من الإصلاح إلى التجديد

د. برهان غليون

 

تمر مجتمعاتنا اليوم، مثلها مثل جميع المجتمعات المعاصرة الأخرى بمرحلة عاصفة من التحولات النابعة من مجموعة من المتغيرات التي لا يزال من الصعب التحكم بها أو السيطرة عليها بعد.
من هذه المتغيرات التي أود أن أشير إليها تلك المتعلقة بالبيئة الدولية. فمن الواضح أننا نعيش اليوم مرحلة الانتقال من نظام عالمي سيطرت عليه لفترة طويلة الدولة وقررت معالم تنظيمه وتطوره إلى نظام عولمي مفتوح عابر لحدود الدول والبلدان سواء جاء ذلك بصورة مختارة أم فرض علينا بالقوة. ويقود هذا الانتقال نحو بيئة دولية جديدة إلى تحول الدولة التي جسدت طوال حقبة كاملة مفهوم السيادة إلى أداة من أدوات الاستراتيجيات العالمية المتنافسة التي تبلورها وتطبقها القوى العظمى. وهكذا فقد مفهوم السيادة أو هو في طريقه إلى أن يفقد بريقه وسطوته في العلاقات الدولية لصالح ما أصبح يسمى في الأدبيات العالمية مفهوم الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية. فلم يعد الاستقلال والتمحور حول الذات اللذين يحفظان السوق الداخلية من المنافسة الخارجية هما العامل الرئيسي في خلق فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية كما كانت تنادي بذلك نظريات محاربة التبعية وإنما بالعكس من ذلك قدرة المجتمعات على التعامل مع المحيط الخارجي وتثمير عوامل التضامن واقتناص فرص التعاون والتبادل الدولية. وبقدر ما أصبحت تنمية أي قطر جزءاً لا يتجزأ من التنمية الإنسانية العامة، أصبحت المقدرة على التفاهم مع الآخر وبناء الشراكات الواسعة والحية هي شرط الانتقال نحو الاقتصاد الجديد والاندراج في عالم العصر. وتنطبق هذه القاعدة أيضاً على المسائل الأمنية والاستراتيجية. فكما أنه لم يعد في مقدرة أي قطر أن يضمن لوحده، مهما كان حجم ترسانته الحربية أمنه واستقلاله أصبحت التحالفات والاندراج الفاعل في شبكات المصالح الدولية المتزايدة قاعدة التأمين الرئيسية ضد التهديدات والاعتداءات والنزاعات الخارجية بل وربما الداخلية أيضاً في عالم مفتوح على جميع الأخطار. وهكذا يتوجب على العالم العربي الذي اعتاد في هذا المجال السباحة في المياه السطحية الراكدة والمستنقعات الضيقة المعزولة السباحة منذ الآن في مياه المحيطات العميقة وأن يواجه فيها أسماك القرش وظلمات القيعان المخيفة.

ومن هذه المتغيرات التي ينبغي الإشارة إليها تبدل النظم المجتمعية. فالمجتمعات التي بقيت تعيش خلال نصف القرن الماضي بحسب نماذج واضحة وتستند في تنظيم شؤونها إلى قواعد ثابتة ومقبولة وتحتكم إلى منظومات قيم يقينية بدأت في العقدين الماضيين، وبعضها منذ أقل من ذلك، رحلة الانخلاع عن نفسها والابتعاد عن اليقينية والشرعية معاً. أما بالنسبة للمجتمعات الفقيرة والضعيفة التي تضم معظم المجتمعات العربية فالمهمة مزدوجة. إن إعادة بناء المجتمعات على أسس شرعية ومقبولة تصطدم بشكل دائم بنقص النمو ونقص الوسائل وتضاؤل فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا يترافق التجديد المطلوب في الأسس المعنوية والرمزية التي لا تقوم من دونها حياة اجتماعية مع الانخراط في مسيرة التحول السريع والإنجاز المضاعف التي تفرض على هذه المجتمعات أن تحقق في سنوات قليلة ما أنجزته المجتمعات المتقدمة خلال عقود طويلة وأن تنجح أيضاً في تحقيق التواصل مع مجتمعات العلم والتقنية وما راكمته من معارف وتقنيات جديدة عبر القرون. وهذا يعني أن على هذه المجتمعات أن تخوض معركة اللحاق بالتحولات العالمية السريعة والانخراط فيها بما يتضمنه ذلك من تبديل نظم الإنتاج والمبادرة الاقتصادية وإعادة بناء النظم الإدارية وتغيير الطواقم البيروقراطية والتقنوقراطية وتجديد المؤسسات الصناعية والمالية وتهيئة المناخ القانوني الملائم لجذب الاستثمارات الخارجية وتوطين العلم والتقنية في التربة المحلية وفي الوقت نفسه معركة التجديد الروحي والثقافي، أي تجديد وعيها وهويتها ونمط تفكيرها وقيمها الأساسية.

ومن هذه المتغيرات الخطيرة أخيراً تعاظم دور العلم والمعرفة في عملية إعادة الإنتاج الاجتماعية. ويكفي لإدراك هذا الدور الحاسم للعلم في هيكلة الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المعاصرة والمقبلة الإشارة إلى ما أصبح يطلق عليه الاقتصاديون اسم اقتصاد المعرفة حيث أصبحت المعارف هي العنصر الأهم في رأس مال البلدان ورصيدها والعامل الأول في تحقيق الفائض الاقتصادي. وأصبح تقدم المجتمعات يقاس بنصيب عنصر المعرفة والتقنية الكامن فيها حتى لم تعد للموارد الأولية ولا لقوة العمل اليدوية غير المؤهلة قيمة تذكر في مراكمة الثروات والفوائض الاقتصادية.

