الســلطـة الغنيمـــة

د. برهان غليون

 

بالرغم من الضجة الإعلامية التي رافقت انعقادها ومن الحشد السياسي الدولي الذي شهدته أيضا، لم تكن حصيلة القمة العربية السابعة عشرة التي عقدت هذا الشهر في الجزائر أفضل من حصيلة سابقاتها. وكما أن مشاريع الإصلاح العربية الواسعة التي وعدت بها في المؤتمر السابق لم تحظ بأي اهتمام لا من قبل الوفود العربية ولا من قبل المراقبين الأجانب، لم تحظ مشاريع الإصلاح الخاصة بالجامعة العربية أيضا بأي قدر من الجدية. وربما كان الاتفاق الوحيد الواضح بين الأطراف العربية المختلفة قد اقتصر على إنشاء ما سمي بالبرلمان العربي الذي تختار الدول أعضاءه من داخل البرلمانات أو مجالس الشعب والأمة القائمة التي تسيطر على انتخاباتها الشكلية في أغلب الدول العربية روح الولاءات الحزبية والعصبيات القبلية والعائلية التي تتلاعب بها، وتوظفها أجهزة الأمن في سعيها الدائم للحفاظ على الوضع القائم، والتجديد الأبدي لزعيم أو رئيس جعل من وجوده في قمة السلطة رديفا للاستقرار والازدهار والوحدة الوطنية والقومية معا.
وبسبب الفشل المتواصل في إخراج الجامعة العربية من شللها وفراغها، لا تزال المنطقة عرضة منذ نصف قرن لجميع تيارات التصادم وزعزعة الاستقرار. بل إنها تشكل اليوم إحدى المناطق النادرة في العالم التي أخفقت في جمع نفسها في مجموعة متعاونة ومتناسقة ومتضامنة وبالتالي في التحكم ولو جزئيا بمصيرها. ومن الواضح أن الافتقار إلى نظام إقليمي فاعل يترك المنطقة اليوم في حالة تخبط ويعرضها لشتى أنواع التدخل الخارجي. فالإخفاق في بناء نظام إقليمي لا يعني في الواقع سوى الفشل في وضع القواعد النظرية، والآليات العملية التي تساعد شعوب المنطقة على تنسيق مصالحها ونشاطاتها المتباينة والمتنافرة، لتقيم حالة من الاستقرار والتوازن والأمن وما يرتبط بكل ذلك من تحقيق السلام الأهلي والخارجي. وهو النظام الذي لا غنى عنه من أجل طمأنة الأفراد وتعزيز العمل لبناء مواقف وتوجهات إيجابية عند الجميع تسمح بقيام نظم سياسية شرعية ومنظومات قانونية نزيهة تشجع على بذل الجهد وتدعيم الاستثمارات المعنوية والمادية ومن ثم على تحقيق الحد الأدنى من التنمية والازدهار لشعوب المنطقة ومواطنيها.

ولا أعتقد أن هناك ما يمكن أن يفسر العجز المستمر عن تجاوز الخلل في العلاقات العربية، وبناء أسس العمل المشترك كما يجري عليه الحال في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا غير القطيعة الخطيرة والمستمرة بين المجتمع ونخبه الحاكمة. ولا تعني القطيعة أن السياسات التي تطبق داخل البلدان منفردة وعلى المستوى الإقليمي لا تنبع من الشعوب أو لا تصاغ بمشاركتها فقط، وإنما تعني أكثر من ذلك أنها لا تأخذ بالاعتبار مصالحها بقدر ما تتحكم بها مصالح النخب الحاكمة وحدها.

لكن في ما وراء هذه الحقيقة الظاهرة التي تتعلق بالتغييب العنيف للمجتمع عن المشاركة في الحياة العمومية، السياسية والمدنية، تكمن مشكلة أخرى لا تقل عنها أهمية هي نمط ممارسة السلطة نفسه. فليس من الممكن بناء أي مؤسسة، وبشكل خاص مؤسسة إقليمية تشارك فيها مجموعة من الدول من دون القبول بتنازل هذه الدول عن جزء من صلاحياتها وسلطاتها للمؤسسة الجديدة حتى تحظى بالحد الأدنى من الاستقلال والمسؤولية. والحال أن ما ميز تاريخ الجامعة العربية منذ نشوئها هو رفض الدول العربية التنازل لها عن أي قسط من مسؤوليتها وصلاحياتها وتركها عالة على الإرادات المتنافرة والمتنازعة للحكومات العربية. وهذا هو السبب الذي يفسر شللها كما يبين لماذا أخفقت في التطور والنمو بالمقارنة مع جميع المنظمات الإقليمية الدولية التي عرفتها المجتمعات في العقود القليلة الماضية، بالرغم من أنها كانت هي الأقدم والأكثر تمتعا بعوامل النجاح بسبب انسجام ثقافة الشعوب التي تنتمي إليها من جميع المنظمات الإقليمية الأخرى التي نشأت بعدها.

