الصحافي السوري: وقفة عند تجربة وفاة ثائر سلوم

فايز سارة

اذا كان للموت من مزية، فانه يحرك عند الاحياء مخاوفهم، لكن المدخل الى تحريك المخاوف وللاسف الشديد، يكون بفقد انسان، وكلما كان الانسان المفتقد عزيزاً، كان الاحساس بغيابه أكثر، وكانت المخاوف التي يثيرها موته اشد وقعاً على الاحياء الذين يرون في موت العزيز عليهم بعضاً من المصائر التي قد تحكم نهاياتهم، او نهايات بعضهم في اقل تقدير.

لقد اثار موت الزميل والصديق ثائر سلوم عاصفة من الاهتمام، أجزم انها لم تظهر في موت صحافي سوري سابق منذ سنوات طويلة، وقد لايعود الامر في ذلك الى اهمية الشخص، او لعلاقاته، او لمستواه المهني وللمؤسسات الاعلامية التي عمل بها، او للوضع العائلي المحيط به (رغم اهمية هذه العوامل)، بل ربما بسببها جميعاً، وقد يضاف اليها جميعاً طبيعة الظرف الذي رحل فيه الصحافي، وتوقيته وظروفه.

لقد تركت تلك الحيثيات اثرها في وفاة ثائر سلوم، وردة الفعل التي ابرزها قسم مهم من الجسم الصحافي السوري، وكان بين تعبيراتها التداعي التلقائي لعدد كبير من الصحافيين الى المشفى الذي كان يرقد فيه زميلنا قبيل رحيله، ثم في توافد كثير من الزملاء الى مجلس العزاء في حمص، وبعدها في اتحاد الصحافيين.

غير ان الابرز في هذه التداعيات، كان قيام زملاء الفقيد الراحل بتشكيل لجان، تتابع في وقت لاحق موضوعات عدة، وكما هو واضح فان اللجان انقسمت الى نوعين، النوع الاول، لجان متخصصة بمتابعة الجانب الانساني والشخصي في وفاة ثائر سلوم، وما خلفه ذلك على اسرته المكونة من زوجه وطفلين صغيرين، وفي هذا المنحى جاء تشكيل: لجنة التبرعات، ولجنة متابعة المؤسسات التي عمل بها، لجنة لمقابلة رئيس اتحاد الصحفيين، ولجنة متابعة موضوع المشفى، واللجنة الاخيرة هدفها الوقوف عند الالتباسات والاخطاء التي تكون قد أدت الى وفاة الراحل بفعل خطأ، او اهمال، وكلها امور يفترض انها متروكة للقضاء واجراءاته، لكن تحت عيون صحفية تسعى الى الحقيقة.

ورغم اهمية اعمال وتخصصات اللجان السابقة في جانبها الانساني لجهة الاهتمام باسرة الفقيد ومستقبلهم، فان النوع الثاني من اللجان لايقل اهمية من حيث اهتمامه، ليس بالفقيد فقط، بل بما خلفه من تجربة صحافية وانسانية، اكاد اقول انها تقدم نموذجاً لحياة صحافي عصامي ودوؤب، يدمج بين همومه الشخصية والهموم العامة، وهي قضية ليست مكرسة لدى قطاع كبير في الوسط الصحفي السوري، ولهذا اسبابه الذاتية والموضوعية، التي يعرفها الكثيرون من الوسطين الاعلامي والسياسي.

ويشمل هذا النوع من اللجان جانباً من اهتمام الصحافيين بتجربة زميلهم الراحل ومحاولة ابرازها، وربما تخليد ما يمكن منها من خلال  لجنة الإرث الصحفي والفكري، والتي يتوافق عملها مع لجنة اخرى تهتم بمعرض صور ووثائق، ، والقيام بإعداد C.V. شامل عن كل نشاطاته ومراحل حياته، وكلها ستكون نتاجات توضع بتصرف لجنة موقع الإنترنت والذي سوف يحمل اسم ثائر سلوم، ويمثل ذلك نشاط، لم يتم القيام به من قبل في واقع الصحافيين السوريين، تشرف على تحقيقه وانجازه لجنة التنسيق العام.

وعبر هذه المبادرة الايجابية، التي يقوم بها زملاء الراحل ثائر سلوم مدعومة بتأييد آخرين، لم تضمهم قائمة "مجموعة أصدقاء الفقيد"، يمكن ملاحظة جوانب من بؤس واقع الصحافيين السوريين الذي يفتقدون سواء في واقعهم الفردي، او في واقع مؤسستهم النقابية "اتحاد الصحفيين" السوريين، لكثير مما احتوته هذه المبادرة في بعدها الانساني المتعلق باسرة الصحافي، او في بعدها الشخصي في اتصاله بما يخلفه الصحافي من ارث وتجربة.

واذا كان من الصحيح، ان الحالات لاتتساوى من حيث الخبرات والتجارب، لكن الحالات تتساوى في الجانب الانساني، والمبادرة في هذا الجانب منها، تكشف ان مايفعله اتحاد الصحافيين لاعضائه، لايرقى الى توفير مستوى انساني مناسب لاسر الصحافيين الراحلين، كما انه لايوفر اساساً مناسباً، يساعد في ابراز ارث وتجارب الاعضاء فيه، لا في خلال حياتهم، ولا بعد مماتهم.

حادثة موت ثائر سلوم، تضعنا نحن الصحافيين السوريين انطلاقاً من انتمائنا "للأسرة الصحفية، بما يتجاوز أي انتماء آخر" – كما قال اصدقاء ثائر- امام حقائق لامستها مبادرة الزملاء "أصدقاء الراحل ثائر سلوم"، تدعونا الى التأمل في اوضاعنا، وفي حالة اتحادنا العتيد اتحاد الصحفيين، والانطلاق الجدي نحو محاولة تصحيح اوضاع الحالتين بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة في المجتمع والدولة، خصوصاً وان بلداً مثل سورية، تميزه خريطة اعلامية هشة وضعيفة، فيها ثلاث صحف يومية، لاتتعدى صفحات الواحدة منها الست عشرة صفحة، وثلاث محطات اذاعية محدودة الانتشار، ومحطتين للتلفزة واحدة فضائية، وهي خريطة متواضعة لسكان بلد يقتربون من عشرين مليوناً، وهذه الخريطة لايمكن مقارنتها  مع مثيلاتها في دول شقيقة صغيرة تجاورنا مثل لبنان والاردن، حيث عشرات المؤسسات الاعلامية.

مبادرة الزملاء، يمكن ان يتم تأصيلها، فيكون في اطارها لجنة أو لجاناً دائمة تهتم بزملاء آخرين سواء في حياتهم او في مماتهم، تاخذ على عاتقها القيام باعباء ومهمات، تماثل ما يجري القيام به من اجل زميلنا ثائر واسرته بانتظار ان يتحرك اتحاد الصحافيين ليقوم بما ينبغي القيام به من اعباء تندرج في اطار مهماته، وان لم يتحرك، فربما تقوم اللجنة أو اللجان الموعودة بما يقصر الاتحاد عن القيام به.

ثائر سلوم في حياته وارثه، ترك لنا مايستحق ان نتوقف عنده ونتأمله، لكنه في رحيله هزنا، ليس فقط لنتحرك من أجله واسرته، بل من اجلنا نحن الذين مازلنا في الحياة، فهل نحن قادرون على الحركة والخروج من سباتنا وبؤسنا الذي طال؟.