ملامح من تاريخ أسود في الشرق الأوسط

 

فايز سارة (*)


تبدو عملية اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري واحدة في سياق ظاهرة الاغتيال السياسي في الشرق الاوسط، وان كانت من اخطرها بسبب ما كان يمثله الحريري في واقع لبنان والمنطقة، وما يحمله حدوثها من تداعيات حادة على لبنان والمنطقة، وهذا يجعلها واحدة من الفصول الاهم في تاريخ الظاهرة السوداء، التي غالباً ما تم اللجوء اليها للتأثير على اشخاص أو خلق وقائع جديدة هدفها تغيير مصير بلد أو المنطقة.

 

لقد اقترنت هذه الظاهرة بالتغييرات في المنطقة وبلدانها منذ بدايات القرن العشرين، واستمرت بعدها، فاشتدت احياناً، وهدأت في احيان اخرى طبقاً لمسار الاحداث السياسية ومتغيراتها، وحسب تدخلات القوى المنخرطة بها من دول وجماعات سياسية وعصابات اجرامية، أختلطت ممارساتها مع تدخلات دولية واقليمية في بعض عمليات الاغتيال السياسي التي شهدتها بلدان المنطقة في مراحل مختلفة من تاريخها.


وبصورة عامة، فقد توجهت عمليات الاغتيال السياسي نحو شخصيات امتلكت قدرة على الفعل والتأثير ولاسيما في المجالين السياسي والفكري بما يعنيه ذلك من قدرات على احداث تبدلات في واقع الدول والمجتمعات من جهة، أو في ترسيخ واقع قائم، يطمح بعض الاطراف الى تغييره وتبديله، وهو ما جعل عمليات الاغتيال السياسي، تتوزع في هذا الجانب الى نوعين، اولهما عمليات موجهة الى قادة معارضين، والثاني الى قادة حاكمين مع الاخذ بعين الاعتبار امكانية التداخل بين الحالتين في بعض الاحيان.


إن بدايات القرن العشرين ارّخت لواحدة من اهم عمليات الاغتيال السياسي، عندما لاحق الاستبداد العثماني قائداً ومفكراً وكاتباً معارضاً هو عبد الرحمن الكواكبي الى منفاه في القاهرة، حيث جرى دس السم له وقتله في العام 1904 من جانب عملاء عثمانيين في اطار تصفية حساب مع رجل تنوير وحرية، حمل لواء احداث تبدل سياسي في علاقات العثمانيين مع العرب داعياً الى اقامة خلافة عربية.


وتكررت عمليات اغتيال القادة في البلدان العربية، وكان بين ابرز الذين اغتيلوا في النصف الاول من القرن العشرين، ثلاثة هما عبد الرحمن الشهبندر داعية التحرر الوطني والاجتماعي، واحد قادة الثورة السورية الكبرى 1925 ـ 1927 الذي قتله متطرفون اسلاميون في عيادته بدمشق عام 1940، ثم انطون سعادة صاحب الدعوة العقائدية المميزة، التي هزت الفكر السياسي في سوريا الكبرى، ووضعت المنطقة على قاعدة تغيير شامل في عقليتها وبناها السياسية والاجتماعية، فجرى اغتياله عام 1949 في مسرحية اعتقال قام بها دكتاتور سوريا حسني الزعيم، ليمثل بعدها امام محاكمة صورية لبنانية اعدم بعدها، وكان سبقه في شباط من العام نفسه اغتيال حسن البنا مؤسس وزعيم جماعة الاخوان المسلمين في مصر، التي مدت ظلالها وتنظيمها الى معظم البلدان العربية والاسلامية، حيث اطلق عليه الرصاص في ظل تحالف الملكية المصرية والاستعماريين البريطانيين الذي كانوا يحتلون مصر حينها.


وكان بين تعبيرات النهج الثاني في عمليات الاغتيال السياسي الذي اصاب القادة والحكام في المنطقة، اغتيال الملك عبدالله بن الحسين ملك الاردن في العام 1951 من قبل احد معارضيه بسبب ما قيل عن دوره في حرب فلسطين، وكذلك اغتيال ملك العراق فيصل الثاني في العام 1958، واغتيال رئيس جمهورية العراق عام 1966 عبدالسلام عارف في اطار صراعات سياسية داخل النظام الحاكم، ومثله اغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود في العام 1975، والرئيس اليمني ابراهيم الحمدي 1977، وخليفته احمد الغشمي في العام التالي، وكلاهما جرى اغتياله في اطار تصفية خلافات سياسية.


وكان اغتيال الرئيس المصري محمد انور السادات في العام 1981 من قبل اعضاء في جماعة اسلامية مسلحة في سياق اعتراض معلن على سياساته وخاصة في موضوع الصراع العربي الاسرائيلي ودور مصر فيه، وكذلك جرى اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل في تفجير الاشرفية في العام 1982 على قاعدة الاختلاف مع نهجه السياسي في الداخل اللبناني وفي علاقات لبنان الخارجية ولاسيما في علاقته بسوريا واسرائيل، وجرى قتل الرئيس اللبناني رينيه معوض عام 1989 على قاعدة تناقضات في السياسة اللبنانية وعلاقات لبنان الاقليمية والدولية.


