هل ستساهم الانتخابات العراقية الأخيرة في إخراج العراق من أزمته؟

د. برهان غليون

 

عوامل كثيرة أضعفت من شرعية الانتخابات العراقية وانتقصت وستنتقص من شرعية الحكومة التي ستولد عنها وتقلل من قيمة هذه الانتخابات بوصفها نقطة فاصلة على طريق خروج العراق من محنته السياسية. من هذه العوامل التي لا يمكن تجاهلها أنها جرت في ظل الاحتلال الأميركي للعراق وبتشجيع منه بل وبإشراف قواته المسلحة. وليس هناك أي شك في أن انتخابات 30 يناير 2005 التي فرضها آية الله السيستاني على الاحتلال ولم تكن جزءاً من مخططه لبسط سيطرته على العراق في بداية الاحتلال قد تحولت، مع تفاقم عمليات المقاومة والعنف ضد القوات الأميركية، إلى خشبة خلاص للإدارة الأميركية التي تسعى إلى أن تغطي على أزمة فشلها في بسط الأمن في البلاد وتأمين قواتها المحتلة من دون أن تضطر إلى الخروج من العراق. وهكذا أخذت هذه الإدارة تتعلق بها وتعتبرها محطة أساسية على طريق إعادة بناء العراق الديمقراطي بعد أن حلت الدولة العراقية تماماً وكانت تماطل في إقرار راهنية إعادة بنائها. وهي تأمل أن توحي من خلالها للعراقيين بأنهم أصبحوا أسياد مصيرهم وأن بقاء الاحتلال رهن بإرادتهم وليست للولايات المتحدة أية أطماع أخرى.
ومن هذه العوامل أنها جرت في حالة من الانفلات الأمني وفي ظروف تفتقر فيها البلاد إلى الحد الأدنى من الاستقرار وتظهِر فيها الحكومة وقوات الاحتلال معاً عجزاً واضحاً عن السيطرة على الوضع داخل العاصمة بغداد نفسها بل عن حماية الكثير من مراكز التصويت. إضافة إلى أن إجراء الانتخابات كان مناسبة لتأجيج عمليات تفجير السيارات المفخخة وانفلات العنف في العديد من المحافظات العراقية. ومن الواضح أن فشل الحكومة وقوات الاحتلال في ضمان الأمن قد منع قسماً كبيراً من الناخبين من الإدلاء بأصواتهم وأفسد القيمة السياسية والرمزية معاً لهذه الانتخابات.

لكن أهم هذه العوامل وأخطرها هو مقاطعة قطاعات كبيرة من الرأي العام العراقي والعدد الأكبر من القوى السياسية المحسوبة على مجتمع السنة لها، مما يضعف بشكل كبير من الصفة الوطنية للبرلمان الذي سينشأ على أثرها ويقلل من قيمته التمثيلية.

وبالرغم من كل هذه النواقص التي لا يمكن لأحد أن ينكرها من الصعب على أي محلل سياسي مع ذلك أن يتجاهل ببساطة ما جرى في العراق في الأيام الأخيرة، وأن ينكر الأهمية أو المدلولات السياسية والرمزية التي تنطوي عليها مشاركة نسبة كبيرة من الناخبين قد تتجاوز 60 في المئة في هذه الانتخابات. فلا شك أن هذه المشاركة الواسعة قد عبرت عن رغبة عميقة عند غالبية العراقيين في الخروج من نفق الحرب والعودة إلى الحالة الطبيعية، أي إلى حالة الديمقراطية والمشاركة في تقرير مصير البلاد، حتى لو حصل ذلك في ظروف الاحتلال. وإذا كان إجراؤها في حالة انعدام الأمن يمس في صدقية نتائجها فإن إصرار الناخبين على المشاركة فيها بالرغم من ظروف انعدام الأمن يعطيها قدراً كبيراً من الدلالة السياسية، ليس من حيث هي انتخابات تمثيلية ولكن من حيث هي مؤشر على قبول قطاعات واسعة من الرأي العام العراقي بأطروحة القوى التي دفعت إليها وساهمت في تنظيمها والتخطيط لها، أعني الأطروحة التي تقول بضرورة العمل في الأوضاع الحالية ومن أجل معالجة مشاكل العراق، ومنها مشكله استقلاله وإخراج القوات المحتلة منه، بالوسائل والطرق الديمقراطية.

