نتائج القمة تسبق انعقادها!


دمشق - فايز سارة
ايام
قليلة تفصلنا
عن موعد القمة العربية في الجزائر وفي خلال هذه الايام القليلة، ينقسم العرب في رؤيتهم لما يمكن ان يصدر عن القمة من نتائج، بعضهم يراهن على عدم جدواها، وانها لن تتعدى مناسبة احتفالية يلتقي خلالها القادة العرب، وبعض آخر، يرى، ان القمة لن تفعل الكثير، لكنها ستوفر للقادة معاينة القضايا العربية الساخنة، وصوغ مواقف عربية تتناول هذه القضايا، بما يعيد التماسك للموقف العربي ولو بحدوده الدنيا.


ومن دون الدخول فيما يمكن ان تتناوله القمة العربية من موضوعات، واشكال تعاملها مع هذه الموضوعات، والنتائج التي ستتمخض عن القمة ولدى العرب فكرة واضحة عنها جميعا، فقد يكون من المفيد التوقف عند المعطيات العامة التي تحيط بانعقاد القمة، والتي لاشك انها ستلقي بظلالها على القمة في موضوعاتها ومجرياتها ونتائجها.
وأول ما يحيط بالقمة عشية انعقادها في الجزائر، هو استمرار الضغط الغربي والاميركي خصوصا على الدول العربية، وهذا الضغط لا يقتصر على سورية ولبنان، كما هو الامر في القرار الدولي ،1559 بل يتجاوزهما بصورة ظاهرة الى ضغط مستمر على السودان، وضغط متصاعد على مصر والمملكة العربية السعودية.
والامر الثاني الذي يحيط بانعقاد القمة العربية، يمثله واقع الانقسامات والاختلافات القائمة والحادة احيانا بين الدول العربية، والتي تبين معطياتها، ان ثمة خلافات بين العراق وجواره السوري والاردني والسعودي نتيجة الاتهامات العراقية بأن هذه الدول في الحد الادنى لا تمنع تسلل المسلحين الى العراق، وفي الحد الاعلى تتدخل في الشأن العراقي، وبعضها يجعل حدوده ممرا للمسلحين الناشطين في العراق، وهناك خلاف انفجر أخيرا بين سورية والاردن، هو استمرار لخلافات لم يحسمها توصل البلدين أخيرا الى اتفاق لترسيم الحدود بينهما، وثمة خلافات تقليدية مازالت تحيط بالعلاقات بين دول المغرب العربي وخصوصا بين المغرب والجزائر، ومثلها خلافات مستمرة بين بعض دول الخليج العربية وداخل مجلس التعاون الخليجي، قد يكون التعبير الابرز عنها الخلاف السعودي - البحريني بشأن العلاقات الاقتصادية التي نسجتها البحرين مع الولايات المتحدة، والخلاف السعودي - الليبي بشأن محاولة اغتيال الامير عبد الله ولي عهد السعودية.
والأمر الثالث الذي يحيط بالقمة العربية، هو انكفاء البلدان العربية عن الاهتمام بمحيطها والتركيز على معالجة شئونها الداخلية أكثر فأكثر، وخصوصا ان غالبية الدول العربية تواجه فعلا اوضاعا داخلية صعبة ومعقدة في بعض الاحيان، وهو امر ينطبق على غالبية البلدان وبينها لبنان وسورية والعربية السعودية والسودان ومصر والعراق وفلسطين والجزائر، ويجد هذا الانكفاء تعبيراته في اشكال التعاطي العربي مع الموضوعات العربية الساخنة في لبنان والعراق وفلسطين، والتي تنال القدر الأقل من الاهتمام العربي، وحضت دول عربية سورية على ضرورة تنفيذ القرار الدولي رقم 1559 بالانسحاب من لبنان متجاوزة التفكير بتطبيق اتفاق الطائف العربي الذي يضمن انسحابا سوريا من لبنان، على رغم ان القرار 1559 في محتواه العام تدخل في العلاقات الثنائية بين سورية ولبنان، وتدخل في عمق الشئون اللبنانية، والعرب اولى بمعالجة شئونهم.
ان الاهم فيما يشغل البلدان العربية اليوم هو مواجهة التطورات الداخلية بما تعنيه من تعبير عن عمق الازمات الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بغالبية السلطات العربية فتهدد بسقوطها أو استبدال رؤوسها، وخصوصا ان هذه السلطات فقدت قوى دعمها وسندها الخارجي التي استقوت بها طويلا على شعوبها، بل ان الخارج صار قوة ضغط عليها لاجراء تغييرات واصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، تجد لها صدى عند قطاعات سياسية وشعبية في غالبية الدول العربية، ما يدفع غالبية السلطات العربية للحديث في الاصلاح والتغيير، لكن الامر في غالبية الاحوال، وكما تبين الوقائع، لايتجاوز الحديث الا قليلا باتجاه خطوات عملية محدودة وغير ذات اثر.
ان المعطيات المحيطة بانعقاد قمة الجزائر، تشير الى ان الاعباء الملقاة على القمة، تبدو أكثر مما تحتمله، وأكثر مما يأمل العرب من القمة العربية معالجته، وهذا يعني ان القادة العرب لابد ان يجدوا حلا لهذه المفارقة بين قدرة القمة والمطلوب منها، وهذا ما يمكن ان تحاول القيام به الاجتماعات التمهيدية التي يعقدها وزراء الخارجية العرب قبيل القمة من خلال صوغ مشروع بيان للقمة، يؤكد قلق القادة العرب من الاوضاع القائمة في البلدان العربية ولاسيما في العراق وفلسطين ولبنان، ويؤكد توافق القادة العرب على العمل من اجل استقرار الاوضاع في البلدان العربية بالاتجاه نحو الاصلاح الذي سيلاحظ القادة العرب، انه لاينبغي ان يكون مفروضا وناتجا عن الضغوط الخارجية، وسيتضمن مشروع البيان تأكيد القمة العربية على مبادرة الامير عبدالله طريقا للسلام في المنطقة.
خلاصة بيان القمة العربية المرتقبة سيكون بيانا لايتجاوز الفاظه الى خطوات عملية، فلا قلق القادة على ما يحصل في العراق وفلسطين ولبنان سيجد لها تعبيرات عملية واجرائية، ولا المخاوف على مصير سورية في ضوء الضغوط الاميركية والتهديدات الاسرائيلية ستفرض خطوات عربية تساعد سورية، والاهم من ذلك، ان القادة لن يفكروا بخطوات عملية نحو الاصلاح والحجة موجودة، اما لانهم لايقبلوا الخضوع لاملاءات الخارج وضغوطه، أو لأن الظروف غير مناسبة، أو انهم بحاجة لإصلاح يأخذ بعين الاعتبار ظروف بلادهم، وهذا يعني في النهاية، ان الامور ستبقى على حالها، بل هي ستتجه الى مزيد من تفاقم لا يمنعه انعقاد القمة العربية ولا صدور بيانها الختامي.