نموذج لأزمة السياسات الوطنية

د. برهان غليون

 

تابعت بقليل من الاهتمام النقاش الذي كان يدور حول الطالبات المحجبات في المدارس الفرنسية حتى اليوم الذي أعلن فيه الرئيس جاك شيراك عن تأييده لسن قانون يمنع وضع الحجاب في المدارس والمؤسسات الرسمية الفرنسية. فقد بدت المسألة في نظري قليلة الأهمية طالما كانت تعبر عن امتعاض بعض المعلمين والأساتذة المتعصبين أو المتشددين في علمانيتهم من وجود طالبات بلباس جديد لم تعتد عليه المدرسة الفرنسية العلمانية الكاثولوكية معا. وقد فوجئت أنا نفسي بحجم الاهتمام الذي اتخذه قرار رئيس الجمهورية الفرنسية في الأوساط الإعلامية وبشكل خاص الفضائيات العربية. وخلال الأسبوع الذي تلا الإعلان عن القانون دعيت للحديث في الموضوع على موجات أكثر من محطة تلفزيونية وإذاعية في أوروبا والعالم العربي. وجاءت تصريحات المسؤولين الأميركيين التي انتقدت قرار رئيس الجمهورية الفرنسية واتهمته بعدم احترام الحريات الدينية لتنقل النقاش إلى ساحة أخرى هي ساحة العلاقات الدولية والصراعات الجيوستراتيجية الاوروبية الأميركية. ولم يمض وقت طويل حتى أطلق شيخ الأزهر السيد طنطاوي تصريحه الشهير الذي عبر فيه عن رأيه بأن الحجاب ليس مسألة أساسية وأنه يحق للمسؤولين الفرنسيين أن يمنعوه في مدارسهم الحكومية. وبهذا التصريح انتقل النقاش إلى الساحة العربية ودخلت فيه قوى متعددة علمانية ودينية.
هكذا أصبح موضوع حجاب الطالبات المسلمات في فرنسا قضية عالمية تجاوزت حدود فرنسا وأوروبا والعالم العربي والاسلامي لتشمل أميركا وآسيا معا. ولعل أكثر ما أدهشني في الأيام الأخيرة اتصال قناة نيودلهي التلفزيونية الهندية بي للحديث في الموضوع مع الاعلان عن رغبتها في إشراك طلبتي الجامعيين لمعرفة وجهة نظر الجالية الاسلامية في هذه المسألة.
ليس ما يهمنا هنا قضية الحجاب بحد ذاتها، لا من الناحية الدينية ولا من الناحية السياسية التي تطرقت لها في مكان آخر وبينت العواقب السلبية لها على عملية دمج الجاليات العربية والاسلامية في الحياة الفرنسية واحتمال أن تزيد من نزعة العداء للعرب والمسلمين عند الفرنسيين الاصليين من جهة ونزعة الانطواء على الذات ورفض الثقافة الفرنسية عند الفرنسيين العرب من جهة ثانية. إن الناحية التي تبدو مهمة لي ومثيرة للتفكير هي السرعة التي تحول فيها قرار وصفه شيخ الأزهر بانه تابع للسيادة الوطنية الفرنسية من مسألة محلية فرنسية إلى قضية عالمية وبالتالي تعدد الرهانات الإضافية التي فجرها هذا القرار والتي تتجاوز بكثير الرهانات الأصلية.
وتكفي نظرة سريعة على تطور القضية لإدراك كيف توسعت دائرة النقاش لتشمل ثلاث دوائر مختلفة، لكل منها ساحاتها وقواها المتنازعة ورهاناتها الخاصة المتميزة عن الأخرى.
فالنقاش الذي انطلق في فرنسا حول الحجاب متخذا من العلمانية مرجعا له لا ينطوي في الحقيقة على رهانات أخرى غير تأمين الأغلبية الانتخابية. فمن خلال إبرازها الحفاظ على المفهوم الضيق والمتشدد وتمسكها بمفهوم شبه إثني للثقافة والأمة الفرنسية المهددة في سياق العولمة والمخترقة أكثر فأكثر بثقافات الأقليات الدينية والأقوامية، تطمح السلطة القائمة إلى امتصاص نقمة اليمين المتطرف الفرنسي وكسبه إلى جانبها في الانتخابات القادمة. لكن الموقف الفرنسي الرسمي من الحجاب قد فتح جراحات أعمق بكثير عند الشعوب العربية التي تتعرض منذ أكثر من عقدين لضغوط مادية وسياسية ونفسية محورها إعادة بناء صورتها عن ذاتها وفي الخارج بطريقة سلبية في سياق ما ينبغي تسميته بالفعل بالحرب الثقافية. والمطلوب من ترسيخ الصورة المشوهة والسلبية للشعوب العربية هو تكبيدها هزيمة نفسية تكرس الهزائم والانكسارات والإخفاقات المادية والعسكرية وتدفع العرب إلى التشكيك بأنفسهم وبقدراتهم وبالتالي إلى التفكك والحرب الداخلية. وبالعكس فجر تصريح شيخ الأزهر نقاشا لم يكف عن تلغيم الساحة العربية الاسلامية منذ عقود بين التيارات الاسلامية والتيارات العلمانية على أرضية الصراع على السلطة وإعادة تحديد موقع الاسلام في الدولة والمجتمع.
