الأكراد والحياة السياسية في سورية

 

 

"إن ثمة حاجة إلى قيام جماعات سياسية سورية يشارك في أنشطتها العرب والأكراد سعيا وراء أهداف مشتركة، لكن ذلك لا يمنع من قول إن ثمة حاجة موضوعية من أجل حوار عربي - كردي، وإن هناك حاجة إلى مشاركة كردية في أنشطة الجماعات الأهلية والمدنية السورية مثل لجان إحياء المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، التي يقوم نشاطها على المواطنة وحقوق المواطنة، قبل أن يفترق العاملون في إطارها طبقا لانتماءاتهم القومية أو السياسية."

 

فايز سارة - دمشق

الوسط 28/1/2005

يعود الوجود الكردي في سورية الى القديم القديم، ذلك أن الأكراد بين الجماعات الأقدم التي سكنت منطقة شرق الأناضول والمناطق المحيطة بها، والتي تتوزع على دول هي تركيا والعراق وإيران وسورية، كما يتوزع بعض الأكراد في الدائرة الأوسع من شرق الأناضول وجوارها القريب، حيث ينتشر الأكراد في بلدان أخرى.

غير أن سكن الأكراد في هذه المناطق لم يكن يعني في يوم من الأيام أنهم وحدهم الذين سكنوها، بل كانوا وعلى الدوام وكحالهم اليوم، يساكنون غيرهم من الجماعات القومية التاريخية الوجود والمتفاوتة العدد مثل العرب والفرس والترك والآشوريين، أو الجماعات التي وفدت إلى المنطقة لاحقا مثل الأرمن والشركس وغيرهم، وبهذا المعنى، فقد كانت مناطق سكن الأكراد وغيرهم، مناطق سكن مشترك لجماعات مختلفة، تبدلت باستمرار أكثرياتها وأقلياتها نتيجة عوامل متعددة على مدار التاريخ، ونادرا ما كانت تلك التغييرات مرهونة بصراعات داخلية بين الجماعات المتساكنة، بل إن ما تم منها في إطار صراعات خاضتها شعوب المنطقة مع غزاة ووافدين على نحو ما كانت عملية الغزو المغولي للمنطقة.

لقد أدت تطورات بداية القرن العشرين وتشكل الكيانات السياسية في شرق المتوسط بصورتها الراهنة إلى توزع شعوب المنطقة وقومياتها ومنهم الأكراد وفق الصورة التي يتوزعون اليها حاليا في البلدان القائمة، وكان من نتائج اتفاق سايكس - بيكو وتداعياته ظهور الكيان السوري في حدوده السياسية الراهنة، وهكذا تشارك عرب وأكراد وشركس وأرمن وآشوريون في الانتماء إلى الكيان السوري في صورته الراهنة.

  

نحو تعبيرات سياسية كردية

 

وطوال نحو نصف قرن من الزمان امتد حتى نهاية خمسينات القرن العشرين، لم يكن للأكراد تعبيرات سياسية تخصهم، فقد اندمجوا في الحياة السياسية السورية في حركتها العامة وتنظيماتها القائمة، والتي توزعت ما بين التيارات القومية العربية والإسلامية والشيوعية و"الوطنية السورية" التي كان في إطارها حزب الشعب والحزب الوطني، وبدا اندماج الأكراد السوريين في غالبية التنظيمات السياسية أمرا ممكنا ومفهوما باستثناء الأحزاب القومية العربية الناصرية والبعثية التي أظهرت تشددا قوميا ميز فكرها وممارستها في الخمسينات وما بعدها، بخلاف الجماعات الإسلامية والشيوعية، التي تعارض وتنبذ مبدأ التعصب والتشدد القومي، وتدعو إلى تآخي ومساواة المنضوين في إطارها من دون النظر إلى خلفياتهم القومية، وكان من نتائج ذلك مشاركة كثير من الأكراد في أطر هذه الجماعات، وخصوصا الحزب الشيوعي السوري الذي شارك كثير من الأكراد السوريين في عضويته وتولى بعضهم مناصب قيادية فيه طوال عقود متوالية.

