مغزى هجوم 11 سبتمبر

د. برهان غليون

 

لم يقدم هجوم 11 سبتمبر 2001 فرصة استثنائية للولايات المتحدة كي تستكمل المسار الذي بدأته في حرب العراق الأولى عام 1991 وتفرض نظامها العالمي القائم على القطب الواحد والهيمنة الإمبراطورية فحسب، ولكنه فتح أيضاً عليها وفي الوقت نفسه باباً لدخول كل الرياح العاصفة. ففي الوقت الذي سمح فيه لواشنطن أن تبرر جموحها الإمبراطوري وتصديها المعلن لقيادة العالم، أظهر هذا الهجوم كما لم يحصل أبداً من قبل هشاشة استراتيجية الولايات المتحدة الأمنية وضعفها، كما أظهر ضعف وحدود التفوق الذي تتمتع به وقدرته على تأسيس قاعدة صلبة لنظام دولي جديد قائم على الأحادية القطبية.
فبالرغم مما قدمه هجوم سبتمبر للولايات المتحدة من مبررات لتفرض قيادتها وجدول أعمالها على المجموعة الدولية، وتزيل العقبات المادية والمعنوية التي كانت تقف حائلا أمام نشر قوتها ومد نفوذها على الصعيد العالمي، حطم هذا الهجوم وردود الفعل الأميركية المضطربة عليه، في ذهن الرأي العام العالمي، لكن أيضاً وقبل ذلك لدى الرأي العام الأميركي نفسه، صورة أميركا الأسطورية التي تملك القدرة على التدخل في جميع شؤون العالم من دون أن يملك أحد القدرة على التدخل في شؤونها أو إثارة المشاكل لها. وهكذا حول هذا الهجوم الكبير الذي فاجأها في عقر دارها وعلى غير انتظار الولايات المتحدة الأميركية من دولة استثنائية إلى دولة عادية معرضة مثلها مثل غيرها من الدول للتهديدات والمخاطر ذاتها. وأكد 11 سبتمبر للعالم أجمع أن مركز الإمبراطورية، بالرغم من كل الاحتياطات الأمنية ومنظومات الأسلحة النوعية التي يملكها وسيطرته العالمية المادية والمعنوية ليس في مأمن من المفاجآت وأن الولايات المتحدة، بالرغم من قوتها الخارقة، لا تستطيع أن تضمن أمنها بالاعتماد على قواها الذاتية وحدها وإنما هي مضطرة أيضاً إلى التفاوض عليه مع قوى خارجية، وأنها لا تستطيع أخيراً أن تحقق أهدافها من دون تعاون الدول الأخرى والمنظومة الدولية.

لم يقلل هذا الحدث بالتأكيد من التفوق الاستراتيجي الذي تتمتع به الولايات المتحدة ولا أضعف من سطوتها، ولم يلغ موقعها الاستثنائي في تحديد أجندة السياسة العالمية. إن ما فعله هو أنه وضع نظام القطب الواحد في أزمة حقيقية في الوقت ذاته الذي أعلن فيه عن ولادته الرسمية وقدم له مبررات وجوده الفعلية.

ينجم عن هذا التطور وضع عالمي مُفارق. فالدولة العظمى التي تقود العالم بالفعل وتظهِر، كما لم يحصل من قبل، تفوقها الهائل على جميع الدول مجتمعة ومتفرقة تفتقر أكثر من أية دولة أخرى إلى مصادر شرعية لإرساء قيادتها وسيطرتها العالميتين. ولذلك فهي بقدر ما تؤكد سيطرتها العملية على الأرض من خلال نشر القوى وأخذ المبادرة هنا وهناك، في المسائل الكبيرة والصغيرة، بقدر ما تثير في وجهها من المقاومات والاحتجاجات والاعتراضات، بما في ذلك في دائرة تحالفاتها الاستراتيجية. وهكذا تتجه سياسات الولايات المتحدة شيئاً فشيئاً إلى الانزلاق نحو ديناميكية تصعيد دفاعية مكلفة. ففي مواجهة مقاومات تتصاعد من كل نوع وفي كل مكان من أجل وضع حد للسيطرة الأميركية، وتهديد الأسس المادية والمعنوية التي تقوم عليها تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى نشر المزيد من القوات للحفاظ على مواقعها المتزايدة الانتشار أيضاً.

وإذا أردنا أن نساير "فوكوياما" في أسلوب صياغته للمسألة العالمية سنقول إن ما ينفتح أمامنا اليوم ليس نهاية التاريخ وزوال الصراع التناقضي، ولكن انتقال الصراع إلى داخل الإمبراطورية ذاتها. فكما أن السياسات الأميركية ستتمحور منذ الآن على تأمين شروط إعادة إنتاج السيطرة وضمانها فإن كل الأطراف العالمية الأخرى من أمم وجماعات وثقافات مخضعة أو مقهورة لن يكون لها همٌّ سوى مواجهة السيطرة القائمة وتحديها ومحاولة الخلاص منها.