وليس لهذا الرفض للتنازل عن أي قسط من المسؤوليات والصلاحيات، أي من السلطات، للمنظمة الإقليمية العربية علاقة بهذه المنظمة بالذات، كما أنه ليس نتيجة رغبة واعية عند معظم الحاكمين في شلها أو منعها من العمل. بل إن هناك الكثير منهم ممن يستاء من هذا الجمود ويتمنى أن تسير الأمور بشكل أفضل. إن السبب الرئيسي الذي يقف وراء تغييب المجتمع كما يقف وراء عدم القدرة على بناء مؤسسة تعاون إقليمي عربية والتنازل لها عن بعض الصلاحيات هو نمط من الفهم والممارسة السائدين للسلطة السياسية في البلاد العربية، أي للسلطة كعلاقة بين الحاكمين والمحكومين، أو باختصار لعلاقة السلطة. فمن الواضح أكثر فأكثر أن النخب الحاكمة لا تأخذ أبدا بمفهوم السلطة كمسؤولية، وبالتالي كتكليف من قبل المجتمع لتحقيق سياسات معينة وما يرتبط بهذا التكليف من مراقبة ومحاسبة وحق المجتمع في استعادة السلطة وإعادة تكليف جماعة أخرى بمهامها، ولكنها تستند في ممارستها الشائعة إلى مفهوم السلطة الغنيمة التي تؤسس للاحتفاظ الأبدي بها والتمسك بجميع تفاصيلها، تماما كما كان عليه الوضع في القرون الوسطى. حيث كان احتلال المنطقة من قبل ملك أو أمير يولد حقا طبيعيا ومكتسبا بالبقاء فيها وحكمها من دون قيود ولا حدود زمنية. فالمالك يتمتع بجميع الحقوق على ملكه ومملكته بما فيها ومن فيها ولا يمكنه أن يتنازل عن بعض من سلطاته أو أن يشارك أحدا آخر فيها من دون أن يضعف سلطته المطلقة عليها. لذلك لم تتوحد الممالك في القرون الوسطى إلا بالضم الآلي سواء أجاء ذلك نتيجة الحروب أو المصاهرة بين الأمراء.

وبالعكس إن السلطة في المفهوم الحديث تقوم على مبدأ المسؤولية التي تحول الحاكمين إلى مكلفين ومؤتمنين، أمام شعب سيد، على مصالح معينة، حتى أصبحت فكرة العقد هي المفهوم المواكب لها. وعلاقة الائتمان تعني أن الحاكمين ليسوا ملاكا وأنهم يعملون لصالح طرف ثالث هو المجتمع وأن مصلحة هذا المجتمع وحكمه هما معيار نجاحهم في حمل المسؤولية. ولأن البلاد ليست ملكهم وهم ليسوا مؤبدين في الحكم فلن يكون لديهم مانع من التفكير بمشاريع تنمية إقليمية وغير إقليمية تضمن مصالح المجتمع ولا من التنازل في سبيل تحقيقها عن بعض الصلاحيات التي هي أصلا موكلة لهم من قبل الشعب طالما أن هذا التنازل يقدم منافع للشعب ويحفزه على التمديد للفئات الحاكمة التي أظهرت حسن حملها للمسؤولية. ففي الحالة الأولى يترجم أي تنازل بالتخلي عن مصالح الطبقة الحاكمة أو عن جزء منها بينما يشكل هذا التنازل في الحالة الثانية وسيلة لتنمية المصالح العامة في إطار توسيعها ودمجها مع مصالح الشعوب الأخرى.

إن السلطة الغنيمة لا تضمن قيام أي بنية مؤسسية كما لا تقود ولا يمكن أن تقود إلى أي إصلاح. ومعظم النظم القائمة في المنطقة العربية قد كرست وعممت بسلوكها وأيديولوجيتها معا مفهوم السلطة الغنيمة بل والفريسة. فهي تتصرف كما لو كانت موارد البلاد ملكا لها وحكر عليها. وهي تعتبر خارجا عن القانون كل من يطالب بتداول السلطة أو يعمل بحسب ذلك المبدأ وتتهمه بالتمرد والعصيان، بل كل من يبدي اهتماما نزيها بإصلاح الشأن العام.

هذا هو الهدف من إلغاء الحياة السياسية وفرض حالة الطوارئ وتوريث المناصب الحكومية والسياسية. وهكذا تتحول السلطة إلى سطو والبلد إلى غنيمة والجمهورية إلى ملك شخصي صاف والأفراد إلى محاسيب وأتباع مسخرين أو عبيد مهاجرين.

نحن لا نزال نعيش للأسف، بالرغم من المظاهر، في ثقافة القرون الوسطى السياسية، ثقافة ما قبل الدولة. وبالرغم من المظاهر أيضا لا أعتقد أننا نعيش في دولة أو توجد عندنا دولة بالمعنى الحديث للكلمة. إننا نعيش بالأحرى في إقطاعات قروسطوية تحكمها وتتحكم بها ميليشيات حزبية أو تحزبية، مدنية وعسكرية، تتبع للزعيم وتخضع لقواعد التبعية الشخصية والولاءات الزبائنية.