تقدم قضية الحجاب المطروحة في فرنسا اليوم فرصة لفهم آليات عمل ما نسميه العولمة الثقافية والسياسية والتحديات التي توجهها لصناع القرار في بلدان العالم أجمع. ولعل أول ما تظهره هذه القضية هو التفاعل السريع والعميق بين قوى عالمية متباعدة ولا شيء يجمع فيما بينها. كما يظهر التداخل القوي بين ساحات الصراع والنزاع الوطنية المتعددة والمتباينة وساحات الصراع العالمية. فما يبدو على أنه مسألة خاصة بجماعة معينة او ببلد معين يظهر بسرعة على أنه يمس مصالح فئات وجماعات عديدة ومتباعدة جغرافيا وثقافيا. وما يبدو وكأنه من صلاحيات الدولة ومسؤولياتها السيادية يمكن أن يثير مواجهات تتجاوز الدولة صاحبة السيادة وتدخل إلى ساحة الصراع قوى لم يكن صاحب القرار قد وضعها في الحساب ولا علم بوجودها.
هكذا يتزايد الشعور بأنه لم يعد هناك قرار وطني مئة بالمئة وأن أي قرار تتخذه سلطة وطنية في أي بلد يمس لا محالة وبصورة مباشرة وفورية مصالح بلدان أخرى. كما ينجم عنه أيضا أن أي سلطة في أي بلد كان تستطيع أن تتخذ القرار الذي يلائم مصالحها، لكنها لن تستطيع أن تسيطر على نتائجه ولا على مصيره. ومن الممكن أن تصبح هي نفسها ضحيته. فالاندماج المتزايد للعالم وما يتبعه من تنام قوي في التفاعلات والتواصل الاعلامي والفكري والسياسي والاقتصادي أيضا بين القوى والشعوب المختلفة يجعل من الصعب على أي سلطة وطنية أن تتحكم بعملية القرار أو أن تحصر المعركة التي تفتحها في الإطار المحدد الذي تريد لها أن تبقى فيه. وفي عالم تسوده الأزمات ويتعرض لهزة عميقة في توازناته العميقة ويفتقر لمعايير واحدة ومقبولة من طرف الجميع، توجد باستمرار قوى جاهزة للدخول في الصراع والاستفادة من الجبهات المفتوحة في سبيل تحقيق رهانات خاصة بها. وهكذا من الممكن لصراعات تبدو محدودة وبسيطة من حيث حجم رهاناتها أن تفجر صراعات لا محدودة وتدفع إلى الساحة قوى عالمية وإقليمية عديدة وتنقل ميدان المعركة من ساحة إلى أخرى أو تحرفها عن طريقها الأصلي.
ولعل إدراك هذا الواقع، أعني واقع أنه لم يعد هناك مكان لبناء سياسة وطنية عقلانية وناجعة على مستوى العلاقات الوطنية المحلية وبالتالي من دون الأخذ بالاعتبار لما يجري على الساحة العالمية، هو الذي يدفع العديد من الحاكمين العرب اليوم إلى مراجعة سياساتهم السابقة والارتماء في أحضان تلك الدول نفسها التي هدروا موارد بلادهم من قبل باسم محاربتها. لكن المشكلة هنا لا تكمن في مبدأ المراجعة بالذات ولكن في أن النخب العربية الحاكمة بقيت عقودا طويلة تتصرف كما لو كانت تعيش وحدها في غابة وحشية، لا تأخذ اعتبارا لأحد كائنا من كان، لا لشعبها ولا لمصالح الشعوب الأخرى، لتكتشف فجأة أن في الغابة وحوشا كاسرة أخرى. وبدل أن تتعاون للوقوف صفا واحدا في وجه خصومها والطامعين بها نراها تجرد نفسها واحدة بعد الأخرى من أسلحتها وترتمي على أعتابها أملا في أن تتركها لشأنها أو تقبل عقد صفقات شراكة جديدة معها. والهدف في جميع الأحوال، سابقا وراهنا، لم يختلف أبدا وهو التأمين على السلطة والسعي إلى البقاء فيها وتوريثها، بكل الوسائل غير الشرعية وغير الأخلاقية.