فيما تشتد الضغوط الخارجية...الحكومة السورية تواجه المزيد من الانتقادات الداخلية

فايز سارة

الوسط 28/2/2005  

تتواصل في الصحافة العربية وفي المواقع الالكترونية السورية حملة من الانتقادات للحكومة السورية، ومعها تعلو اصوات السوريين باجراء اصلاحات في السياسة السورية ولاسيما سياسة سورية في لبنان في ضوء التداعيات الحاصلة هناك وما يتصل منها بالوجود السوري في لبنان والعلاقات السورية - اللبنانية، وكان ابرز تلك المطالب رسالة وجهها مثقفون سوريون بينهم اعضاء في جماعات المعارضة السياسية والمنظمات الحقوقية ولجان احياء المجتمع المدني الى الرئيس بشار الاسد طالبوا فيها بانسحاب القوات السورية من لبنان في اطار "الالتزام بتطبيق اتفاق الطائف"، وبصورة تجعل الخطوة السورية "استجابة لرغبة الشعبين السوري واللبناني في صوغ علاقة جديدة بينهما، تبطل الذرائع الخارجية، وتمهد الطريق لإعادة بناء الثقة والتعاضد بين الشعبين والدولتين في مواجهة التحديات المشتركة".

ويبدو ان خطورة الاوضاع المحيطة بسورية ومبادرة المثقفين السوريين دفعت الى رفع وتيرة نقد سياسة الحكومة السورية واداء الجهازين الاعلامي والدبلوماسي بصورة خاصة، وهو ما عبرت عنه ثلاثة مقالات لكتاب سوريين نشرت في نشرت في يوم واحد "25/2" في الصحافة العربية وعلى شبكة الانترنت الدولية.

المقال الاول، كتبه نضال معلوف تحت عنوان: "اخطاء بالجملة في تعاطي سورية مع حادث اغتيال الحريري"، وظهر على موقع "سيريا نيوز"، قال فيه "لم يكن تعاطي سورية مع حادثة اغتيال الرئيس رفيق الحريري موفقا، بل يمكن وصفه بالمتعثر، ويكشف ضعفا كبيرا في توافر الإمكانات الحكومية "والأهلية" للتعاطي مع مثل هذه الأزمات "وغيرها"، ونقصا في الخبرة وافتقارا للحنكة تطال حتى المسئولين الكبار في التعامل مع حادث بهذا الحجم".

وساق معلوف عددا من الوقائع والحوادث، التي كشفت بؤس القدرة السورية في التعاطي مع حدث إجرامي، ترك آثارا سلبية على سورية والمنطقة مثل التركيز على العلاقات التي ربطت الحريري مع سورية، ومحاولة الدفاع عن النفس في ضوء الاتهامات بدور سوري في اغتيال الحريري، وتزامن عملية الاغتيال مع اطلاق فكرة جبهة مشتركة ايرانية - سورية، وغيرها من حوادث جرى التركيز عليها سياسيا واعلاميا في وقت كانت فيه سورية بحاجة الى تحرك جدي وفاعل، يركز على الحدث، ويحاصر تداعياته السلبية، وينقل سورية من بلد منفعل بما يحدث الى مبادرة حيال ما يجري لحصار التداعيات السلبية لاغتيال الرئيس الحريري على محيطها.

فيما بينت مقالة أنور القاسم "لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم... هل يخرج الإعلام السوري من الكهف؟..." المنشورة على "موقع شام برس" بؤس الأداء العام للإعلام السوري على رغم امكاناته المادية الكبيرة بحيث عجز "ان يمثل دولة وبلدا قاد اكبر سياسة حديثة مشرفة للعرب قاطبة ما ينوف على القرن"، وعزا القاسم سبب تردي اداء الاعلام السوري الى اسباب منها قانون مطبوعات، يطبق على انفاس الاعلام والاعلاميين، و"الوضع الوظيفي المزدحم الملتبك، الذي يتداخل فيه النفوذ بالمؤهلات الغائبة بلغة الواسطة والمحسوبية والعلاقات الشخصية السلطوية، التي ترفع من تشاء وتنزل وتذل من تشاء، بغير اجتهاد او حساب، وافتقار البث التلفزيوني لغة ديناميكية مهنية ووجوه جميلة".

وخلص الى قول: يستطيع الاعلام السوري ان يستعيد قدرته عن طريق تخفيف الرقابة عليه وتوسيع دائرة مشاركته وانتقاده ومراقبته لاداء الحكومة. وفتح الابواب امام الاعلام الاهلي اضافة إلى السماح بدخول اوسع للصحافيين والصحف العربية والاجنبية، وتخفيف التشنج والرقابة على العقل والنفس والروح.