فمن الواضح أن الذي يمزق العراق اليوم في مرحلة ما بعد صدام حسين وإعادة بناء العراق الجديد هو وجود برنامجين لا يختلفان ربما في الجوهر ولكنهما يتباينان في تحديد الأولويات. البرنامج الأول الذي تتمسك به قوى وطنية وإسلامية بعضها كان على علاقة قوية بالنظام السابق وبعضها الآخر كان يشكل جزءاً منه وبعضها كان يقف ضده تماماً، وهو البرنامج الذي يجعل من إخراج الاحتلال بالقوة المسلحة المدخل إلى أي تفكير في إعادة بناء العراق السياسي والاقتصادي والثقافي. وهو يستند إلى فكرة صحيحة هي أهمية السيادة الوطنية بل حتمية الانطلاق منها لإضفاء الشرعية على أي مشروع إعادة بناء داخلي وطني. والبرنامج الثاني الذي تبنته قوى عديدة محسوبة على الجماعات الشيعية والكردية وممثلة لهما والذي يقوم على الاعتقاد بأن إعادة بناء العراق السياسي ينبغي أن تبدأ منذ الآن، وهي بالتالي سابقة على طرد الاحتلال، وربما كانت مقدمة له، وبالتالي فإن تعديل الموازنة السياسية عن طريق إجراء انتخابات ديمقراطية تمثيلية هو سابق على انتزاع السيادة الوطنية وشرط له. ويعبر هذا البرنامج في الواقع بشكل واضح عن مصالح تلك الطوائف والجماعات التي تعتقد أن انقلاب الموازين الراهنة على ضوء الاحتلال الأميركي يفتح فرصاً أفضل لإعادة التوازنات الوطنية العراقية الداخلية بشكل يضمن لها موقعاً ودوراً كانت تفتقر إليهما في تاريخ العراق الحديث، منذ نشوئه على أرضية التفاهم بين العشائر السنية والاحتلال البريطاني. ولا تريد هذه الجماعات أن تضحي بهذه الفرصة لصالح استراتيجية مقاومة ستفضي في النهاية إلى تكريس المعادلة التاريخية التقليدية. ومن هنا يمكن التمييز في نظري بين أجندة وطنية وأجندة ديمقراطية تركز الأولى على طرد الاحتلال قبل أي نقاش آخر وتركز الثانية على تعديل الموازنة السياسية قبل أي حديث عن الاستقلال.

هذه حقائق السياسة العراقية اليوم. فالمقاومة المسلحة التي يراهن عليها عموماً أغلب الساسة المنحدرين من المجموعة السنية والانخراط الديمقراطي الذي يراهن عليه عموماً أغلب الساسة الشيعة والأكراد اليوم في العراق، هما استراتيجيتان اجتماعيتان تخفيان الصراع بين مكونات العراق السكانية على بناء صيغة أو معادلة وطنية جديدة بما تعنيه من توزيع للسلطة وتقاسم للثروة المادية والمعنوية. وعندما نتحدث عن الحقائق السياسية فذلك من أجل الإشارة إلى أن المهم في السياسة ليس البحث عمن هو الأحق من الناحية المنطقية أو الأخلاقية ولكن تقرير في ما إذا كانت المطالب التي تخفيها هذه الاستراتيجية أو تلك جدية لا يمكن تجاهلها وبالتالي تستحق البحث ويمكن اعتبارها مشروعة أم لا. وفي حالة كونها مشروعة يصبح المهم البحث عن كيفية التوفيق في ما بينها من أجل إعادة بناء الوحدة السياسية للمجتمع وللبلاد.

وفي ما يتعلق بحالة العراق اليوم لا يستطيع أحد أن ينكر حق المجتمع السني في الدفاع ضد مخاطر التهميش السياسي والاجتماعي الذي يهدده، تماماً كما أن أحداً لا يستطيع أن ينكر حق مجتمع شيعة العراق وأكراده أيضاً في تعديل صيغة الحكم في العراق القادم حتى تعبر بشكل أفضل عن وزنهم وخصوصيتهم الدينية والثقافية. وهذا هو في نظري التحدي الرئيسي الذي يواجهه مشروع إعادة بناء الوطنية والوطن العراقي أيضاً. أعني القدرة على التوفيق بين مطالب السنة في تجنب التهميش المقبل الواضح ومطالب الشيعة والأكراد في تجاوز الإجحاف التاريخي ورفض الاعتراف بالوزن والخصوصية أيضاً.

والسؤال إلى أي حد ساهمت انتخابات يناير 2005 العراقية أو يمكن أن تساهم في فتح آفاق أفضل لحل النزاعات التي تمزق الشعب العراقي بالفعل والتي يقف في مقدمها التنافس بين السنة والشيعة على تكريس معادلة قوة جديدة على طريق بناء العراق القادم، ومن وراء ذلك على إرساء قواعد بناء عقد وطني عراقي جديد يعترف فيه كل طرف للطرف الآخر بحقوقه، أي إلى أي حد يمكن لها أن تساهم في التوفيق بين المطالب الوطنية التي يتسلح بها الرأي العام السني والمطالب الديمقراطية التي تختفي وراءها الأجندة الشيعية الكردية؟ هذا موضوع مقال لاحق.