غير أن تطورا سياسيا مهما طرأ على موقف الأكراد السوريين من المشاركة في الحياة السياسية في سورية نهاية الخمسينات، إذ بلورت الحركة القومية الكردية اتجاها سياسيا له طابع قومي، عبر عن نفسه بولادة الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية العام ،1957 وكان أبرز مؤسسيه عثمان صبري، وكان شعاره "تحرير وتوحيد كردستان"، كما يقول صلاح بدرالدين، وكان ذلك في جملة اسباب أدت إلى حملة اعتقالات طالت قيادات وكوادر الحزب في العام ،1960 أي بعد ثلاث سنوات من تشكيله.

ولم يكن تشكيل الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية ناتج بصورة أساسية عن نشاط الأكراد السوريين بمقدار ما كان انعكاسا لنشاط النخب الكردية في إيران والعراق، حيث تتمركز جماعات كردية كبيرة ونشطة، وكان الأبرز في شخصيات النخبة الملا مصطفى البرزاني والذي لعب دورا مهما في إيقاظ النزعة القومية في صفوف الأكراد ومنهم الأكراد السوريون الأقل عددا في إطار التجمعات الكردية في بلدان المنطقة.

لقد مضى الحزب الديمقراطي الكردستاني يتطور ببطء شديد بين أسبابه الوسط المتخلف الذي كان يغط فيه الأكراد، ويشتركون فيه مع غالبية مواطنيهم السوريين الآخرين، إضافة إلى غياب التجربة وتقاليد العمل السياسي لدى الأكراد، وضعف نخبتهم ذات التوجهات القومية، لكن ذلك لم يمنع قيام السلطات السورية في العام 1960 باعتقال بعض قيادات وكوادر الحزب لمواجهة نزوع الأكراد نحو تشكيل حزب سياسي قومي يخصهم، وكان هذا الخيار الأمني مقدمة لرسم ملامح سياسة رسمية في التعامل مع الأكراد ينضوي في خطين أولهما الخيار الأمني، والثاني اتباع سياسة "تعريب" حيث يوجد الأكراد، وقد عبرت عن نفسها في إقامة حزام عربي في مناطق التماس مع العراق وتركيا في منطقة الجزيرة السورية، وعدم شمول بعض الأكراد في الإحصاء السكاني الجاري في العام ،1962 إضافة إلى فرض قيود على تداول وتعليم اللغة الكردية، وقد أسست تلك السياسة لاحقا لما يمكن وصفه بـ "المسألة الكردية في سورية".

لقد شددت الدولة السورية قبضتها الأمنية في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية نتيجة حساسيات العلاقة مع دول الجوار، حيث تركيا في الشمال والعراق في الشرق، وهناك واقع معقد من الخلافات السورية مع كل منهما، وطال التشدد الأمني كل سكان المنطقة، التي تعيش فيها الغالبية الكردية، لكنه مال للتركيز على العرب مع مطلع السبعينات بسبب العلاقات المفترضة بين سكان مناطق الجزيرة السورية مع البعث العراقية نتيجة التداخلات العشائرية والاجتماعية عبر الحدود.

وقابل التشدد الأمني مع عرب الجزيرة على قاعدة مخاوف ارتباطهم بالنظام العراقي، انفراج في التعامل مع الأكراد مع مطلع السبعينات، وقد منحت السلطات السورية بعض الشخصيات الكردية صفة تمثيلية من دون اعتراف مثبت، فاختارت بعضهم في عضوية مجالس الإدارة المحلية في المحافظات التي تعيش فيها تجمعات كردية مهمة، كما اختير عدد من الشخصيات الكردية لعضوية مجلس الشعب السوري وبينهم ممن شكل انقسامات عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، أو أقام تنظيمات ذات صبغة كردية.