وكتب مروان قبلان في صحيفة "الحياة" مقالة بعنوان "الدبلوماسية السورية... ومرحلة انعدام الوزن" اشار فيها الى محاولة الدبلوماسية السورية في خلال السنوات الاخيرة التعاطي مع التطورات المحيطة عبر محاولة انفتاح دولي واقليمي وعربي دون نتائج عملية، والسبب في ذلك افتقارها "الى خطة لإدارة الصراع "او التفاوض" مع اميركا، كما انها تفتقد استراتيجية تسويقية - بشقيها الدبلوماسي والإعلامي - لكسب التأييد لمواقفها على الساحة الدولية". وهو ما جعل "السياسة السورية تبدو في كثير من الأحيان ارتجالية، فاقدة للمبادرة، تنتظر الفعل لترد عليه وسمتها العامة البطء والجمود، فما ان تحدد موقفها من قضية ما حتى يكون الزمن قد تجاوزها، وما ان تقرر القيام بمبادرة معينة حتى تدرك انها جاءت متأخرة وغير ذات علاقة بالواقع الذي تتعامل معه".

وتوقف قبلان عند الدبلوماسية السورية بعد عملية اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، فوصفها بأنها دخلت في "مرحلة انعدام وزن" عكستها تصريحات المسئولين السوريين تجاه التسارع الرهيب للحوادث، وكشفت اولا عن عدم وجود خطط جاهزة للتعامل مع حوادث طارئة ذات تداعيات اقليمية وعالمية، وثانيا عن عدم وجود تنسيق بين الناطقين باسم الدولة ومؤسساتها حتى اصبح تضارب تصريحات المسئولين السوريين مادة لوسائل الإعلام العربية والأجنبية، وثالثا عن وجود استخفاف واضح وغير مبرر لحجم التهديدات التي تواجهها سورية، ووصف الطريقة التي يجرى فيها التعاطي مع التحديات الخارجية بأنها تشبه الطريقة "الارتجالية لنظام صدام حسين وطريقة معالجته للتهديدات الأميركية والقرارات الدولية التي اوصلت العراق الى الحال التي نعرفها".

وساق قبلان في مقالته مجموعة اسئلة تتصل بجوهر حركة الدبلوماسية السورية فقال "أليس من حقنا ان نستغرب كيف كان العالم الذي انقسم بشأن العراق يكاد يتحد في معارضته المواقف السورية؟ أليس من حقنا ان نتساءل عن المسئول عن حال العزلة الدولية التي تعيشها دمشق اليوم بعد ان كانت جزءا من معسكر دولي واسع تحدى الجبروت والإصرار الأميركي على ضرب العراق قبل اقل من عامين فقط؟ ألا يقتضي الواجب تحديد الأسباب التي حدت بنا الى خسارة حلفاء دوليين مهمين كان ممكنا ان يساعدوا في نزع الغطاء عن اي عدوان اميركي محتمل؟ كيف بلغ بنا الأمر ألا نستطيع تقليد ايران التي نجحت حتى الآن في احتواء الضغوط الدولية في شأن ملفها النووي من خلال دق اسفين بين جناحي الغرب الأميركي والأوروبي؟". واختتم مقالته بضرورة الاعتراف بالاخطاء والبحث في اسبابها من اجل "ان تخرج السياسة السورية سريعا من حال انعدام التوازن التي تعيشها وأن تقوم بمراجعة شاملة لخياراتها ويجب ان تبدأ هذه المراجعة من النقطة الأسخن والأقرب إلينا وهي لبنان، ليس فقط بسبب الضغوط الدولية والأميركية إنما ايضا بسبب سقوط السلطة اللبنانية سياسيا وشعبيا خلال الاستفتاء الذي جرى في تشييع جثمان الحريري. فسورية لا تستطيع في وجه المعارضة الدولية ان تلعب في لبنان دور روسيا في جورجيا، كما انها في غنى عن تحول لبنان الى كويت سورية. والمهم فوق كل شيء ان تستعيد دمشق قلوب جزء مهم من اللبنانيين الذين ابعدهم التمديد للرئيس لحود وزادهم جفاء اغتيال الرئيس الحريري الذي عشقه لبنان واللبنانيون بما له وما عليه. وعلى رغم ان سورية هي اكثر المتضررين من غياب او تغييب الحريري إلا ان الشكوك لا يبددها إلا القبول بلجنة تحقيق دولية بعيدا من ترهات السيادة والاستقلال. ففي عصر العولمة وسيادة القطب الواحد لم يعد في العالم دولة غير منقوصة السيادة ومن يدعي غير ذلك فهو إما غافل او متغافل".

ثلاثة اصوات سورية، تضاف الى غيرها من الاصوات، تكرر انتقادها للاداء الرسمي الحكومي، منتقدة السياسات العامة، كما تنتقد خصوصا الاعلام والدبلوماسية السورية، وترسم آفاقا للخروج من الاوضاع المتردية، وتحذر من ان استمرار الحال على ما هو عليه سيدفع سورية نحو الهاوية.