بيد أن القول إن أحداث سبتمبر، في الوقت نفسه الذي قدمت فيه للولايات المتحدة الفرصة التاريخية لتأكيد نظام القطبية الأحادية ورفعه للقمة، أطاحت بأسسه السياسية والمعنوية على المدى المتوسط والبعيد وفجرت أزمته العميقة الكامنة، لا يعني إطلاقاً أن هذا النظام زال أو هو في طريقه للزوال السريع أو التلقائي. إنه يعني أن هناك وضعاً جيوستراتيجياً جديداً، وأن هذا الوضع يفرض على جميع القوى الدولية إعادة نظر فعلية في سياساتها في سبيل ضمان الحد الأدنى من السيادة المحلية أو بالأحرى من حرية قرارها ومن الأمن الوطني والاستقرار والسلام الأهلي أيضاً الآن وفي المستقبل، وهذا يعني أن نمط السيطرة الدولية الراهنة لم يعد يطمئن أحداً في العالم. وهذا ما يدفع إلى نشوء اقتناع متزايد بأن ما ستواجهه المجتمعات في المستقبل هو أنواع جديدة من التهديدات مختلفة كثيراً عن تلك التي عرفتها الدول والجماعات في العقود الماضية وأن هذه التهديدات ليست مرتبطة بالدول بصورة مباشرة، بل لم تعد الدول هي المصدر الوحيد، بل ربما الرئيس لها، في المستقبل.

والمفارقة بالنسبة للإدارة الأميركية الجمهورية أنها في الوقت الذي تظهر فيه الأحداث بأن الولايات المتحدة ليست في مأمن من التهديدات الخارجية وأن ضمان أمنها يتطلب التعاون مع الدول الأخرى، تسعى إلى أن تفرض على العالم، كما لو كان ذلك على سبيل المغالبة التاريخية، أكثر من أية حقبة مضت، مفهوم القيادة الفردية ونظرية أسبقية الأمن القومي. وهي لا تلغي من أفقها أي مفهوم للأمن الجماعي فحسب ولكنها تعود بمفهوم الأمن هذا، أكثر من ذلك، إلى مضمونه العسكري المحض. وهو ما يشكل تراجعاً كبيراً عن التطور الكبير الذي شهده حقل العلاقات الدولية المعاصر في العقود الماضية الذي بدأ يركز على مفهوم الأمن العالمي المشترك ومن منظور "ميتا عسكري". إن الولايات المتحدة تنزع إلى السلوك كما لو كانت قادرة وحدها على قيادة العالم وترتيب الأوضاع الدولية جميعاً في الوقت نفسه الذي تؤكد الوقائع فيه أنه لم يعد من الممكن، انطلاقاً من المعطيات "الجيوستراتيجية" والتقنية الجديدة، لأية دولة، حتى لو كانت بوزن الولايات المتحدة، أن تتصرف كما لو كانت صاحبة سيادة مطلقة لا يطالها أي تهديد. والحال لم يعد هناك اليوم بعد 11 سبتمبر، وهذا هو المغزى الحقيقي لهذا الحدث الكبير، أي دولة تستطيع أن تتابع أهدافها في العالم لوحدها بحرية مطلقة ومن دون خوف، وأن تفرض إرادتها التي تضمن لها أقصى المصالح من دون أن تخشى أي عقاب، بل أي رد. إن التعاون والشراكة أصبحا مفتاحين لا بديل عنهما لأية استراتيجية قومية ناجعة، سواء أكان ذلك في ميدان التنمية الاقتصادية والاجتماعية أم في ميدان السياسات الأمنية.

والخلاصة، أن أحداث سبتمبر لم تبدع وضعاً عالمياً جديداً ولكنها سارت بنظام القطبية الأحادية الذي ولد من حرب الخليج الثانية 1991 نحو تحقيق نموذجه المتكامل والناجز، وفتحت في الوقت نفسه وللسبب ذاته أزمة هذا النظام وأبرزت كما لم يكن من الممكن من قبل هشاشته، أي تناقض الأسس التي تقوم عليها السيطرة الأميركية الأحادية المطلقة وعدم اتساق النظام العالمي الذي تقود إليه. فلم تكن ولن تكون العلاقات الدولية أكثر قلقاً واضطراباً وأكثر تقلباً وسيولة ومفاجآت في أية حقبة مما ستكون عليه في الحقبة التي نعيش.

وإذا كان الأثر الأول لحدث سبتمبر، أي تسريع سيرورة السيطرة الأميركية العالمية، بارز اليوم في سياسات الولايات المتحدة الراهنة وربما القصيرة المدى، فإن الأثر الثاني السلبي لهذا الهجوم سوف يتجلى أكثر فأكثر في المدى المتوسط والطويل. ومن هنا لا ينبغي أن تخدعنا تكتيكات الإدارة الأميركية الهجومية الراهنة. فهي تخفي في الواقع عوامل الضعف الهيكلي الأميركي النسبي المتزايد وتطمس حقيقة الاستراتيجية الدفاعية التي تضطر واشنطن إلى اللجوء إليها في إطار التغطية على الانخداش الخطير في صدقيتها الاستراتيجية.