 

 

تدخلات السياسة الإقليمية

 

لكن التطور الأهم في موقف السلطات من الأكراد وحركتهم السياسية جاء مع مطلع الثمانينات، التي تصاعدت فيها الحساسيات السورية - التركية نتيجة الدور التركي في المواجهات بين الجماعات الإسلامية والسلطات السورية، وتوافق ذلك مع صعود تيار قومي متشدد ومسلح للاكراد الأتراك عبر عنه حزب العمال الكردستاني "p.k.k" الساعي إلى انفصال أكراد تركيا، وتأسيس دولة كردستان، فاحتضنت السلطات السورية حزب العمال الكردستاني، ومنحته فرصة فتح مكاتب واتخاذ مقرات، إضافة إلى كل التسهيلات اللوجستية الممكنة في الأراضي السورية وفي منطقة البقاع اللبناني التي تسيطر عليها القوات السورية، وقد استفاد الأكراد من هذه الأوضاع، ونما على هامشها نشاط سياسي كرس وجود عدد من الأحزاب الكردية سواء التي انقسمت عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، أو تلك التي تشكلت على خلفية جديدة، وفي خلال نحو عقد ونصف العقد من السنوات يمتد ما بين مطلع الثمانينات ونهاية التسعينات، صار في وسط الأكراد السوريين نحو عشرة من الأحزاب السياسية الكردية، جاء غالبية قادتها وكوادرها من قيادات وكوادر الحزب الديمقراطي الكردستاني أو من قيادات وكوادر تربت في الحزب الشيوعي السوري الذي انحسر نفوذ كل انشقاقاته وسط الأكراد السوريين.

لقد تصادفت هذه التطورات ارتفاع وتيرة النزعة القومية لدى الأكراد السوريين متأثرين بعاملين خارجيين مهمين، أولهما النشاط الذي كان يتابعه "ح.ن.ن" في تركيا، واضافة إلى ايدلوجيته القومية المتشددة، التي تدعو إلى قيام دولة كردية بالعنف المسلح، فقد نظم الحزب أعدادا من الأكراد السوريين في صفوفه بمن مقاتلين، ثم أضاف إلى ذلك أنشطة تعبوية وإعلامية، تشمل محاضرات وندوات جماهيرية، عمقت التوجهات القومية لدى أكراد سورية، وعززت لديهم فكرة إمكان قيام الدولة الكردية انطلاقا من شرق الأناضول ذي الغالبية الكردية.

والعامل الثاني، يمثله نشاط الأكراد في شمال العراق، وقد تصاعد على نحو واضح في الثمانينات في غمرة الحرب التي كان يخوضها النظام العراقي ضد إيران، وعلى رغم محاولة النظام العراقي قسم ظهر الحركة الكردية في مذبحة حلبجة العام ،1986 فإن الأكراد استعادوا قوة حضورهم في شمال العراق بعد الحرب الدولية على العراق العام ،1991 وصيرورة شمال العراق تحت الحماية الدولية، ما أهلها لتصير نواة "دولة كردية" يحكمها الحزبان الكرديان الرئيسيان: الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الديمقراطي الكردستاني وثيقا العلاقة مع سورية، وقد أهلت الحرب الأميركية - البريطانية على العراق العام ،2003 واحتلال العراق، الأكراد العراقيين للعب دور أكبر في العراق وخصوصا في المحيط الإقليمي عموما.

 

 

الأكراد وحركة المجتمع السوري

 

تحت تأثير "التطورات الإيجابية" لأوضاع الأكراد في تركيا والعراق - على رغم انتكاسة "p.k.k" في تركيا بعد العام 1998 - شهدت حال الأكراد السوريين صعودا قوميا، وجد له تفاعلات داخلية في تنامي الحركة الاجتماعية والسياسية السورية المطالبة بالإصلاح، فأخذت أصوات الأحزاب ورجال السياسة من الأكراد السوريين ترفع مطالبها، من دون أن تذهب إلى حد التصادم الحاد مع النظام، ومن دون أن تترك "التطرف" في الأوساط الكردية السورية يذهب إلى مداه، وبهذا بدت النخبة السياسية الكردية في منطقة الوسط بين تطرف أوساط واسعة من الأكراد وتشدد رسمي سوري، يعكسه عدم الدخول إلى الإصلاح وحل المشكلات القائمة، بما فيها مشكلات تتعلق بالأكراد ومنه حل مشكلة الجنسية للمحرومين منها، وإعطاء الأكراد حقوقا ثقافية وخصوصا لجهة الحق بالتعلم باللغة الكردية.