على هذا النوع من المتغيرات تجد المجتمعات العربية نفسها مدعوة للرد في السنوات القليلة القادمة. وعلى قدر نجاحها في تجديد أسس وجودها الروحية والفكرية والسياسية وتجاوز العقبات التي تحول بينها وبين تحقيق المشاركة العالمية وفي إعادة بناء ذاتها على أسس تتفق وحقائق العصر، من انفتاح وتكثيف الاستثمار في المعرفة واستدراك الهوة التقنية، تستطيع أن تحتفظ أو تأمل بأن تحتفظ بتوازناتها وتضمن مستقبلها. وبالعكس لن تكون نتيجة إخفاقها في الرد على تحديات التغير الراهن بأبعاده الثلاثة :العالمي والمجتمعي والعلمي سوى خلخلة التوازنات الداخلية والانكشاف أمام الأزمات المتفجرة بأشكالها المختلفة أو إذا شئنا فقدان المناعة المكتسبة التي كانت تضمنها لها في الماضي عوامل عديدة أهمها مركزية الدولة ونظام عالمي متمحور حول الدولة ومدعم لها ومجتمعات أهلية متلاحمة مرتكزة بقوة على تقاليدها وثقافاتها المحلية، بالإضافة إلى اقتصادات صناعية أو زراعية بطيئة النمو وغير معتمدة على الابتكارات والتجديدات السريعة والمتواصلة التي يحتاجها التنافس في إطار الاقتصاد الراهن القائم على المنافسة في النوعية والقدرة على تلبية الطلبات المتنوعة والمتعددة والمتجددة معاً.

وبالرغم من حركة التغيير السريعة التي تعيشها، لا تزال المجتمعات العربية تشعر كما يبدو لي وكأنها تراوح في مكانها. وسبب ذلك أن هذه المجتمعات تعاين بشكل أعمق، بموازاة إدراكها لعالم اليوم، مدى الهوة التي تفصلها عن ذاتها، أي عن طموحاتها وإرادتها واختياراتها وقيمها وغاياتها، فتجعل منها غريبة عن نفسها، ومدى الهوة التي تفصلها أيضاً عن عالمها الخارجي على جميع المستويات التقنية والعلمية والإدارية والسياسية والاجتماعية وتجعل منها مجتمعات غريبة عن واقع عصرها. فهي لا تزال تبحث لنفسها، بعد عقود طويلة من حياة الانغلاق والسيطرة البيروقراطية والأمنية، عن مكانها ودورها في عالم لم يعد مألوفاً لديها ولا صديقاً لها. ويمكن القول إن هذه المجتمعات قد دخلت في لجة الصراعات الجديدة، الاقتصادية والسياسية والثقافية، من دون رصيد يذكر ولا خبرة كافية، بعد أن تركزت الخبرة التي راكمتها بمعظمها في العقود الماضية في ميدان المواجهة الخارجية العسكرية أو السياسية أو الثقافية. وهي الخبرة ذاتها التي أصبحت تشكل اليوم عائقاً أمام قدرتها على التفاعل مع نفسها وآمالها وكذلك مع معطيات وتحولات العالم الجديد.

إن ما تواجهه مجتمعاتنا العربية اليوم ليس في الواقع إلا تحدي التجديد الشامل، أو هكذا أود أن أسميه. وهو يعني إعادة الخلق والبناء الداخلي والخارجي أو تحدي تكوين وتأهيل جيل جديد لعصر جديد ولمجتمع جديد أيضاً. وهو ما يتطلب تحولات سريعة وعميقة على مستوى تجديد وسائل وآليات التفاعل الإيجابي والمثري مع البيئة الدولية ومستوى تغيير البنيات والمؤسسات الاجتماعية، بما يبعث داخل المجتمعات والأفراد أيضاً حيوية قوية وينمي فيها روح الاجتهاد والابتكار والمبادرة والتعاون والتفاهم معاً، ومستوى تبديل أنماط سلوك الأفراد وعلاقتهم مع المعرفة وقدرتهم على إدراج هذه المعرفة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

وبالرغم من أن مسؤولية إحداث هذا التجديد الكبير لا تقع على عاتق المؤسسات التربوية لوحدها ولكن على عاتق الحكومات ورجال الصناعة والمواطنين جميعاً، ليس هناك من شك في أن لنظم التعليم الدور الأول في إعداد المجتمعات للخروج من حالة العطالة والجمود التي وضعتها فيها نظم الضبط والإخضاع والتدجين السياسية والاجتماعية وتأهيلها للانخراط الفعال والمنتج في الحياة الدولية. ولا شك أيضاً أن جزءاً كبيراً من هذه المهمة تقع على كاهل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التي تقوم بوظائف التأهيل العلمي والتقني والبحث معاً والتي تشكل مجال الاستثمار الأول في تكوين الأطر والأرصدة العلمية والتقنية وفي مواجهة ما تشكله هذه المتغيرات من تحديات وما تثيره من مخاطر وتبعثه من فوضى واضطراب.