خلال ابقاء "المسألة قيد نظره الفعلي".

ويطرح القرار بمحتوياته واهدافه، حقيقة الدور الذي لعبته فرنسا في اصدار القرار، وهو دور مركزي وحاسم لدرجة يمكن القول معها، انه لم يكن بمقدور الولايات المتحدة، وهي الطرف الآخر الواقف وراء القرار، ان تعمل على صدوره لولا الموقف الفرنسي الذي لاحت معالمه منذ اشهر، ثم اتخذ له مساراً عملياً في خطوات فرنسية، كان بينها، قيام الرئيس الفرنسي جاك شيراك باستمزاج رأي الرئيس الاميركي جورج بوش ابان قمة الثمانية في اتخاذ اجراءات هدفها الحد من نفوذ ووجود سوريا في لبنان، وهو امر كان من الطبيعي أن يرحب به الرئيس الاميركي في سياق سياسة واشنطن متابعة الضغط على سوريا لتبديل بعض مواقفها وسياساتها الاقليمية من خلال موجات متتالية من الاتهامات والتهديدات.

ورغم ظهور ملامح تغيير الموقف الفرنسي إزاء سوريا من بوابة وجودها في لبنان، فان الكثيرين لم يأخذوا التغيير الفرنسي على محمل الجد، مستندين إلى الاختلافات الفرنسية الاميركية في النظر إلى لبنان وسوريا وإلى الطابع الايجابي والتقليدي للعلاقات السورية الفرنسية، التي طالما اعتبرها السوريون مدخلاً لتطوير علاقات اقوى مع الاتحاد الاوروبي، وهي فرصة لمساعدة لسوريا في معالجة مشاكلها وعلاقاتها الاقليمية ومواجهة التحديات الماثلة، وهما امران كانا موضع اهتمام فرنسا ورئيسها، حيث تعززت علاقات على مستوى الدولتين، واخرى على مستوى الرئاستين في البلدين، وظهرت نتائج عملية في تطور علاقات الجانبين على أكثر من مستوى، عكست اهتمام الفرنسيين بسوريا.

غير ان الوقائع، اثبتت تحول الموقف الفرنسي إزاء سوريا من خلال الدور الفرنسي في القرار 1559، استناداً إلى اسباب تتعلق بالسياسة السورية في مستوياتها المحلية والاقليمية والدولية.

ان الاهم في الاسباب المحلية للتحول الفرنسي، يعود إلى عدم مضي السلطات السورية في مسار الاصلاح، وهو خط دعمته فرنسا منذ مجيء الرئيس بشار الاسد إلى الرئاسة في العام 2000، لكن هذا المسار بدا مرتبكا ومتردداً، كما لاحظ الفرنسيون الذين قدموا أكثر من خطة للاصلاح بينها خطة "الاصلاح الاداري".

كما ان بين الاسباب الاقليمية للتحول الفرنسي ضغوطات مارستها جهات لبنانية على صلة قوية بفرنسا والرئاسة الفرنسية، وهي تتوافق مع النظرة الفرنسية الخاصة إزاء لبنان، اذ تعتبر باريس علاقتها بلبنان علاقة خاصة ومميزة، وقد ركزت الضغوطات اللبنانية على فرنسا على التدخلات السورية في الموضوع اللبناني.

اما الاهم في الاسباب الدولية للتحول الفرنسي، فتجسده مجموعة مواقف من شركاء فرنسا في الاتحاد الاوروبي إزاء سوريا وسياستها، حيث طرحت بريطانيا موضوع اسلحة الدمار السورية على موضوع الشراكة الاوروبية مع سوريا، واثارت هولندا موضوع حقوق الانسان والمجتمع المدني في سوريا، فيما فتح الموضوع اللبناني بوابة لموقف فرنسي مختلف يجد له تأييدا لدى دول الاتحاد الاوروبي.

لقد لعبت تطورات محددة دوراً في بلورة التحول الفرنسي، كان من بينها قيام السوريين بمنح عقد كبير لاستثمار الغاز السوري بقيمة 759 مليون دولار أميركي إلى تجمع شركات أميركية بريطانية كندية برغم مساعي الرئيس الفرنسي شيراك لمنح العقد لشركات فرنسية، وكانت نتائج محادثات نائب الرئيس عبد الحليم خدام مع الرئيس شيرك بباريس في نيسان الماضي بمثابة خيبة امل فرنسية في تطور المواقف السورية.

وبرغم ان فرنسا كانت المحرك الرئيسي في صدور قرار مجلس الامن 1559، فإنه من غير المنتظر تأييدها اجراءات قوية ضد سوريا استناداً إلى القرار الدولي، ذلك ان امراً كهذا سوف يجعلها تندرج في خدمة السياسة الاميركية ضد سوريا من مدخل لبنان، الذي لم يتعد اهتمام واشنطن به في السنوات الاخيرة سوى باعتباره خاصرة لينة يمكن الضغط من خلالها على سوريا بخلاف النظرة الفرنسية للبنان، التي تهتم بكل جوانب الوضع اللبناني، وتأخذ بعين الاعتبار علاقاته الاقليمية بما فيه العلاقات مع سوريا.

ولا شك في ان خطوات سوريا في لبنان، يمكن ان تعيد بعض الدفء لعلاقات دمشق باريس، بل انها يمكن ان تمنع تداعيات سلبية لقرار مجلس الامن 1559، وتعيد الفصل بين اهداف واشنطن وباريس من القرار. والجوهري في ما يمكن ان تتخذه دمشق من خطوات في لبنان، ليس قرارات سورية فقط، بل دفع حلفائها، ولا سيما الرئيس لحود، إلى مصالحة وطنية، وإلى وضع اطار جديد لعلاقات لبنانية سورية، وإلى تبني برنامج اصلاحي يُحدث تبدلات سياسية واقتصادية واجتماعية في بلد كادت ازماته ومشكلاته تصير كما مثيلتها في سوريا.