لقد جاءت حوادث مدينة القامشلي في أقصى الشمال الشرقي في مارس/ آذار الماضي نقطة تحول بارزة في علاقة الأكراد مع الحياة السياسية في سورية، فقد حدثت صدامات بين أكراد مدينة القامشلي مع الأجهزة الأمنية على خلفية مباراة كرة قدم، ورفعت في خلال الحوادث التي امتدت إلى مناطق سورية اخرى منها دمشق وحلب شعارات وهتافات مست مكانة الأكراد في إطار الجماعة الوطنية السورية، وحدثت صدامات وأعمال تخريب طالت مؤسسات تابعة للدولة، وقتل وجرح عشرات الأكراد على أيدي قوات الأمن، وسجن ولوحق مئات منهم في حوادث كشفت عن احتدامات داخلية، ومارست جماعات أهلية سورية بينها لجان أحياء المجتمع المدني وجمعية حقوق الإنسان دورا في محاصرته ميدانيا بالتعاون مع الأحزاب الكردية والهيئات الأهلية والأجهزة الرسمية، واستطاعت بالمحصلة تهدئة التوترات الحادة، لكن معالجة جذرية وجادة للمشكلات التي تحيط بالأكراد لابد أن تقوم بها الحكومة، وهي الخطوة التي من شأنها وضع حد للتوترات التي تحيط بالأكراد السوريين، وهي جزء من خطوات أوسع ينبغي القيام بها لمعالجة مشكلات المجتمع السوري في إطار تحقيق إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، يعيد ترتيب العلاقات التي اختلت بين المجتمع والدولة إلى طبيعتها.

لقد تابعت السلطات السورية في أعقاب حوادث القامشلي وتداعياتها في المناطق الأخرى سلسلة متناقضة من الممارسات الأمنية حيال الأكراد. فأطلقت مئات من الذين اعتقلوا على خلفية الحوادث، وقامت من جهة أخرى باعتقال آخرين، وأضافت إلى ذلك تحويل عشرات أمام المحاكم الاستثنائية، لكن إشارات إيجابية صدرت عن الرئيس بشار الأسد بشأن الأكراد في حديث له مع "قناة الجزيرة" القطرية قال فيها، "إن الأكراد جزء من النسيج الوطني في سورية، وإن حوادث القامشلي ليس ذات ارتباطات خارجية،" وكلاهما يتوافق مع تسريبات رسمية سورية، تؤكد أمرا ثالثا، وهو أن استعدادات رسمية تجري لمعالجة موضوع الجنسية بالنسبة إلى الأكراد.

وبطبيعة الحال، فقد وجدت التطورات الأخيرة في موقف السلطة صدى إيجابيا عند الأحزاب الكردية السورية الاثني عشر، والتي تنتظم في ثلاث كتل، تحالفين ومجموعة أحزاب منفردة، أول الكتل، التحالف الديمقراطي الكردي في سورية، ويضم كلا من الحزب الديمقراطي الكردي "البارتي" "نصرالدين إبراهيم"، والحزب اليساري الكردي "محمد موسى"، وحزب الوحدة الديمقراطي الكردي "اليكيتي" "إسماعيل عمر"، والحزب الديمقراطي التقدمي الكردي، وثاني الكتل، هي الجبهة الديمقراطية الكردية في سورية، وفي عضويتها كل من الحزب الوطني الديمقراطي الكردي "عبدالحميد درويش"، والحزب اليساري الكردي "خيرالدين مراد"، والحزب الديمقراطي التقدمي الكردي "عزيز داوود"، والحزب الديمقراطي الكردي "البارتي" "نذير مصطفى"، وخارج إطار التحالفين الكرديين، هناك كتلة من أربعة أحزاب كردية، هي حزب الاتحاد الشعبي الكردي "مصطفى جمعة - صلاح بدرالدين سابقا"، والحزب الديمقراطي الكردي "جمال شيخ بام"، وحزب يكيتي الكردي "حسن صالح"، وحزب الاتحاد الديمقراطي "زرادشت حاجو".

لقد تطور تأثير الأحزاب الكردية في الأوساط الكردية في خلال الأعوام الماضية، لكنه ومع تنامي المشاعر القومية الكردية في الأوساط الشعبية بفعل تطورات الوضع في العراق، انحسر تأثير هذه الأحزاب، وقدر أحد القياديين البارزين، أن الأحزاب الكردية لا تتجاوز في تأثيراتها في أوساط الأكراد السوريين نسبة العشرة في المئة، والسبب في ذلك "لهجة الاعتدال الذي يتسم به خطاب غالبية الأحزاب الكردية" في تعاطيها مع السلطات، لكن حزبا كرديا جديدا هو حزب الاتحاد الديمقراطي هو التعبير السوري عن اتجاه حزب العمال الكردستاني استغل حوادث القامشلي وتداعياتها ليرفع شعارات قومية متشددة ليوسع قاعدة وجوده وانتشاره في وسط الأكراد.

