الصراع على لبنان

د. برهان غليون

 

شكل اغتيال الرئيس الحريري في 14 فبراير الجاري ضربة قوية للمعارضة اللبنانية التي فقدت بتغييبه شخصية استثنائية تلتقي عندها خطوط وطنية لبنانية وإقليمية ودولية عديدة تجعل منها القطب السياسي الوحيد القادر على إعادة تركيب لبنان سياسي بديل كان من الممكن أن يسد فراغ ما بعد الحقبة السورية. لقد كان السؤال المطروح قبل أيام يتعلق بما إذا كان تطبيق قرار مجلس الأمن 1559 وما يتضمنه من انسحاب القوات السورية من لبنان سيكون ثمرة تفاهم سوري لبناني يضمن استمرار الأمن والاستقرار في البلاد أم سيكون بالإكراه ونتيجة الضغوط الخارجية وانصياعاً لها. لكن الوضع تحول اليوم فأصبح السؤال يتعلق بما إذا كان لبنان سيحتفظ باستقراره أم أنه سيتحول من جديد إلى ساحة للمواجهة الإقليمية والدولية. كان الانسحاب السوري من لبنان عن طريق التفاهم سيفرض على سوريا التراجع أو الانكفاء لكن مع الاحتفاظ بمواقع ثابتة وقوية تعزز قدرتها على الاستمرار في مقاومة الضغوط الأجنبية، في حين أن إخراجها بالقوة والإكراه يمثل تحدياً كبيراً للنظام القائم فيها ويجعل من الانسحاب منعطفاً خطيراً في سلسلة الانهيارات التي تعاني منها المواقع الإقليمية السورية منذ أن بدأت الولايات المتحدة استراتيجيتها الجديدة في الشرق الأوسط في سياق ما أطلقت عليه اسم "الحرب على الإرهاب".

وقد أظهر تعيين السيد وليد المعلم في بداية هذا العام مساعداً لوزير الخارجية السورية ثم تكليفه بالملف اللبناني وإرساله في مهمة تفاهم مع أطراف المعارضة اللبنانية الشهر الماضي مدى إدراك القيادة السورية لأهمية هذه المسألة وحساسيتها بالنسبة للوضع السوري. فقد بذلت سوريا جهوداً استثنائية لتغيير أسلوب عملها الذي يعتمد بشكل مباشر على الإدارة الأمنية لتلتقي مع تطلعات المعارضة اللبنانية على أمل أن يمكنها ذلك من إدارة عملية الانسحاب العسكري من لبنان عبر تفاهم سوري لبناني وليس كتنفيذ للقرار الدولي الذي تتشبث بتطبيقه الولايات المتحدة وفرنسا. لكن مهمة وليد المعلم لم تتكلل بالنجاح ولم تحدث النتائج المتوقعة. وجاءت زيارة كوندوليزا رايس للشرق الأوسط وأوروبا لتعزز الانطباع بأنه لم تعد لدى سوريا خيارات أخرى سوى الانسحاب من لبنان تنفيذاً للقرار الدولي. وأكملت زيارة المبعوث الدولي لارسن إلى بيروت ودمشق إغلاق الحلقة فدخلت القضية اللبنانية في طريق مسدودة تماماً.

لكن في ما وراء المعارضة اللبنانية يوجه اغتيال الحريري ضربة قوية للتحالف الأميركي الفرنسي الذي تبنى عملية تصفية النفوذ السوري في لبنان والذي يجد نفسه في وضع يفرض عليه المواجهة بطريقة لم يكن يتوقعها وبالتأكيد لم يحسب لها. وسواء أكان منفذو العملية من الجماعات الإسلامية كما تدعي "جماعة النصرة والجهاد" أم من غيرها، فليس هناك شك في أن ما حصل في بيروت قد خدش الصدقية الاستراتيجية للتحالف الأميركي الأوروبي الذي أخذ على عاتقه ضمان سيادة لبنان وإخراج القوات الأجنبية منه في الوقت الذي أثبت فيه أنه غير قادر على حماية شخصيات المعارضة اللبنانية وضمان أمنها وحياتها. ولا يمكن أن تشكل المطالبة الفرنسية بتحقيق دولي ولا السعي إلى الخروج بقرار من الأمم المتحدة يدين العملية ويعاقب منفذيها رداً على مستوى التحدي قادراً على تطمين القوى اللبنانية التي تجد نفسها عارية في مواجهة لا تملك وسائل الصمود فيها أو على وضع حد للتهديد الفعلي بتفجير الوضع اللبناني بحيث يصبح تطبيق قرار مجلس الأمن 1559 أمراً ثانوياً بالمقارنة مع مخاطر جر البلاد إلى العنف والفوضى الشاملة.