لقد سجل القرن الماضي مئات عمليات الاغتيال السياسي في المنطقة، وفي خلال اربعين عاماً تمتد ما بين العام 1951 تاريخ اغتيال الملك عبد الله في الاردن والعام 1991 تاريخ اغتيال الرئيس الجزائري محمد بوضياف، اغتيل أربعة عشر حاكماً عربياً، هي بعض من عشرات محاولات الاغتيال تمت، فيما باءت عمليات اخرى بالفشل، ومثلها العمليات التي طالت قادة من المعارضين والنشطاء السياسيين الكبار في بلدان كثيرة ولاسيما في لبنان وفلسطين والعراق والجزائر واليمن، التي حصدت الاغتيالات فيها خلال مابين السبعينات والتسعينات عشرات من القادة بينهم ثلاثة من الرؤساء والوزراء وقادة الاحزاب السياسية، فيما حصدت الاغتيالات في فلسطين عشرات من القادة تمت تصفيتهم من جانب القوات الاسرائيلية وبينهم مؤسس وزعيم حركة حماس الشيخ احمد ياسين الذي اغتيل في غزة عام 2003 وقبله اغتيل في مالطا زعيم ومؤسس حركة الجهاد الاسلامي فتحي الشقاقي.


إن واقع الاغتيالات السياسية في لبنان، ربما كان الاهم في بلدان الشرق الاوسط بسبب الصراع الدموي الذي عاشه لبنان منذ بداية السبعينات، ومازال مستمراً بصورة ما، وقد جعل منه مسرحاً دموياً لعمليات اغتيال اصابت لبنانيين وفلسطينيين وعرباً آخرين وأجانب من جنسيات متعددة، تشاركت في القيام بها دول وجماعات سياسية مسلحة وقتلة مأجورون، وكان بين من شملتهم عمليات الاغتيال من اللبنانيين اضافة الى الرئيسين بشير الجميل ورينيه معوض، كان زعيم صيدا معروف سعد الذي اغتيل عام 1975، واعتبر اغتياله شرارة الحرب الاهلية، وبعده جرى اغتيال مؤسس وزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي كمال جنبلاط 1977، وطوني فرنجية نائب زغرتا ونجل الرئيس اللبناني سليمان فرنجية عام 1978، ورئيس وزراء لبنان رشيد كرامي الذي اغتيل في حادثة تحطم طائرة عام 1987، ومفتي لبنان الشيخ حسن خالد الذي اغتيل بسيارة مفخخة عام 1989، وداني شمعون رئيس حزب الاحرار ونجل الرئيس اللبناني كميل شمعون في 1990، كما قتل الوزير السابق ايلي حبيقة في تفجير سيارة بداية 2002.


وكان لبنان في السبعينات والثمانينات مسرحاً لاغتيال عشرات من القادة الفلسطينيين، كان بينهم اغتيال القادة الثلاثة كمال ناصر وكمال عدوان وابو يوسف النجار في نيسان 1973، والاعلامي الفلسطيني غسان كنفاني الذي اغتيل ببيروت عام 1975، وكبير رجال الامن الفلسطيني ابو حسن سلامة، والعميد سعد صايل قائد القوات الفلسطينية الذي اغتيل في البقاع 1983.


لقد تعددت وتنوعت اهداف واشكال واساليب عمليات الاغتيال السياسي في لبنان، فكان بين الذين طالتهم تلك العمليات، لبنانيون وعرب غيرهم واجانب، وكان بينهم مسؤولون حكوميون ورجال سياسة وفكر ورجال دين وقادة احزاب سياسية وشخصيات اكاديمية وأمنية ودبلوماسيون، وتعددت اساليب الاغتيال وتنوعت ادواته من عمليات اطلاق النار الى السيارات المفخخة، وعمليات التلغيم، كما تعدد القائمون بها، لكنه نادراً ما تم الكشف عن القتلة الحقيقيين، وغالباً جرى تحميل اسرائيل مسؤولية عمليات الاغتيال، وان كانت هي بالفعل تتحمل مسؤولية الكثير منها، فان من الحق القول، ان اطرافاً محلية وعربية ودولية، كانت ترتكب عمليات اغتيال في لبنان وتتهم بها اسرائيل.
غير انه وفي كل الاحوال، فقد كان الاغتيال السياسي في لبنان وكل بلدان المنطقة تعبيراً عن عجز القوى التي تقوم به، وتجعله طريقاً في تعاملها مع اشخاص او جماعات سياسية، او احداث، وفي الأهم من نتائجه لم يؤد الاغتيال غالباً الى نهايات تتوافق مع مصالح مرتكبيه، فعمليات الاغتيال التي نفذتها وتنفذها اسرائيل ضد الفلسطينيين، لم تضع نهاية لنضالهم ضد الاحتلال الاسرائيلي، ولا استطاع النظام البائد في العراق الحفاظ على وجوده رغم كل ما نفذه من عمليات اغتيال داخل العراق وخارجه، وهاهي عمليات الاغتيال في لبنان وآخرها اغتيال الرئيس الحريري لم تمنع من توجه اللبنانيين الى المستقبل بحثاً عن شروط أفضل لحياتهم، بل هي كانت حافزاً لهم في هذا الاتجاه.


(*) كاتب سوري