إن التطور الأهم في حياة الأحزاب الكردية في سورية، كان في انفتاح الأوساط العربية عليها، وكانت البداية في الدور الذي قامت به لجان أحياء المجتمع المدني، التي رفعت العزلة القومية عن تلك الأحزاب بدعوتها إلى ندوة عن المسألة الكردية في سورية في العام ،2002 ما هيأ لانفتاح جماعات أهلية وسياسية سورية أخرى على الأحزاب الكردية، كان بينها جماعات حقوق الإنسان والتجمع الوطني الديمقراطي الذي يضم في عضويته أحزاب المعارضة الرئيسية في سورية، وقد سمح هذا التطور بقيام ائتلاف سياسي عربي - كردي معارض، أصدر الكثير من البيانات السياسية المشتركة، ونظم بصورة موحدة أنشطة كان من بينها اعتصام أمام رئاسة مجلس الوزراء بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان في 10/12/،2003 وشارك في الاعتصامات التضامنية التي تمت على مدى أشهر في خلال محاكمة النشطاء الأربعة عشر أمام المحكمة العسكرية بحلب، ودعا بمشاركة كردية محدودة إلى اعتصام وسط دمشق بمناسبة يوم المعتقل السياسي في سورية في 21/6/،2004 لكن أجهزة الأمن منعت حدوثه، وقد تكرر الأمر لاحقا في الاعتصام الذي كان مقررا القيام به في 9/12/2004 بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان.

وتعكس هذه التطورات تحولا في علاقة الأحزاب الكردية بالجماعات السياسية والهيئات الاجتماعية والأهلية في سورية، ما يضفي على هذه العلاقات طابعا إيجابيا، يعيد اللحمة إلى وحدة المجتمع السوري في تكويناته القومية، ويقرب بين جماعاته السياسية المعارضة، ويضعها على قاعدة تفاهمات مستقبلية جديدة، فدفع إلى بروز الحذر من جانب السلطات، فلجأت إلى محاولة عزل الأحزاب الكردية، فقامت الأجهزة الأمنية في يونيو/ حزيران الماضي باستدعاء زعماء الأحزاب الكردية الستة، وطلبت منهم بناء على قرار للقيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم وقف الأنشطة الحزبية باعتبار أحزابهم "أحزابا غير مرخصة"، وأن أية أنشطة تعرضهم للمسئولية، وطلبوا منهم تقديم طلبات إلى وزارة الشئون الاجتماعية والعمل من أجل تشكيل جمعيات غير سياسية تهتم بالأنشطة الثقافية.

ورفض قادة الأحزاب الكردية الإيعازات الأمنية، وتضامنت معهم في ذلك جماعات المعارضة السياسية والمدنية والحقوقية السورية، التي أكدت حق السوريين في العمل السياسي، وضرورة إصدار قانون للأحزاب السياسية، وطبقا لتقديرات أوساط سياسية، فإن المعنى الحقيقي لحظر نشاط الأحزاب الكردية، هو الضغط عليها لفك ارتباطها مع الجماعات الأخرى، وهو أمر إذا تم سيعيد العلاقات بين الأكراد وأقرانهم العرب إلى المربع الأول، بحيث تنقطع حبال التواصل في المستويين الاجتماعي والسياسي، ما سيعمق مظاهر الضعف السوري كله في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وإذا أصرت الجماعات الكردية على رفض وقف نشاطها وردت السلطات على ذلك الرفض بخطوات عقابية، فإن من شأن ذلك اتجاه الجماعات الكردية إلى العمل السري، والذي سيترافق مع ميل إلى التشدد وربما التطرف في الأوساط الكردية قد يمتد إلى الأوساط العربية، وهذا أيضا من شأنه إضعاف البلاد أمام التحديات التي تواجهها، وبهذا المعنى فإن الخيار المنطقي والطبيعي، هو استمرار الأحزاب الكردية في نشاطاتها مع بذل مساعي أكثر من أجل أحزاب جديدة تضم الأكراد والعرب وغيرهم من مكونات الشعب السوري، وإفساح المجال أمام تطور طبيعي للجماعات والحياة السياسية في سورية وخصوصا لجهة إصدار قانون للأحزاب، وتوسيع الحريات العامة ولاسيما حرية الاجتماع والرأي.