لكن الضربة التي وجهت للمعارضة اللبنانية ومن ورائها للتحالف الأوروبي الأميركي الساعي إلى استعادة سيادة لبنان أو إعادته إلى منطقة النفوذ الغربية بعد أن بقي لعقود طويلة منطقة نفوذ خاصة لن يقدم خدمة كبيرة لسوريا التي ليس لديها بديل عن التفاهم مع الغرب في أي محاولة للإصلاح الداخلي وإيجاد حل للتحديات الكبيرة التي تواجهها سواء ما تعلق منها بفتح المفاوضات السياسية لاستعادة الجولان المحتل أو بتحسين شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية أو بتحديث بنياتها ومؤسساتها أو حتى بالحفاظ على أمنها الداخلي والخارجي. وكائناً من كان المنفذ لهذه العملية ستجد دمشق نفسها في موقع الاتهام مهما كانت الحقيقة، أولا بسبب ما تلعبه من دور استثنائي في ضمان الأمن اللبناني، وثانياً لأن اختياراتها السياسية تتعارض بشكل واضح وعلني مع اختيارات المعارضة وهي لا تخفي معارضتها القوية لتطبيق القرار الفرنسي الأميركي. وستظهر بسرعة أنها هدية مسمومة.

بالتأكيد لن تفكر لا الولايات المتحدة ولا فرنسا في إرسال قوات إلى لبنان لضمان تطبيق قرار مجلس الأمن بالقوة أو لحماية لبنان من الانحدار نحو الفوضى. وليست لهما أية مصلحة في ذلك بينما لا يزال من غير المعروف ما إذا كانت واشنطن ستنجح في إطفاء النار التي أشعلتها سياستها الحمقاء في العراق. لكن من الخطأ أيضاً الاعتقاد بأن التحالف الأوروبي الأميركي لا يملك خيارات عديدة أو أنه يفتقر إلى وسائل العمل لمتابعة سياسته في لبنان. ومن الخطأ كذلك الاعتقاد بأن واشنطن لا تستطيع أو أنه لا مصلحة لها في لعب ورقة زعزعة الاستقرار وتفجير الوضع اللبناني وربما السوري أيضاً إذا شعرت بأنه ليس لها خيار آخر لضمان تحقيق أهدافها والدفاع عن مخططاتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

كل الدلائل تشير إذن إلى أن عملية اغتيال الحريري لن تكون حدثاً استثنائياً منفرداً ولكن حلقة أولى في الحرب الإقليمية والدولية التي بدأت للسيطرة على لبنان منذ التصويت على قرار مجلس الأمن الداعي إلى استعادة سيادة لبنان، والذي لم يكن يعني، ليس بالنسبة لسوريا فحسب ولكن بالنسبة للعديد من قطاعات الرأي العام العربي والإسلامي أيضاً، استعادة السلطة في لبنان من قبل القوى المعادية للوجود السوري وإعادة لبنان نفسه إلى فلك السياسة الغربية وربما تحويله من جديد إلى شوكة في خاصرة النظام السوري بعد أن كان شوكة في خاصرة خصومه. وهو ما يعني أيضاً احتمال تحويله إلى نافذة للريح التي ستعصف بالأمن السوري الداخلي وربما الخارجي كذلك. وهذا ما لم تخفه المعارضة اللبنانية أو بعض أطرافها ولا تصريحات الثنائي الفرنسي الأميركي أيضاً.

تبرهن عملية اغتيال الحريري التي استهدفت قطب الرحى في التحالف السياسي اللبناني البديل لما بعد الحقبة السورية على أنه لا يزال في الوضع العربي القائم، بتشكيلاته وتياراته ومنظماته المختلفة وأحياناً المتناقضة، وبالرغم من حالة الاهتراء التي يعاني منها، قوى قادرة على المقاومة. وليس السبب في ذلك ما تملكه من الجرأة على رد التحدي ولا الإيمان القوى بمبادئ أخلاقية كما يبدو للوهلة الأولى بل ولا الاعتقاد بالتأييد الشعبي ومن باب أولى بوجوده، وإنما لشعورها الصحيح من جهة بأن مشروع الإصلاح الشرق أوسطي الذي ارتبطت به استعادة النفوذ الغربي لا يحظى بالحماس الشعبي إن لم نقل إنه يستفز في العديد من جوانبه، المشاعر والاعتقادات الوطنية العربية ومن جهة ثانية لما تشهده من ضعف الإرادة ومن التناقض والتردد وانعدام الحسم لدى الدبلوماسية التي تبنت وتتبنى مشروع هذا الإصلاح. أي باختصار لأنها تعتقد عن حق بأن مشاريع الإصلاح والديمقراطية المطروحة من قبل واشنطن وغيرها ليست جدية ولكنها أوراق ضغط فحسب وأنه لا تزال هناك بالتالي فرصة للتفاهم ولعقد صفقة جديدة بين مشاريع السيطرة المحلية القائمة ومشاريع السيطرة الأجنبية أو بالأحرى لتجديد عقد الإيجار المعتمد لحماية النظام الإقليمي شبه الاستعماري القائم.