 

 

الأكراد ومستقبل الحركة السياسية في سورية

 

وكما هو واضح في اللوحة السياسية العامة في سورية، فإن للأكراد السوريين تعبيرات سياسية تخصهم، تتمثل في اثني عشر حزبا سياسيا، تتوزعها اتجاهات سياسية في إطار أيدلوجيا قومية، ومعظمها يرتبط بعلاقات مع أحزاب وجماعات سياسية ومنظمات أهلية ومدنية سورية، كما أفرز الأكراد هيئات أهلية ومدنية تعبر عنها منتديات ثقافية كردية، إضافة إلى مشاركة نشطاء أكراد في هيئات أهلية ومدنية سورية متعددة، وهذا يعني، أن الأكراد يشاركون اليوم في الحياة السياسية والاجتماعية السورية في مستويين، أولهما نشاط خاص ومنفصل له طابع قومي، تقوم به أحزاب وجماعات كردية، والثاني مشاركة الجماعات السياسية والثقافية الكردية في إطار نشاط سوري عام، يجمع الجماعات الكردية إلى باقي الجماعات السياسية والأهلية والمدنية في تيار المعارضة السورية، لكن الجماعات الكردية في الحالين تظل ذات علاقة بالسلطات السورية ولاسيما ببعض مواقع النفوذ والقرار.

ويعكس واقع المشاركة الكردية في الحياة السياسية تشتتا واضحا في التعامل مع مستقبل الأكراد الذين يقودهم التشتت على مستوى الأهداف إلى طريقين متناقضين، طريق الأهداف القومية في إطار البحث عن حل للمشكلة الكردية والذي من شأنه أن يقود إلى مزيد من التشدد القومي بما يباعد بينهم وبين مواطنيهم السوريين من عرب وآشوريين وكلدان، ظهرت بعض تعبيراته في شعارات متطرفة أثناء حوادث القامشلي ومنها شعار "كردستان الغربية" و"كردستان سورية"، والطريق الثاني طريق الأهداف الوطنية الذي يحل المشكلة الكردية في إطار حل وطني ديمقراطي عام، يتصدى لمعالجة مشكلات المجتمع السوري بكل فئاته مع إعطاء خصوصية لوضع الأكراد ومعاناتهم.

وعلى رغم أن مشاركة الأكراد في الحياة السياسية السورية على غاية كبيرة من الأهمية، فإن مشاركتهم في أحزاب قومية مستقلة من شأنها - في إحدى نتائجها - تكريس انقسام قومي في الحركة السياسية الضعيفة أصلا، ما يزيد الحركة ضعفا فوق ضعفها، هذا إذا لم تتصاعد نعرات قومية متبادلة على غرار ما حدث في حوادث القامشلي وتداعياتها.

إن من التبسيط الشديد القول في الوقت الحالي، إن ثمة حاجة إلى قيام جماعات سياسية سورية يشارك في أنشطتها العرب والأكراد سعيا وراء أهداف مشتركة، لكن ذلك لا يمنع من قول إن ثمة حاجة موضوعية من أجل حوار عربي - كردي، وإن هناك حاجة إلى مشاركة كردية في أنشطة الجماعات الأهلية والمدنية السورية مثل لجان إحياء المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، التي يقوم نشاطها على المواطنة وحقوق المواطنة، قبل أن يفترق العاملون في إطارها طبقا لانتماءاتهم القومية أو السياسية.

ولاشك في أن تجربة كهذه، يمكن أن تخلق أجواء أخرى وقواعد جديدة للعمل الاجتماعي والسياسي في سورية، قد يكون من نتائجها إعادة صوغ علاقات السياسة ليس فقط فيما بين الأحزاب السياسية وبين الأخيرة والسلطة، بل داخل المجتمع كله.